الفصل الخامس

الفصل الخامس

17 0

ألـمت الصفعة وجهه، واستثارت مشاعره الساخطة. تحوّل من الهدوء إلى الثوران، إذ بدا كبركانٍ انفجر حنقًا. رمق جيهان بنظرات مشتعلة، يحاول استيعاب ما حدث؛ كيف لامرأة أن تلقّنه درسًا قاسيًا وتتجرأ عليه بهذه الجرأة؟

راحت الأسئلة تتقاذف في رأسه وهو لا يزال غارقًا في دهشته، وكانت ملامح وجهه المحتدمة دليلًا صارخًا على العواقب الداهمة التي أوقعت جيهان نفسها فيها.

كل شيء حوله كان شاهدًا على تقلباته، حتى الجدران التي أصاخت السمع لصمتهما. أما جيهان، فشعرت بأحاسيس مخيفة تجاه تصرفات "رمزي"، وكانت متيقنة أن انتقامه منها قادم لا محالة.

لم يمسّها بسوء، ولم يتعدَّ عليها، لكنه رفع سبابته بحدّة، متوعدًا إيّاها بغضب، وعروق عنقه برزت بشدة، إذ صرخ ممتعضًا:

_وحياة اللي ربوني وكبروني لأندمك على القلم ده وأدفعك تمنه عمرك كله، مش رمزي الطوخي اللي مرا تديه بالقلم على وشه ويسكت، أنا لو كنت عايز منك حاجة كنت عملتها غصب عن حباب عينيكي، لكن دي غلطتي إني داريتك من أبويا اللي مبيرحمش، غلطتي إني كنت عايز أكون شهم معاكي، لكن من بعد اللي عملتيه السدود هتتفتح، والستارة هتترفع يا بت أسماء واللي كانوا مدارينا هيكشفونا ليهم، وساعتها أبويا هياخدك إنتي وروحك اللي غلطت ويايا.

اِنضوى رمزي إلى حجرته، فانغلقت الأبواب وراءه دون أن يلامسها حيث كانت خدمته تعاونه على كل ما يرغبه في صمت، حتى جلس على حافة السرير بأعين مفنجلة غيظًا، كأن النيران تترجَّل في صدره، ثمة شيء يفاقم مشاعره الثائرة أكثر من السابق.

فلا يقدر على تنفيذ وعده القاسي معها أو حتى يتراجع عما صنعه الأيام الماضية، فالحصن سيظل متينًا ولن يدع الفرصة لمصعب للوصول إليهما.

لم يكن يعلم لما يفعل كل ذاك ولماذا؟ هل سقط ضحية في الحب الذي طالما هرب منه أم أن ضميره الهالك أحيته چيهان بكلماتها القاسية؟ فهي لم ترغب سوى إعادته إلى صوابه لا أكثر.

في لحظة غير متوقعة، حيث صعد الرجال على الجبل، البعض منهم يسير على ساقيه بتمهل، والجزء الآخر محملون إلى داخل سيارات النقل، تلك التي حويت الصخور والرخام، وفي الزاويا الصغيرة يقف الصبيان الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسة عشر إلى العشرون عامًا، بسطاء الهيئة، يسعون وراء دأب العيش، أجسادهم متلونة بحمرة الشمس التي أكلت جلودهم من أجل التوازن المعيشي، وتحقيق المكاسب المادية.

لم يكونوا من أصحاب الحظوظ الرفيعة، ينعمون بالمعيشة وسط جدران القصر، وخدمات المساعدون بل كانوا هم الماهنون أنفسهم الذي يقدمون الخدمات للأثرياء مقابل مبالغ بسيطة لا تكفي احتياجات الحياة.

استقرت السيارات على الجبل، وارتفعت أصوات الرجال الممتزجة بمزاميرها، فكان الصبيان يقفزون من السيارات باحترافية كما لو كانوا متمرسين في اللياقة البدنية، يسير فيما بينهم روؤساء العمل، فكان "هشام" يشرف عليهم ويوجههم، فيتبعونه مثلما تتبع أفراخ البط والدتهم بين النهر.

حيث أمرهم بنبرة عالية، قائلًا:

_عايزكم تفضوا الجرانيت ده كله بس بشويش لا تتخدش، واملولي العربيات حجارة من كل جبل.

بينما كان الصبيان ينفذون ما أُمِروا به من قبل رئيس العمل، كان رمزي يراقبهم من مكانه. لم يكن بحاجة إلى نافذة أو منظار يُيسّر له الرؤية؛ بل كان جالسًا في مكانه، مغمض الجفنين، يسمع ويرى ما يحدث كأنه بينهم، حاضرًا في قلب اللحظة.

في تلك الأثناء، نهضت چيهان بسرعة فور سماعها لصخب الرجال في الخارج. لعلها تجد يدًا تنتشلها من قبضة الذئب رمزي. فهو في نظرها لم يكن بشرًا يَسَع الحنو أو يعرف الشفقة، بل قلبه يحتاج إلى الدكّ بالشاكوش، كأنما يحيط به غلاف قاسٍ لا يلين.

وقبل أن تشرُد من البوابة، انغلقت في وجهها فجأة. ارتعد جسدها، وشعرت بالخوف يسري في عروقها، واستشعرت حرارةً تلسع ظهرها، كأن هناك من يترصّدها من الخفاء. تسارعت نبضاتها، واستدارت ببطء... فوجدت "رمزي" يقف على بُعد خمسة أمتار، يحدّق فيها بنظرةٍ لا تخطئها العين.

خرجت الكلمات من حلقه محمّلة بالامتعاض، فقال بحدّة:

_عايزة تهربي؟

ثم تقدم نحوها بصلابة، ونظر لها بقسوة، وتابع:

_لو عايزة تهربي لازم أرجعك لنقطة الصفر وإنتي وشطارتك يا تهربي من دار مصعب وتنفدي بجلدك يإما يقتلك ويتعازم معاهم على دمك.

ظلّت صامتة، تفكر، إلى أن وثبت الفكرة إلى عقلها. بدأت بتلاوة آية الكرسي بأعلى صوت، تنتهي منها فتعيدها، وتكررها مراتٍ، وهي تتابع معاناته بنظرات ثابتة.

إذ ابتعد عنها واضعًا كفيه على أذنيه، محاولًا حجب الموجات الصوتية التي تنهال عليه، فكأن كل كلمة تخرج من فمها تمزّقه، وكأنه يتحوّل إلى ذئبٍ شَرِس، يزأر بأصواتٍ حادة متقطّعة.

كان الذعر يتخللها من الأعماق، لكنها تابعت التلاوة دون توقف، حتى انفتحت الأبواب فجأة، وهي ترفع صوتها بآيات السحر من سورة البقرة، قائلة بأعلى نبرة:

_واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنـزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون.

أصعقته التلاوة، فعلى الرغم من سلامته الروحانية، كانت الشياطين المقترنة به تصارع للبقاء، تتشبّث بجسده في مقاومةٍ أخيرة. لكنها لم تعد تحتمل، ففرّت هاربة عنه، ليغدو رمزي كمن فقد قوّته الدفينة.

نهض عن الأرض متثاقلًا، يشتعل غيظًا، وعيناه تصبّان نظراتٍ قاسية نحوها، فيما كانت هي تركض مبتعدة، تفرّ منه كأنها تفر من لهبٍ مشتعل.

وصلت إلى الرجال وهي تلهث، وهناك التقت بهشام، وقالت له برهبة والدموع تنهمر من عينيها كالشلال:

_الحقني يا هشام الحقني، كانوا هيموتوني، رجعوني لأهلي بسرعة، أبوس إيدك!

لكنّه حين حدّق بها، تغيّرت ملامحه فجأة... تحوّل إلى هيئة جني شنيع، بوجهٍ مشوَّه يُرعب الأبصار. لم تمضِ لحظات حتى اجتمع الصبيان من حولها، لكن وجوههم لم تكن بشرية، بل مشوّهة، مخيفة، تفزع الأبدان.

كانوا يلتفّون حولها كوحوش جائعة، يجتمعون لإيذائها، تركوا على ذراعها جروحًا نازفة، ثم انقضّوا عليها كالسيل.

وفي ذروة الرعب... استفاقت من نومها صارخة، والدماء تسيل من ذراعها! جلست في مكانها، تئنّ بنواحٍ مرتجف، وتردّد بصوتٍ متقطع:

_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أجد وأحاذر....

بصقت على يسارها ثلاث مرات، وكل مرة كانت تهمس بفزعٍ يقطر رجاءً:

_أعوذ بك من شر ما أجد وأحاذر.

مكثت چيهان في زاوية الكهف تمسح سيل الدماء بعباءتها، تبكي وترتجف خوفًا. في رأسها كانت الأحداث تدور كدوامة مفزعة، لا تدري إن كانت ستخرج من هذا المكان واقفة بأرجلٍ صلبة، أم ستحتاج إلى من يُعينها على النهوض من جديد.

ظهر رمزي فجأة كالشبح، دون كلمة، يسير في طرقةٍ واسعة بلا صوت، بلا حرف. حينها اعتدلت چيهان في جلستها، وأصلحت ثيابها بهدوء، كاتمةً دموعها، مركّزةً كل حواسها على تصرفاته المريبة.

وبعد دقائق، خرج من خلفه رجلان بملامح صلبة، كأن الوجوه وحدها تحكي حكايةً من الصمت والرهبة. كانا متجهمين، ضخمي البنية، يحملان بين أكتافهما ما لا يُقال.

لم تكن تعلم من أين جاءا، ولا كيف، لكن ظهورهما المفاجئ أثار في ذهنها سيلًا من الأسئلة. وبينما هم يقتربون، حدّقها رمزي، ثم أحد الرجلين، بنظراتٍ صامتة، ودخلوا الحجرة دون كلمة.

كأنها دقائق من الحيرة تمرّ عليها كسكين بتر كل أمانٍ ظنّت أنها امتلكته. كانت هناك، في داخلها، رغبة جامحة بمعرفة الحقيقة المخبأة في هوة رمزي الغامضة.

مرّت الساعات، وخرجت ريم من لجنة الامتحان، تشعر وكأن رأسها وعاء يغلي. كل فكرة فيه فقاعة لا تنفجر، بل تلسعها بنار التوتر. لم تعد تدري متى ستعود إليها أيام الفرح، وتكفّ الحياة عن شدّ أسلاكها الروحية بأسلاك شائكة تنزفها ببطء.

إلى جوارها تسير زميلتاها، كأنهن ثلاث زهرات، يسرّ الناظر مرآهن. كان الامتحان في مستوى الطالب المتوسط؛ منهن من أجابت بتفوق، وأخريات انسابت منهن المعلومات إلى الورقة وإن شابتها بعض الإجابات الخاطئة.

حولهن زحام مهول من الطلاب. تعالت الجدالات بين من فرح ومن اكتأب، لكن "من جدّ وجد، ومن زرع حصد". فلا مفرّ من الحصاد في آخر الموسم.

قرب بوابة الجامعة، ركب بعض الشباب سياراتهم التي صدحت منها الأغاني الصاخبة، كأنهم يعلنون للكون أن لا ورقة – مهما كانت لئيمة – قادرة على تعكير مزاجهم. على النقيض من ذلك، كانت الفتيات أكثر تأثرًا، يجرحن أنفسهن بلومٍ قاسٍ على خطأ بسيط لا يستحق كل هذا العناء.

في ركنٍ هادئ، وقفت الصديقات الثلاث جانبًا. نظرت "شمس" إلى ريم بنظرةٍ محمّلة بالشفقة، وقالت:

_خلاص بقى يا ريم، لعلمك لو كانت زودت معاكي كلمة كمان مكنتش هسكتلها، بس بيني وبينك احنا مش ناقصين مشاكل خالص، ده احنا في لجنة إمتحان وأي غلطة صغيرة بفورة.

علَّقت "ديانا" على رد شمس بتآلف، مؤيدة إياها في التفكير الصحيح، وقالت بصوت هادئ:

_براڨو عليكي، أنا كنت خايفة الموضوع يكبر من مفيش وتيجي عليكم بخسارة إنتوا الإتنين.

ردت "ريم" بدهشة، وهي تحدق شمس بصدمة:

_لا لا ثواني بس، هو إنتي يا شمس كنتي بتعملي شويتين قصاد زمايلنا عشان يقولوا إنك الصاحبة الجدعة اللي مسيبتيش صاحبتك في ضيقتها؟

أجابت "شمس" بغضب، إذ قالت مُستنكرة:

_صحيح تعمل الخير ويتقلب عليك بشر، بقى تقصدي إني بتاعة شو يا ريم؟ ده مش أحسن ما كنت أفضل ساكتة زي ناس؟

وواصلت نظراتها لديانا، لربما كانت الأخيرة تقصدها هي بحديثها، فاجتاحت قلبها مشاعر متضاربة. ثم نطقت "ديانا" بانفعال، قائلة:

_لا كنت أمسك في المراقبة وأتسحب من لساني زيك وفي الآخر ورقنا يتقطع ونروح في داهية بسبب تصرفاتكم الطايشة.

تلفظت "شمس" بصياح، فقالت بعناد:

_لا ازاي؟ تحطي لسانك في بوقك وتعملي نفسك لا تعرفيني ولا تعرفيها يا ديانا... بس عارفة؟ إنتي اللي صح أحسن ما يتقال عليكي بتعملي كل ده عشان تاخدي اللقطة قدام زمايلك.....

وتابعت بحنق وهي ترمق ريم ببغضاء:

_تصدقي وتؤمني بالله؟ أنا اتقفلت منك قفلة ما يعلم بيها إلا ربنا... أنا همشي... سلام.

أشارت شمس لسيارة الأجرة، منادية إياها بأعلى صوت، ثم غادرت بخطوات حادة، دون أن تلتفت لزميلاتها كما كانت تفعل كل ليلة امتحان. لم تهتم ديانا أيضًا، بل تركت مكانها فارغًا واختفت عن الأنظار، فبقيت ريم بمفردها تنظر إليهما بنظرات متعجبة. كان ذلك خلافًا بسيطًا، لكنه تفاقم إلى جدال ناري بين من كانت تفضلن الأخريات على أنفسهن.

قررت ريم أن تغادر، لكن رأسها كان يكاد ينفجر من كثرة المصائب التي لا تنتهي. ومع ذلك، قبل أن تبدأ السير في طريقها، لفت انتباهها سيارة متوقفة على جانب الطريق، فاقترب منها سائقها الذي نزل منها ونادى عليها. سبقتها نبرات صوته قبل أن تتمكن من التمعن في ملامحه، وكان لديها شعور غريب بأنها التقت به من قبل. قال لها بابتسامة:

_آنسة ريم استني لو سمحتي!

اندَهَشت ريم من رؤية "عمرو" للمرة الثانية، فتوقفت جانبًا تنصت له في ذهول، وهو يواصل قائلًا:

_أنا مستنيكي من ساعتها علفكرة، قولت أريحك من موضوع المواصلات ده، أنا كده كده كنت فاضي النهارده يعني فلو مفيهاش حاجة تسمحيلي أوصلك للبيت؟

ردت "ريم" باعتراض، فقالت بتضايق:

_هو في إيه بالظبط؟ إنت عايز مني إيه، وإيه اللي يخليك تستناني ساعتين كاملين لحد دلوقتي؟

تسلل الخجل إلى "عمرو"، لذلك أجابها بندم:

_أنا آسف مش قصدي إني أضايقك، أنا جاتلي مكالمة تليفون إن المشوار اللي هروحه اتلغى فقولت أشرب قهوة في الكافية اللي قريب من هنا، وقولت بالمرة أستناكي، وبعدين إنتي زي أختي، وأنا مقبلش إنها تتبهدل في المواصلات مادام العربية موجودة....

وتابع بابتسامة خافتة:

_ولا إنتي إيه رأيك؟

زفرت "ريم" بانزعاج، وقالت بزجر:

_وهي لو أختك كانت خارجة من الامتحان ولقيت واحد غريب واقفلها بعربيته بيقولها نفس الكلام اللي إنت بتقوله هيبقى إيه رأيك وقتها؟

أحنَى عمرو رأسه لأسفل بإحراج، مستشعرًا مدى ما غرستْهُ ذاته من تصرفات مشينة. فهي لم تقبل هذا التصرف بعد، وتعتقد أنه تعدٍّ على حدودها الشخصية. أحس بالندم تجاهها، وابتسم بحزن، معبرًا عن تأسفه، كأن الكلمات احتجزت في حلقه. أما ريم، فأشارت إلى سيارة الأجرة وغادرت دون أن تمنحه حق الرد.

تحرك عمرو بسيارته يتتبع خط سير السائق، وعندما كان يقود، تنهد بعمق وزفر بغضب من موقفه المحرج، ليحاول نزع ذاته من تبكيت الضمير الذي هرب منه بلا جدوى. شغَّل الأغاني وظل يردد كلماتها كما فعل وقت الإدبار، ويده مرتكزة على جبينه، يتابع الطرق الواعرة في صمت.

في منزل "مصعب"، حيث ظهرت المرأة المنتقبة من جديد، عاودت الدخول بطاقة أكثر حيوية. قد طرقت بابه بحماس، ففتح لها بابتسامة واسعة لا تتوافق مع ملامحه القاطبة. حتى ابتسامته كانت منحنية للأسفل، فمن يراه يعتقده في ذروة سخطه. قد صب الله عليه غضبه صبًّا، حيث كانت سيماه على وجهه بوضوح.

دخلت داره في صمت، فاحتضنها بشوق وقال بلهفة:

_يا هلا بالزينة اللي زعلانة عليّ وما شوفتها من زمان.

جلست "المرأة" على الكرسي بهدوء، وقالت بابتسامة ساخرة:

_لو غيبت في غيري كتير يدوك اللي إنت محتاجه وزيادة كمان.

وقف "مصعب" موازيًا لها، ونطق ببسمة مزيفة:

_ما في واحدة فيهم تعرف تعطيني اللي آني محتاچه زيك... أما جوليلي، أخبار حبيب الجلب شنو؟

تفوهت "المرأة" بحسرة، كانت تتمنى لو تتزوج من يهواه القلب ويقبله العقل، لكن الظروف قهرتها، ودستها بين أقباض الألم، قائلة:

_مين قال إنه حبيب القلب؟ مانت عارف إني مغصوبة عليه ومش طايقة خلقته... أنا كان نفسي أتجوز واحد طول بعرض يكون أبيض وله شخصية... كل ما أفتكر أنا وصلت لإيه بسببهم أتحسر على نفسي.

كادت الدموع أن تسقط، لكنها عادت إلى موطنها حينما أصغت أذناها لردود "مصعب" المبهجة، فأخبرها بابتسامة:

_تچوزيه عشان تخلصي من الچبابرة اللي في حياتك، وكمان عشان أخد راحتي وياكي أكثر من كده... وبعدها هچوزك سيده على سيده، هچوزك واحد ما على بال ولا على خاطر.

نطقت المرأة بتمنٍّ لو أن تخرج من مستنقع الأمراض النفسية، وتنجو بروحها في عالم متّسع بالمحبة والسلام والطمأنينة، قائلة بخشونة صوتها المعتادة:

_يا ريت، هو أنا أكره؟

وتابعت بهدوء أكثر من السابق:

_أما قولي، اللي ما تتسمى أخبارها إيه؟ أنا شايفاها اليومين دول شادة حيلها أوي ورايحة جاية ولا كأن في حاجة حصلت... هو العمل اتفك ولا إيه الحكاية؟

أجابها "مصعب" بلا مبالاة:

_وحياتك لو اتفك هرچعهولها تاني في غمضة عين... آني بس كنت أبغاكي تعطيني شوية دم محترمين عشان أعملها المرة دي حاچة تجيلة تخرچ من راسها وتلففها حوالين نفسها.

إذا أُمرت أن تُطاع، فمُر بما يُستطاع. لذلك أحسَّت "المرأة" بالعجز تجاه هذا المطلب، كانت تحرك رأسها كما لو تُرجّ المعلومات داخلها، وبعد برهة قالت:

_إنت عليك طلبات يا ساتر، وأنا هجيبلك الدم منين بس الأيام دي؟ مانت عارف اللي فيها.

كان يُلألئ عينيها بحديثه وهو يقنعها بأهمية الدماء التي ستساعده في مطلبه، أما هي فكانت مستعدة لتقديم عينيها على طبقٍ ذهبي من أجل مشاهدة النيران تأكل جسد عدوتها.

إذ قال "مصعب" بإغراء:

_هسوي لها شي يخليها تلف حوالين نفسها، شي من العيار الثقيل، والمقابل إنتي عارفة.

تلفظت "المرأة" باستعداد:

_هعملك اللي إنت عايزه المهم أشوفها مذلولة، وناري تبرد!

ابتسم "مصعب" لها، وقال بنظرات شيطانية:

_دخلي!

سارت الأنفس اللعينة في طرقها الشاغرة بالشر والأذى، طرق طويلة يسلكونها بأقدام تنقش البوائق في كل حركة، لا ضمير يردع، ولا قلب يمنع.

الحياة البشرية يوجد فيها الكثير ممن استعدّوا لإلقاء أنفسهم فوق قضبان القطار، مقابل أن يُحبس أخصامهم في صندوق الاسترقاق. الضحايا يرون الحياة من حولهم، لكنهم غير قادرين على الانغماس بها كالبقية.

كلما ضحكت لهم الحياة، اكتشفوها ضحكة تمثيلية تحوي الخداع. أما المؤذي، فلم يُعطِ لنفسه وهلة ليشعر بمدى الظلم الذي تعرّض له غيره على يده، فيصبح في قمة الأنانية والجحود.

الظالم لا يرى سوى نفسه وتحقيق ملذّاته، وإن شكّلت خسارة كبيرة في حياة الآخرين. والعقاب يتأخر، ويزداد تأخّرًا، فيشعر المظلوم بحرقة الظلم ويستغيث، فلا أحد يجيبه. وقتها يشعر بأن ما وقع عليه غير محسوب، فيستلذّ الظالم بمتابعة قسوته التي فاقت الحدود، ظنًّا منه أنه على حق، ولا يعلم أن طريقه أوشك على الانتهاء. وفي النهاية، بؤرة واسعة في انتظاره، ليسقط بها، لكن ليس بمفرده، بل مع من أعانه وشجّعه ودعمه في بثّ الشر. وقتها تتلألأ العدالة الإلهية وهي تعيد الحقوق لأصحابها من جديد.

خرجت ريم من سيارة الأجرة، متّجهة باستياء نحو منزل العائلة. هناك على بُعد، كان عمرو يطمئن عليها ويتأكّد من وصولها إلى دار الأمان، لكنها تعثّرت عن مواصلة سيرها، إذ استفرغت الدماء التي انتشرت على الأرض في مشهد مؤلم. كانت تسعل بقوة، ويخرج من جوفها طوفان لا ينتهي.

انفزع عمرو، فخرج مسرعًا يساندها وهي تتألم. حتى الجدة روحية خرجت من دارها لتشاركهم موقفها العسير، حاوطتها بذراعيها، تهدئ من آلامها، ووجهها مغمور بدلالات الذعر. ثم دخلت مسرعة، تقاوم عجزها وثقل سيقانها، لتحضر المناديل المجففة.

في ذلك الوقت، سأل "عمرو" بقلق:

_مالك يا آنسة ريم؟ إنتي كويسة؟

تلفّظت "ريم" بتألُّم، فالكلمات كانت تخرج منها متفرقة:

_ودوني المستشفى بسرعة، أنا تعبانة أوي!

خرجت "الجدة" مسرعة تمسح دماءها بقلق، ويداها ترتجفان من الخوف، فقالت:

_سلامتك يا قلب ستك، جرالك إيه يا بنتي بس؟ هو النزيف ده مش هيقف بقى؟

نطق "عمرو" على عجل:

_لازم ناخدها المستشفى دلوقتي يا حاجة، التأخير غلط عليها.

أجابته الجدة "روحية" بارتعاب، وهي تتجه إلى باب شقتها:

_أنا هدخل ألبس العباية وراجعة يابني، لما نشوف إيه آخرتها... يارب هات العواقب سليمة.

وسط الجبال الشاهقة، بينما كانت "چيهان" تردد الآيات القرآنية في زاوية الكهف، تنطق كل كلمة بلسان مرتجف، لم تفارقها فكرة الأغراب الذين لازموا رمزي، حتى خرج من الغرفة المظلمة بوجه عابس. لم يكن قد صفا لها بعد، بل كان غيظه جليًّا، لكنه لم يستطع إيذاءها، حتى وإن رفعت عليه السكين. كان الاحتدام لحظيًّا، ثم بدأ يحظى بالهدوء من جديد.

نهضت چيهان ورفعت كفها الأيمن على جدران الكهف الخشنة، وحدثته بقلق ظاهر على معالم وجهها، قائلة بتباطؤ:

_هما مين.... مين الناس اللي دخلوا معاك الأوضة؟ ودخلوا هنا ازاي؟

ابتلعت ريقها وهي ترتجف، فنظر لها "رمزي" بحدة، وأجاب بسخط:

_وإنتي فاكراني هاخد وأدي معاكي في الكلام بعد ما لسعتيني الكف على وشي؟ أنا مش هصفالك وهندمك على اللي عملتيه ويايا... أنا مرقدلك وهاخد حقي منك تالت ومتلت، وهعلمك ازاي تتعاملي معايا بالشكل ده مرة تانية.

نطقت "چيهان" بصراخ، فقالت بحدة:

_بس بقى كفاية كلام! إنت مش حاسس بنفسك بجد؟ مش حاسس بالمصيبة السودة اللي إنت بتعملها؟ إنت بتدمر عُمر الناس وبترتكب ذنب أكبر مما تتخيل... لازم تفوق من اللي إنت فيه وتتوب لربنا قبل ما يقبض روحك وتكون جهنم نصيبك!

ثم تلت آية قرآنية، لعلها ترشده إلى الصواب وتردعه عن الأذى، مردفة:

_بسم الله الرحمٰن الرحيم، إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا، صدق الله العظيم.

انتابت "رمزي" موجة حارقة وقتها، كأنما لامس النار فصرخ، ومدَّ كفه يمرره على موضع الألم، واستفسر بتردد عن معنى الآية:

_يعني إيه؟

أجابته "چيهان" بوضوح، قاصدة بث الرهبة والتخويف في نفسه لعله يتراجع عن شره:

_يعني الناس اللي أنكروا كلام ربنا وكذبوا بالحق لما جالهم، ربنا هيدخلهم نار جهنم ويحرقهم فيها، و"نصليهم" جاية من "الصلى" وهو الاحتراق الشديد، وكل ما اتحرقت جلودهم، ووصلت لمرحلة النضج زي ما بيحصل في النار، ربنا هيبدل الجلد المحترق بجلد جديد، مش رحمة، بل عشان العذاب يكمل! عشان الألم ميقفش، ويفضلوا يحسوا بالعذاب من أول وجديد.

لم يقتنع "رمزي" بما قالته چيهان، فرفع حاجبيه معترضًا، ثم قال باستهتار في كلامه:

_وإنتي بقى الشيخة اللي جاية تديني دروس وتربيني ولا إيه؟

ثم صوب وجهه للجدار، وقال بحدة:

_أدعي عليك بإيه يابويا؟ رايح تطالبني أجيبلك واحدة فاكرة روحها ست الشيخة....

وأردف لچيهان بصياح:

_خليكي في حالك، ومتدخليش في اللي ملكيش فيه وإلا هزعلك زعل مش هتستحمليه، أنا لما بتجنن بقلب شيطان، متخلينيش أوريكي الوش التاني!

انصرف عنها بحنق، ودخل حجرته مستشيطًا، كمن استمع الحديث من أذن ففر هاربًا من الأذن الأخرى. بدلًا من أن يتوقف عن أعمال الدجل، واصلها بروح أقوى، فالاتعاظ لم يكن حليفه أبدًا.

في البلدة الريفية التي يعيش فيها هشام وزوجته، وقتما كان منشغلًا بأعماله، حاملًا الهموم والمسؤولية على عاتقه، وفي المنزل كانت زوجته تؤدي دورها كمعلمة. لكن هذا اليوم كان المنزل هادئًا، خاليًا من صخب التلاميذ ككل يوم. والحماة حنان كانت تنظف المدخل الصغير بمكنسة السعف التي استخدمها الريفيون قديمًا، فهي لا تزال متواجدة حتى الآن في معظم بيوت الريفيين.

امتلأ المنزل بالغبار، فسقطت حباته متناهية الصغر على الجدران وباقي الأرضية، مما أعطى مظهرًا ضبابيًا. لقد بذلت الحماة جهدًا شاقًا في جعله لامعًا على الرغم من عراقة منزلها، وتفتت بلاطه، وتشقق جدرانه الذي كلما نظر أحدهم إليه، استشعر كارثة على وشك الهدم.

خرجت "هناء" من شقتها على الصخب المزعج الذي تسببت فيه حماتها، مرتدية جلبابها، وتسير كالثور الهائج، حتى قالت لها بصياح:

_ما جرا إيه يا أم هشام؟ هو ليل نهار دوشة؟ المكنسة عاملالنا صداع مش عارفة أنام أنا والعيال ساعتين على بعض.

لم تتوقف "الحماة" عما ترغبه، بل واصلت، وهي تقول باعتراض على أسلوبها الهمجي، فقد افتقرت شخصية هناء إلى رزانة الحديث:

_وإنتي أهلك معلموكيش تتكلمي كويس مع حماتك؟ ولا احنا مبناخدش منك غير الصوت العالي وبس؟ مفيش مرة تيجي تساعديني وتحطي إيدك في إيدي؟!

ردت "هناء" بقسوة، فقالت بجفاء:

_والله أنا متربية وطالعة من بيت محترم، ومش إنتي اللي هتقوليلي أتكلم ازاي ومتكلمش ازاي، ومش كل مرة هتاخدينا بالشويتين بتوعك دول... أنا مطلبتش منك المستحيل أنا كل اللي بقولهولك تبطلي خبط ورزع عشان نعرف ننام شوية، غلط في حاجة أنا؟

اِندس والد هشام في الحوار وقتما طَلَّ بجلبابه الريفي، يقف منصتًا لأحاديثهما التي رجت الحي من قوتها. فهو رجل بسيط الهيئة، ذو جسد هزيل، قامته قصيرة، والاستضعاف علامة مميزة فيه. بشرته داكنة تحمل آثار العمل الشاق بين الأراضي الزراعية لسنوات. يُدعى "عبد السميع".

لم ينل إعجابه أسلوب هناء، فقد فاقت التوقعات بقسوتها مع عائلة زوجها. على الرغم من مشكلة قسوة أهل الزوج الشائعة في الريف، إلا أن داخل هذا المنزل حدث العكس.

فتقدم نحوهما بلهجته البسيطة، وقال بحدة:

_عيب يا هناء دي مهما كان حماتك أم چوزك يعني في سن الست الوالدة، إنتي ترضيها على أمك إن واحدة من مراتات أخواتك تتكلمها معاها كِدِه؟

نطقت "هناء" بصراخ، قائلة:

_اتلموا عليا واتكاتروا... اعملوا عليا رباطية عشان جوزي في الشغل وابلفوني بالكلام... طول عمري بختي مايل فيكم، أنا مش هتكلم لا تلبسوني مصيبة أنا هستنى لما هشام يرجع من الشغل ولينا كلام تاني.

دخلت في تلك اللحظة "منى" من البوابة، منصتة لكل ما دار بينهما. في يديها كيس كبير يحوي أشياء هامة، لربما اشترتها قبل المجيء. فباعدت أختها هناء عن والدي هشام، واستفسرت بقلق على وجهها:

_في إيه بس يا هناء، ده إنتوا صوتكم واصل لآخر الشارع، هو في حاجة حصلت؟

تلفظ "عبد السميع"، موجهًا زوجته للدخول إلى المنزل قبل أن تتفاقم الأمور، فقال:

_خشي جوا يا حنان، حضريلنا الغدا، والأمور التانية لما هشام يرجع نتكلم فيها بعدين... يلا!

دخلت حنان بحوذَة زوجها الذي كان يشكل لها أمانها ومأمنها أكثر من ابنها الأكبر هشام. كلما وصفت له معاناتها مع زوجته، كانت بلا جدوى. فلم يكترث سوى لتحقيق راحة زوجته، كأنما يبسط بساط الغبطة تحتها.

نظرت لها هناء ببغضاء غير مبررة، فهي أرادت أن تجعل العالم كله تحت أقدامها، يتحرك وفقًا لرغباتها. ثم صعدت بغضب على الدرج، وأختها تتبعها حتى وصلتا الشقة، ودخلتا إلى غرفة المعيشة. هناك، النافذة الشفافة تظهر الأراضي الزراعية من حولهم.

جلست هناء بحنق، وعلى سيفها "منى" التي سألتها بفضول قائلة:

_هو أنا مفيش مرة آجي هنا غير لما ألاقيكم بتتخانقوا؟!

ردت "هناء" بانفعال:

_دي ست ناقصة، والله لولا إنها أم هشام لكان هيبقى ليا تصرف تاني معاها... مانا يارب مورايش غير هشام وعيلته... بس والله لأعرف أخليهم يمشوا على العجين ميلغبطوش وأهو كله بطريقتي.

وطأت سيقانها بقسوة، في حين تنهدت "منى" وهي تلوج عينيها نحو صورة زفاف هناء وزوجها المعلقة على الجدران، وقالت:

_أقعدي كلي في نفسك بعصبيتك دي ومحدش هينفعك، هتروحي على نفسك ببلاش.

نفثت "هناء" عن غضبها، فكانت أشبه بالأدخنة الوالجة من قطار مندفع، وقالت بسخط:

_مانا هيجيلي جلطة على إيديها اللي ربنا ينتقم منها، هي عايزة مني إيه؟ ما تسيبني في حالي وأهي هتريح وترتاح.

ضحكت "منى" بسخرية، فقالت بلا اكتراث كمن يحتسي كوب الشاي وسط الحرائق:

_اهدي بس وروقي دمك، أنا جايبالك معايا أكل، أصل وأنا معدية على المخبز لقيت الروايح مفحفحة قولت أجيب فطيرتين وشوية مخبوزات بس إنما إيه، هتنسيكي جوزك وحماتك وعيلتك ذات نفسها.

سألت "هناء" بفضول عن خط سيرها قبل المجيء، قائلةً باهتمام:

_روحتي مشوارك وعملتي اللي اتفقنا عليه؟

أجابتها "منى" بتأكيد، فقالت بابتسامة:

_أه كله تمام متقلقيش، يلا بس أدخلي المطبخ عشان الأكلة الحلوة دي متنفعش كده، لازملها كوبايتين شاي يعدلوا المزاج.

ردت "هناء" بهدوء:

_ماشي.

ما أعظم الأخت حينما تبذل طاقتها لإرضاء أختها، كأنما تفرش لها ورود المحبة لتثبت لها درجة الإعزاز التي تكنها لها. نظرت منى لأختها بمحبة، ظهرت قوتها في لمعة عينيها، وهي ترمقها من بعيد والأخيرة تتحرك نحو المطبخ. فمدت هناء ذراعها لشطف البراد ثم وضعت الماء داخله بانسيابية، ووضعته على النيران يتفاعل معها ببطء. ثم أحضرت الأطباق والملاعق وعادت لأختها وجلست إلى جوارها، فكانت منى تستخرج المخبوزات والجبن والعسل برفق من داخل الكيس، وكلتاهما تتبادل الأحاديث مع الأخرى.

كانت لحظات رائعة، مغمورة بحنان الإخوة، حتى هدأت روح هناء تمامًا وتناست ما حدث بينها وبين حماتها.

انزلقت الأطعمة إلى معدتهما، تصدر نغمات التلذذ من جمال الوجبة وروعتها، حيث تدفقت أصوات الممثلين داخل المسلسل التليفزيوني إلى أذنيهما، فانشغلت أعينهما عما يحدث من حولهما، وانصب التركيز على الأحداث الدرامية.

بينما كانت صفعات المرض التي أرهقت ريم، وهي راقدة على سريرها بالمستشفى، لم يكن أحد يعلم سبب النزيف المتكرر. عرضت على العديد من الأطباء دون جدوى، كأنهم اتفقوا على إجابة واحدة.

حولها جدتها ووالدتها والشاب عمرو، جميعهم على وجوههم القلق، في انتظار رد الطبيب رقم خمسة بعد الكشف. فبعدما أدى "الطبيب" دوره، تبين أن السبب مجهول، فقط تحتاج لإجراء منظار طبي بعملية بسيطة تعينهم على معرفة السبب الكامن.

اقتلع سماعته، والتفت نحو الأسرة، وقال:

_المريضة معندهاش أي مشكلة ظاهرة، هي غالبًا هتحتاج منظار عشان نقدر نحدد السبب بشكل أدق، احتمال يكون: تآكل في جدار المعدة أو مشكلة في القولون هي اللي مسببة النزيف ده، لكن طبعًا ده كلام مش أكيد وعشان نتأكد لازم المنظار.

اعترضت "ريم" على إجراء المنظار، خاصة أنها غير مستعدة جسديًا ونفسيًا لهذا العمل، فقالت برفض:

_لا يا دكتور أنا عندي امتحانات الفترة دي ومش هينفع، ممكن لو في حل مؤقت دلوقتي تقولنا عليه؟

رد "الطبيب" بتفكير:

_أنا ممكن أديكي مسكنات بس ده مش حل نهائي لمشكلتك، ولما تخلصي الإمتحانات ياريت تيجي ضروري عشان نتفق على ميعاد المنظار.

تفوهت "أسماء" بقلق واضح في صوتها:

_تشكر يا دكتور، احنا عايزين المسكنات ولما إن شاء الله تخلص امتحاناتها هنرجع لحضرتك.

قال "الطبيب" باتفاق:

_خلاص مفيش مشكلة.

تحرك الطبيب نحو المكتب يدون الأدوية المسكنة إلى أن تحين إجازة ريم فتمنحهم الفرصة لإجراء المنظار بيُسر، فبدأت الجدة والوالدة تسندان ريم التي اغتمرت ثيابها بالدماء. كان مشهدًا مذعرًا إذ يعتقد أحدهم لو رآها بأنها ارتكبت جريرة ساحقة، أو أنها تتصدر قائمة المجرمين بجدارة مثلًا.

وقتها استفسر عمرو عن بعض الأسئلة الخاصة بوالدته، سيدة في عمر الخمسين تعاني من مشكلات جسدية بسبب مرض السكري بعدما أنهكها وأخسرها وزنها رغمًا عنها. فاعتنم عمرو الفرصة وألقى بعض التساؤلات.

لكن الصدمة كانت شاهقة كطول الجبال، فبينما كان المرضى يسيرون في الطرقات، كل منهم منشغل بمشكلته، والطرق مكتظة بالناس. البعض يقف مستفسرًا الأطباء، والآخرون ينتظرون على الكراسي في الخارج.

إذ بمن أحبَّه القلب، وأهواه، من اقتحم الروح بعشقه، يسير بجوار امرأة قامته تفوقها نسبيًا ليس بكثير، خمرية البشرة، ملتفة في عباءتها الشبابية الزاهية. يده لا تفارق يديها وهي تسير ببطء، لربما تعاني من مشكلة صحية.

في لحظة صادمة، خرجت ريم مستندة على ذراع والدتها، غير قادرة على رفع نظرها في وجوه المارة، تسير وكأن الحياة بقسوتها وضعت غمامة سوداء على عينيها منعتها من لمح البهجة. لكن صوت المتحدث لم يكن غريبًا، نبرة تألفها جيدًا، حيث كان يقف مع زوجته قبالة الطبيب يسأله قائلًا:

_يا دكتور أنا عايز دكتورة نسا لمراتي الله يكرمك، معظمهم اللي هنا عيون وأسنان وقلب، وكل ما أسأل يطلع راجل.

لكن "الطبيب" كان مُنشغلًا بعملية سيؤديها بعد دقائق، فأجابه مسرعًا:

_اطلع الدور التاني اسأل فوق على الدكتورة مي السني.

من بعدها، انحجبت الأصوات عن أذنيها، فعاد الدوار إليها كعاشقٍ مشتاق، فتشبثت بذراع والدتها أكثر من ذي قبل، وسارت في طريقها وهي تلقي بنظراتها إلى الوراء، تتفحص ملامحه لتقنع ذاتها بأنه مجرد حلم لا أكثر.

لكن كيف، وقد أخبر الطبيب أن من تجلس بجواره هي زوجته، لا صفةً أخرى قد ترفع الشك عن كاهل ريم؟

سقطت دموعها في تلك اللحظة، حتى لاحظها عمرو، فاندَهش في أعماقه دون أن يُظهر ملاحظاته. لكنه، في وجدانه، استشعر حقيقةً مدفونةً يسعى لنبشها والوصول إليها.

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة