الفصل الرابع والخمسون

الفصل الرابع والخمسون

15 0

الاندفاع لا يعني تهوّرًا في معظم الأحيان، فربّما تكون شجاعة اكتسبها المرء في أشدِّ لحظات الخوف. العقل وكافةُ الجوارح أكّدوا لشيخ البلدة أنّ رمزي لا مَآبَ له خشيةً على روحه من المجازاة التي في انتظاره، فلم يصدق عينيه وهو يراه ثابتًا حياله، شامخَ الرأس والجسد، عيناهُ ثابتتان وكأنها لا ترى في البهوِ الرحيبِ سواه.

كيف عاد بعدما طبعَ الخزي على صورته الجليلة؟ أيُّ بسالة تسلّح بها بعد الفرار ليعود بعد ليلتين من الحدثِ الأعظم؟ أو لربّما لا يخشى الشيخ ضرغام من الأساس، والمنطقُ واضحٌ؛ فإن كان يهيب مقامه لم يهرب يومًا تاركًا الفضيحة تنهشُه نهشًا بلا رحمة.

وقف الشيخ "ضرغام" أمام رمزي بمعالم وجهٍ مشدوهة، متوعِّدًا له بألا يتركَه وشأنَه، وسيلقي عليه جزاءَه الأعظم حينما يجربُ معه كل سُبل الانتقام ويُخرج عليه اضطراب الساديةِ الذي يجعله في ذروةِ الاستمتاعِ بعذابِ الآخَرين. فوقف متحدّيًا إيّاه بغضب متأجج، قائلًا بصياحٍ عالٍ:

_بلعت لسانك وإلا إيش؟ اسمع يا ولد! آني ما أبغى أسمع منك ولا كلمة، خلك ساكت، اللي مثلك بيرچع وعينه مكسورة وما له حچة يحكيها بعد السواية السودة اللي سواها!

ثم تقدم بخطواتٍ دانية منه، تشتدُّ حماوتُها في كل خطوة، ورفع سبابته بوعيدٍ لافح، مسترسلًا:

_آني خلاص شريتك، وذا مو الشراء اللي يخليك عندي غالي زي أول، مقامك غير عن كل رچالة الغفر، لا لا! شراء السيد لعبده، وآني من اليوم بحسبك عبد ذليل عندي، وبوريك قديش غضب العمدة ضرغام بيطلع على أمثالك!

استدار الشيخ "ضرغام" حوله وكأنّه ينفث اللهيب من أعماقه في الأجواء، وأردف بصراخٍ مجلجلٍ أركان السرية بفزع، وكأنّه يُخاطب جدرانها:

_ما يتعمل كذا بالعمدة ضرغام! آني بخلي رمزي الطوخي عبرة لكل مثيله، المثل يقول: اضرب المربوط يخاف السايب، من هالليلة يا رمزي يا طوخي، بطلعلك النچوم بعز الضهر، اتكلمت وايد، وهالليلة بنفّذ، وبوريك وش العمدة الحقيقي!

للمرّة الثانية استدار شيخُ البلدة بوجهه باتّجاه بوابة المنزل، وخرج صوتُه مدويًا وهو ينادي رجال الغفر بأعلى صوت، متابعًا بصرخاتٍ مزقت جِمامهم:

_تعالوا يا رچالة هسع! تعالوا، أبيكم هالحين!

اندفع الرجال من خارج المبنى دخولًا إلى سريّةِ العمدة على عجل بوجوهٍ مشدوهة، حتى وقف ثلاثة حراس قُبالته، متأهبين لتنفيذ أوامره، إذ بذخ الأخيرُ رأسه بجبروتٍ، وقال بحدة حازمةٍ لا تقطعها التوسلات:

_رمزي الطوخي اللي فر من عرسه عبنتي دليلة، رمزي اللي خلى راسي في الأرض قدّام الكل، اليوم برچع حقي منه، أقدموه عقابه عإيديكم، وما أقبل من حد يرحمه!

تساءل الغفير عن رغبته في طريقة تنفيذِ العقاب، فضمَّ كفَّيه على بعضهما بإصغاء، وقال باستعدادٍ:

_اللي تؤمرنا بيه يا عمدة، حنا تحت أمرك.

زفر الشيخ "ضرغام" باحتدامٍ غلَّف كلماته المُتأججة، وأمرهم أمرًا لا رجعة فيه، قائلًا بطغيانٍ شنيع:

_خذوا هالحيوان ورموه في أزبل زنزانة تحت، وطلعوا أبوه وولاد خاله وخذوهم عليّ الثلاثة! وبعد، ارچعوله بسلك كهربا يخنق دمه، بس ما أبيه يموت، أصل لو مات بيرتاح وآني ما أبيه يرتاح! بعدين ودّوه عحچرة الديابة وخلوه وياهم ساعة ولا شي، ونصيبه يا ياكلوه يا ينكتب له عمر چديد! ولو انكتبله عمر چديد، ما يفلت من اللي للحين مستنيه!

أحنى الرجال رؤوسهم إلى أسفل بتأهّب لتنفيذ ما كلّفهم به العمدة، فقال أحدُهم بطاعةٍ عمياء:

_حاضر يا شيخ ضرغام، بنسوي كل شي قلتهولنا حرف بحرف.

جلس العمدةُ "ضرغام" على مقعده المميز وجسده يقطر تغطرسًا ملحوظًا، فيما تحالف رجال الغفر على رمزي وتحركوا به عبر إحدى بوابات السرية. لكن الغريب أن رمزي كان صامتًا بلا أي رد فعل، حتى إنّه لم يقاوِم كأي شخص طبيعي يخشى أن تنفذ الكلمات فيخسر حياته بين شِراك الحكم الظالم.

لم تمضِ خمس دقائق حتى خرج الغفر بمصعب وأبناء خال رمزي، فوقف الجميع حيال العمدة، ذاك الذي رفع ساقًا فوق الأخرى بسخط، متعمدًا ترسيخ قوانينه في أنفسهم، فقال بتحذيرٍ صارم لمهاوش وعواد:

_آني طلعتكم مثل ما وعدتكم، أول ما يطلع رمزي ما لكم قعاد هني ثانية، ورحمة زوچتي وبنتي اللي ما أدري عايشين ولا لا، بخلي الچاي كله سواد عرمزي! من هالليلة بقطعه تقطيع وما برحمه عاللي سواه فيّ، يا يعيش يا يموت، هو ونصيبه....

وتابع لمصعب بأعينٍ شعت سهام الغضب، جازًّا على أنيابه ببغضاءٍ رهيبة:

_إنما إنت يا أبو العريس الهربان، ما طلعتك عشان سواد عيونك! لا لا! يكفيني إن رمزي ولدك، وتربيتك السودة، آني طلعتك عشان أديك فرصة چديدة: إن ما رچعتلي مرّتي وبنتي في مقام أسبوع، انسى رمزي ولدك للأبد، ولو ودك تاخذ عزاه من هسع، آني حاضر أنصبلك الصوان عحسابي.

ثم رمقَ الجميع بنفس حدة النظرات والكلمات، ووجّه إليهم الكلام بدفعةٍ جماعية، مُوضحًا لهم شروطه الباترة لدسائسهم، متابعًا:

_هالكلام لكل رچال، ما أبي أشوف ظل واحد فيكم هني مرة ثانية، اللي بلقاه في الحي، بسوي فيه مثل اللي صاير لرمزي هسع، وما أبي أسمع منكم ولا كلمة واحدة! سكوتكم أعتبره علامة الرضا، آني ما آخذ برأيكم، هذا أمر قاطع! وأي واحد من عيلتكم بلاقيه هني، يعرف إنه هيزعل مني واجد، خلّص الكلام!

ثم أشار بيديهِ للغفر بأن يخرجوا بهم من السريّةِ ويتركوا سراحهم، وبالفعل انطلق الجميع إلى الخارج، فكان الأخوان عاصم وفهيم برفقة ناجي في انتظار مهاوش وعوّاد. وبمجرّد أن خرجا، انقض كبار العائلة نحوهم وضموهم إلى صدورِهم بصيحات الحبور، إذ انفجر صوت "عاصم" وهو يضم ولديه إليه، ويقول بدموعِ الفرح:

_ولادي، مهاوش وعوّاد! اللهم لك الحمد والشكر... الحمد لله إنكم طلعتوا من سچن العمدة، والله مآني مصدق!

ثم ركع على الأرض مسرعًا، يُثني الرحمن على عودة الدماء إلى شرايينها، مرددًا بفيضٍ من الدموع:

_اللهم لك الحمد والشكر، أشكرك يا رب، أشكرك.

وبينما يُعانق فهيم وناجي الأخوَينِ –مهاوش وعوّاد– قال "فهيم" بجذلٍ لرؤيتهما سالمين بلا ذرّة تراب خدشت أجسادهم:

_ألف حمد الله عسلامتكم يا مهاوش إنت وعوّاد، ربي يحبنا، علشان كذا رچعكم لنا سالمين.

ردّ "مهاوش" بإنهاك جسديّ واضح، وساقاهُ لا تقويان على الوقوف طويلًا:

_الله يسلمك يا عمي فهيم.

استقام "عاصم" بغضبٍ منصبٍّ من فمه، مُعلنًا انقطاع صلته برمزي إلى أجلٍ غير مسمى، بعدما أَلم بأبنائه من كوارث لم يكن لهما يدٌ فيها، فقال:

_رمزي هذا خلاص! إياكم أسمع واحد فيكم يچيب سيرته بعد اليوم! آني مشيت على وصية فطيمة أختي، الله يرحمها ويسامحها لين آخر فرصة، بس يوم وصل الأذى لعيالي؟ خلاص! كفانا بلاوي! عيالي كانوا بيضيعوا مني يا فهيم بسبة رمزي! وهي كذا، اللي تتزوچ واحد مايل، لا بد تخلف منه الأميل، والمثل يقول: من چاور الحداد، اتكوى بناره... وسلام عاللي يفهم زين.

جذب عاصم أبناءه الذكور وفرّ بهم سريعًا عائدين إلى الدار، تاركًا فهيم و"ناجي" يرمقان بعضهما بحزنٍ. لكن الغريب في الأمر أن مصعب كأنّه بخارٌ قد تلاشى في الهواء في لحظات قليلة، لا أثر له في المكان تمامًا، ما جعل ناجي يرفع كفَّه الأيمن على صدره وشعورٌ من الخوف يتسلّل إليه، ليقول بحدس عالٍ:

_ما أدري يا أبوي، بس حاسس في شي غريب صاير هني في المكان، صح إني خايف على رمزي وايد، بس خلينا نمشي حنا كمان أحسن.

بسط "فهيم" ذراعَه على كتفِ ناجي، وقال متأهبًا للاعترابِ معه إلى موطنهم الآمن:

_يلا بينا يا ناچي، ربك يحلها بعدين.

انفلتت الأيادي عن مساعدةِ رمزي، وفي المقدّمة الخالُ عاصم حينما رفض أن يتدخّل لرمزي في شؤونه، متخليًا عن وصية أخته فطيمة قبل مماتها، حينما أوصته على ابنها الوحيد، وكأنّها تترك لهم مستقبلًا رُدِمَ بين التراب لتطمئن عليه، وإن كان العالمُ يخلو من وجودِها بين الأحياء. كلٌّ عاد إلى موطنه تاركين رمزي في مِحنته الشديدة التي جعلته مُكبلًا بالسلاسل في حجرةٍ ضيّقة، أرضُها متسخة وكأنها شهدت أهوالًا من الجحيم لأعوامٍ مديدة، جدرانها محطمة، وضحايا ضرغام دوّنوا عليها معاناتَهم داخل زواياها، كل شيءٍ هنا يوحي بالظلم والطغيان المستديم.

كلّما حاول رجال الغفرِ أن يُلقوا بانتقامِهم على رمزي، وبين أيديهم أسلاكٌ عارية متوهّجة بالكهرباء المميتة، في انتظار أن تصعق جسده، كان العجيب أن الأسلاك بدت مُلتفةً حول بعضها، فصعقت جميع رجال الغفرِ بالتواءٍ كالثعبان الخبيث الذي اقتصّ من الجميع عدا رمزي. بدا الحُرّاس كالفئران الفارّة بجنونٍ في المكان، يصيحون باستغاثاتٍ عالية حتى خرجوا جميعًا وفرّوا مسرعين إلى الأعلى، وأحدهم رافعًا ذراعه إلى أعلى، وجسده يتطاير بفزعٍ بين طُرقات الزنزانةِ المهترئة بعلامات الزمان، قائلًا:

_يا شيخ البلد! انچدنا يا عمدة من اللي صاير لنا مع رمزي!

نهض الشيخُ ضرغام من مكانه، فوجد الثلاثة رجالٍ على رأسه يصيحون كالنساء في جنازةٍ قائظة باللّطم، ليجد أحدهم يرتجف خوفًا، وكأنّ أعضاءه تستغيثُ قبل لسانه، قائلًا وهو يبتلعُ ريقه برعب:

_يا عمدة! الأسلاك كلها لفت حوالينا وصعقتنا حنا الثلاثة، وهو ظل سالم مثل ما هو، ما چاه شي ولا حصله أي ضرر.

نطق ثالثُهم بنفسِ الخوف، وكأن لسانهُ قد رُبط عن الحديث:

_رمزي شكله منهم يا عمدة البلد، رمزي شكله مخاوي چن! اللهم احفظنا يا رب، حتى سعادتك، من وقت دخلناله وحنا ما شفناله ظل، ولا سمعنا لسانه ينطق بنص كلمة... إذا كذا يصير لنا بالنهار، أچل بالليل وش بيصير؟!

ثم فتح ذراعيه وساقيه على مِصراعيهما، واسترسل بصراخٍ مدوٍّ:

_بيفلتهم علينا مثل الكلاب المسعورة، ولا بيسخطنا قرود قدام عيون الناس يا عمدة البلد؟!

لم يتأثَّر الشيخ "ضرغام" بما سمعه، فجلس في موضعه بلا مبالاة، وكأنَّه يستمع إلى حكاياتِ المقهى في المساء، فلا تقشعرُّ له بدنًا، ولا توهّج الخوفُ في عينيه، فأظهر شجاعته وهو يقول بصوتٍ صاخب:

_الكلام هذا لما يطلع من عندكم يبقى إنتوا رچالة أي كلام، الرچال الحقيقي ما يهاب شي، أعصابه حديد، ولا شعرة تنحرك منه! وكل اللي تقولوه ذا كلام فاضي، اللي ما يشوف شغله زين ما له مكان عندي! الرچالة على قفا من يشيل، واللي يتمنى الشغل معاي مو واحد ولا اثنين، دول وايد! وبس ساعتها اللي يمشي من هني ما له رچوع ثاني، وداره بيتخرب وما بيلاقي يأكل أهل داره، وآني عشان خايف عليكم، أنصَحكم وأقولكم: كلوا عيش وعدوا!

تلفَّظ أحدُهم والخوف يَسري في عروقه:

_يا عمدة، نقولك شكله مخاوي.....

بَتَرَ الشيخ "ضرغام" حديثه في الحال، وخاطبه بلهجةٍ عنيفة، مُظهرًا افتقاره للمشاعر الإنسانيّة، قائلًا:

_خلص الكلام! لا تعيد ولا تزيد، وكل واحد يشوف شغله، وإن ما صار في رمزي اللي آني أبغاه، وقتها الباب يفوت ألف چمل.

أقوس رجالُ الغفر رؤوسهم إلى أسفل بخضوع، وقال أحدهم بلهجةٍ مُستجيبة:

_ولا واحد يچرؤ يكسرلك طلب يا عمدة، اللي تأمر فيه ننفذه بالحرف، من غير ما يطلع منا نفس.

أشار الشيخُ ضرغام بيده نحو الباب، وكأنَّه يطردهم بلغته الصامتة، فلم يتريَّثِ الرجال ثوان حتى خرجوا أجمعين، مُنحنِي الرؤوس، إلى أن اختفت ظلالُهم عن ناظريه. فبقي الأخير جالسًا في موضعه يُعيد النظر في أمر رمزي، متذكرًا شكاوى حراسه من أمورٍ مُبهمة دارت في سرّيته، ونقشت الذُّعر على جدرانها، فلا ألوانَ في هذا الدّار المطلي بعتمةِ المجهول.

طوالَ الليل، چيهان تتقلَّب على جانبيها بجوار أختها على السرير، فلا تستطعُ النومَ، كأنَّ جفنيها امتنعا عن تذوّق النوم طالما رمزي في خطرٍ، فجلست بقلقٍ وأنفاسُها تعلو في صدرها، وإلى جوارها ريم التي استيقظت من كابوسٍ مُفزعٍ، لكن ما أفزعها أكثر حالةُ أختها، وهي ترى الدموعَ قد لَصِقَت على وجنتيها كأنها غِراء لا يتركها وشأنها.

نظرت إليها بدهشةٍ وعيناها تتساءلان عن الكثيرِ قبل لسانها، وبين الظلام كانت الساعةُ تُشير إلى الخامسة صباحًا بعد أذان الفجر، وقد باتت الشمسُ على مَشارفها.

رَبَّتَت "ريم" على كتفي چيهان، وعيناها شبهُ مُغلقتين، ونطقت باستفسارٍ، متسائلة عن حالتها، قائلةً بصوتٍ خافت لا يسمعه سواهما:

_مالك صاحية ليه دلوقتي؟!

رفعت "چيهان" يدَها إلى صدرها بتأنيبِ ضمير، وأجابتها بخفوتٍ دون أن تنظر إلى وجهها، والدموعُ ما زالت تنهمر من عينيها:

_مش مرتاحة يا ريم، ندمانة إني وافقت بابا وروحت أعمل محضر في رمزي، المفروض مكنتش روحت، واللي زعلني من نفسي أكتر إني كدبت وأنا عمري ما سمحت لنفسي أكدب....

ثم نظرت إليها بنحيبٍ حارّ، لا يلحظه سواهما بين همساتِ الليلِ الشاجنة، وأردفت:

_أنا هروح ألغي المحضر من ورا بابا، مش هرتاح لو رمزي اتسجن بسببي، الموضوع كده هيكبر أكتر من الأول.

رمقتها "ريم" بدهشة، وآثارُ النومِ لم تخفَ عن عينيها بعد، وسألتها بغرابةٍ:

_هو إنتي خايفة منه؟

بكت "چيهان"، فانحدرت الدموع على ثيابها بغزارة، وهي تقولُ بقهرٍ:

_أنا خايفة عليه! أنا تعبانة أوي ومخنوقة من ساعة ما رجعت، كنت فاكرة إني لما هرجع وسطكم هبقى كويسة وفرحانة، أنا أه فرحانة بس فرحتي مش كاملة....

توغَّلت أصابعها بين شعراتِها الملساء، وعبثت بوجهها، مسترسلة بقلبٍ اعتصرَته آلامُ الهوى:

_أنا متخيلتش إني حبيته بجد، أنا ذات نفسي مش عارفة ليه، بس غصب عني حبيته واتعلقت بيه ولقيتني متطمنة في وجوده....

ثم تنهّدت بعمقٍ، وتابعت باستياء عارم:

_أنا لما كنت معاه كنت متطمنة أكتر بكتير من دلوقتي، حسيت إنه سند ليا وهو بيحميني من أذى الناس، حتى وهو بيتصدى ليا كلام قرايبه، أنا في مشاعر كتير حسيتها معاه عمري ما هحسها مع غيره!

ردَّت "ريم" بابتسامة حُزن، وقرَّرت أن تستغل مكانتها كأختٍ كبرى، تتخذُ منزلة الواعظة، فقابلتها بنُصحٍ صافٍ، وهي تقول بتحذيرٍ:

_چيهان بلاش تتصرفي أي تصرف غلط تندمي عليه بعدين! أوعي تروحي تلغي المحضر من ورا بابا لأنه؛ هيعرف وهيخرب الدنيا، ووقتها إنتي كده هتكوني بتثبتيله إن الكلام اللي وصله عنك كان صح....

ثم مرَّرت كفها بلطفٍ على كتفها، وأردفت بحنان غمر حواسها:

_عارفة إن الحُب مؤذي، أنا أكتر واحدة حاسة بيكي، واللي يوجع إنك لما يبقى نفسك في حاجة أوي أوي وبتحلمي بيها كأقل حق من حقوقك في الحياة، تلاقيها في إيد غيرك فجأة، كأن الناس بتحقق اللي إنتي مش عارفة تحققي ربعه، مش حقد والله....

انهمرت الدموعُ من عيني "ريم" هي الأخرى، فارتجف فؤادُها قهرًا، متذكِّرة عمرو في كل وقت وحين، ذاك الذي غادرها فجأةً دون رأفةٍ بقلبها الغارقِ في غرامه، فتابعت برجفة صوتٍ:

_أنا مش بتمنى لحد حاجة وحشة، بتمنى إن ربنا يديهم ويديني، مش ياخد منهم ويديني أنا، دي مش أنانية مني، ده حقي! أنا راضية والله ونفسي ربنا يعوض عليا باللي يستاهلني، بس الدنيا مش سايباني في حالي يا چيهان، الدنيا ضد فرحتي في كل حاجة، كل حاجة والله.

عانقت "چيهان" أختها كمثالٍ حيٍّ للعلاقة الأخوية الوطيدة، فمسحت بأناملها الرقيقة على رأسها بتعاطف، وقالت بمُواساةٍ كلحنٍ يُهدئ من اضطراب روحها في لحظاتها العصيبة:

_صدقيني ربنا كاتبلك الأحسن بكتير من محمد، إنتي كنتي دايمًا بتشتكي منه إنه دايمًا شايف نفسه عليكي وأسلوبه معاكي مش كويس، بكرا ربنا يبعتلك اللي يشيلك فوق دماغه ويعاملك المعاملة اللي تستحقيها.

اتَّسع بؤبؤا "ريم" في دهشةٍ، إذ چيهان تعتقد أنّها تتحدّث عن خطيبِها الأسبق، عن عمرو. لم تكن تدري النقلةَ الكبيرة في حياتها العاطفيّة أثناء حقبة اختفائِها، فاعتدلت في جلستِها وقالت بتصحيح:

_محمد إيه يا چيهان؟ محمد صفحة واتقفلت من زمان، أنا بتكلم عن عمرو.

وقعت صدمةٌ كبيرة على "چيهان"، فخاطبتها الأخيرة بذات الذهول، مُتسائلةً عن صلة عمرو بحياتِها، فقالت بفضولٍ شديد طفح على ملامحِها:

_عمرو مين؟!

حينما غابت چيهان عن عالمهم، فاتَها المزيدُ من الأحداث الهامّة في دائرة العائلة، فاضطرّت ريم أن تروي لها ما وقع عليها من فراقٍ أليم مزّق قلبها وحطم حياتها إلى آخر ذرة فيها.

شرحت مدى الألمِ النفسي الذي تعيشه حتى هذه اللحظة منذ غيابِ عمرو عنها، موضحةً أنها مهما حاولت التناسي، دائمًا ما يغزو عقلها بذكرياتهما سويًّا، ولربّما في مثل هذه الأوقات لكانت عروسًا تستعد للانتقال إلى عُش الزوجية مع زوجها وسط احتفالات الأقارب وتهانيهم، لكنّ القدر نزع منها فرحتها، ولا أحد يعلم الغيبَ سوى الله، فربما نهايةٌ موجعة تبدأ بقصة أعظم مع مَن يستحقها.

تأثّرت چيهان لحكاياتِ أختها، فاندمجت دموعهما ببعضها في حالةٍ من النحيب المحزن؛ تلك تبكي تارةً وتشرح شوقها العارم لخطيبها السابق، والأخرى تنتحب بمرارةٍ لخوفها من الحبّ الأعظم الذي لن يتكرّر. فلن تجد چيهان ما يمحو الرهَبات من روحها سوى رمزي، ذاك الذي كان فارسًا لها وهي أميرته المُدلّلة. لكن وسطَ ظروف المجتمع التي تعمدت تفريقَهما، أحسّت بعلة الفراق تُلاحقها.

ظلّت الساعاتُ تتسرّب حتى انقشعت أشعّةُ الشمس للحياة، مُعلنة استفاقتها ليوم جديد، وكالعادة الطيور بعضها يُغرّد على الأغصان بسرور، والآخرون يُحلّقون بأجنحتِهم الواسعة في سماء الانعتاق، والبشرُ الذين بدأوا يذهبون إلى أعمالهم، بما فيهم شوقي المنطلق إلى عمله بروحٍ منهكة بفعلِ المسؤوليات الثقيلة على عاتقه بصفته ربَّ الأسرة.

حينها ألحّت چيهان على ريم أن تتّخذَها خليلةً في مهمّتها السريعة إلى قسم الشرطة، لكن ريم اعترضت وأكّدت لها أن شوقي لن يصمت أمام هذا التحدّي، وسيعتبره تأكيدًا للأخبارِ الزائفة التي وصلته في حق چيهان. تلك التي أصرت باستماتةٍ أن تنصرم إلى هناك بأيّ طريقة، المهم أن تتخلص من ذنب يقتلها في كلّ ثانيةٍ تمر عليها، خشيةَ أن تتسبّب لرمزي في ضررٍ يبلغُ مَداه ويزيدُ شروخ الحب فيما بينهما بدلًا من أن يُرمّم.

حينما وجدت ريم أنّ لا فائدة من إقناعها، قررت أن ترتديَ ثيابها وتنطلقَ معها سريعًا إلى قسم الشرطة.

هناك، وقفت چيهان إلى جوار "ريم" إزاء المبنى، تريان العساكرَ يقفان بأسلحتهم على البوّابة. رمقت چيهان السماء، وكأنّ عينيها تستغيثان بالرّحمن طالبةً المعونة منه، فلا تدري إن كان قرارُها صوابًا أم خطأ. لكن في ختامِ الأمر تماسكت، ودلفت مع أختها إلى الداخل، والأخيرة تُحذّرها بينما تسيران داخل الطُّرقاتِ الممتدة:

_يا چيهان فكري تاني كويس! والله العظيم بابا ما هيسكت لو عرف إنك جيتي ولغيتي المحضر، ده هيقلب الدنيا فوق دماغك ودماغنا كلنا!

ردّت "چيهان" بقرارٍ نهائي لا مآب عنه، مؤكدة أنّها لن تترك رمزي ضحيّة لوالدها، كما كان ضحيّة لوالده دميم الطباع:

_يحصل اللي يحصل، أنا خلاص مبقاش فارقلي حاجة، وبعدين أنا هلغي محضر رمزي بس، إنما أبوه لازم ياخد عقابه على كل اللي عمله فيا.

زفرت "ريم" بغضبٍ وهما تتحرّكان إلى جوارِ المحامين باتجاه مكتب النوبتجيّة بثبات، فشبكت ذراعيها في بعضِهما بعدم اقتناع، وقالت:

_براحتك بقى، إنتي مبتسمعيش الكلام.

بقيت "چيهان" ثابتةً على موقفِها حتى خطَت داخل المكتب. هناك كان أمينُ الشرطة جالسًا على كرسيه، يدون المحاضر لناسٍ أُخَر. وكان ثلاثة شبابٍ من بينهم مُصابًا بجرح سكين في الرأس، باسطًا كفه على ضمادة رأسه، يبدو متألمًا بعد عراكٍ عنيف بين معدومي الأخلاق.

وقفت الأختان جانبًا بقلقٍ كأنهما لُصِقا في بعضهما بالغراء، حتى غادر الشباب. عندها وقفت چيهان بخوف وتردد يعتريانها، وقالت:

_لو سمحت، كنت عايزة أتنازل عن محضر لواحد اسمه رمزي الطوخي.

على جهةٍ أخرى، حيث تتلاعب الأدوار وكأنهم في مسرحيّة هزلية، لم يكتفِ مصعب بكل الكوارث التي صنعها في حقّ چيهان ورمزي. بدا متلذّذًا بعذابهما، وهو يستعينُ بأقرب الأقربين لچيهان، آمرًا إياها بأن تُرسل لشوقي مقطع الفيديو الذي كان سببًا رئيسيًا في فسخ عقد قِران ريم قبل إتمامه؛ المشهد الذي جمع بين رمزي وچيهان ليلةَ الشواء، وهما يتحدّثان بنبراتٍ مُغرمة، والأبخرة تتصاعد حولهما.

بمجرّد أن جلس شوقي على مكتبه، بدأ "منعم" ينظف الكراسي على السريع بقماشةٍ متينة، فتخرج الأتربة المستترة في زواياها الضيّقة، وهو يقول بصوتٍ عال:

_يسعد صباحك يا عم شوقي.

ردّ "شوقي" ردًّا غير مُبال، وهو يفتتح أدراج مكتبه ويستخرج منها دفاتره استعدادًا ليوم مهني شاق:

_الله يخليك يا منعم، أخرج هاتلي فطار وشاي وتعالى متتأخرش!

ابتسم "منعم" ابتسامةً عريضة، وأشار على كلّ عين تارةً، مجيبًا بطاعة:

_من العين دي قبل العين دي، مسافة الطريق ويكون عندك أحلى فطار وأحلى كوباية شاي.

خرج منعم من الحجرة، تاركًا شوقي منشغلًا في أعماله، وأبواقُ سيارات النقل في الخارج تغزو أذنيه، محملةً بالصخور والحجارة التي تحتاج إلى تفتيت على أجهزتهم المميّزة في المحجر. فارتدى شوقي نظّارته الطبية لتضح له الرؤية، وفي قبضته فاتورة مبيعات الأمس. لكن فجأةً، رنّت له نغمة الرسائل، فامتدت يده نحو هاتفه معتقدًا أنّها رسالة خاصة بالعمل كالعادة، لكن إذ برسالةٍ من مجهول أرفق له فيديو چيهان ورمزي وهما يضحكان على رمال الصحراء، وكتب له بنيةٍ طالحة لزرع الفتن العائلية:

_الآنسة چيهان اللي كانت مخطوفة، أول مرة في حياتي أشوف واحدة مخطوفة، قاعدة بتضحك مع اللي خاطفها، وما خفيّ كان أعظم.

تصبّبت نيرانُ السخط من شوقي صبًّا، مدققًا النظر في الفتاة حتى تأكّد كونها ابنته چيهان. سرعان ما تحرّكت أصابعه ليتّصل بالرقم، لكنه وجده مغلقًا، حتى أنّه حظره عن مراسلته.

وفي نفس اللحظة المشحونة بالغضب، رفع "شوقي" هاتفه نحوه وأجرى اتصالًا عاجلًا بأسماء، فبعدما استجابت له، عصفت بها عواصفُه النارية، منفجرًا في وجهها كالقنبلة الموقوتة، وهو يقول بغلظة صوتٍ:

_هي دي بنتك العفيفة يا أسماء؟ بقى أنا كل من هب ودب يشتغلني عشان يخفي الحقيقة؟

صرخت "أسماء" هي الأخرى، متساءلة بنبرةٍ مرتجفة على وقعِ الخوف، قائلةً بتعجّب لما تصغاه من شفتيه:

_حقيقة إيه يا شوقي؟ في إيه مالك؟

أجابها "شوقي" بصيحاتٍ مدوية بثّت الرعب في مهجتها الساكنة، ليقول بكلماته المتوعدة:

_بنتك الفاجـ*ة اللي بتقولوا كانت مخطوفة، بنتك يا هانم الآنسة چيهان المتدينة اللي بتخاف ربنا، واصلي فيديو للأستاذة المُحترمة وهي قاعدالي مع واحد معرفش ملته إيه، بيحكوا ويتحاكوا ولا كأن أبوها وأمها قلبهم متقطع عليها....

ثم نهض من على مقعده، واستدار حوله بصياحٍ، وتابع بحزم:

_بنتك لو مكنتش جابتلنا العار فهتجيبهولنا قريب، بنتك لازم تتجوز وتتستر وتبقى في حمى راجل، أقسم بالله العظيم لأول عريس يجيلها لأوافق عليه وأنا بنفسي اللي هطلب منه نعجل الفرح في أقرب وقت، ما هو شوقي خلاص مبقاش وراه غير ست چيهان اللي دايرة على حل شعرها.

دلف عصام في هذه الأثناء إلى حجرةِ المكتب، وصكّ الباب وراءه كمن ينهي فصلًا من الفضائح قبالة الأغراب، ووقف إلى جوار شوقي الذي عَجَّ في زوجته بلا رحمة، بينما "أسماء" تنتحب بدهشةٍ، محاولة أن تفهم سبب المشكلة ذاته، فقالت باستنكارٍ لما حدث:

_بنتك مظلومة! افهم بقى مظلومة! لحد امتى هتفضح فيها قبل الناس الغريبة؟ إذا كان أبوها بيعمل كده أمال الأغراب يعملوا إيه؟

جذب "عصام" الهاتف من قبضة أخيه ليحلَّ محله في حواره مع أسماء، فتدخّل جاهدًا لحل النزاع، إذ خاطبها بأسلوبٍ هادئ، فقال:

_طيب يا أم يوسف، احنا مسافة الطريق وجايين، لينا بيت عيلة نتكلم فيه، الكلام في التليفون مش هينفع، مع السلامة دلوقتي.

ترك "عصام" الهاتف جانبًا دون أن يمنح أسماء حقّ الرد، إذ وقف على سيف شوقي وكأنّ قرونه الشيطانية كادت أن تنبت من رأسه. فبدلًا من أن يضع حلًّا للمشكلة من جذورها، همس بدهاءٍ:

_چيهان لازم نسترها يا شوقي في بيت عدلها، وبعدين اللي في سنها متجوزين ومخلفين، بلا تعليم بلا كلام فارغ، ما عندك أهو بنتي هناء معاها بكالوريوس تربوي، كانت خدت منه إيه؟ أهي ليل نهار مسحولة في شغل البيت والجري ورا العيال الصغيرة، ما نابنا غير دم قلبنا اللي كعيناه على مصاريف الجامعة....

صمت شوقي معيدًا الأفكارَ في ذهنه، فانتهز "عصام" الفرصة، وربّت على كتفه بمزاح، وتابع:

_وإن كان على العريس موجود، الواد أسامة ابن عمك بيدور على عروسة، طب والله وما ليك عليا حلفان كان لسه مكلمني من قيمة يومين على عروسة، قولتله سيبني أدورلك على رواقة ولو لقيت يا حظك يا هناك، وأهو العروسة جاهزة وموجودة والواد مننا وعلينا مش جاي من برا يعني، وإن كان على علامها فلو عايزة تكمل كليتها بعد الجواز يبقوا يحلوا الحوار ده مع بعض بالود، إنت بس اديني التمام وأنا هقوله على چيهان بطريقة لافة، ماحنا مش هندلل على بنتنا برضه.

نجح عصام في زرع أفكاره الشيطانية في رأس شوقي، الذي استسلم لها بكامل جوارحه، صاغيًا ومطيعًا له في سبيل أن يُحفظ مقام العائلة أمام الناس أجمعين. بدا الحوار متشابكًا فيما بينهما حتى استقرا على نفس الأمر: زواج چيهان من أسامة، ذاك الشاب الذي يبحث عن عروس تُواصل معه رحلة الحياة. فلم يخفِ العم عصام خبرًا، وكأنّه انتظر اللحظة طويلًا ليتصل عليه ويخبره أنّ العروس المناسبة له في الحفظ والصون، شارحًا له مميزاتها التي تجعلها وكأنها ملكة متوَّجة في عصر الجواري.

أما شوقي، فعاد إلى المنزل كالبالون المُنفجر من قشة، حيث تقابل مع چيهان وريم اللتين عادتا إلى الدار سريعًا بعدما حذرتهما والدتهما في مكالمة هاتفية، وشرحت لهما سوء الأوضاع، مُستدعية إياهما في أقرب لحظة ممكنة. فبعدما بدلتا ثياب الخروج إلى ملابس المنزل لينهيا أي تساؤلات قد تفد على ذهن شوقي، دلَف شوقي بخطى محمومة إلى الداخل، وكأن خطاه تهب منها أدخنة الغضب، بدا مُواجهًا لچيهان، مجلجلًا في وجهها وهو يواجهها بعلاقتها برمزي.

أنكرت چيهان كل شيء، مُؤكدة أنّ رمزي لم ترَ منه سوى كل خير، خاصةً حينما مهدَ لها طريق الهروب، مُضحيًا بأمانه من أجلها.

تحوّل الجدال المُحتدم بين هنا وهناك، وكلما تقارب شوقي من ابنته ليطأها بعنف، أصابه شلل مؤقت ردعه عن تنفيذ أي عقاب. وبمجرد أن يتباعد عنها يعود إلى طبيعته، كأنما هناك من يصدُه عنها في الخفاء. إذ خرج بصرخاتٍ مدوية حَطمت أمان أفراد الأسرة، وهو مُتوعد لچيهان أن يزوجها لأول شخص يتقدّم إليها بالزواج.

صرخت چيهان وبدأت تعول بحرارةٍ، وأختها تُواسيها في محنتها، في حين خرّجت أسماء وراء زوجها تُعيده إلى رشده بنصائحِها الذهبية لعله يَتراجع عن قراره.

في خلال يومين من المشاكل العظيمة في المنزل، حَضَر العريس برفقة أسرته، وكان منتظرًا العروس عند بابها. وقد جاءت اللحظة الحاسمة، الشاب المدعو "أسامة" ضحية جديدة من ضحايا رمزي بعد سليمان وصقر، اللذين تلقيا عقابًا أليمًا بمثابة صفعةٍ قوية أعتقت دماء وجوههم.

چيهان الخط الأحمر، الذي إن تعداه أحدهم بمُجرد القول، قد حدد مقبرته على خريطة مُجازاتِه.

كان شوقي سعيدًا بوفود العريس وأسرته المكوّنة من خمسة أفراد: الأب الخمسيني، والأم الأربعينية، وثلاثة ذكور، أكبرهم أسامة، الذي تخرّج من جامعة الملك سلمان منذ ثلاثة أعوام، متخصصًا في مجال هندسة الإلكترونيات والاتصالات.

وبينما كان العريس جالسًا في صالة منزل الجدة روحية بين الأهل والأحباب، والأصوات مُتعالية فيما بينهم بمرحٍ، كانت چيهان في الأعلى داخل حجرتها مع أختها، منتحبة بحرارةٍ فهي غير مُستوعبة ما يحدث حتى هذه اللحظة. فجأةً تلقت رسالة نصية من "رمزي"، يقول فيها وكأنما نيرانه المُتقدة اخترقت شاشتها في هذه اللحظة:

_ما بتركك لغيري!

دَخَلَت "أسماء" في هذه اللَّحظة إلى الحجرة بوجهٍ مُتجهمٍ، وتقدمت نحوها بضعةةسنتيمتراتٍ، وقالت لها:

_العريس تحت يا چيهان، يلا يا حبيبتي اتوكلي على الله وانزلي معانا، ولو معجبكيش أنا هجيب الرفض من عندي أنا ومش هقول لأبوكي إنك إنتي اللي مش موافقة.

صفعت "چيهان" سيقانها بقبضتيها الحادَّتين، ونوحت باعتراضٍ، كانت أشبه بمن يساق إلى السجن لا إلى الزواج، وقالت ببكاءٍ صاخب:

_مش عايزة يا ماما، مش عايزة! ارحموني بقى وسيبوني في حالي! هو الجواز بالعافية؟

زفرت "أسماء" بأنفاسٍ متعبة، وخرجت منها كلمات الحق، حينما ربتت على كتفها بحنانٍ، وأجابت:

_عارفة إن الجواز مش بالغصب، واحنا مش غاصبينك عليه، إنتي بس اقعدي معاه وبعد ما يمشوا هقول لأبوكي إني مش مرتاحة للجوازة دي وهطلعله بأي حجة، المهم بس انزلي معانا، متخليش الحرب تقوم وأنا والله ما ناقصة ولا حمل مشاكل.

نهضت "چيهان" موضعها فبدأت تصرخُ بقوةٍ، مُصرة ألا تخرج من غرفتها، معتبرةً خروجها من موطنها كذهابها إلى الهلاكِ بقدميها، رفعت ذراعيها لأعلى وضمت يديها على رأسها بعذابٍ، ونطقت بإعوال:

_ويفيد بإيه نزولي لما كده كده هيترفض؟ بقالي يومين بقولكم مش عايزة أتجوز حد أنا مش عايزاه، وإنتوا ولا هنا... ارحموني وسيبوني أعيش! أنا مأجرمتش ولا عملت أي حاجة غلط، هو ده كل ذنبي إني اتحطيت في ظروف خارجة عن إرادتي؟!

طوَّقت "ريم" أختها بذراعيها، جاهدةً أن تلطف ثورانها بطريقةٍ حنونة، فقدمت لها الدعم النفسي بحديثها:

_اهدي بس يا حبيبتي، لا إنتي موافقة ولا أنا موافقة على جوازك منه، كل شيء بالخناق إلا الجواز بالاتفاق، اهدي بس لو ليا غلاوة عندك.

استدارت "چيهان" حولها كالصريعة التي فقدت زمامَها، ظهرت مرددة كطفلةٍ في العاشرة من عمرها، بقولها المُتكرر:

_مش عايزاه! قولت مش عايزاه! يعني إيه الجنان ده؟ ده أنا مكملتش تلات أيام لسه راجعة من كارثة كنت هموت فيها، بدل ما تسيبوني أهدى من العذاب اللي شوفته، تشكوا فيا وكمان تجيبولي عريس لا أعرفه ولا يعرفني ولا أنا عايزاه من الأساس؟

رفعت "أسماء" كفها على فم ابنتها لتكبحَ سيل الفضائح المنتشرة في أرجاءِ المنزل، خشيةً أن يسمعها العريس وعائلتُه فينصرفوا عن الدارِ بلا عودة، إذ ضغطت على أسنانها بغضبٍ، وقالت محذرة إياها:

_بس بقى كفاية فضايح! الناس هيسمعونا، عايزاهم يقولوا إيه لما يسمعوا صويتك ده كله لمجرد إنك مش عايزاه؟ بتحب واحد تاني ومتفقة معاه على الجواز؟ قولتلك انزلي معايا وبعد ما يمشي أنا هقول لأبوكي إني مش موافقة، زي ما هو له الحق يوافق أنا كمان ليا الحق، يلا!

أرغمت چيهان على مقابلته فوق كل ظرفٍ، وهي تدرك جيدًا أن الأمر بينهما لن يستمر طويلًا، بينما في الأسفل كان شوقي وعصام والجدةُ روحية وعلياء جالسون مع أهل العريس يتبادلون معهم الحديث عن كثب، فهم ليسوا إلا مجرد شاشة استعراض أمام عيني "رمزي"، جالسًا مستربعًا في الكهفِ وحوله أدواته السحرية، وكتابه الأحمر اللعين بمثابة منقذٍ خُطروف له، يعينه على تخطّي الأزمات بلمساتٍ بسيطة.

بدأ قلمه الأحمر يتحرّك على الكتاب بكلماتٍ غامضة، ثم تحرّكت يداه وكأنّه يشير لقوى خفية لا يراها سواه، ولسانه يقول بغضبٍ متفجّر:

_خاخبوم يوُكبه محكز... تحركوا الآن بقوتكم إلى العائلة! الآن، هذه الدقائق!

أشعل رمزي النيران في إحدى صفحات كتابه، وبينما يتفحم الورق أسكب قطرات مياهٍ مجهولة المصدر على رمادها فتكوِّن العجينَ الأسود، حينها لطخ به أصابعه وبدأ يمسحها على وجهه بانفعالٍ غريب.

وعلى نحوٍ آخر، في منزل عائلة الدميري، كان كلٌّ جالسًا على الأرائك في صالةٍ تنشرح فيها الصدور، الهواء المتجدّد يتلاقى ببعضه من النوافذ المختلفة، والأثاث مرتب على الرغم من تهدّمه، والأبخرة تتصاعد من أكواب الشاي على الطاولة، مانحة شعورًا بالدفء، فخاطب "شوقي" أسرة العريس بابتسامةٍ تتخفى وراءها مخاوف عدة، قائلًا:

_طب اشربوا الشاي عقبال ما العروسة تنزل مع والدتها.

امتدت أصابع "والدِ العريس" نحو كوب الشاي بنفسِ البسمة، وقال بانشراحٍ:

_تسلم يا أبو العروسة، ربنا يزود القبول بينا كمان وكمان.

ردَّ "عصام" ببهجةٍ تتعارض مع صفاته الطالحة:

_اللهم آمين يا أبو أسامة.

نزلت چيهان في كنف والدتها وأختها اللتين كانتا في المُقدمة، عروسٌ وجهُها بلا نقطة مكياج، مرتديةً عباءتها وكأنها ذاهبةٌ إلى أجزخانة قريبة من المنزل لا لمقابلة عريسٍ يأمل لرؤيتها.

تقدمت خطوةً وأخرت أخرى بخوفٍ، وهاتفها في قبضتها بعدما تلقت رسالةً جديدة من رمزي أخبرها فيها أنه سيجعلهم على شفا الجنون مما ستراه أعينهم، عقابًا لهم على رغبتهم في نَهْبها من أحضانه.

نظرت چيهان إلى أهل العريس بمنظورِ حاضرِي الجنازة الذين توشّحت ثيابُهم بدكنة الحزن؛ كانت الحياة ما هي إلا شاشةً سوداء لا ترى فيها البهجة.

تقدمت من والدة العريس بجفنين متورمين، ووجنتيْها وأنفها اكتسوا حمرة القهر من أثر البكاء، أعصابها مُتراخية باستسلام، لكنها رغم كل شيء عانقتها برجفة. وفيما تعانقها، بدأت المصابيح تنفجر واحدةً تلو الأخرى وكأنهم يثبتون سرعتهم فيمن ستنفجر أولًا، ما جذب الأنظار بفزعٍ.

لم تمرّ ثوانٍ حتى انفتح باب الحديقة الصغيرة بمفرده وارتدّ بارتداد قوي دون ملامسة من أحدهم، وعلى نفس التوالي مرّ طيفٌ سريع دخولًا إلى حجرة نوم الجدة، بشكل لاحظه الجميع.

الوضع ربما سينتهي قبل أن يبدأ، لكن رمزي لا نهاية لطوفانه الجارف لكل ما في طريقه.

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة