الفصل الثالث والخمسون

الفصل الثالث والخمسون

16 0

كأن غمامةً من الهواجسِ حجبت عيني شوقي، جعلته يرى ما لا أصل له، سيارته الثمينة بالنسبة له، أحاطتها النيران من جميع جوانبها، والأدخنة تتصاعد مُسببةً اختناقًا وحرقانًا في العينين، كأنه في كابوسٍ غريب لا يتخيل توابعه، سرعان ما فرّ بجنونٍ خارج السيارة وضرباته تتزايد بخوف، الظلامُ منع الأنظار حقًا لكن النيرانَ المتقدة أنارت له ما لا يُرى، بدأت صرخاته تتعالى في المكان، وهو يطأ يداه على رأسه بذُعر، خطواته عشوائية هنا وفي بقعة بعيدة هناك، وكأنَّ سيقانه اندسَّت في حيرةٍ عارمة جعلت عقلَه مُقيدًا عن التفكير، خرج وراءه أخوه عصام وابنه أسعد برفقة الشيخ نعمان، أمّا النساءُ فظللن جالساتٍ على مقاعدهن يتابعن الوضع في صمت، وبينما يصرخ "شوقي" بصوتٍ عالٍ قال مستغيثًا:

_عربيتي بتولع! هاتولي الطفايات بُسرعة!

نظر الجميعُ لبعضهم في دهشةٍ، فلا أحد يُبصر ما يُبصره، وكأنما الأرض انشقت به ليجد شوقي في عالمٍ آخر تسوده النيران من كل جانب، لكن الحقيقة أن لا نيران ولا أدخنة من الأساس، ما جعل "عصام" يقول باستغرابٍ:

_عربيتك إيه اللي بتولع يا شوقي؟ فال الله ولا فالك يا راجل، عربيتك سليمة وزي الفل أهي.

بَسَطَ "شوقي" كفَّيه فوق رأسه، وعيناه لا تزالان ترى سيارته تتفحَّم بفعل الحريق، وبينما يتفاقم الوضعُ سوءًا، قال مستغيثًا بأعلى صوت:

_بقولك عربيتي بتولع! سليمة إيه وزفت إيه؟ اجروا هاتوا الطفايات بسُرعة! واقفين مستنيين إيه؟

رفع "أسعد" كفَّه على كتف شوقي وحاول تهدئةَ روعه، ليقول بأسلوبٍ هادئ يمسح من قلبه عِلَّة الفزع:

_استهدى بالله يا عم شوقي! بقى بالذمة كلنا هنكدب يعني؟ مالك بس جرالك إيه؟!

فَرَّ شوقي حوله بجنونٍ، وانحنى قليلًا ليقبضَ على كتلةٍ صغيرة من الرمال، ثمَّ فَرَّ ينثرُ الحباتِ على النيران ظنًّا منه أنها ستخمد، ولسانه لا يتوقف عن العويل، كانت لحظاتٍ مفزعة وهو يتحرّك كالمعتوه الفاقدِ لعقله، لكن في لحظةٍ غير متوقعة، وعصام وابنه يجذبانه بعيدًا عن السيارة، اختفت النيرانُ في غمضةِ عين، ما أزاد حيرة "شوقي"، ذاك الذي نظر حوله فوجد كل شيء طبيعيًّا ولا يوحي نهائيًّا بما رآه، فتساءل بحدقتين متسعتين ذهولًا:

_ازاي؟ ازاي ده حصل؟ ازاي؟!

رَد الشيخ "نعمان" مُفسرًا له ما حدث بوضوح:

_يا أستاذ شوقي، هدي نفسك بس وسيبك من أي حاجة تانية! أنا مش طالب منك غير إنك ترجع بيتك مع زوجتك وبناتك وترتاحوا كلكم، وإن شاء الله بكرا هاجي أكلمك في اللي حصل وأشرحلك كل اللي إنت حابب تعرفه.

رَمقه "شوقي" وهو لا يزالُ غارقًا في حيرةٍ عُظمى، تبدو الأمور كالخيوطِ المتشابكة، لكن ما أدركه جيّدًا أنه يحتاجُ إلى قسطٍ من الراحة يستعيدُ فيه توازنه، إذ تنهد طويلًا، ورفع ذراعَه الأيمن على حافة سيارته، وقال بهدوءٍ مؤقت:

_أنا مش عارف إيه الحالة الغريبة اللي ما يعلم بيها إلا ربنا دي، على العموم أنا هقابلك بكرا وتفهمني كل اللي حصل لچيهان، وإن شغلت دماغك عليا هعرف، وصدقني أنا مش هسيب حقي، كفاية سيرتنا اللي بقيت على كل لسان بسببها!

ابتسمَ الشيخ "نعمان" ابتسامةً هادئة، فحاوط سيرة چيهان بحديثِه الطيب عنها، وأظهرَ مدى العزِّ الأخلاقيِّ المتحلية به، والذي جعلها كالأميرة بين طوائفَ من فاجراتِ العصر، فقال بعدالة:

_صدقني يا أستاذ شوقي، بنتك مفيش في أخلاقها وأديك اتأكدت أهو لما سمعت من الدكتورة إنها شريفة، إنت راجل محترم وطيب وأنا عارف إن من حقك تخاف على بنتك زي أي أب، بس اللي مش من حقك إنك تكسرها لما تفكر فيها بشكل سيء....

ثم اعتدل مستقيمًا، وتنهد ببسمةٍ حزينة، وتابع:

_إن شاء الله بكرا لينا كلام مع بعض، لولا إن الوقت أتأخر لا كنت قعدت معاك وفهمتك... أشوفك بكرا إن شاء الله....

ورفعَ كفَّه لأعلى بتبجيل، واسترسل ليغادرهم:

_يلا السلام عليكم.

ردَّ "عصام" وابنه "أسعد" بنفس الإجابةِ في آنٍ واحد:

_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

غادرهم الشيخ نعمان، فركب سيارته وتحرك إلى أقربِ الأحياء القريبة من منزل عائلة الدميري، فتمكَّث داخلها، وفَرَدَ مقعده ليستخدمه كسريرٍ يحتضنه في ليلته الشاقة، إلى أن تُصغي أذنُيه لصيحاتِ الديوك، وتبدأ النسم الباردة بالتسلل إلى وجهه مع أشعةِ الشمس الهادئة في البكور.

فيما اجتمعت الأسرة داخل سيارة أسعد وعادت بهم إلى المنزل، فصعدت ريم معاضدةً لأختها چيهان في محنتها، وراءَهما أسماء التي ارتجف فؤادُها ارتياحًا بإياب ابنتها إليهم بتاجِ الشرف، مُحصَّنةً، ومبادئها الأخلاقية كالسيفِ الباتر على عنقها، لكن دموعَ الفرح لا تزالُ في عينيها.

فبعدما دخلت چيهان وريم إلى حجرةِ النوم، انصرمت وراءَهما والدتهما "أسماء" وصكَّت الباب وراءهن، فجلست الثلاثُ على السرير، أسماء في المنتصف بين ابنتيها اللتين كانتا على سيفها، ففتحت ذراعيها تضمهما إلى صدرها بحنانٍ والدموعُ تتساقط من عينيها، قبلت رأسيهما بالتساوي، وعدلُ الأمومةِ يردعها عن تمييز واحدةٍ دون الأخرى.

الشوقُ قتلها وهي تفقد أبناءَها واحدًا تلو الآخر، لكن الصخرةَ الثقيلةَ التي طالما أثقلت روحها قد أُزيحت الآن ليعود كلُّ شيء كما كان في السابق.

وبينما چيهان تنغمس في أحضان والدتها بلهفة، مررت أسماء يديها على رأسها وهي تنظر لملامحها بحزن، وقالت:

_يا حبيبتي، خسيتي أوي واتبهدلتي! كنت هموت عليكي يا چيهان، اسألي أختك، كانت كل ما تدخل تلاقيني على السجادة بعيط وبدعي ربنا إنك ترجعيلنا بالسلامة.

أيَّدتها "ريم" حينما قالت بنفس الحزن الملموسِ في صوتِ والدتها:

_أه والله يا چيهان، كنت كل ما أدخل الأوضة ألاقيها بتصلي وبتعيط وبتدعي ربنا إنك ترجعي، هي الوحيدة اللي كان عندها أمل برجوعك ما عدا احنا، بس الحمدلله إنك رجعتيلنا بألف سلامة يا حبيبتي.

انزلقت الدموعُ بغزارةٍ من عيني "چيهان" ويداها تحاوطان والدتها، ورأسُها منغمسٌ في أعماق حنانها، لم تتوقع يومًا أن تعودَ إلى أسرتها وتتصلَ الأواصرُ من جديد، انكتمت أنفاسها في صدر والدتها، وبدأت تبكي بحرارةٍ، مُعبرةً عن أحزانها العميقة وشوقها القاتل لهم، قائلة:

_وحشتيني أوي يا ماما إنتي وريم، مش مصدقة إني رجعتلكم تاني، أنا كنت هموت يا ماما لولا رمزي هو اللي أنقذني، هو السبب إني لسه عايشة وبتنفس لحد اللحظة دي!

ظهرت الدهشةُ على وجه "أسماء" وريم، اللتانِ تعجبتا من سيرةِ رمزي، ذاك الذي استمعا عنه منذ أشهر، حينما تقدَّم أحد الرجال نحو شوقي وأخبرهم بأنه مُراوغٌ استغلّ سيرتهم الحسنة للعب بعقول الحمقى، فتوجَّهت أسماء بسؤالها الفضولي نحو چيهان، وقالت:

_رمزي؟ مش ده اللي نصب على الناس في الشغل وقالهم إنه تبع أبوكي؟!

نَفَت "چيهان" الأكاذيب الموجّهة لحقِّه، وأوضحت الحقيقة، مُدافعةً عنه من سويداء قلب مُغرم، قائلة:

_الكلام ده كدب ومحصلش، رمزي مالوش في النصب ولا كل اللي بتقوليه ده، أكيد أبوه هو اللي عمل كده عشان يشوه صورته قدامكم زي ما بيشوه صورتي قصاد كل الناس بالكدب... أنا حياتي اتدمرت بسبب أبوه مصعب، ولولا رمزي كان زمانك أخدتي عزايا من بدري أوي!

ضمتها "أسماء" إلى حضنِها بقوّة، وقبلت رأسَها، وعيناها لا تزالان مُغرغرتين بدموعِ الفقد، قائلةً بصرخة أمٍّ خشيت خسارتها لفلذةِ كبدها:

_بعد الشر عليكي يا قلب أمك، انشالله اللي يكرهك إنتي وأختك هو اللي يموت، بعد الشر عليكي متقوليش كده تاني يا حبيبتي! أنا محيلتيش غيرك إنتي وأختك، إنتوا اللي باقينلي، حتى أبوكم ده مالوش أمان، اللي يتسند عليه يقع على جدور رقبته.

اعتدلت "چيهان" في جلستِها، وأناملها تتحرك على وجنتَيها برفق تجفّف الدموع، فأوضحت ما يختلجُ في روحها من غضبٍ دفين تجاه اتهامات والدها وعمها الباطلة في حقها، قائلةً بحسرةٍ أليمة:

_متفكريش يا ماما إن اللي حصل ده أنا هنساه بالسهولة دي، شكهم فيا وفي شرفي كفيلة إنها تهد علاقتنا ببعض للأبد، أنا بنتك، تربيتك! يشهد عليا ربنا إني من أول يوم اختفيت فيه عن البيت لحد النهارده وأنا محافظة على نفسي، مش عشانكم ولا عشان أي حد، عشان ربنا في المقام الأول! اللي إنتي بنيتيه طول السنين دي أنا مش هاجي أهده في يوم وليلة أيًا كان السبب إيه!

تحوّلت نبرتها إلى أسلوب أشد ضعفًا، وهي تزداد بكاءً وترتجف حزنًا، مُعقبة على حديثها بحق:

_حتى رمزي عمره ما فكر إنه يضايقني أو يتعدى حدوده معايا، كان مقدر كويس إني طالعة من بيت محترم، أه كنا بنشد مع بعض في الكلام وكانت طريقتنا مع بعض في الأول مش أحسن حاجة، بس شهادة حق على الرغم من إن أبوه طاغي ومؤذي أذى متتخيليهوش، إلا إن رمزي كان محترم معايا وعمره ما فكر يجرحني، كان دايمًا بيعاملني إني بنت ناس!

وتابعت بتأنيب ضميرٍ مُتوهج من حروفها:

_أنا اللي كان كلامي جارح معاه وأنا بتهمه إنه السبب في كل اللي حصلي، كنت في الأول فاكراه ممكن يكون بيشتغلني وكنت مقلقة منه أوي وواخدة حذري، بس مع الوقت عرفت إنه مش شرط يكون نسخة من أبوه، هو مختلف عنه بس ناقصه إنه يبعد عن السكة دي ويرجع لربنا بتوبة نصوحة.

رفعت "أسماء" كفَّها على كتفِ چيهان، واحتوَتْها بلمساتها الحانية، وقالت بابتسامةٍ لطيفة:

_احنا عايزين نأجل أي كلام لبعدين وننام يا حبيبتي، وإن شاء الله الكلام جاي بينا كتير، ننام والصباح رباح! إنتي مُرهقة أوي وعايزة ترتاحي.

نهضت ريم وأطفأت أنوارَ الحجرة، فبدأت أسماء وفتياتها يضطجعن على السرير المُتسع حبًّا، مدت الوالدةُ يديها ورفعت الغطاء فوقهنّ، وكأنها تغطي آلامهن لا أجسادهن، ثم احتضنتهما بذراعيها بكلِّ حنانٍ، وكأنهما لا تزالان صغيرتان بشعراتٍ مُضفرةٍ كصباهما.

فيما استلقى شوقي على السرير في حجرةِ ابنتيه، متأهّبًا لصباحٍ جديد سيفجر عليهم أسرارًا ملحودةً بمُهجة الشيخ نعمان، ذاك الذي ظهر مضحيًا بجمامه في سبيل سرد الموضوع على العائلة في اليوم التالي.

تسربت الساعات دقيقةً وراء الأخرى، بات الجميع في سُباتٍ صامت، حتى الكائناتُ الحية بما فيها الطيور المُتراصة على جزع الشجرة فوق سيارة الشيخ نعمان، حتى انفجرت أشعةُ الشمس في عينيه، ومحركاتُ السيارات المارة تتردد في أذنيه.

بدأ جفنيه ينفتحان ببطء، وذراعه مرفوعًا إلى وجهه حاجبًا أشعةَ الشمس المتوهجة، فنظر إلى ساعةِ هاتفه ووجدها تشيرُ إلى التاسعة صباحًا.

وفجأة، دون أي مُقدّمات، تفاجأ بمكالمة هاتفية من رقمٍ مجهول، لكنه يعلم في قراراته هويةَ المتصل. فتنهد بعمقٍ، وكأنّه يخرج طاقاته السلبية مع كلّ نفس، ثم استجاب للمكالمة، ورفع هاتفه إلى أذنه اليمنى، ليجد "رمزي" يقول بتعاسةٍ على الجهة الأخرى:

_إنت تدري زين مين اللي معك هالحين، وتدري زين كيف طلعت رقمك، طلعته من تليفون چيهان، المهم، ما علينا، أنا بكلمك عشان أقولك چيهان ما بتركها مهما صار، ورچوعها لأهلها ما يعني إن ما بينا انتهى!

زَفَرَ الشيخ "نعمان" بغضبٍ، فصدمه بالحقيقةَ المُرة حينما قال بوضوحٍ مفتقر لأي تنكيل:

_وإنت عايز منها إيه تاني؟ البنت اتقال في حقها أسوأ كلام ممكن يتقال بسببك سواء من عيلتك ولا عيلتها، يابني كفاية كده بقى وارحم نفسك وارحمها وحافظوا على الباقي من كرامتكم!

تلفظَ "رمزي" بإصرارٍ لا ينكسر، الحُبُّ صنع منه جمادًا لا يتأثر بالقيل والقال، جعله في ذروةِ الجنون التي قد تدفعه في أي وقتٍ إلى تصرفاتٍ متهورة لا تُعقل:

_أي شخص چاب سيرتها بكلمة شينة ما برحمه، چيهان ما بسيبها! عمري ما بلاقي مثلها، ورچوعها لأهلها ما يعني إن موضوعي معاها خلص! لا! إن شا الله لو وصلت لحرب مع عيلتي وعيلتها عشانها، بدخل الحرب ما بتردد....

ثم تنهد باستياءٍ، وتابع بنبرةٍ أشد انكسارًا:

_أنا روحي وقلبي وكل ما فيني مع چيهان، تدري يعني إيش؟ أنا من أمس مچنون، ما أدري كيف بكمل حياتي من دونها، أنا تعودت أشوفها قدامي، إن شا الله حتى لو تتهاوش معي، بس ما بقدر أعيش من غيرها، أنا حبيت چيهان صدق!

اعتدلَ الشيخ "نعمان" في جلسته، وأعاد مقعده كما كان، وكأنه يتأهل لتبادل الحوارِ معه بحماسٍ، لكنه رغم كل شيءٍ قدّم له نصائحه على طبقٍ ذهبي، مؤكدًا له أن علاقته بچيهان لا بد أن تُبتر يومًا، فالحيوات متباينة بشكلٍ ملحوظ مع بعضها، فقال:

_بُص يا رمزي! أنا مقدر إنك بتحبها ومش قادر تكمل حياتك من غيرها وكل الكلام اللي بتقوله ده، بس متنساش إنك أعوذ بالله سكتك كلها دجل وشعوذة زي أبوك بالظبط اللي ربنا ينتقم منه، لكن هي أبوها وأمها وعيلتها كلهم مُسلمين وموحدين ومؤمنين بالله ومحدش فيهم يستجرأ يعمل ربع اللي إنت وأبوك بتعملوه، ومتنساش برضه إن الناس كلها خدت فكرة وحشة عنكم، والبنت سيرتها اتسوأت بسببك، يعني لا دين ولا مجتمع ولا أهل يوافقوا بعلاقتكم دي مهما حصل.

رد "رمزي" بصياحٍ، مهيئًا بكل جوارحه أن يخوض حربًا شنيعة لأجلها، قائلًا:

_ما يهمّني لا أهل ولا مچتمع، الاثنين تحت رچلي! وإن كان على الدين أنا بأفكّر في الموضوع ذا وبعيد نظرتي له من چديد، بس چيهان أنا ما بقدر أعيش من دونها مهما صار، التفكير في الموضوع هذا يوچعني أكثر من وچعي، وإنت بتفهمني وتفهم مشاعري زين.

قابله الشيخ "نعمان" بردّه الرصين، مبتعدًا كل البُعدِ أن يعلقه بأمالٍ زائفة، فقال بنُصح أبوي:

_أنا فاهمك كويس يا رمزي، والحالة الوحيدة اللي تجمعك بچيهان تحت سقف واحد في حلال ربنا إنك تغير طريقك وتعلن توبتك لربنا قبل الناس، وتنضف دمك واللعنة اللي عيشتها سنين، ساعتها أقدر أقولك إننا ممكن نحاول في الموضوع ده، غير كده انسى چيهان، لأن؛ أبوها وعيلتها مش هيوافقوا حتى عيلتك إنت كمان مش هتوافق بعد الفضايح اللي عملتهالهم.

اتضح حبه العظيم لها، وهو متأهّب لأي مناوشات حتى وإن تحوّلت إلى معارك قتالية لأجلها. فأي حبٍّ آخر سيجد فيه دعته وبهجته؟ حبّها ممحاةٌ أزالت عن كاهله أحزان الماضي والحاضر، حتى المستقبل رآه بصورةٍ أشدّ جمالًا، آملًا لو أن تتغير مساراتهم لتأخذ الدرب الذي تمناه يومًا. چيهان ليست بفتاةٍ عادية، هي العالم برمته، وسعادة لا يعقبها حزن.

الفزع الأكبر يكمن داخل مبنى شيخ البلدة، ذاك الذي جلس على مقعده بملامح متجهمة، يفكّر في الحل الأنسب للقصاص من مصعب ورمزي، وخاصة رمزي الذي استهان بمكانته حينما فرّ من لُبّ الزفاف سائرًا وراء قلبه. مرت ليلةٌ مفزعة على حراس سجن العمدة، مندهشين من نظرات مصعب لهم من وراء القضبان الحديدية، ذاك الذي كلما حدثوه رمقهم ببغضاءٍ دون حديث، وحتى هذه اللحظة، ما جعلهم يستشعرون أنه ليس بإنسانٍ طبيعي كسائر البشر، ولربما يحوي قوى خفية تجعلُه محاطًا بلمسات الشياطين.

حتى أبناءُ أخوال رمزي، الأخواتُ، اللذان كُبلا داخل السجن في حجرةٍ واحدة، لاحظوا نفس ما لاحظه رجال الغفر، ما يوحي بشيءٍ مُريبٍ ولربما ينتدح للجميع فيما قريب.

الحوار بين رمزي والشيخ نعمان دام نصف ساعة على غير المُتوقع، حتى انقطع بمقابلة الشيخ نعمان بشوقي وعصام داخل صالة منزل الجدة روحية، تلك التي استقبلتهم بأكواب الشاي وتركَتها على الطاولة الصغيرة أمامهم، ودلفت إلى الحجرة تصغى إلى أحاديثهم من الداخل، فيما بدأ الشيخ نعمان بشرح ما حدث كاملًا لوالدها وعمِّها عصام، اللذين نفيا كل ما قاله واتهموه بأنه مُشارك في عملية الفرار، فقال "شوقي" بنبرةٍ جافةٍ مُفتقرةٍ إلى الرحمة:

_هو كل واحد يضحك علينا بكلمتين نصدقه؟ بنتي ضايعة بقالها يجي سنة ومحدش فينا عارفلها طريق، وإنت نفسك لو بنتك اختفت يومين على بعض كان زمانك طبيت ساكت من الصدمة، أنا مش هسكت على اللي حصلها ده، وإن ما قولتلي الحقيقة أنا هطلع على القسم هعمل محضر فيك وفيهم، وحق بنتي أنا مش سايبه ولو على جثتي!

أَحنى الشيخُ "نعمان" رأسه لأسفل باستياءٍ، متمنيًا لو كان يملك أسرة بزوجةٍ وأبناءٍ يحملون عنه مشقة العجز، ويرحمونه في أعوامه الأخيرة. فاتسع فمه بابتسامة حزنٍ هادئة، وقال بوهنٍ في صوته:

_والله يا أستاذ شوقي كنت أتمنى إن زوجتي تفضل عايشة لحد النهارده، ويكون عندي أولاد يشيلوني في عجزي بس الحمدلله، ولو كان عندي بنات فمكنوش هيزيدوا غلاوة عن چيهان بنتك.

في تلك الأثناء انضم إليهم العم الأصغر المدعو "نجيب" بخطى رزينة وصافح جميع الموجودين بتبجيل، وجلس معهم في محفلهم يشاركهم الحديث بعدما علم بعودة چيهان، فقرر ألا تبلغ العقارب الثانية عشر إلا ويتشعشع نوره في المكان، رفع يداه علو صدره مُعرفًا بذاته، فقال:

_أنا أستاذ نجيب، عم چيهان الصغير.

ابتسمَ الشيخ "نعمان" ابتسامةً بسيطة، وقال مُرحبًا به:

_أهلًا بيك يا أستاذ نجيب، وأنا الشيخ نعمان، فاعل خير قابلت الآنسة چيهان في محنتها وساعدتها باعتبارها في مقام بنتي.

ظهرت بسمةٌ لطيفة على معالم وجه العم "نجيب"، فرفع ساقًا فوق الأخرى، واندمج معه في الحديث، قائلًا برغبةٍ في التعارف:

_أهلًا بيك يا شيخ، اتشرفت بمعرفتك...مبدأيًا كده أنا عارف كل حاجة حصلت من أخواتي الكبار، الحاج عصام والحاج شوقي، وأنا مخفيش عليك غياب چيهان عننا الفترة دي كلها تعبنا ازاي، وخصوصًا الحاج شوقي، ما هي برضه چيهان بنته لحمه ودمه، وهي بنتنا كلنا وبنخاف عليها، أنا بس عايز أفهم إنت وصلتلها ازاي ولا إيه اللي حصلها من الأول؟

رفع الشيخ "نعمان" كفَّيه على ساقيه، واستقام في جلسته كمن يتهيأ لسردٍ طويل، ثم قال بنبرةٍ جادة متأهبة:

_هحكيلك يا أستاذ نجيب، وأمري إلى الله.

وبينما يسرد الشيخ نعمان الواقعة على نجيب، متمنيًا أن يصدقه ولا يُلقي عليه تُهمًا باطلة بالكذب والخداع مثل أخويه، كانت چيهان جالسة إلى جوار ريم على السرير في غرفتهما، والنافذة مفتوحة، حيالَهما أسماء جالسة على كرسيٍّ بلاستيكيٍّ أبيض بالقرب منهما، وعلى ساقيها صينيةٌ محمّلة بأطباقِ الطعام الذي تنوّع ما بين الأرز والخضروات المطهوة بالصلصة واللحم، جاهدةً أن تُطعم چيهان بعد انتشالها من أزمتها، والهواء حولهنّ يدخل من النافذة متجدّدًا، وباب الحجرة شبه موصد، فبعدما أطعمت "أسماء" ابنتها كيمامةٍ تُطعم فرخها الصغير بتحنانٍ لا يُضاهيه شيء، قالت لها باستغرابٍ:

_إيه حكاية التليفون اللي معاكي ده يا چيهان؟

أخفت "چيهان" الهاتف بين ثنايا عباءتها، وبينما تبتلع الطعام، أجابت بارتباكٍ مَلحوظ:

_رمزي هو اللي جابهولي عشان يقدر يتواصل معايا.

زفرت "أسماء" بعمقٍ، وتساءلت عن رمزي، ذاك الذي تردّد اسمه مرارًا وتكرارًا بلا مبررٍ يُغذي فُضولها:

_إيه حكاية رمزي ده كمان؟ وهو ليه يجيبلك تليفون أصلًا؟ هو إنتي في حاجة بينك وبينه يا چيهان؟ احكيلي يا حبيبتي متخبيش عليا!

أحنت "چيهان" رأسها لأسفل بتردّد، ونظرت لوالدتها وريم، وجميعهنّ ينظرن لبعضهنّ باستغرابٍ، وبعد بُرهة من التفكير، رفعت رأسها قليلًا وأجابت بخُفوت:

_زي ما قولتلك يا ماما إنه أنقذني من شر أبوه، والله العظيم ما كان في بيني وبينه أي حاجة، وطول الفترة دي واحنا بنتعامل مع بعض بطريقة سطحية جدًا... لا أنا ولا هو كان في نيتنا الحُب....

انذرفت الدموع على وجنتيها بحَسرةٍ، وعبثت في أصابعها بِنَحيب، مُردفة:

_بس غصب عني وعنه حبينا بعض، والله العظيم ما في أي حاجة تانية زيادة عن كده!

اتّسع بؤبؤا "أسماء" بصدمة، فوضعت صينيةَ الطعام جانبًا على طاولةِ السرير، وضربت كفّيها الاثنتين بحدّةٍ على سيقانها، وهي تقول بعدم استيعاب:

_حبيتوا بعض؟ إنتي على كلامك ده، واحد أبوه ساحر وملعون من رحمة ربنا، حبيتي فيه إيه؟ ولنفترض إنك حبيتيه، آخرة الحب ده إيه؟ يا حبيبتي مراية الحب عامية، اسأليني أنا! اللي زي ده هتتجوزيه ازاي ولا هتكملي حياتك معاه ازاي أصلًا؟ ربنا نجاكي من النار تقومي تروحيلها برجليكي تاني؟ هي دي چيهان بنتي المتدينة وكل الناس بتحلف بأخلاقها؟ بدل ما تتجوزي واحد متدين زيك وبيتقي ربنا تقوليلي بتحبي واحد كافر أبًا عن جد؟ اللي إنتي فيه ده مالوش غير معنى واحد، إنه سحرك عشان تحبيه، غير كده مفيش مبرر للي بتقوليه ده!

اعترضت "چيهان" على حديثها المُسيء لحقّه، فأوضحت لها الحقيقة كاملة، وقالت بدافعٍ قوي للتبرير:

_رمزي مختارش الطريق ده يا ماما، رمزي اتولد لقى نفسه مع أب ساحر، قالي إن مامته كانت متدينة وفيها حاجات كتير مني، قالي إنه بيشوفها فيا وده اللي خلاه حبني واتعلق بيا! يا ماما افهميني! رمزي أنا حبيته بكامل إرادتي مش علشان هو سحرني زي ما بتقولي، أنا الوحيدة اللي شوفت فيه الخير وعارفة قد إيه هو نفسه يلاقي اللي ياخد بإيده للجنة ويشجعه بس مكنش لاقي ده!

بكَت "أسماء" استياءً على حال ابنتها الميؤوس، فبسطت كفها على ذراعها وثبّتت نظرها عليها، وقالت بفيضٍ من التَّحذير الأُموميِّ الصادق:

_سيبك من جو الأفلام والروايات اللي كلت عقلكم دي! الواقع حاجة تانية يا چيهان! لو ضيعتي عمرك بتحاولي إنك تغيري واحد لأسلوب حياتك مش هيتغير من الفيلم ده كله حاجة غيرك إنتي، يوم ما تلاقي نفسك إنتي اللي بقيتي شبهه مش هو اللي بقى شبهك! اللي اتولد في الشر هيعيش ويموت زي ما هو، من شب على شيء شاب عليه! متضيعيش مستقبلك على واحد ميستاهلش، أنا عايزة أشوفك مع اللي يستاهلك، واحد يكون محترم وابن حلال ومتدين يحافظ عليكي مش ساحر وأبوه ساحر والعيلة كلها وارثة الشر والأذى من بعض!

نطقت "چيهان" مُحاولة إقناع والدتها بمَن استحوذ على قلبها بعِشقه، قائلةً بغَمرةٍ من الحُزن:

_يا ماما صدقيني ده مش جو أفلام زي ما بتقولي، رمزي عنده فرصة إنه يتوب ويرجع لربنا، ربنا غفور رحيم ورحمته وسعت كل شيء، يبقى مين احنا عشان نحكم على عبد من عباده؟

لكن "أسماء"، التي اعترضت على علاقتها برمزي، ظلّت ثابتةً على مبدئها، مُعلنةً رفضها الصريح له، فقالت:

_الكلام اللي بتقوليه ده لما يبقى الذنب بينه وبين ربه مش متعلق بالعباد، اللي بيظلم مُسلم لازم يجيله ويطلب منه السماح مش يعمل العاملة ويقول إن الله غفور رحيم، ربنا غفور في كل حاجة إلا حقوق عباده، لو العبد سامح يبقى حلو، مسامحش هيفضل ذنبه متعلق في رقبته إلى يوم الدين! ورمزي اللي بتتكلمي عنه ده، نصيحة من أمك اللي خايفة عليكي، ابعدي عنه يا حبيبتي، لأن؛ لا أنا ولا أبوكي ولا عمامك هنوافق، البني آدم ده الله يسهله طريقه ويهديه بعيد عننا، أنا عايزة أشوفك مرتاحة مش تعبانة.

أبدت "ريم" رأيَها هي الأُخرى بعد صمتٍ دام لفترةٍ طويلة، وتحولت من دور المُستمِعة إلى الواعظة، فقالت بنُصحٍ طاهر نبع من قلبها المُحب:

_ماما عندها حق يا چيهان، أنا قابلت ناس كتير وحشة في حياتي بس عمري ما قابلت حاجة صعبة زي اللي بتحكي عليها دي، يا حبيبتي إنتي مش بتقولي تاجر مخدرات ولا قتال قتلة، ده ساحر! فاهمة يعني إيه؟ يعني أخطر من كل دول ويقدر يإذيكي ويدمرلك حياتك لو يوم اختلفتوا مع بعض، هيخليكي زي العروسة الماريونيت اللي بيحركها على مزاجه، هيلغي إرادتك تمامًا وهيخلي كل تصرف منك نابع من قراراته هو!

استنكرت "چيهان" كل ما أخبرتها به والدتها وأختها، فدافعت عنه باستِماتة، مُوضحةً أن لا شيء ذُكِر يَنتمي إلى صفات رمزي، قائلة بإصرارٍ قوي:

_كل الكلام اللي بتقولوه ده مش موجود فيه، رمزي لو كان في نيته شر وأذى مكنش هرب بيا من أبوه وضحى بكل حاجة علشاني أنا، ده حياته اتدمرت علشاني وبقى عايش مهدد بالخطر طول الوقت! ده كفاية إنه دخل السجن علشاني، وكفاية برضه إنه هرب من فرحه على بنت شيخ البلد علشاني أنا! بقى بعد كل ده وهيإذيني؟

ابتسمت "أسماء" ابتسامةَ حُزن، وأكّدت لها أن رفضها لرمزي سيظلّ عالقًا بذهنها، فإن اتّخذت قرارًا بشأنه فلن يتآلف شوقي وأخواته معها في نفس الرأي، ما جعلها تنصحها وهي تحاول أن تمحو عن روحها حُبًّا نهاية مَطافِه انكسارٌ لا يُرمَّم، قائلة:

_مشكور على كل اللي عمله، بس برضه ارتباطك منه مش هينفع، محدش فينا موافق على حاجة زي دي، چيهان! تعب ساعة ولا كل ساعة! فوقي لنفسك يا حبيبتي، واعرفي إنك تستاهلي جوازة أحسن من كده بكتير، لازم تنسيه وتكملي تعليمك، ويوم ما يجيلك الشخص المحترم ابن الناس اللي يستاهلك ساعتها ده اللي هتكملي حياتك معاه، لكن الساحر ابن الساحر ده مينفعناش، لا يإذينا ولا نإذيه، ربنا يصرفهم عننا ويكفينا شرهم وأذاهم يا بنتي.

دَخَلَ شوقي في هذه اللحظة بخطى مُتعجلة إلى الشقة، مستدعيًا ابنته للذهابِ إلى قسم الشرطة ليدوّنوا محضرًا بالواقعة، إذ اعترضت چيهان وأبدت رفضها التام بمُبرر أنها تحتاج إلى قسطٍ من الراحة بعد مُغامراتها الأليمة في محافظاتِ مصر المُتفاوتة.

لكن شوقي، بطبعِه الحاد، أرغمها على الذهاب معه، فطلبت منه أسماء أن يتركها لدقائقٍ لتستحمَّ وترتدي زيًّا جديدًا، ثم تذهب معه بصحبة أختها ريم.

كانت لحظات مُرعبة، وشوقي ينتظر خروج چيهان مهندمة الثوب، مُتأهبة للتحرك معه إلى قسم الشرطة، أما چيهان في الداخل فقد بدت خائفةً ومترددةً من ذهابها معه، ليس إلا من أجل رمزي، ذاك الذي أعانها على الفرار من والده المريض وبسط لها دوربًا بالحرير بدلًا من أن تتغرز أقدامها في الأشواك. كان قرارًا عسيرًا، خاصة وهي تتعرض للضغط النفسي من والدها.

ظلت تنتحب طوال فترة الاستحمام، إلى أن خرجت إلى حجرتِها وارتدت زيًّا جديدًا لها، الزي الوحيد المتبقّي بعدما سُرِقَت جميع ثيابها من الخزانة على يد من أراد أن يُثبت للجميع حقيقة هروبها ليُبطل فكر اختطافها عن الأذهان.

لم تلبث الفتيات لخمس عشرة دقيقة حتى خرجت چيهان وريم مُتجهزتان للخروج مع والدهما شوقي. فخرج الجميع برفقة شوقي وأخواته والشيخ نعمان، جميعهم مُتجهون إلى قسم الشرطة في مدينة الطور. وبعد دقائق قليلة توقفت السيارة قبالة القسم، ونزل الجميع، مُقتحمون على عجل، عدا چيهان التي قدمت ساقًا وأخرت الأخرى، تمنت لو أن تنشق الأرض وتبتلعها، لا لأن تدون محضرًا في مَن مال قلبها عشقًا له.

العساكر مُتراصون في كل مكان بأسلحتهم، والحياة لا تخلو من صخبِ خطوات المحاميين وأهالي المساجين وهمساتهم. وبعدما وصلوا إلى مكتب النوبتجية في أجواء معتمة نوعًا ما، كان أمين الشرطة جالسًا على مكتبه في هدوء، وحوله دفاتره وأقلامه المُختلفة. إذ تقدّم "شوقي" نحوه بثباتٍ، وقال:

_عايز أعمل محضر خطف، ومحضر بعدم التعرض.

ردَّ الشرطيُّ متسائلًا عن بياناته الشخصية:

_محتاج اسمك الرباعي، والرقم القومي، والعنوان بالتفصيل، ورقم تليفونك.

استلَّ شوقي بطاقةَ الرقم القومي من جيب بنطاله، وطلب بطاقةَ ابنته القومية، وبدأ يملي على الظابط كافةَ التفاصيل بدايةً من الاسم الرباعي نهايةً إلى رقم الهاتف، فوقفت چيهان إلى جانب الشيخ نعمان ترمقه بنظرات الخوف، والأخير يطمئنها أنها خطوة قانونية بالغة الأهمية لاستعادة حقها من بين جحور الثعابين السامة.

بعدما انتهى أمين الشرطة من الخطوة الأولى، تساءل عن تفاصيل الواقعة: كتاريخ ووقت الاختفاء ومكان الخطف، وإن كان هناك شهود، وإن كانت تعلم أي تفاصيل عمن قاموا بخطفها. وبينما تتعرض لإرغام النفس للحديث، قال "شوقي" بفظاظة، متذكرًا اسمَ رمزي كعلامة راسخة في خلايا ذهنه:

_الواد اللي خطفها اسمه رمزي الطوخي والحاج نعمان بيقول إن أبوه اسمه مصعب الطوخي، وكان عايز يدبح بنتي ويقدمها قربان سعادتك عشان الأثار.

نظر أمين الشرطة إلى چيهان، وجدها مرتجفةَ البدن، ضامةً أصابعها لبعض بقلق، وكأن مخاوفَ العالم برمته انصبت على معالمها صبًا. فتوجه إليها بسؤاله، قائلًا:

_فاكرة ملامحهم يا آنسة چيهان؟

رمقت "چيهان" جميعَ من حولها بارتباك، وأجابت بالحقيقة وهي تصف للضابط معالم وجه وجسد مصعب، فقالت وهي تحاول استخراج المعلومات من متاهات فكرها:

_أه فاكرة أبوه، هو مش طويل ولا قصير، طوله متوسط، وبشرته سمرا، وعالطول لابس جلابية ولافف اللثام البدوي حوالين دماغه، وكمان سنه يجي في الستين كده ولا حاجة.

بعدما دونَ الضابطُ بياناتِ مصعب، سألها عن رمزي، فرفع رأسه نحوها باهتمامٍ، وقال:

_وابنه رمزي الطوخي، فاكرة ملامحه؟

لأول مرة تضطرّ "چيهان" للكذب، إذ اتدعت صفاتٍ مغايرةً تمامًا لرمزي في كل شيء، ما جعلها تقول بارتباكٍ جليّ على تصرفاتها:

_أه، ابنه قصير وجسمه مليان وبشرته سمرا برضه زيه، وعالطول بيلبس بناطيل وتيشرتات، وكمان عنده علامة مميزة في وشه كأنه حرق قديم تحت عينه اليمين.

دونَ الضابطُ كافةَ التفاصيل المذكورة في دفتره، وأكد على شوقي وابنته مصداقيةَ وصفها، فبرهنت چيهان على أقوالها بأنها متيقنةٌ كل اليقين، وهي في قرارة نفسها تعلم خير علم أنها كذبت للمرة الأولى في حياتها، ما جعلها تجلد ذاتها بلا رحمة. فلم تتجه إلى صُنع أفلامٍ زائفة لأنها ترعرعت على الكذب، بل لأن؛ قلبها لم يسمح لها أن تبصره عيناها يومًا داخل قضبان السجن، ذليلًا، مقيدًا بين المُجرمين. فلا تزال تراه في صورة ملاكٍ تنقصه توبةٌ نصوحة تأخذ بيداه إلى الجنة.

وقد سأل عمها عصام الضابطَ عن موعد عرض المحضر على النيابة العامة، فأجابه الأخير بأن ذلك سيتم خلال الثمانيةِ والأربعين ساعة القادمة. حينها ألقى عصام وشوقي تحيةَ الوداع على الضابط وخرجوا مع البقية، وفيما يقفان إزاء السيارة نظر "شوقي" إلى ابنته، وجدها في وضعٍ مرتبك، فسألها لزيادة التأكيد، قائلًا:

_إنتي واثقة من كلامك ده؟ ولا في حاجة تانية عايزة تقوليها قبل ما نمشي؟

تفاقمت أنفاس "چيهان" حيرةً، وأجابته قائلة بخوفٍ:

_أه واثقة من كلامي.

احتضنت ريم أختها چيهان بذراعها لتتحركا وتَركبا السيارة مع والدهما وأعمامهما، ثم انطلقتا نحوها. وقبل أن يركب "شوقي" سيارته، وقف إزاء الشيخ نعمان يخاطبه في لقاءهم الأخير، ويشكره على جهوده لاسترجاع چيهان إلى موطنها الآمن في بيئتها الحقيقية، إذ قال بامتنانٍ تسرب من صوته:

_تُشكر يا حاج نعمان على اللي عملته مع چيهان بنتي، واعذرني لو قولتلك أي حاجة ضايقتك، بس أهو كله من غُلبي.

استخرج الشيخ "نعمان" ورقةً مطوية كتب فيها رقم هاتفه من قبل، ومدها إليه بوجهٍ بشوش، مبديًا تسامحه لكل ما قاله، قائلًا:

_دي ورقة مكتوب فيها رقمي عشان لو حبيت تكلمني في أي وقت، وبخصوص الزعل فانا مش زعلان يا أستاذ شوقي ومسامحك، أنا اللي يهمني إن بنتك رجعت لحضنك بالسلامة، ونصيحة مني، بلاش تشك في بنتك تاني! چيهان محترمة، ده يا ريت كل البنات زيها.

تنهد "شوقي" بعمق، وكأنّه يحمل جبالًا من المسؤولية على عاتقه، ثم قال بقليل من صفاء النفس:

_تسلم يا حاج نعمان.

صافح الشيخُ نعمان الجميعَ بحرارةٍ، ثم غادر للتو يركب سيارته ويعود إلى بلدته بعدما سلّم الأمانةَ لأصحابها. فيما تحرك شوقي مع عائلته إلى المنزل، فترك فتياته تصعدان إلى المنزل، ثم واصل وجهته مع أخواته الرجال إلى موقع العمل.

صعدت الفتيات إلى شقتهم ودلفتا إلى الداخل لتجدان والدتهما أسماء في انتظارهما بفارغ الصبر، حتى جلسن النساءُ سويًا في حجرة ريم كما كن من قبل، تتبادلن الحوارات بشوقٍ عظيم بعد حزنٍ أعظم، فآبت الطيورُ إلى عُشّها من جديد وسط أنغام الفرح.

فاحت روائحُ الحزن في كل مكان حتى وصلت إلى دار شيخ البلدة، ذاك الذي تسمر على مقعده ليلًا ونهارًا لا يستطيع إقصاءَ رمزي عن فكره مهما حاول، متذكرًا مبنى شيده بجبروته لينهدم فجأة على يد خسيسٍ هانت عليه الذكريات، والخيرات التي منحها له، وكأن عقله تُربط عن التفكير ليعامله بسخاءٍ كالمعتوه، متمنيًا أن يجد رجال الغفرِ رمزي في أقرب فُرصةٍ ليلقي عليه عقابه الأليم، ويجازيه بين زوايا سجنه.

وبينما يده مرفوعة على رأسه بانشغالٍ، وجد ما لا يتخيله عقل، رمزي بشحمه ولحمه إزاء عينيه: يسير بخطى واثقة وكأنّه أسدٌ مهيب في مملكته، يتحرك بقامته الفارعة، وطرف جلبابه البدوي يتطاير في الهواء بلا ظلال، صامتًا وكأنّه ابتلع حجرًا ردعه عن الحديث، حتى استقر مكانه متحليًا بشجاعةٍ غريبة. نهض الشيخُ "ضرغام" باستغرابٍ، إذ كان يعتقد أن بعد ما حدث منذ ليلتين سيتلاشى أثره عن العالم، ليقضي العمدة الباقي من عمره للنبش عنه في بقاع الأرض، فوقف حياله وقال مستغربًا:

_رمزي نفسه واقف قدامي؟! إيش هالشچاعة اللي عندك هذي؟ بصراحة مستغرب منك وايد، بس ما يهم، اللي يهمني إنك تاخد عقوبتك عاللي سويته في بنتي دليلة، وحقي بأخذه بحياة عينك يا رمزي يا طوخي، وإن ما أخذته ما أكون عمدة الديرة الشيخ ضرغام الفقي، راح أوريك اللي عمرك ما شفته ولا بتشوفه إلا عيّدي!

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة