حينما يُغادر الألمُ الجسد يترك آثاره العالقة باقتران، فليس كلُّ نهاية تعني نهاية الألم، بل لربّما تكون بدايةً لرحلة التعافي، وقد تكون بمنتصفها أو حتى ختامها.
الحزن دائمًا مشقّة للمُبتلى، والإرهاق النفسي ماحيًا للاستقرار، والمُبتلى تُحسب أوجاعه في ميزان عادل لا يميل ظُلمًا، فتتجمع له حتى يوم الحصاد، فيحظى بعوضٍ إلهي يُنسيه مرارة الفُقدان على هيئة هدية عظيمة تجبر فؤاده المُنكسر. إذ كانت چيهان على يقينٍ دومًا بأنها ستحصد أيامًا زُرعت بالضيق والتحديات المُثقلة لكاهلها، بدايةً من معرفتها لرمزي، حتى لحظتها هذه وهي مغشيًّا عليها، معانقةً أرضية بيارون.
جفناها مُغلقان، وعقلها في حالة اللاوعي، هاجعة بلا إحساسٍ لواقعها الأليم، كلّ حواسّها مُستسلمة، ساكنة كهدوء ما بعد العاصفة، والمصابيح تتقلقل أنوارها على الجدران القاتمة بحُزن، وحولها رمزي والشيخ نعمان مُتكئان على ركبتيهما، يُجاهدان لإفاقتها بعدما غادرها أورثيم بعد حقبة من الجهاد العظيم لإجلائه عنها.
امتدت الأيادي مُتآلفة لإعادتها مُتيقظة، لكن الوهن الجسدي امتلكها وأحاطها بأنيابه الشرسة، إذ مهما رَجرجها رمزي وناداها بأعلى صوت، لا تزال مُذعِنة لغيبوبتها. استمرا لدقائق، وكلاهما تائقٌ إلى أن يشتدّ ذِمامها وتفيق، فيبحثان عن أيّ منفذٍ ليخرجوا قبل أن تُقابلهم تحدياتٌ أخرى. وإذ على بغتة، بينما "رمزي" يُناديها بفؤادٍ اعتَرته الأحزان، قائلًا:
_چيهان! چيهان! ردي عليّ، فوقي!
انفتحت عيناها ببطء، ورؤيتها ضبابية كمن استفاق من أثر مخدّرٍ أنهك قواه بعد عملية جراحية طويلة، راحت تحدّق في المكان بعينين حائرتين، كأن الذاكرة غادرتها وطمست أحداث ما قبل تلك اللحظة.
تحرّكت أصابعها بخفوت، وما إن استعادت بصرها حتى وجدت رمزي إزاءها، جاثيًا على ركبتيه، رأسه مائلة قليلًا نحوها لكن تاركًا مسافة فاصلة بينهما، وعن يساره الشيخ نعمان في الوضعية ذاتها، والقلق مرتسم على وجهيهما.
جلست چيهان فجأة، يداهمها خجلٌ لم تستطع إخفاءه، فأسرعت بترتيب حجابها وعباءتها السوداء، بينما أنفاسها تتصاعد متقطّعة بسرعة، عندها انطلق صوت الشيخ "نعمان"، تغلّفه بهجة، وهو يقول:
_حمدالله على السلامة يا چيهان، كده وقعتي قلوبنا عليكي؟ قومي يا بنتي، خلينا نمشي من المكان المشؤوم ده بقى ونرجع بيوتنا!
نهض الشيخ نعمان ورمزي ورفعا چيهان لأعلى، فاستقام الثلاثة وبدأوا يتحرّكون بين متاهات بيارون. وبينما حاول رمزي أن يُساندها، تباعدت عنه وتراجعت إلى الوراء برفضٍ، فما زالت تضع قيمها النبيلة ميثاقًا ثابتًا حيالها، فتتعامل باحتشامِ امرأة عفيفة تعترض أيّ تجاوزات.
قدّر رمزي مبادئَها السامية، فازدادت وقارًا في عينيه، فتركها تتساند على الجدران بيديها، لكن بصره لا يزال مُصوبًا نحوها خشيةَ أن تهويَ على الأرض كضحيةٍ خاضعة لعلّتها.
الرُّعب يتنفس في المكان مُفشيًا رهبةً امتدت آثارُها على چيهان، تلك التي خطَت بجوارهم بخوفٍ عارم. العلة الجسدية والنفسية تنهشانها، إذ تحرّكت باضطرابٍ ملأ خطواتها، فتعثرت قليلًا، ما جعل رمزي يفكر أن يعينها بحنانٍ لم يجده إلّا في دُنوِّه منها، لكنه تراجع، واضعًا شخصيتَها العفيفة كتاجٍ على رأسه.
المتاهة تبدو وكأنها بلا آخر، لكن رمزي الذي فتح كتابه بفضولٍ لخطواتهم القادمة، كان مطلوبًا منه أن يقتلع سبع شعراتٍ من رأسه ويدفنها بين التراب. لم يتردّد وسرعان ما بدأ يقتلع شعراته بألمٍ، ثم جلس على ركبتيه فاتّسخ جلبابه بالغبار، لكنه لم يُبالِ بقدر ما اكترث بدفنها. ثم نهض سريعًا دون أن يلاحظه الشيخ نعمان، ذاك الذي انتقد تصرفاته ووجهه إلى الصواب كما كانت چيهان تفعل في السابق.
وبينما انتهى من المهمة، انطفأت الأنوار، فانفجرت العتمة بين الجميع. وبعد لحظاتٍ من الاستغراب، عادت الأضواء ليجدوا أنفسهم في بدايةِ بيارون.
لم يَتريثوا، وسريعًا ما خطوا إلى الطُرقة الطويلة، فانقضت برهة لم تتعدَّ الخمس دقائق، ووصلوا إلى الحجرة الموصِلة إلى الأنبوب العالي، تلك المنخفضة وتغمرها مياهٌ متدنّسة. فرمق "رمزي" چيهان وهي غارقة في إنهاكها، وكأنه يُعيد التفكير في أن يعرض عليها مساعدته أم يترك المياه تُعكّر ثوبها؟ فقال بطفيفٍ من التردّد:
_بتعدي وثيابك تتوسخ ولا أساعدك؟
رفضت "چيهان" مساعدته لها، فكانت أول من وثبَ في المياه، وكأنّها تُبرهن له أنّ لا شيء يُعيق استمراريتها، وأجابت في الوقت نفسِه، قائلةً بتجشُّمٍ:
_لا، أنا هعرف أتصرف.
اتبعها "رمزي" قافزًا برشاقةٍ في المياه، وعلى عقبه الشيخ نعمان. تسارعت خطى رمزي مُقاومًا تعثره حتى تسلّق الجدران التي نقشها كالدرَج في أولِ لياليه في بيارون، وحينما تسلّق ليصعد الأنبوب، قال بنبرةٍ خافتةٍ كي لا يسمعه رجال الغفر:
_أنا بنزل قبلكم أشوف الحال حوالينا، وإذا كل شي تمام، بقوللكم نزلوا، بس لا تعملوا ضجة!
ثم قفز سريعًا داخل الأنبوبِ منحصرِ الزوايا، واستدار بأعجوبةٍ ليكون وجهه مُوازيًا لبيارون، متبصرًا الشيخ نعمان وچيهان من الأعلى. كانت التحدّيات عسيرة، وكأنها مسابقة لصبّة تتطلب الفوزَ من الجميع. فوقفت چيهان في مكانها تنظر إلى الأعلى باعتياصٍ للمهمّة، وشعرت أنّها لن تستطيع فعلها، وكأنّها تُكلف بمشقةٍ فوق طاقتها. لكن جاءتها كلمات "رمزي" الداعمة، وهو يمدّ يده لها، ويقول بتحفيزٍ:
_اطلعي مثل ما طلعت! لا تخافي، أنا بمد إيدي ليكي، اتشچعي!
رمقته "چيهان" بتردّد، ثم رفعت قدميها بصعوبةٍ عارمة على الدرجات المحفورة في الجدار. كادت قدَمها أن تُفلِت فتهوي على الأرض متأذية، مصدرةً صخبًا يجذب أنباه رجال الغفر، فمدَّ رمزي يده لها أكثر.
وحينما بدأت قدماها تنزلقان نظرًا لصغر الدَّرجات، وقبل أن تنحدر على الأرض، تشبّث رمزي بذراعيها على عجلٍ من أعلى أكمام عباءتها دون أن يلامس يداها مباشرةً، ثم تراجع للوراء داخل الأنبوب وجذبها بقوةٍ، فقفزت ودخلت الأنبوب هي الأخيرة، وردّدت ببكاءٍ حادٍّ:
_أنا مش قادرة أكمل، أنا تعبت خلاص.
في نفس الأثناء التي كان يتراجع فيها رمزي بظهره إلى الوراء، والشيخ نعمان يفعل مثلما فعل، محاولًا تثبيت قدميه على الدَّرجات المحفورة، بثّ "رمزي" الأمل في روحها، وهو يقول بمعونةٍ كلامية:
_خلاص بنطلع ونرچع الدار، اهدي شوي يا طيب!
وصل "رمزي" إلى نهاية الأنبوب، فاستدار بجهدٍ شاق ليكون وجهه متجهًا نحو الحياة من الخارج، محترسًا من أيِّ مخاطرٍ محتملة. بدا مطاطيًا وهو يخرج على جزعِ الشجرة بخفة شبابية، ثم قفز سريعًا على الأرض ووقف قبالتها، يعصر ثوبَه من مياه النفق المتكدِّرة بالقذورات. ثم استدار ناظرًا إلى الأعلى نحو الأنبوب، وأشار إلى چيهان بالنزول بسرعةٍ، قائلًا بصوتٍ خافتٍ:
_انزلي هَسّ! هَسّ!
تمكثها رمزي أسفل الشجرة حتى خرجت هي الأخيرة من الأنبوب، وبدت مُتعلقة بذراعيها في الجذوع، ورمزي يمد لها يده كأنه جدارها الحامي الذي تتكيء عليه فيحفظها من الانحدار. إلا أنّها ظهرت رافضة لذلك، واختارت أن تعتمد على ذاتها، لكنها وهي تقفز ارتطمت بالأرض فانجزع ساقها.
خرج صراخها عاليًا، ما جعل رمزي مضطرًا لأن يرفعها لأعلى ويجذبها سريعًا بيديه وهما يسيران على الطريق بعيدًا عن النفق. وبينما يهرولان على مسافة بعيدة، توقفت چيهان مكانها وهي تنتحب من وصبِّ سيقانها. فوقف "رمزي" هو الأخير، وسألها بقلقٍ:
_رچليكي بخير؟ حصلها شي؟
تباعدت "چيهان" عنه بغضبٍ، وجلست على الرصيف في منتصف الحي. فتقدّم الأخير نحوها، محاولًا لمس ساقها المُتألمة ليتفحصها، لكنها صرخت في وجهه باستحياء، وقالت مستنكرةً فعله:
_ابعد إيدك دي! أوعى تنسى الحدود اللي ما بينا! دي غلطتي إني مرجعتش لأهلي، كان المفروض أرجع من بدري، أنا اللي عملت في نفسي كل ده من الأول.
ردَّ "رمزي" بدهشةٍ، فقابلها بحديثٍ ساخط:
_إيش اللي تحكي فيه ذا؟ أنا نيتي سليمة وما فيها شي، أنا بس كنت أريد أتطمن إن رچليكي سليمة وما فيها كسر... وإيش الكلام ذا اللي تحكي فيه يا چيهان؟ هل هالوقت مناسب لهالشي؟
وبينما التفتَ "رمزي" حوله، تذكّر أنّ الشيخ نعمان لا يزال عالقًا داخل بيارون. هذا ما سيعرّضه لخساراتٍ فادحة في حقِّ نفسه، فتحرك سريعًا إلى النفق وهو يقول بصوتٍ مسموع:
_أنا برچع أچيب الرچال ذا ومعاود ثاني، لا تتحركي من مكانك، خليكي مثل مانتي!
بسطت چيهان كفّها على رأسها بانزعاج، وتركته يعاود إلى الشيخ نعمان. فخطا الأخير بتعجيلٍ، منطلقًا كالصاروخ نحو هدفه، وفي طريقه مندسًّا بين الأشجار الكثيفة حول البوابة الخلفية، تقابل مع أحد الغفر من بعيد. كان الصدام مفاجئًا، فلم يتوقع رمزي أن يتقابل معه في هذا الوقت المشحون بالمعضلات.
حانت لحظةُ المواجهة حينما أشار "الغفير" لرمزي، وناداه بصوتٍ تردّدت موجاتُه على كلِّ بقعةٍ من بقاعِ بيارون، قائلًا:
_كنت وين يا رمزي؟ ليش كل ما نمر ما نلاقيك واقف بمكانك؟!
في الداخل كان الشيخ نعمان عالقًا داخل الأنبوب في انتظار مَن يجذبه إلى الخارج، طوال هذه الدقائق مستشعرًا لمساتهم الخفية المداعبة لنعليه، وأصواتهم الخارقة طبلتا أذنيه. لكن بما أنّه رجل دينٍ مرت عليه حالات تشيبٍ لتُلي الشعور، كان مُدركًا أنّها تخويفات منهم لا أكثر، ما جعله يتجاهلهم عن عمد.
لكن ما أثار ارتباكه الحديثُ القائم في الخارج بين رمزي والحارس، إذ تقدّم "رمزي" أمتارًا حتى وقف مستقيم الظهر كمن لا يُبال، وأجابه بثقةٍ ثابتة:
_كل ما تشوفني تسألني وين كنت؟ يعني بلعب أنا ولا إيش؟
قال "الحارس" مبديًا تعجّبه لغيابه المتكرّر عن بيارون:
_إنت اللي دايم تغيب، وكل ما حد يمر يلقى المكان فاضي، إنت اللي زرعت الشك في راسنا كلنا....
ومالَ نحوه وتابع بنبرةٍ ودودة لا يحويها عداءٌ:
_احكيلي الحقيقة يا رمزي ولا تخبي، اعتبرني أخوك ولا حتى رفيقك، واحكيلي!
زفرّ "رمزي" بضيقٍ، فأظهر جانبًا لا أصل له في حياته، ليقول بتمثيلٍ خادع ورأسه مطأطئًا لأسفل بشجنٍ:
_الصراحة بيني وبينك، أبوي تعبان كثير وما له حد غيري، أنا بخطف نفسي كل شوي وبرچع الدار أعطيه العلاچ، خايف لا العمدة يعرف ويقطع رزقي، أنا خايف وأبغاك تفهمني، وما تحكي قصاد حد في اللي صار! أبوي ما له غيري وأنا اللي بصرف عالدار، وأنا كمان اللي بخدمه في مرضه.
كادتِ الدموع أن تنهمر من عيني الحارس بتأثّر، حتى يداهِ، التي تسللت إلى خصره، قربت أن تنغمس في جيب جلبابه وتخرج محملةً بمائتي جنيهٍ إعانةً لظروفه الميؤوسة. وبينما رمزي متدّعيًا الحزن، رمقه "الغفير" بابتسامةٍ هادئة، وربت على كتفه بشفقة، وقال:
_ما تخاف، سرك محفوظ يا رمزي! وإذا صار عالعمدة ضرغام، ما راح يعملك شي، ركز عشغلك شوي وخلاص.
تنهدَ "رمزي"، وقال بكلماتٍ متراقصة على ألحانٍ تارحة:
_يلا الحمد لله على كل حال، بعدين أحكيلك الباقي، بس مزاچي تعبان شوي، خلينا في هالشغل هالحين!
ابتسمَ "الحارس" بلطفٍ، وردّ بحماسٍ كمن يتوق إلى سماع الحقيقة كاملةً في الوقت المناسب:
_ماشي يا رمزي، مثل ما اتفقنا.
فارق الحارس المكان، طابعًا ابتسامته السَّمحة على كل موضعٍ بصره، حتى اختفى عن عيني رمزي، ذاك الذي انتظر الفرصة طويلًا. وبمجرد أن غادره الأخير، خطف نظرةً سريعة للسماء التي زُينت بمصابيحها المتوهجة وقت الغروب، إذ تتسلل الشمسُ برفقٍ لتتقابل مع القمر، وكأنّهما يسلمان بعضهما في وردية العمل.
والطيور تحلق مغردةً في السماء متلاقية مع قوس قزح بألوانه المُبهرة، والنسيمُ البارد بدأ يلامس الوجوه استعدادًا لليل، والغيوم حجبت الضوء عن الحي مع أصوات العصافير المتقابلة مع الغربان، كأنّهما تناقض لعالمي الجنة والنار الذي يعيشه رمزي وچيهان.
قفزَ رمزي فوقَ جزعِ الشجرة، فوجد الشيخ نعمان متكدّس البدن داخل الأنبوب الضيق، يبدو أنّه يعاني من فوبيا الأماكن المنحصرة. إذ مدَّ الأخير يداه له وبدأ يجذبه بكل قوته، مرارًا وتكرارًا حتى أخرجه بالكامل من الأنبوب، وبدأ يعاونه على النزول من الشجرة رويدًا. ومن ثم قفزا الاثنان على الأرض ووصلا بسلامٍ، وفيما يتحركان مُسرعين لمغادرة الحي، قال الشيخ "نعمان" له بامتنانٍ:
_تُشكر يا رمزي إنك رجعت تاخدني، أنا قولت بيني وبين نفسي إنك مش راجع تاني.
أغذَّا الاثنان في سيرهما كأنهما يلاحقان لِصًّا نهب أموالهم. رمزي خطاه أسرع بكثير من الشيخ نعمان نظرًا لقامته المديدة، أما العجوز فسارَ بخطى أهدأ فلا يستطع محازاته في السير.
اندفعَ رمزي وكأن قدميه عجلاتٌ دوّارة تفر على الطريق فرًا، حتى وصلا إلى چيهان، تلك التي جلست متألمةً، وكفُّها منبسط على رأسها بإرهاقٍ عنيف، فانطلق "رمزي" بحديثه، قائلًا:
_يلا يا چيهان، قومي بنرچع للدار، يلا!
نهضت چيهان بثقلٍ، كل مفاصلها تؤرِقها باشتداد. فخطا الثلاثة سويًا، كأنهم خرجوا من أعماق أبعد نقطةٍ في هذا العالم، أو أنّهم عادوا من زمنٍ عريق، متسخّون الثياب، يتحرّكون كالزومبي بخطواتٍ متعثّرة. ظلّوا على هذا الحال دقائق حتى وصلوا قبالة منزلِ الخال فهيم، إذ كان الشيخ "نعمان" على شفةِ الهلاك مما رآه في لياليٍ لم يُغمض له جفنًا فيها. وقف موازيًا لچيهان، وقال بنبرةٍ نعسانة وعيناه تنغلقان في حالة من الخمول:
_ألف حمدالله على السلامة يا چيهان، هجيلك بكرا أو بعده عشان أحصنك، معلش يا بنتي بقى أنا تعبان تعب مشوفتهوش طول حياتي بس الحمدلله، همشي بقى أناملي شوية وخدي بالك من نفسك!
ردّت "چيهان" بنفس الإرهاقِ المحسوسِ في صوته:
_حاضر يا شيخ نعمان.
رفع الشيخ "نعمان" كفَّه في الهواء، محاولًا صلبَ طوله، وقال بكلماتٍ احتُجزت في حلقه تحت وقعِ الضغوط البدنية:
_يلا السلام عليكم.
ثم غادرَ الحي مسترسلًا خطاه إلى منزله القريب، فكان بين كل خطوةٍ والأخرى يقبض على الجدران أو السور. حتى الأطفال الصغار لم يتركهم وشأنهم، اتكأ على رؤوسهم كمن يسير ضريرًا بين الشوارع. وفي تلك الأثناء انسدل الليلُ بستاره على البلاد بعدما اضمحلّ الغروب وتبسَّم القمر في سمائه بأملٍ متجدد.
صعدَ رمزي وچيهان إلى الطابق الأخير سويًا، وچيهان تفعل مثلما فعل الشيخ نعمان في الشوارع، تبدو كالعجوز المتسندة على عكازها، وعظامها تؤلمها بلا رحمة. حتى فتحَ رمزي الباب بالمفتاح ودخل في المقدمة تتبعه چيهان، حتى دخلت الحجرة، وقبل أن توصدَ الباب، وقف "رمزي" إزاءها خارج الحجرة من بعيد، والنعاسُ مسيطرٌ على حواسه، إذ جلأت حروفه من بين شفتيه كالسكران، وهو ينطق بخفوتٍ:
_إذا احتاچتي شي صحّيني، لا تترددي لحظة!
أومأت چيهان رأسها له بلا رد بمعنى "حسنًا، سأفعل"، وصكت الباب برفقٍ، وأمنته بالمزلاق وهي تنظر لعالمها الصغير برؤيةٍ ضبابية تحت تأثير النوم. اقتلعت حجابها في الحال وغيرت ثوبها إلى قميص وبنطلونٍ بنيّ، ثم اضطجعت على فراشها، خاضعةً للنوم في سُبات بعد رحلتها الشاقة في بيارون لأيام.
في الخارج، اقتلع رمزي جلبابه، مكتفيًا بارتداء القميص المنزلي الأزرق والبنطال الأسود، واستلقى على الأريكة وسط الظلام، مضحيًا بمسغبته وظمأه في سبيل النوم. فمن قالَ "النومُ سُلطان" صدق حقًا، إذ لا غالبَ له.
في صباحٍ جديد، انبثقت أشعةُ الشمسِ المتفجّرة في أرجاء الكون، وصدح الكُروان في البُكور على غُصنه، مائلًا بجسده، انسابت موجاته الرقيقة من حنجرته الذهبيّة. الطيور ارتفعت في أسرابٍ متناسقةٍ تعانق السماء، وعلى الأرض نهضت الجِمال والنياق من سُباتها الطويل وسط رمال الواحات.
امتد الموقع إلى بلدة بعيدة عنها في جنوب سيناء، حيث البلدة الغريبة التي تحتفظ ببرودتها حتى في الصباح الباكر، حتى عند استهلال الصيف تبقى نسماتها باردة. هناك، كانت ريم تستيقظ والغطاء الحاني ما يزال ساترًا جسدها. رأسُها مائل على الوسادة، لا تدري لِمَ استيقظت في البكور رغم نومها المتأخر؛ فقد انقطع حديثها مع إسلام حينما داهمها النوم فجأة. اعتادت أن يكون أول من تُصبح عليه هاتفها، كأنه رفيقها الودود الذي لا غِنى عنه.
فتحت عينيها نصف فتحة، والهاتف بين يديها. أوّل ما فعلته أنها شغّلت بيانات الهاتف، فظهرت الإشعارات والرسائل على شريط الشاشة. كانت آخر رسالة من "إسلام"، يتساءل فيها باستغراب:
_ريم إنتي روحتي فين؟ على العموم أنا مضطر أقفل، هكلمك بكرا إن شاء الله... تصبحي على خير.
كان آخر ظهورٍ له منذ عشر ساعات، فتمدّدت أنامل "ريم" على الشاشة وهي تُجيب باعتذار:
_معلش آسفة، مكنتش نمت كويس الأيام اللي فاتت.
وبينما تُتابع النسبة المئويّة للبطارية وجدته على مشارفِ النَّفاد، فنهضت بلياقةٍ، ووضعته على الشاحن، وخرجت برعشةٍ قوية إثر برودة الأجواء.
دخلت المرحاض ووقفت حيال المرآة تشطف وجهها بالمياه الدافئة والصابون، ووراءها السخّان يُطلق شراراتٍ بسيطة، لا تدري لِمَ بكت والمياه تغمر وجهها وكأنها استثارت مشاعر الحُزن في قلبها، جعلتها تقتلع رداءَ القوّة وتقايضه برداء الضّعف النفسي.
نظرت لذاتها الواهنة في المرآة فاستعادت ذكرياتها الجميلة مع عمرو، ذاك الذي لم ولن يعود، معتبرةً أيَّ رجلٍ غيره في حياتها ما هو إلا مسكّن سينتهي مفعوله في أي وقت لتعود إلى واقعها المُحزن.
وبينما ترفع كفها إلى صدرها وجسدها ينتفض حُزنًا وكأنه يحاول إقصاء الذكريات عن ذهنها، سقطت المرآة أرضًا ما جعلها تبتعد إلى الوراء بقشعريرةٍ مفاجئة، ثم خرجت تمامًا من المرحاض وجفّفت وجهها بالمنشفة.
وأوّل ما فعلته أنّها التزمت بعلاجها الرّوحاني المُلزمة بختامه، التقطت السبع تمرات من العلبة، وتناولتهنّ واحدةً تلو الأخرى على الريق كمن يلتقط برشامًا لعلاجه العضوي، الفارق أنّه روحاني، وأشدُّ عذابًا، فتحرّكت سريعًا إلى غرفتها وهي تقول:
_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ثم جلست على سريرها وأمسكت هاتفها تقرأ منه سورتي البقرة والصافات كاملتين في جلسةٍ واحدة، اعتِبارًا بأنهما ملجأٌ لها من التحويطِ السُّفلي الشنيع الذي لم يترك لها بابًا في حياتها إلّا ودَمّره تدميرًا، قائلة:
_بسم الله الرحمٰن الرحيم ﴿الٓمٓ (١) ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ (٢) ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (٣) وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة]
تزايدت الذبذبات في ساقِها الأيسر كأن أعصابها اتّصلت بمحركٍ كهربائي، وكلّما وصلت إلى آياتِ السِّحر زادت الأعراضُ عليها، لكنها واصلت بثباتٍ وهي تضع قدميها في أُولى مراحل العلاج. فالأعداءُ اعتبروا الحياةَ معركة، ما جعلها بِنِيةً ثابتة لا تتزعزع في أن تنتصر على الشر، وتتخلّص من عقبات الماضي.
وصلت الساعةُ الحاديةَ عشر، فنهض رمزي من نومه ثم دخل المرحاض ليتحمّم ويُزيل آثارَ حربِ بيارون من جسده، ثم همّ بارتداء جلبابٍ جديد، ووقف يصفّف شعراته الناعمة بالمشط قبالة المرآة مع القليل من الكريم الذي جعله ذا لمعانٍ فاتن.
ارتدى ساعةَ اليد في معصمه الأيسر، مهتمًّا بمظهره على الرغم من كل ما حدث، ثم رشّ القليل من العطر، وارتدى نعله مُلقيًا نظرةً سريعة على چيهان، ثم خرج من المنزل بنيّة شراء الأدوية المقوِّية والطعام له ولچيهان. وبينما ركب المصعدَ الكهربائي ونزل إلى الطابق الأرضي، كانت البوابةُ مفتوحةً على مِصراعيها كعادتها كأنها تستقبل الأحباب بسخاء، لكن الغريب أنّه وجد "غيداء" في ثوبها اللافت ومكياچها الصارخ، واقفةً قبالة باب منزل والدها، مبتسمةً ابتسامة خبيثة تُوغر الريبة في القلوب، فنادته برقة صوت وهي تقول:
_حمد الله عالسلامة يا رمزي يا ولد العمة يا غالي، ترچع الدار وما تمر عخالك تسلم عليه؟
وقف "رمزي" مُوجهًا سيفَ جسده لها دون أن يلتفت إليها بالكامل ويعطيها اهتمامًا لا تستحقّه، مُجيبًا باختصار:
_كنت راچع مرهق وأبغى أرتاح، هو خالي فهيم چوا ولا وين؟
خطت "غيداء" عتبة الباب ووقفت بالقُرب منه، وأجابته ببسمةٍ غير مُبرَّرة:
_أبوي وأمي وخواتي هناك عند عمي عاصم، قاعدين يفطروا معاه بالدار....
ثم تغيّرت ملامحها للحُزن كمن تذكّر مشكلة عارمة لا بدّ من حلها، فقالت بصوتٍ هزيل:
_من ساعة ما أبوي وأمي وخواتي راحوا للدار الثانية عند عمي، وآني سامعة خروشة غريبة، مرة في الحچرات ومرة في الصالة ومرة في المطبخ يا رمزي! چيت أبص، لمحت فُرّية، طلعت أچري وراها لين أموتها بالخشبة، قامت دخلت حچرتي، خوفت تعضني، تعال يا رمزي خرچهالي من الحچرة، ينوبك فيا ثواب، آني خايفة من ساعة اللي صار.
لم يكترث "رمزي" لفيلمها الدرامي، فخطا خارجَ البوابة وهو يقول باعتراضٍ واضح:
_لما أبوكي وخواتك يرچعوا، يطلعوها بمعرفتهم... سلام.
ترك رمزي دار الخال فهيم، واستقلّ إحدى السيارات ليذهب إلى أقربِ المتاجر في البلدة فيشتري ما يحتاجه مَسكنهم الصغير. أظهر لامبالاةً عجيبة ألهبت نيرانَ الغيظ في فؤادِ "غيداء"، فوقفت حيال البوابة الرئيسية للمنزل، ورفعت يدَها على خصرها وهي تهتزّ سخطًا، إذ لا ترى أيّ محاولات للجذب تأتي بالنفع معه، لربّما لا يراها من الأساس كالهواء، فنطقت بغضبٍ سال من حديثها:
_مهما أسوي وياك ما بينفع، لا أحمر ولا أزرق ولا أخضر ولا أي شي بينفع، كأنك ما شايفني من الأساس، كل ذا عشان الست چيهان؟ تترك فاكهة العيلة بنت خالك وتدور عالغريبة؟ إن شاء الله علاقتك بيها تنتهي عيّدي...
ورفعت حاجبها بكيدٍ، مسترسلةً بحدة:
_وآني يا هي يا رمزي، اختار الحين وإنت حر!
ثم دلفت إلى المنزل وأوصدت البابَ وراءها بعنفٍ كأن مشاعرَها المتأجّجة هي التي تقودها في هذا الأون، فلا ترى منطقًا لامتناعه عن حبّها مثلما يفعل مع الأخيرة. الآن، الملحمةُ خرجت عن صمتها لتبدأ معلنةً صراعَها مع الجميع.
حينما يعيش المرءُ الحبّ الحقيقي مع مَن يرتاح قلبه لمجاورته، تغشى عينيه بغشاء الوفاء والمحبة الطاهرة، فالمحبُّ الصادق لا يخون وإن كان أمامه نساءُ العالم أجمعين بأشكالهم وألوانهم وشخصياتهم المتفاوتة.
الحبيب يستحوذ على العقل والروح والقلب حتى الحواس وكأنها لا تعمل إلا في وجوده، إذ لا يسمع سوى من يُحبّ ولا يرى سواه، حتى الطعام والشراب لا مذاق لهما في غيابه، حتى البدن الذي يعيش التكاسل إن لم تبصره العين ثانية.
في الطابق الأخير، استيقظت چيهان من نومها بجسدٍ مثقَل بالآلام، فنهضت وهي تتساند على الجدران بسيقانٍ ضعيفة ينقصها الفيتامينات التي خسرتها حينما علق الثلاثي في بيارون بلا طعام أو شراب لأيام.
دخلت المرحاض وصكت الباب برؤيةٍ مشوشة، غيرت ثوبها المتسخ ووقفت أسفل المنضدة بإنهاكٍ عارم اعترى أطرافها. صرير المياه المنحدرة على الأرض انتشر في المنزل، وفاحت روائحُ الصابون المعطرة بالفراولة، والأفكار تتكدّس في رأسها المنشغل بالمآب إلى أسرتها، متذكرةً كل فردٍ من العائلة حتى التي تسبّبت في دمار حياتها منذ البداية، مَن عرضتها على الساحر اللعين، فانزلقت الدموع حسرةً على أخيها يوسف المتوفي، متذكرةً لحظاتهم السعيدة في صباهم حينما كان يحملها على ذراعيه وهي تنتحب وتأكل الحلوى في نفس الآن وكأنها مثالًا للتناقضات الطفولية العجيبة.
ووالدتها التي تفكر في حالها وتبكي كل ليلة متوسلة الرحمن ألا تفقدها مثلما فقدت ابنها الأكبر. كل شيء مرّ على خاطر چيهان خلال نصف ساعة من الاستحمام، فالأفكار والذكريات لا تأتِ في المرحاض هباءً، ولا تفسير لذلك سوى أنّ العزلة تنبش في الذهن مستخرجةً أحزانًا وأفراحًا من الماضي الدفين.
خرجت چيهان من المرحاض ملتفةً بالمنشفة حول جسدها، ودخلت حجرتها وصكت الباب بالمزلاق وارتدت عباءةً وحجابًا جديدين، وجلست على سريرها وأغمضت جفنيها بانهاكٍ، كمن استسلم في ساحة عراك لأنه لا يملك سلاحًا يدفع عنه المضرة.
مرّت الدقائق حتى عاد "رمزي" ببعض المشتريات وتركها جانبًا عدا الأدوية، إذ طرق بابَ حجرتها برفقٍ، فانفزعت الأخيرة في الداخل ورفعت كفّها على صدرها بأنفاسٍ متضاربة، ثم نهضت بهدوء وفتحت الباب ويداها اليمنى متساندة على الجدار، لتجد رمزي يقول بتردد:
_أنا چيبتلك شوية فيتامينات، خوفت تتعبي زيادة ويكون ذنبك برقبتي، وكمان چيبت أكل، بروح أچهزه بسرعة في الصحون وبرچعلك، بس خذي الفيتامينات الأول!
ردّت "چيهان" بإرهاقٍ، فخرج صوتها ضعيفًا:
_شكرًا، متتعبش نفسك زيادة، أنا مش عايزة حاجة.
نطق "رمزي" بلطفٍ، باثًّا مزاحًا خفيفًا في الأجواء، عسى أن يخرجا من عتمةِ المشاكل إلى نورِ الصفاء:
_لو تقصدي إني ما بعرف أطبخ بتكوني غلطانة يا بنت، لا والله! عندي رصة طماطم وخيار مقطعين چوا الأطباق ما حد بيعرف يعملها، ولا حتى الچبنة يحطونها چنب بعض بنظام مثلي! البطاطس ما تتّرص عبث هيك، لازم أرصها واحدة واحدة چنب بعض، الفلافل ما تتحط عالطول كذا، أفرش تحتها مناديل عشان الصحن ما يتزيت.
ضحكت "چيهان" ضحكةً هادئة، إذ ظنت أنه سيحكي عن إنجازاته لصُنع ولائم فاخرة، لكنه تحدث عن رَصّ الطعام الذي لم يصنعه من الأساس، وقالت:
_هي دي مهاراتك في الأكل إنك ترصه وبس؟
رفع "رمزي" السبابة بحزمٍ وعبس وجهُه، وقال مستنكرًا:
_لا ما الرص وبس!
سألتهُ "چيهان" بفضولٍ متزايد لسماع المزيد من هِزله:
_أمال إيه تاني؟
ردّ "رمزي" بجدية، وأجابها بثقةٍ عظيمة في النفس:
_إني آكل الأكل، هذي ثاني مهارة لي في الحياة.....
ضحك الاثنان وهما يعيشان في أجواءٍ مازحة خفّفت عنهما وطأة الهموم، فشبكت چيهان يديها في بعضهما وهي تُخفي ضحكتها الخجولة، فقهقهَ "رمزي" بنبرةٍ عالية وخطا إلى المطبخ الصغير، مسترسلًا بإجبار لطيف:
_ما في شي اسمه ما بتاكلي ولا بتاخدي الفيتامينات، بتاكلي يعني بتاكلي، بلا كلام فاضي!
دبَّج رمزي البهجة على شفتيها بحديثه العابث، وكأنّه منحها طاقةً إيجابية جعلتها تخرج من الحجرة إلى الصالة بحماسٍ، فجلست على الأريكة وشغّلت التلفاز على قناتها المُفضلة، فانتشر صخبهُ اللاهي في بقاع الشقة، وأمامها باب السطح مفتوحٌ والرياح تقتحم المكان مع أشعة الشمس المجدّدة للهواء من حولها.
بينما "رمزي" أفرغ محتويات الطعام داخل الأطباق، ووزّعها على صينيةٍ واسعة مع زجاجة من المياه الباردة، وعلبةِ الفيتامينات، خرج لها بسُكْنى حتى وضع الصينية، مظهرًا قدراته الإبداعية لتثبيتها على الطاولة، ثم التفت لها، وقال لها بإلحاحٍ:
_يلا يا زينة، قومي ناكل، خلينا نرچع مثل ما كنا وأحسن بعد!
مشقت "چيهان" كفًّا على الآخر، ورفعت حاجَبَها باستنكارٍ، متسائلةً بنفس أسلوبه الهزلي:
_زينة مين؟!
تضاحكَ "رمزي" وبدأ يشرح لها المعنى المقصود بيديه، فجال بعينيه حوله يبحث لها عن ردٍّ يزهر قلبها ورودًا، حتى أنزل ناظريه إليها من جديد، وقال بابتسامةٍ متغزلة:
_زينة مو اسم بنت، عنّا زينة يعني صبية حلوة، منورة وعينيها تخطف أي حد، قلبها رقيق وأبيض مثل القشطة، ما تعرف يعني إيش حقد أو كراهية، من الآخر واحدة ما لها مثيل.
نهضت "چيهان" في مكانها، وأبدت استغرابَها، قائلة:
_كل ده؟!
أجابها "رمزي" ببسمةٍ عَطوفة:
_وزوّد بعد هالربع... يلا كلي!
جلست "چيهان" على المقعد بانهاكٍ، ونظرت له بتعجّبٍ، فما زال واقفًا مكانه بلا حراك، بدا كمن لا رغبةَ له في تناول الطعام، فسألته باكتراثٍ:
_مش هتاكل ولا إيه؟!
وقف "رمزي" على مسافةٍ متباعدةٍ منها، وبسط كفًّا فوق الآخر، وأظهر مدى احترامه للحدودِ بينهما، تلك التي حفظها أكثر من حروفِ اسمه، ليُجيبها:
_ما بيصير ناكل سوا، أدري إنك بترفضي، كلي قد ما بتقدري، ولما تفرغي أكل باكل مكانك.
امتدّت أصابع "چيهان" نحو الطعام تصنع له الساندويتشات المختلفة، مبديةً اعتراضَها لما يقوله، ثم قالت برحمة مُتيمٍ:
_لا طبعًا مينفعش اللي بتقوله ده، يعني إيه تاكل مكاني؟ أنا مش هقبل بكده.
وبينما تصنع له الساندويتشات بحُبّ، جمعتْها داخل الطبق، ومدتها إليه بخجلٍ، فظلَّ رمزي ماكثًا مكانه وكأنه تحول إلى تمثالٍ صامت. الحياةُ لا تكمن سوى في عينَيه الرامقتين عيناها بمشاعر دفينةٍ من الهوى، إحمرتْ وجنتا "چيهان" في الحال، ووجّهت إليه سؤالَها، قائلة:
_في إيه؟ مش هتاخد الطبق؟!
جذب "رمزي" الطبق نحوه وجلس مستريحًا على الأريكة بابتسامةٍ ساكنة، فقابلها بقولهِ الممتن لاهتمامها به، قائلًا:
_تسلم إيديكي.
انهمكَ الاثنان في تناول الطعام حتى الفيتامينات التهماها تعويضًا عن تدهور صحتهما في الأيام الماضية، إذ نحف جسديهما، وخاصة رمزي الذي أصبحت ملامحه أكثرَ حدةً وخشونة عن قبل.
في الماضي كان ممتلئ الجسد، لكن بشكلٍ مثاليٍّ لا ينتمي أبدًا إلى فئة الثخناء، كان أشد جمالًا، وشعراته الحريرية دومًا ما كانت مميلةً إلى عينيه، مكتسبًا شبهًا عظيمًا بينه وبين والدته المتوفاة، لكن بفعل الظروف العسيرة تبدّل إلى مُعافرٍ أقصى طموحاته أن ينجو في معارك الحياة.
وبينما اختتم رمزي تناول الطعام، وشرب المياه الباردة في الكوبِ الاستانلس الذي زاده برودةً، إذ على حين غرة تفاجأ بمكالمةٍ من أحد رجال الغفر يستدعيه لمقابلة عاجلة بينه وبين العمدة ضرغام في السرية.
لم يتمهل "رمزي"، إذ نهض في الحال والارتياب يلوذ به، متوقعًا أن حارس الأمس أفشى سره الزائف لعمدةِ البلد، ما جعله يتوقع أسوأ السيناريوهات. وقبل أن ينصرف إليه، قال لچيهان بنُصحٍ:
_أنا رايح لعمدة الديرة، الظاهر يبغاني في شي مهم، ديري بالك عحالك يا چيهان ولا تطلعي من الدار! وإن ودك تشوفي صبا خليكم چوا الدار، زين؟
نهضت "چيهان" ورتّبت الأطباق فوق بعضها بنظامٍ استعدادًا لشطفها، وفي تلك الأثناء ردّت بطاعةٍ:
_تمام.
أَفَلَ رمزي إلى سرية العمدة على عجلٍ، فيما خرجت چيهان سريعًا إلى السطح، تشبّ على أطراف أصابعها لتطمئن عليه من بين فراغات الحديد والزجاجِ المَهِيض الذي شكل عائقًا لرؤيةٍ سليمة، لكنها لم تستسلم وتابعت تحركاته من الأعلى فوجدته خرج من المنزل متجهًا إلى دارِ عمدة البلد الذي يقع في آخر نقطةٍ في البلدة.
وبعدما اطمأنت عليه، دخلت المطبخ تنظف الأطباق على الحوض الاستانلس، أسفل المياه الجارية، الشقة هادئةٌ، وأذناها تصغيان لزمجرات الجِمال الوافدة من مسافةٍ نائية في الصحراء.
انطرق باب الشقة بحركةٍ مباغتة، وأول ما جال بذهنها أنها صبا، فجففت يديها في المنشفةِ البرتقالية المعلقة على الجدار، وخطت باتجاه الباب لتفتحه إلى أن وجدت "غيداء" قبالتها ببسمةٍ غامضة، لم تتمهل حتى ضمّتها الأخيرة إلى صدرها بشوقٍ، وقالت بمسرةٍ لرؤيتها:
_حمد لله عالسلامة يا چيهان، لكي غيبة ما شِفتك من زمان.
ردّت "چيهان" بابتسامة لطيفة نبعت من طيات روحٍ صافية، جاهلة لأساليبَ المكرِ الخادعة:
_الله يسلمك يا غيداء، ادخلي!
دلفت الاثنتان إلى داخل حجرة النوم، فجلست چيهان على السريرِ برهبةٍ تجهل مصدرها، فشاركتها الأخيرة القعودَ على سيفها، متدعية خجلًا لم تسمع عنه طوال حياتها، إذ تنحنحت بصوتها، ثم قالت بهدوء نفس:
_بصراحة يا چيهان، آني چاياكي في سالفة مهمة، بس مستحية برضه لأنك أخت رمزي، والله عالم كم محبتي لكي كبيرة.
سألتها "چيهان" بصدرٍ منقبض عما تقصده بحديثها:
_وإنتي كمان ليكي معزة عندي، بس إنتي عايزة تقولي إيه يعني؟ في حاجة إنتي مكسوفة تقوليها؟
أجابتها "غيداء" بزهزقةٍ مصطنعةٍ، وربّتت على ساقها بمزاحٍ، ثم صمتت لثوانٍ وبدأت تحدثها بشكلٍ جاد، قائلة:
_والصراحة يعني، ما راح أستحي وبقولك اللي فيها، رمزي له شهور وأني ملاحظة عينه عليّ، وإنتي أخته وأكيد قالك كل شي، ما يخبي عنك، بس له فترة كل ما يشوفني يوقفني ويحكي بأي سالفة، المهم يحكي وخلاص، وبالصراحة آني بعد عيني عليه، بس خايفة لا أبوي وناچي يدروا بشي....
انتابت چيهان عاصفةٌ جرفت هدوءَها وأشعلت اللهيبَ في قلبها، حاولت أن تتمالك أعصابَها قدر المستطاع حتى لا ينكشف المستور، والأخيرة تزيدها كيدًا، مُتابعةً:
_آني رايدة رمزي وهو بعد رايدني، وقلبي يقولي هيك، أبغاكي يا چيهان تجرينه بالكلام بطريقتك وتعرفين إن كان يحبني بصدق ولا لا، إنتي أخته وما تحتاچي توصية!
ردّت "چيهان" برباطة جأشٍ تتعارض مع طوفان عواطفها في هذه اللحظات، فقالت بإحباطٍ مقصود:
_للأسف رمزي بيحب واحدة مش من البلد هنا وكان حاكيلي عنها كذا مرة، فانا بما إني أخته بقولك طلعيه من دماغك، هتلاقي فُرص أحسن منه بكتير صدقيني!
غيداء كمن اصطدمت في جدارٍ صلب هشم مشاعرها، لم تتوقع أبدًا أن تقابلها چيهان بهذا الرد، كانت تظنها خرقاء ستهزمها بكيدها، لكن تفاجأت بإنهاءٍ قاطع لعلاقتها برمزي، وكأن چيهان أدركت مقصدها فردته بحصافةٍ، فكما يثور رمزي من مجرد تخيّل من أهواها قلبه مع غيره، ماثلته چيهان في نفس الأمر وهي تشعر بوهجٍ ناريٍّ يحرقها من الداخل.
في سريةِ العمدة، حيث تكمن المفاجآت المدهشة، كان الشيخ "ضرغام" جالسًا على كُرسيه في بهوه الرحيب الذي ترمح فيه أفواجٌ من الخيول، منزله لا يخلو من خيرات الطبيعة، كدلالةٍ واضحةٍ على الثراء الفاحش.
وقف رمزي حياله بثباتٍ والهواجس تعصف بذهنه، والفضول يقتله لمعرفة المستور، تنهد الشيخ ضرغام بعمقٍ، ثم ابتسم ابتسامةً واسعة، وقال بفرحٍ:
_أبوك كان موصي عليّ ما أحكي معك بهالسالفة إلا يوم آخذ القرار، عشان أسوّيهالك مفاچأة وأفرّح قلبك وقلوبنا كلنا يا رمزي.
اندهشَ "رمزي" مما تلفظه فمه وكأنّه يلقي عليه تعاويذهُ المشفرة، فتجعد وجههُ بخطوط التعجب، متسائلًا:
_وش چاب أبوي لهني؟ وش السالفة اللي تحكي عنها يا شيخ ضرغام؟ أنا ما فهمت شي.
قهقه الشيخ "ضرغام" مزدريًا ردةَ فعله، وقال:
_عليكم سوالف تضحك يا شباب، يكون الشاب مستحي ويسوي روحه ما يدري، بتنكر إن عينك عبنتي دليلة؟
وقع رمزي في صدمةٍ عنيفة قبضت على لسانه، والشيخ "ضرغام" متابعًا طور بهجتهِ التي هي في الأساس لتنفيذ مصالحه لا أكثر، مسترسلًا بنفس البسمةِ الثابتة:
_مبروك يا رمزي، آني راضي بزواچك من بنتي دليلة.
يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة