الفصل الثالث والثلاثون

الفصل الثالث والثلاثون

17 0

القرار مسألة تقتضِي عمق التفكير والتأمل بتكرارٍ ممل، أفكار تجوب في الذهن مرة، اثنتان، ثلاثة، خاصة إن كان قرارًا مصيريًا يتطلب التأني، فالعجلة من الشيطان، وسرعة اتخاذ القرارات ما هي إلا باب للندم... فالوقوع في الخطأ لحظة، لكن الندم يعيش في الروح سنوات ويقتلها بالبطء، فتنفلت الحلول بفكر متسارع، وحينما لا تحسب الأمور ببُعد نظر لا ترصد دخان الحرائق في الأفق المتناء.

ماكرًا، حاويًا، شخصية ثعبانية ملتوية، البشر العاديون تحكمهم مشاعرهم، عدا هو الذي حكم مشاعره، أظهر براعته في التمثيل الحاذق لتعبيرات تتناقض مع عواطفه... رمزي! ذاك الشاب الحويط الذي يرى استحقاقيته لتولي الحكم بدلًا من الشيخ ضرغام ذاته، نعم لم يكن العمدة رجلًا سهلًا ولا يقتنع بحكايات الأفاكين بهذا اليسر، لكن رمزي بتدجيله وفكره الحصيف جعله من مذهولي الفيلم البارع، وكأنه مخرج ظافر في عمله أثار اندهاش الجماهير ببراعته.

وفي تلك اللحظات التي بدت وكأنها أعوام من الانتظار، أصبح العمدة بهيبته وعظمته منتظرًا الرد بخوف يسري في عروقه كمن يتمكث نتيجة الامتحانات، نفس القلق، نفس الخوف... لا يدرى الشيخ ضرغام لما طغى الأدرينالين على شعوره، على الرغم من أنه وُلد وعاش طاغيًا وكأنه جاء إلى الحياة لينشر الرعب في الأنفاس المكتومة ذعرًا، لكن لا تحليل سوى أن رمزي هو المستحق لمنزلة العمدة عن كثب وبكل تأكيد.

ظهرت دلالات التردد على وجه "رمزي" وكأنها توحي بالرفض، لكن بعد ثوانٍ، أجاب بحيرة:

_يا شيخ ضرغام، والله فاجأتني بهالسيرة، مانا ضامن أشتغل معك مرّة تانية، واللي صارلي يرجع يصير. المرّة اللي فاتت ربك سترها، بس الجاية؟ يمكن تودّيني ورا الشمس!

ثم رفع جسده بتبختر ليسترسل اعتراضه بثقة في النفس:

_أنا ما إلي حاچة بهالشغل، أموري مستورة والحمد لله، وما لي طمع في ولا شي... أنا رمزي الطوخي، من عيلة إلها عربيات وفلوس وجاه وبيوت بكل ديرة، ما بنحتاج شغل الغُفر ولا نقرّب صوبه.

قاد الإصرار الشيخ "ضرغام" إلى أن يعرض على رمزي عرضًا فيه أمرٌ نافذٌ مضمر، وهو يعلم أن رمزي من أعماق قلبه يتمنى فرصة سانحة كهذه. فمَن الأحمق الذي يُقدم إليه عرضًا استثنائيًا ليكن من ضمن رجال عمدة البلدة ويرفضه دون تأنيب ضمير؟ لكنه منحه مهلة يفكر فيها بتريُّث، فرفع رأسه بهدوء، وقال:

_غناك ما يغنيك عن الشغل معاي يا رمزي، الفرصة چتك ورچّال جليل اللي تچيه، آني ما راح أتحايل عليك، بخليك تروّح تفكّر، وبس عجلك يصفى، تيچي برچليك وتجول: آني موافق.

انشقت الابتسامة من شفتيه الصامدتين إزاء وضع محير، ظاهره حيرة عنيفة، وداخله قرار نهائي، وقال:

_يا شيخ ضرغام، مشكور والله، عالعموم أنا بخلّي بالي وأفكر زين وبرد عليك، بس خليني أرتاح شوي من تعبي الأول.

تلفَّظَ الشيخُ "ضِرغام"، مُبديًا تعاطُفه مَعه، قائلًا:

_سلامتك.

ردّ "رمزي" بوَهَنٍ في صوته، جعل لسانه يتخبّط في فمه بمعاناة، ويده تتحرّك على كتفه المصاب بألم:

_الله يسلمك.

نهض الشيخُ "ضِرغام" من موضعه يُنَاجِلُ الوقتَ قبل أن يتأخّر على موعد الجلسة العُرفيّة التي باتت على مشارفها، يرفع الشالَ فوق ظهره باستعداد، وهو يقول في نفس الوقت بتعجيل:

_ورايا چلسة عرفية مهمة، وين ما تفكر وصل الخبر للرچالة اللي بره...

وأشار على حقيبة المال، مسترسلًا بإلزام:

_خذ معك حجيبة الفلوس وإنت ماشي، هذي حجك وحج اللي سويته عشاني.

نهض "رمزي" سريعًا، وقتما صغى لكلماته، وأجاب بموافقة:

_ما أقدر أكسر كلامك، اللي تشوفه يا عمدة ضرغام.

رفع رمزي الحقيبة بيده السليمة وكأنّه مُجبَر على استلامها، ثمّ تحرّك وراء الشيخ ضِرغام وهما يخرجان من لُبِّ السِّرّية إلى أنوار الحياة في الخارج، فيبدو الأمل جليًّا مع شعاع الشمس الذي نَشَر أَسِنّةَ التجدّد في هذا العالم.

كان الغُفر في انتظار خروج الشيخ ضِرغام، فيهرولون وراءه كأفراخِ البطِّ المُتعقِّبةِ والدتَها بأحضان النهر الجاري. منهم من يفتح له باب السيارة بيدٍ مُرتَعِشة، وكأنّه وزيرٌ مرموق، والأخير يركب في مقعد السائق استعدادًا لرحلةٍ جديدةٍ تُمحى فيها مشكلاتُ البلدة على يد كبيرهم، الرجل المتّسم بالعدالة والحق، فيُسوّي الأوضاعَ المُشتّتة، ويُبرزُ حكمًا مُنصِفًا بعد سماعه الحقيقةَ من الطرفين، والأخير يقف قبالةَ السيارة إلى جوار رمزي يترصّد أيَّ اكتساحٍ مُحتمل.

بدأت السيارة تتحرّك بالشيخ ضِرغام إلى الجلسة العُرفيّة، فيما رفع الغفيرُ يدَيْه لأعلى باتجاه مسار السيارة، وأعرب عن تعظيمه لسلطانه، قائلًا:

_الله يحييك ويرچعك لنا بألف سلامة يا عمدة ضرغام.

أمّا رمزي فقد غادر بالحقيبة متّجهًا إلى أحد متاجر الهواتف ليشتري هاتفَين مُستحدَثَين، واحدًا له، والآخر لچيهان، تعويضًا عن تقصيره معها حينما ترك المللَ يأكل اجتماعيتها، تاركًا وحدةً سائمةً تقود حياتها وهي تعيش انطوائيّة بلا هاتفٍ يُرفّه عنها أو تلفازٍ يُعيق عنها الأحزان.

كان حريصًا أن يختار أفضل الأنواع، وفي عقله خطةٌ مُحكمة تجعل المائة ألف جنيه شلّالًا من الثراء لا ينفد. وفي أحد المتاجر البسيطة بالبلدة، بدأ يختار الهواتف من صفوفٍ متنوّعة عنوانُها الذكاءُ المُستحدَث.

لم يرغب في التكرار أو الامتثال، بل انتقى أبهظَ وأجودَ الأنواع بألوانٍ متباينة، وكأنّها تصف شخصياتهم وتُعبّر عن أرواحهم بدقة.

إن وجد الأغلى من ذلك لكان دَفَع دون تفكيرٍ أو تردّد، لكنه بعدما اختار الأفضل من بينهم، دفع الحساب، وغادر إلى المنزل، غارقًا طوال الطريق في بئرِ أفكاره الغَور، إن كان سيلامسُ لَمعَ الانبهارِ في عينيها، أم أنّها لن تَنبهر بعد... كانت الدقائقُ تمضي وكأنّها ساعات، حتى وصل إلى المنزل، حامِلًا حقيبةَ المال بيده الصحيحة مجازًا، في تمثيليةٍ حاذقةٍ غلبت رصانةَ الجميع.

في الأعلى، تتوشّحُ التقوى على الطابق الأخير، الذي فاح منه نسيمُ الإيمان، و"چيهان" مُستَربعةٌ على السرير، تتلو آياتِ القرآن الكريم بصوتٍ عذب، والسَّبابةُ تُشير بهدوءٍ إلى كلّ كلمة، فقالت قولَ الله تعالى:

_قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ (109) يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ (110) قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ (111) يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ (112) ۞ (سورة الأعراف)

انفتح بابُ المنزل، فخطا رمزي إلى الداخل مستمعًا لصوتها، وكأنّه يُصغي لكَروانٍ بهيٍّ يُطرب الآذان ويشرح الصدور. صَكّ البابَ وراءه، وتنحنح بصوته قبل أن يدخل الحجرةَ بالحقيبة، وكأنّه جرسُ إنذارٍ سريع. لكنه، ومع اقترابه من الحجرة، ارتجف جسده رجفةً قوية بمجرد أن اقترب من مصدر التلاوة، لدرجةِ سقوطِ الحقيبة من يديه، وتألم بدنه بشكلٍ غامض أثارَ فضولَها، فتوقّفت عن القراءة، ونطقت:

_صدق الله العظيم....

وبينما رمزي يَقتلع حمالةَ الذراع، ويُعاود رفعَ الحقيبة، نهضت "چيهان" من السرير، وظلّت في زاوية الحجرة تُرمقه بخوف، خَشيةَ أن تفوح رائحةُ الشياطين والجِنّ من حولهم فجأة، إذِ الكياناتُ الجاريةُ في دِمائهِ مجرى المياه، تبدو مُنزعجةً انزعاجًا عنيفًا من قراءة القرآن، فسألته بقلق:

_مالك؟

أجاب "رمزي" باستنكارٍ لما يشعر به من رَجَفاتٍ حارّةٍ في بدنه، فقال:

_ما في شيء....

استخرج الهواتفَ الذكية من داخل الحقيبة، تبدو جديدة، مُشمَّعة، لم تُفتَح من قبل، ما أوحى بحداثتها، ومدّ إليها الهاتفَ الأبيض بسخاء، واسترسل:

_أنا شريت تليفونين، واحد إلك، وواحد إلي.

أشاحت "چيهان" بيدها رافضة الهاتف، وقالت بشدة:

_لا مش هاخده، هعمل بيه إيه؟ أنا مش محتاجاه في حاجة.

وضع "رمزي" علبة الهاتف أمامها على السرير، فنظرت إليها سريعًا، ثم صرفت بصرها بعيدًا، فقال:

_هتحتاجيه... ولو صار معكي ظرف اضطرّك تكلميني وتبلغيني باللي صار، شو راح تسوين؟

لم تتخلَّ "چيهان" عن رفضها لامتلاك الهاتف، واحتجّت بأنها ليست بحاجة إليه، قائلة بنبرة ممتنعة:

_لا إن شاء الله مش هيحصل.

وضع "رمزي" الحقيبة على حافة السرير، ثم ابتعد قليلًا محافظًا على المسافة الفاصلة بينهما، وتوقف عند أول الحجرة، ليقول لها أمرًا جديدًا:

_أنا استلمت شغل جديد عند دار عمدة البلد، الشيخ ضرغام، وخذت راتبي مقدم....

يا له من أمر مدهش؛ يخبرها للمرة الأولى عن تحركاته، كأنما يزيح الستار الذي طالما فصل بينهما. لم تكن تدري لماذا قرر مشاركتها بأموره الشخصية، فانكشفت الدهشة في عينيها. لكنه، حين لمح التغيير في نظرتها، أسرع بتعديل حديثه، مسترسلًا بتوضيح:

_أنا بَقِلك عشان ما تسألي على شنطة الفلوس هذي، ولا يتلخبط بالك ويدور كتير، وبرضه بخليها معكي هنا في الأوضة.

كان مترددًا على نحو لم تألفه، وقد اكتسى حضوره بغرابة غير معهودة، وكأنهما في لحظة موشّحة بالغموض، تعجّ بعلامات الاستفهام العالقة في الهواء. عندها سألت "چيهان" بدهشة:

_اشمعنا أنا؟ كنت سيبها مع حد من قرايبك زي ناجي ابن خالك مثلًا.

أجابها "رمزي" بقلب صادق النبض، متخليًا عن الأكاذيب التي طالما لجأ إليها، وكأن اللحظة تؤذن ببداية جديدة في علاقتهما، فقال:

_ناچي ممكن يفتحها، مش عشان هو حرامي! لا، ناچي محترم، بس فضوله هيخليه يعرف إيه اللي جوا. لكن إنتي أمينة وقلبك ما هيطاوعك تفتحيها....

تراجع بخفة، وقد تسلل التلجلج إلى صوته، ثم واصل قائلًا:

_الفلوس هذي مش مرتب، هذي عشان الخدمة اللي سويتها له... هي شي ما يخصك، بس أنا قِلت أقولك، دامك معاي هنا وممكن بالك يودّي ويجيب.

انبثقت فيها مشاعر الأمومة البديلة، وهي تستفسر عن مصدرها، وقد ساورها الشك: أهي حلال، أم من منبت أثيم؟ فنصحته بلغة عفيفة، تعيده إلى رشده وتردعه عن الآثام، قائلة:

_الفلوس دي لو تبع التمثيلية الكدابة اللي عملتها على كل الناس اعرف إنها حرام ومش من حقك، وكل جنيه هتصرفه هيرجعلك بالخراب مش بالخير أبدًا.

نطق "رمزي" وهو في ذروة الاحتدام، ثم عاد ليُناصحها بأسلوب هادئ وجاف في نفس الوقت:

_اسمعي يا چيهان... لو إنتي ضميري الصاحي، نوّريني، يمكن أنا مش واخد بالي... أنا ماشي بيكي من ورا أبوي، يعني كني خاطفك، مش جايبك تعلّميني الصح من الغلط! اللي أكبر منك بيوم، يعرف عنك بسنة، أمال أنا اللي أكبر منك بست سنين دُفعة واحدة؟

تفوهت "چيهان" بدهشة من حديثه، وكأنه بهذا القول أراد فحْمها، لكنها فاجأته بردها المتزن حين قالت:

_وإيه علاقة السن بالحلال والحرام؟ طب مانت أبوك عمره يجي فوق الستين سنة وظالم وكافر ولا يعرف أي حاجة في الدين.....

بتر "رمزي" حديثها بحدة صوت، فقال بامتعاض:

_لحد هنا تقفي، ولا تعبيها كلام زيادة عن اللزوم! مش معنى إني سمعتلك ورديت، يبقى تغلطي في أبوي قدامي... ده يظل أبوي، راح جه، كافر ولا مؤمن، هذي ترجع له هو في الآخر. إيّاكي تتعدي حدّك مرة ثانية يا چيهان... أنا بنبّهك!

تقدمت "چيهان" نحوه بخطوات تنضح بالغضب، تبث عبق الاحتدام. حين تحدث عن الحدود التي يجب الالتزام بها، كان من المفترض أن يعاملها كملكة متوَّجة على عرش الكرامة، فقالت بنبرة ساخطة:

_أنا اللي بحذرك تتكلم معايا بالأسلوب ده تاني! أبوك اللي إنت زعلان عليه هو السبب في كل اللي احنا فيه بشره وأذاه، هو السبب في كل اللي إنت فيه، هو اللي دمرلك حياتك وطفولتك، والله أعلم إيه تاني مستخبي من وراه، دلوقتي بقى حلو؟ طب مانت عارف عن بر الوالدين أهو، ليه بقى مش عارف إن السحر من أعظم الكبائر؟ اشمعنا؟

رمقها "رمزي" بنظرات حادة، ثم خرج قبل أن تتفاقم الأوضاع وتنحدر في منعطف ضغين لا يرغبان فيه. ومع ذلك، لم يستطع كبح مشاعره بأسلوبه الجاف، فنطق بصياح لا يزال يتردد بينهما:

_تعصّيني على أبوي وتبغيني أسكت وما أتكلم؟ خليكي في حالك، أنا ما رايد ناري تلمسك ولا تكويكي!

مكَثَ رمزي على السَّطح، مُختبئًا في زواياه، دون أن يقتدي بأحد، رافعًا يدَيْه إلى حافةِ السُّورِ المزروعِ بالزُّجاجِ والمساميرِ الحادَّة. كان غارقًا في التَّفكير، يستعيدُ كلَّ ما قاله لها، ويستشعرُ الجراحَ التي تسبَّبَ بها تحتَ وطأةِ احتدامٍ غيرِ محسوب. كان على يقينٍ بأنَّها لا تستحقُّ منه تلكَ الرُّدودَ القاسية، فهي الّتي منحته نصائحها بلا مُراوغةٍ ولا أهدافٍ خفيَّة. امرأةٌ غيرُها، ربَّما كانت لتقولَ في سرِّها: "هذا أمرٌ لا يعنيني، مَن أرادَ نعيمَ الفردوسِ فلنفسِه، ومَن اختارَ لهبَ الجحيمِ فعليهِ وحدَه."

لكنْ، بعد عشرِ دقائق، غلبتْه مشاعرُه. راح يتحجَّجُ بأيِّ سببٍ ليعود ويفتتحَ معها أيَّ موضوع. دَلَفَ إلى الداخلِ، والأفكارُ تدورُ في رأسِه كطَوافِ الأبقارِ حولَ السَّاقية. خرجَ من المنزلِ يسيرُ بتردُّدٍ، وعيناهُ تتفحَّصان المكانَ، كمنْ يبحثُ عن منفذٍ أو فرصة، حتَّى دخلَ الخيمةَ وجلسَ مُتربِّعًا على الفراشِ، يحتضنُ وجعَه وسطَ رُغاءِ الجمال.

كان ضميرُه يجلدُه كلَّما تذكَّر كلماتِه الجافَّة، وشعرَ أنَّ قلبَه ينشقُّ قهرًا، خائفًا من أن تكونَ كلماتُه قد أحرقتْ صِمامَها المُرهَف. أخذ يطوفُ ببصرِه حولَه، كأنَّه يُنقِّبُ في ذهنِه عن الأفكارِ المدفونة، وفجأةً نهضَ من مكانِه وقد قرَّر أن يدخلَ حديقةَ خاله "عاصم"، لعلَّه بين الأشجارِ المُزهرةِ بالعطرِ يجدُ فكرًا نقيًّا، أو صفاءً يُعيدُه إلى رُشدِه.

أمَّا چيهان، فقد سئِمَتْ من حالِه، وأغلقتْ بابَها بالمزلاجِ، واسترسلتْ في قراءةِ القُرآنِ الكريمِ، الذي وجدتْ فيه مأمنًا من الهمومِ، وملجأً من اضطرابِ الروح.

في الطابقِ السُّفلي، حيثُ الجدرانُ القاتمةُ وظلالُ العزاءِ، كانت العائلةُ تُقيمُ الحِدادَ على روحِ الجدِّ شُعيب. ثلاثةُ أيّامٍ من الحُزنِ تلقَّوْها في دارِ الجدةِ "روحيّة"، وكانت الوُفودُ تتوافدُ من بلادٍ نائيةٍ، أبرزُها المنصورة، الموطنُ الأصليُّ لعائلةِ الدِّميري. عمرو أدّى واجبَه بكلِّ حنوٍّ، يأتي كلَّ يومٍ مُحمَّلًا بكلماتِ الدَّعم، يضعُ لمساتٍ رقيقةً من المواساة.

وفي ذلكَ اليومِ، توافدتِ الجموعُ رجالًا ونساءً، وجُهِّزَتِ الكراسيُّ في المدخلِ بانتظام، وكان شوقي وأخواه يتلقَّوْنَ التَّعازي برفقةِ هشام وعمرو. كان الحزنُ يتسرَّبُ من أفواهِ المُعزّين، يحملونَ ذكرى الجدِّ شُعيب إلى مثواه الأخير. وبينما كان "أحدُ الرجالِ" يُعانقُ شوقي بحرارةٍ، قال:

_البقاء لله يا حاج شوقي... شد حيلك كده.

ردُّ "شوقي" والتأثُّر ما زال على معالمه المرهقة:

_ونعم بالله.

تقدم أحد الرجال نحو العمِّ الأصغرِ <نجيب> فعانقهُ وقالَ بمواساةٍ:

_شد حيلك يا أستاذ نجيب... البقاء لله، كلنا لها.

ردَّ "نجيب" والدموعُ تكتسحُ ملامحهُ، حركاتهُ، وتعبيراتهُ، كلُّ شيءٍ كان في تأثُّرٍ عارمٍ بعد وفاةِ والدهِ، وكأنَّه أشدُّ أبنائهِ قهرًا:

_ونعم بالله.

ظلَّ الرجالُ في احتشادِ التعزيةِ يتوافدونَ بأحزانٍ جسيمةٍ، مقدمينَ المعونةَ إلى أهلِ المتوفى، وفي محفلِ النساءِ كنَّ يواسينَ بعضَهُنَّ في لحظاتِ مؤازرةٍ، وبريقُ الحزنِ ينعكسُ على عينِ الجدةِ روحيةَ التي تشبَّثت بصورةِ زوجِها بقهرٍ عارمٍ.

بدأت الذكرياتُ في ريعانِ الشبابِ، وانتهت في عاقبةِ العمرِ بفاجعةٍ أليمةٍ، تركتها في الحياةِ تتكبَّدُ رفقةَ ثلاثةِ أبناءٍ، وكأنَّ غيابَه أطفأ أنوارَ حياتِها تاركًا الظلمةَ تتفشّى في زواياها بقهرٍ، فيما كانت نساءُ العائلةِ تتكاتفنَ في طهي الطعامِ وتنظيفِ الدارِ كما اعتدنَ كلَّ ليلةٍ، وبينما امرأةٌ مسنةٌ في عمرِ الثمانينَ عامًا، متوشحةً بعباءتِها وحجابِها الأسودِ، تعانقُ روحيةَ بشفقةٍ، مدت لها المعونةَ التي استطاعتها بقَولٍ لينٍ، يطفئُ آلامَها المستنيرةَ:

_راح للخالق اللي أحسن مني ومنكم، متعيطيش، أوعي تعيطي يا روحية، ادعيله زي ماحنا بندعيله.

حركت "روحية" رأسها في إيماءةٍ من الشجنِ، واختبأت في أحضانِ السيدةِ، بينما نشيجها يصبُّ الأنظارَ إليهما، وقالتْ بوهنٍ:

_ساب فراغ كبير من بعده يا حاجة دلال.

ربّتَتِ "دلال" على كتفِ روحيةَ، وقالتْ بمواساةٍ:

_عارفة والله، سابت فراغ كبير في قلوبنا كلنا، مش إنتي بس.

وعلى نحوٍ مغايرٍ، أشار عمرو لريم بيده طالبًا منها الحديثَ معه على انفرادٍ، متصلبًا مكانه حيالَ البابِ المفتوحِ على مصراعيه استقبالًا للتعزيةِ، فنهضت بثقلِ الحزنِ، وخطت نحوه بهدوءٍ حتى وقفا سويًّا حيالَ أنظارِ رجالِ العائلةِ، لم تكن الأجواءُ مناسبةً للتعبيرِ عن الحبِّ، لكن رغم ذلك عبَّر "عمرو" عن اشتياقه إليها، قائلاً بابتسامةٍ هادئةٍ:

_بقالنا كام يوم مشغولين بوفاة جدك، مش بنتكلم زي الأول، وبصراحة إنتي وحشتيني أوي أوي.

ردّت "ريم" بصدمةٍ، معبّرةً عن استنكارها لمشاعر الحنينِ في أوقاتٍ خاطئةٍ:

_ياه يا عمرو، وهو ده وقت الكلام ده دلوقتي؟

طأطأ "عمرو" رأسه للأسفلِ بخجلٍ، ثم رفعه وأجابَ:

_أخبي يعني؟ الناس كلها أه مشغولة بحالة الوفاة وأنا من ضمنهم، بس لما بشوفك بحس إني عايز أقولك وحشتيني أوي.

ابتسمت "ريمُ" بخجلٍ، وأخفت مشاعرها المسرورةَ وراء ملامحَ صارمةٍ، وقالتْ بنبرةٍ خافتةٍ:

_إنت كمان وحشتني، بس الكلام ده في الظروف اللي زي دي متنفعش.....

نظرتْ إلى والدها شوقي وهو منهمكٌ في الحديثِ مع الرجالِ، ثم استقرَّ ناظرُها نحوه، واسترسلتْ:

_بابا لو سمع حاجة زي دي هيزعل مننا احنا الاتنين.

ابتسم "عمرو" دون أن يلاحظه أحدٌ سواهُما، وقالَ بنفسِ الدرجةِ الواهنةِ:

_مانا موطي صوتي عشان كده...بس قوليلي، لما إنتي قمر كده في العزا والأسود هياكل منك حتة، أمال في فرحنا بقى وإنتي لابسة الفستان الأبيض إيه هيحصل؟ السما هتقع على الأرض؟

تمالكت "ريم" مشاعرَها، وربّتت على صدرهِ بخفّةٍ، ونطقت باعتراضٍ لطيفٍ:

_يا عمرو بقى! مينفعش الكلام ده قولت!

خرجت "منى" من شقةِ الجدةِ وهي منصتةٌ لما يدورُ بينهما، متلصصةٌ على مشاعرِ الحبِّ الفواحةِ في المنزلِ الذي بدا منقسمًا شقَّين: شقٌّ انحدرت به الأتراحُ في جُبتهِ، وشقٌّ يعيش الغرامَ وكأنهما لا يمثلان جزءًا من هذا العزاءِ.

إذ تقدمت نحوهما بخطواتٍ خبيثةٍ تزخرفُ الأرضَ بعلاماتِ الغموضِ، وهي تقولُ بلهجةٍ مشكوكةٍ:

_طنط أسماء عايزاكي جوا يا ريم.

ردّت "ريم" متسقةً إلى أوامرها، قائلةً:

_طيب أنا جاية.....

وتابعتْ لعمرو مستأذنةً منه بتبجيلٍ:

_أنا داخلة يا عمرو، نكمل كلام بعدين.

رفع "عمرو" يدَه وراء رأسِه بإمعانٍ، ونطقَ:

_ماشي.

دخلت ريمُ وراءَ منى إلى مجمعِ النساءِ في الداخل، أما عمرو فقد عاد بين الرجالِ مرةً أخرى، وجلس بجوارِهم على كرسيّه، وما لبث أن يستريح، حتى تلقّى بعد خمسِ دقائقَ رسالةً من حسابٍ مجهولٍ، بلا اسمٍ، وكأنَّ صاحبَه يَدرِي جيدًا بخبايا التكنولوجيا، لدرجةٍ انتهكَ فيها الحدودَ كلصٍّ مستترٍ وراء قناعٍ مزيفٍ؛ لا صورة، ولا مقدماتٍ للحديث، ليقولَ في رسالةٍ نصيةٍ بوعيدٍ لاذعٍ:

_أنا بحب ريم وهفضل أحبها، مش معنى إني اتجوزت يبقى خلاص طلعتها من دماغي ونسيتها، وأوعى تفكر إنك كده خدتها مني، أنا الحب الأول والأخير، وهتسيبك وهترجعلي، ريم أنا مش هسيبها، وأي حد هيفكر يقربلها هفرمه، وعلفكرة هي كمان لسه بتحبني ولا مية واحد زيك هيقدروا يمحوني من قلبها وعقلها... اعقل إنت الكلام وخلي في دم يا معلم.

تغيّرت معالمُ وجهِ عمرو في الحالِ إلى غضبٍ واضحٍ لاحظه الجميعُ في التوِّ واللحظةِ، ما جعل "هشام" يسأله بفضولٍ، قائلًا:

_مالك يا عم عمرو؟ قلبت ليه كده مرة واحدة؟

نهض "عمرو" بغضبٍ، وأجاب دون أن ينظرَ إليهِ:

_لا ولا حاجة... أنا رايح مشوار وراجع.

وقف عمرو خارج المنزل، متشبثًا بهاتفه في يديه، بأناملَ ترتجف سخطًا، وأنفاسِه تربو بحنقٍ كجلاءِ الشمسِ في الشروق، محاولًا استيعاب الكلماتِ التي أُرسلت إليه بهدفِ زرعِ الفتن بينهما. لكنه، بعقلٍ مُحكَم، وشخصيةٍ رصينةٍ، أغمضَ جفنَيْه لثوانٍ يستعيدُ توازنَه، ثم فتح الهاتفَ من جديد ليجدَ أن الحسابَ المجهولَ قد حظره عن التواصل، ما زادَ الأوضاعَ سوءًا.

لم يرغبْ في مواجهةِ ريم، تلك التي لا ذنبَ لها في علاقةٍ قديمةٍ دفنتها بين التراب. فبأيِّ شخصيةٍ أنانيةٍ يُدفَع هذا اللعينُ لمحاولةِ فتحِ صفحاتِ كتابٍ ملوثٍ بالأسيَة؟

يتزوجُ ويمضي في طريقِه بكل اندفاع، لكنه في ذاتِ الوقتِ يزرعُ الأشواكَ في طريقِها، فيمنعُها من العبورِ بسلام، كما فعل هو. هكذا تجلَّت الأنانيةُ في روحهِ المضطربة.

لم يتحمل عمرو ثقلَ المشاعر، ما دفعه للمغادرة إلى منزله، قبل أن تنقلبَ الأمورُ ضدّهما في ظرفٍ أليمٍ لا يتطلبُ سوى الهدوءِ والدعم.

وفي تلك الأثناء، كان رمزي يُفكِّر، محاولًا إصلاحَ ما أفسدَه. جمعَ أوراقَ النعناعِ من الأشجار، وصعدَ بها إلى موطنِه الصغيرِ في لفتةٍ توحي بالندم، لكنه - كشخصٍ يصعبُ عليهِ الاعترافُ بذنبه - اختارَ أن يصنعَ كوبين من الشاي داخل المطبخِ الضئيل، ويغمسَ فيهما أعوادَ النعناعِ التي منحتهُما مذاقًا خاصًّا.

لم يشعرْ أبدًا بما يفعل، وكأنَّ الهوى يقودُه دونَ إرادةٍ منه، ورغمًا عن كلِّ قوَّةٍ روحانية. ظنَّ نفسَه ساحرًا خطيرًا ورثَ الطغيانَ أبًا عن جد، لكنه في الآونةِ الأخيرةِ بدأ يشكُّ في قدراتِه، ليجدَ نفسَه ذليلًا، خاضعًا أمامَ سحرِها الذي استحوذَ على روحِه.

لم يكن يدري إن كانت ستتجاوبُ معه، أم سيُصدمُ بارتداعِها عن الحديثِ معه؟

خطا بترددٍ، حاملًا الكوبين، حتى طرق بابَها مرارًا وتكرارًا، لكن دون جدوى. فأعاد الطَّرْق بهدوءٍ على الخشب، وقلبُه يرتجفُ خوفًا من تراجعِها عن الرد.

لكن، في المرة الخامسة، فتحت چيهان البابَ بوجهٍ قاطبٍ، وكأنها مثالٌ يُحتذى به في الإكفهرارِ العجيب، وجنتاها لامعتان بدموعِ الحزنِ الصامت، ما دسَّ الندمَ في فؤادِ "رمزي"، حينما حدَّثها بغلظةٍ، فلم يُراعِ كونَها أنثى رهيفةَ العاطفةِ، تتوقُ إلى الحنانِ كسائرِ النساءِ الرقيقات.

تنحنحَ بصوته، والحروفُ تلوحُ في رأسهِ بترددٍ، حتى قالَ بارتباكٍ لحظي:

_كنت أمشي في حوش خالي عاصم، ولقيت قَصّة نَعناع. قلت له: آخذ شوي؟ لا تظني إني حرامي آخِذ شي مو لي. ضحك وقال: خُذ قد ما تِحب يا رمزي.

قصّيت لي شوية، ولما طلعت، لقيت الهوا ساكن، والجو مكَتوم، وملامحك اللي ما شوفتها تقول إنّك زعلانة. قولت أُسوي كاستين شاي، واحدة إلك، وواحدة إلي.

مَجنون أم مختلٌّ عقليًّا؟ أم يعاني من مشكلاتٍ نفسيةٍ عَضِيضة؟ تارةً صفوُه متعكِّرٌ بشكلٍ يوحي بالخطرِ على الجميع، وأخرى يتقرَّبُ إليها بتودُّدٍ، كمن يُمحو أخطاءَه من بينِ السطور.

لكنها، وفي حالةٍ مُولَّه، جفَّفت دموعَها بأطرافِ أصابعِها، وردَّت على حديثهِ دون أن ترفعَ عينَيها نحوه:

_شكرًا، أنا مش عايزة حاجة.

خرجت چيهان إلى السطح، وكأنها تتهرَّبُ من الحديثِ معه، فدلفَ وراءها، وهما يقفان بين الأجواءِ الرطبةِ، والنسائمِ اللطيفةِ تُداعبُ وجهيهما،

فيتطايرَ طرفُ حجابِها في الهواءِ بنعومةٍ.

حينها، وقف "رمزي" بجوارها، مُراعيًا مسافةً واضحةً بينهما، فأسندَ الصينيةَ الحاويةَ للمشروباتِ على حافةِ السور، محكمًا إيّاها خوفًا من سقوطِها، فينهارَ معها مجهودُه الذي سَنَحَ شاقًّا.

لاحظَ دموعَها، التي بدتْ متساقطةً بشجنٍ مكتومٍ، بين الحينِ والآخر، دون نشيج، فاستخرجَ من حَوزتِه منديلًا ورقيًّا، ومدَّه إليها بحركةٍ ودودةٍ، وقال:

_ماني راضي عن حالي...

استلمت چيهانُ منه المنديلَ، وجففت دموعَها بلطفٍ،

وهي تنظرُ إليه، ممعنةً في حديثه باستغرابٍ، فتابعَ منيبًا:

_إنتي ما تستاهلي إلا كل طيّب، وما أبغى تشيلي بخاطرك لو طلع كلام ما هو عكيفك...الكلام يروح وييجي، بس النيّة، ثابتة، ما تِتبدّل.

ردّت "چيهانُ" بحزنٍ، والدموعُ تكتسحُ تعبيراتها، مظهرةً آلامَها النفسيةَ بشدةٍ:

_أنا بحس إنك عدواني أوي ناحيتي وبـ.....

سرعان ما قاطعَ "رمزي" حديثَها، فقالَ مستنكرًا:

_أنا شرس مع الدنيا كِلها إلا إنتي، ماني شرس عشان قلبي سَوْد، لا والله، لكن الدنيا جَات عليّ، وضربت قلبي ضرب ما هو سهل... وكفّت وزيادة....

ثم اعتدلَ في جلسته نحوها، وأردفَ بهدوءٍ يتناقضُ مع شخصيتِه الصارمةِ:

_احنا لنا شهور مع بعض، ليل ونهار وحنا بوجِه بعض،

وصار قلبي فاهمك زين... وعارفك عدل.

اجتزت "چيهانُ" حروفَه، فقالت بمقاطعةٍ حزينةٍ:

_أنا مفهمتكش ومش عارفة أفهمك... مش قادرة أفهم ليه مرة كويس وعشرة لا؟ ليه القدر حطنا في ظروف غريبة زي دي؟ أنا بحس إنه حلم أو فيلم دراما مش حقيقة، اللي بيحصل ده لو اتحكى لأي حد هيقول إنه مسلسل، مستحيل حد هيصدق.....

قطع "رمزي" كلامها، فأعاد ردَّه عليها بارتياحٍ يَسري في وجدانه:

_ مو لازم حدا يصدّق... يكفّينا إن احنا مصدّقين.

ثبتت الأعين في لقاءٍ لقائظٍ، وكأنَّ الأجساد اقتلعت رداءَ الخوف، فانجلت القلوبُ على حقيقتها التي طالما أخفت وراء تتيمٍ متقئ.

نفسُ السؤالِ الذي رغبتْ "چيهان" في معرفةِ إجابته، ذلك الذي حينما انغلقت الجفونُ رغبةً في النوم، كان العقلُ في ذروةِ تساؤلاتهِ، فانبثق سؤالُها بين شفتيها بانتفاضةٍ:

_إنت ليه بتعمل كل ده؟!

سَرى "رمزي" مُتيَّمًا في مَجرى الكَلَف، مُتبَسِّمًا، مُقيَّدًا في سِجنِ الأمل. كان الفُؤادُ عَطِشًا لمُستساغِ الهوى، وهو يَستُرُ رُدودَه في رِداءٍ مُنكَمِش، يُخفي مشاعر الحقيقة برُدودٍ لا تُشبِعُ فُضولَها. فاعتدلَ مُستقيمًا، وخاطَبَها بانتباهٍ يَقِظ، مُتسائلًا بتبريراتٍ فارغة:

_شو اللي أنا بسويه؟!

"چيهان"، وقد بدا الوضوحُ في نبرتها، أجابته قائلة:

_ليه هربت بيا منه؟ ليه دخلت السجن بسببي؟ ليه رسمتني؟ ليه لسه محتفظ بعلبة الدوا لحد دلوقتي؟

تنهدَ "رمزي"، وهو يراها تحصره في مأزقٍ لا مفرّ منه، ثم قال بثباتٍ رغمَ تردُّده:

_ما رسمتك هيك عبث...رسمتك لأني كنت خايف ملامحك تروح من بالي.

سألَتْه "چيهان" باستغرابٍ، قائلةً:

_ليه أمنتني أنا بالذات على فلوسك؟!

نظر "رمزي" إلى الأعلى، كأنّه يبحث عن كلماتٍ يضمّها الزاجلُ المُحلِّق في السماء. صمَتَ لبرهةٍ، وهو يخسرُ معركةَ الكلمات أمامها، ثم أجاب بلا منطق:

_ما يصير، مو لي، عشانك إنتي!

ثم حاولَ تغييرَ الموضوع، وهو يتابع بابتسامةٍ لا تُلحظ:

_الشغل عند العمدة ضرغام، فرصة جاتني على صينية ذهب... هالرچال قدّها، واختارني أكون من رچاله لما شاف فيني الأمانة.

ردّت "چيهان"، مُصيّغةً لحكاياتِه التي لا تَفهَمُ سببَ سَرْدِها لها حتى الآن:

_طب كويس.

التفتَ "رمزي" نحوها، وهو يرى بريقَ الاستياء في عينيها، فقال:

_چيهان!

استدارت "چيهان" نحوه بمزيجٍ من الحزنِ والخجل، لتجده يواصل:

_انسي كل اللي راح، خلينا في اللي جاي!

سألته "چيهان" بتعجّب، متسائلةً:

_بمعنى؟

استقرّا ناظريهما في تلاقٍ لهَفٍ، فأجابها "رمزي":

_يعني الشد والجذب اللي بينا ما كان له لزمة، احنا صار لنا شبه عرفنا بعض، خلي الأيام الجاية تمشي على خير، كل واحد يرجع لديره، وإنتي ترجعين لأهلك، وأنا أرجع لحياتي المقلوبة من چديد....

حينما انقشعت التعاسة عن معالمها، وبدت الدموع تنفجرُ من مَدمعها، لامست چيهان وجهها بلطف، محاولةً ربطَ جأشها قبل أن تنكشف عواطفُها، ما دفعه إلى الانتقال بهما في حوارٍ جديد، فمدَّ لها كوبَ الشاي بأبخرته المتراقصة في الهواء، وتابع:

_اشربي قبل لا يبرد، ولا ما عاجبك شغل إيديا؟

خلي بالك، أنا أحسن واحد في عيلة أبوي وأمي،

يعمل كاسة شاي تضبط المزاج....

ابتسمت "چيهانُ" بخفّة، وقبضت على كوبِ الشاي، وهو ما زال يسترسلُ كلماته اللطيفة:

_بأخذك يوم مع ناجي وصبا، ونسوي حفلة مشاوي بدوي على أصولها، وأورّيكي الجمال والنياق، خصوصًا الناقة نجود، دي قولتلهم بخليها لچيهان، ما حد يركبها غيرها، هي من أحلى الناقات في الوادي.

ارتشفت "چيهان" المشروبَ فانبهرت بمذاقه، فعبرت عن ذهولها قائلةً بامتنان:

_شكرًا... تسلم إيدك.

تبسّم "رمزي" بنفس درجة هدوئها، ورد بخفّة:

_العفو.

احتسى الاثنان الشاي في جوٍّ هادئٍ لا يعكره سوى نِياقُ الجِمال، يشاهدان الصحراء الممتدّة في أفقٍ بعيدٍ لا تُبصِره الأعينُ، بهاءِ الطبيعة الصحراوية من حولهما. وكأنّ رمزي أظهر مهارته في قلب الأمور من المآسي إلى صفاءِ الروح وسكونها، فلا يستحقُّ التنويلَ سواها: شمسٌ أشرقت نورَ الأمل في وجدانه، ومَحَتْ كلّ قصة يأسٍ عاشها.

مرت الليالي بعلاقةٍ تزدادُ تأنُّقًا، والقلوبُ تتجاذب دون إرادة إلى قوة الإعزاز. ظاهريًا يزداد رمزي تحسّنًا، والعلة تنحلّ عقدها شيئًا فشيئًا أمام الجميع الذين وقعوا ضحية لتمثيليته البارعة، فازداد الشيخ ضرغام أملًا في تعيين رمزي معاونًا ضمن رجاله الأقوياء.

رمزي ذاته يزداد كبرياءً، كأن الأمر لا يعنيه، إذ مرت أسابيعٌ مديدة دون ردٍّ منه، إلى درجة أنبَتت الشك في قلب العمدة، الذي ظنّ اعتراضَ رمزي لهذا العمل، بل وكأنّه يطفو بكبريائه على سطحٍ شامخٍ بعظمة العظماء، فلم يحبذ أن يفتتح معه الموضوع مرةً أخرى، وتركه وشأنه.

لكن رمزي حين عاد إليه واثق الخطى، ليعبّر عن موافقته بعد مدةٍ طويلة من التفكير، جلس قبالته على الأريكة في أجواء تعجّ بالسلطة، وقد بلغ الحماس ذروته في نفس الشيخ ضرغام، لدرجة تغطرسه المقتول.

لم يكن الشيخ "ضرغام" ليعلم لما جاء بعد هذه المدة، فسأله باستغراب:

_كل هالوجت ذا يا رمزي عشان تفكر تشتغل معاي ولا لا؟!

ردّ "رمزي" عليه بعقلانيةٍ تُفسّر فترةَ المرضِ التي عاشها:

_ومين يرفض يشتغل معاك يا شيخ ضرغام؟ أنا تأخرت بس عشان الجرح تعبني زين، كل ما يصحى من ألمه، يرجع الألم يشد عليه مرة ثانية، بس يوم قومت من تعبي، قولت لازم أجي وأرد على سعادتك.

لم يكترث الشيخُ "ضرغام" بعلّته، بقدر ما اكترث بإجابته التي انتظرها طويلًا، فسأله:

_وش ردك يا رمزي؟ عسى يكون خير إن شاء الله.

ابتسم "رمزي" ابتسامةً ماكرة، مُتَصنِّعًا صفاءَ القلبِ وطيبتَه، وأجاب مُعلنًا موافقتَه على عرضِ العمل:

_زين... أنا موافق وما أقدر أرفض، يكفيني أشوف وچهك الطيب، والله يشرفني أكون من رچالك.

تزايدَ الشيخُ "ضرغام" فخارًا، وأخذَتْه العِزّة، وهو يرى ذاته رجلًا مُجَلَّلًا، ذو سلطةٍ حازمة، فرفع رأسه بشموخٍ وقال بنبرةٍ متغطرسة:

_أكيد يشرفك ويزيدك شرف، بس جولّي، إنت واثج من كلامك ذا؟

رفع "رمزي" رأسَهُ بِهيبة، وأجابَ بكلِّ تأكيد:

_رمزي الطوخي، الكلمة قبل ما تطلع من بوقه تمر عليه ألف مرة، الكلمة سيف على رقبتي، وأنا متأكد من اللي أقوله، ويا ليت نبدأ الشغل من اليوم، إنت تحت حمايتي يا شيخ ضرغام، وأنا حاضر لخدمتك.

ابتسمَ الشيخُ "ضرغام"، وهو قابضٌ على عصاه بكلتا يديه، ظلّ ساكنًا لثوانٍ، ثم خرج من سكونه وقال:

_ليش ما نبدأ من هالحين؟ شغلك بيبدأ من الساعة ١١ الليل لحد الثمانية الصبح، وبعدين ترچع دارك ترتاح وتنوم لك شوي.

تلفّظ "رمزي" مُستجيبًا لأوامرِه:

_اللي تشوفه أنا وياك فيه يا عمدة البلد، احنا أوامر ماشية على الأرض.

ضحك الشيخُ "ضرغام" ضحكةً مهيبة، وقال بإعجابٍ لا يُخفى:

_تعچبني.

الذكاءُ ليس بِثَرثرةِ الكلمات، إنما بالفعلِ الذي يُثبِتُ القول. فكثيرون يعيشون بالترديد أكثرَ مما يغفون في نومهم، وحين يدقّ وقتُ الفعل، تتلاشى الكلماتُ في الفراغ، فالرغبةُ مَصنعٌ للدوافع.

من اليوم، استلمَ "رمزي" عملَه؛ يبدأ من الحادية عشرة ليلًا، وينتهي في الثامنة صباحًا. يحرسُ المكانَ مُضحِّيًا بروحه، التي قد تتأذى فعلًا على يد أحد المُغتالين. راح يلفّ اللثام حولَ وجهه، فتستترُ ملامحه وراءها، وعلى كتفه سلاحٌ فتّاكٌ لا يتهاون،

ينتظرُ حلولَ موعدِ العمل.

وفيما كان واقفًا في زاويةٍ بعيدةٍ عن باقي الغفر،

رفع هاتفه يبحث عن رقم چيهان، بعد أن سجّلا الأرقامَ على هاتفيهما تأهّبًا لأيّ مشكلةٍ تتطلبُ تواصلهما.

بحث عن اسم "الضمير الحي" وضغط عليه. وحين استجابت چيهان لمكالمته بعد ثوانٍ معدودة، قال:

_أنا استلمت الشغل عند الشيخ ضرغام، مش هرجع غير على تمانية الصبح، خدي بالك من نفسك ومتخرجيش من البيت مهما يحصل!

في مكانٍ آخر، خرجت غيداءُ مُلتحفةً في عباءتها المُزخرفة، وقد وضعت على وجهها برقعًا يمنعُ الغرباء من التعرّف عليها. لكنّ العجيبَ، وهي تسير في منتصفِ الشوارع، أن تلاقَتْ بشابٍ يجري نحوها، يناديها باسمها! وحينما صبّت عليه تركيزها، وجدته "صقر"، ذاك الشاب الذي سبق أن طلب يد چيهان للزواج، لكنها لم تتعرّف عليه بشكلٍ كاملٍ من قبل.

وبينما اقترب منها، قال:

_أبلة غيداء... أنا ودي أعرف ليش أبلة چيهان رفضتني؟

سألته "غيداء" بدهشة، فقالت بنبرة متعجبة:

_ إنت منو؟!

أجابها "صقر" بصراحةٍ، دون أن يتّخذ الالتواءَ حصنًا له:

_أنا صقر، اللي قبل هوني وقدمت لچيهان، وأخوها رفضني وضربني!

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة