الفصل الحادي والخمسون

الفصل الحادي والخمسون

15 0

انقلبت زُلفُ العالم، فانكفأت السماءُ على الأرض في مشهدٍ زلزل الكيانات الوثيقة، محى التكاليفَ الباهظةَ لتشييد حفل زفافٍ تتحاكى عنه ألسنةُ البلاد وما يجاورها من بلادٍ أخرى، وحُبه مرساه في عيناها، يهرب فرارًا ومن أعماق كبده يخشى مجاورة غريبةً على قلبه.

رئتيه وكلُّ شبرٍ في جسده امتلأ بهوى حبها، الحبّ الحقيقيّ الذي حرك مشاعره بعدما عاش ظنًّا منه متبلدَ العواطف، لربما الصخر يلين عن حبه المتجمد، خوفه لفقدانها محى تبجيله لوجود أكبر رجال البلدة، والتكاليفَ الفادحة ليُقيم العمدة حفلًا يليق بالعروسين، إذ تواجد المأذونُ الشرعي في محلِّ انتظارٍ لوصول العريس، وأكبر مشاهير المطربين، بالإضافة إلى وجود والده مصعب، وأخواله بأبناءهم الذكور، كلُّ ذلك لا يشغل عقله وقلبه مثلما طغت محبوبته بهواها على كلِّ شيء، فالحبُّ سلطان طاغٍ لا يرحم.

تأكّد كونه إنسانٌ مثل باقي البشر، يحوي حبًّا واشتياقًا وخوفًا، ظنّ قلبه حصنًا لا يخترق حتى جاءت بخنجرها وأصابته بسهامِ العشق، كان يقاوم قدماه طويلًا يحذرها ألا تتعثر في بؤرة الغرام الواسعة، لكنها خانته وسقطَ ضحيًا بلا إرادة.

وَجَدَ الفُؤادُ في أُزوفِكِ مَفارِحي، وفي بُعْدِكِ عن الخيالِ انْقَصَفَتِ الرّوحُ وتاهَت بَشاشَتي، لم يَسْكُنِّي الألمُ ويَصْنَعْ منِّي قَطوبَ العينِ والفُوه، بل أنا من سَكَنْتُهُ بعَواطِفي ودَوَّيْتُ الجُرحَ بالصَّبْوِ.

صَميمُ الرّوحِ يَنْزِفُ، والعقولُ تَظُنُّ الغَيْرَ مَسْكَنِي، فلا جالَ لحظةً على عقلٍ أن يَتَخَيَّلَ كم أنتِ الحياةُ كلُّها والبَشَرِ.

إن رافَقَ دَربي ما لا يَتَوَقَّهُ قَلبي بغيرِكِ، لَدَمَّرْتُ الدَّربَ والكونَ برُمَّتِهِ لأجْلِكِ.

الأهلُ والأقارب مجتمعون من جهتي العروسين، والأنوار معلقةٌ تضيء بهجةً، والحفلُ مكتظّ بخطواتِ الرجال هنا وهناك وهمساتهم وجدالاتهم الصاخبة في المكان، كل شيءٍ مُرتبٌ بنظامٍ كاللوحة الفنية المرسومة باحترافية، وعلى طاولةٍ فاخرةٍ ممتدة، كان المأذون الشرعيُّ، رجل في عمر الخمسين، جالسًا على مقعده وأمامه حقيبةُ العمل، وإلى جانبه شيخ البلدة ضرغام، جميعهم في انتظار خروجِ العريس من المرحاض بحماسٍ، إذ التفت العمدة حوله باكتراثٍ، وأشار للغفير بإيماءةِ استدعاء، لم يتريّث الأخير حتى هرول إليه سريعًا ومال برأسه نحوه، ليجد العمدة "ضرغام" يتساءل باستغرابٍ:

_العريس وش اللي أخره؟!

أجابه "الغفير" بابتسامةٍ لطيفة، منبئا إياه بأسلوبٍ إيجابي ينمُّ عن الطمأنينة:

_العريس في الحمام يا شيخ البلد، قال قدامه خمس دقايق وبيچي علطول وما بيتأخر عن كذا، بس له يمكن نص ساعة في الحمام، ما أدري ليش اتأخر وما طلع.

ما لبثَ "الغفير" إلى أن أنهى إجابته حتى وجد زميله يهرول سريعًا وكأنه يسابق الزمان لبلوغ الشيخ ضرغام، يتحرك بين الأنغام البهيجة بخُطى واسعة، وسلاحه الفتاك مثبتٌ على كتفهِ الأيسر بإحكام، متفاديًا رجال البدو، حتى وصل إلى العمدةِ، وأحنى رأسه برفقٍ نحوه وهمس في أذنيه قائلًا:

_الحق يا عمدة، رمزي هرب من الديرة مع حرمة!

انتابَ الشيخ "ضرغام" صدمةً عارمة، فاتسعت بؤبؤاه في خوفٍ بعدما أقام حفلًا كلفه دماءَ بدنه، تضاربت دقاته ذعرًا من أن يتدنس مقامه على يد شابٍ أهوج تصرّف كالحمقى حينما فرّ هاربًا بلا مبرر يقنع العقل، فرمق المعازيم حوله بخوفٍ من أن ينتهي المطافُ بخزي عظيمٍ يؤثر على مكانته الجليلة في البلدة، ثم رفع رأسه نحو الغفير، وقال بنبرةٍ تقطر غضبًا:

_بلغ ربعك إني أبغاكم تقلبوا الديرة كلها عاليها واطيها عليه لين تچيبوه، رمزي إن ما چه خلال نص ساعة، آني بقلب الدنيا كلها، فاهم ولا لا؟

أحنى "الغفير" رأسه بخضوعٍ، ونطق بطاعةٍ عمياء:

_حاضر يا عمدة، بنقلب الدنيا عليه لين نطلعه، إن شا الله لو كان تحت الأرض.

انطلقَ الغفير خارج السرية، ووقف حيالَ باقي زملائه وأمرهم بما كلفهم العمدة به، فبدأت حملةُ البحث عن رمزي بأيادٍ متعاونة، منهم من تحرّك في حدود البلدة والآخرين بين أحياءها بأسلحتهم الفاتكة استعدادًا لإيجاده في أي لحظة.

وبينما الأغانِ تتردّد في الحفل، ألقى المأذون الشرعي نظرةً سريعة لساعة هاتفه، متعجّلًا لأن؛ يقضي مهمته ويرتحل ليستأنف باقي حالاتِ الزواج، فتوجه إلى شيخ البلدة بسؤاله، قائلًا:

_اعذرني بسؤالي يا شيخ ضرغام، أنا وراي مواعيد مع ناس غيركم، والظاهر العريس طول واجد، أستسمحك تعچله شوي!

ردَّ الشيخ "ضرغام" ببسمةٍ يكمن في لُّبها هواجس شنيعة تتوافد في ذهنه بلا رأفةٍ لحاله المخوار:

_لا تقلق يا عم الشيخ، عطنا نص ساعة بالكثر وآني بعوّضك عن أي خسارة....

ثم رفع رأسه عنانَ السماء، وتابع بوعيدٍ محموم:

_ماشي يا رمزي، إن ما بدفعك ثمن اللي سويته ذا غالي واجد، ما أكون عمدة الديرة الشيخ ضرغام الفقي.

إصرارهُ للبحث لم يكن بهدف الانتقام فقط، بل ردٌّ لاعتباره وسطَ الناس، فيقتص منه أشدّ قصاصٍ بعدما استهان بمنزلته الرفيعة، ومنصٌّ بين الأزقة الحالكة كالفئران الفارّة من القطط الجائعة، فرغبتهُ عظيمة لردّ الصاع صاعين، لكنه ترك الفرصة السانحة تمتد لمهلة نصف ساعة على الأكثر، وفي حصيلتها لا تقدير سواءً من العريس أو عائلته.

وبينما تنطلق النيران بفزعٍ للتفتيش عن رمزي بين الشوارع وأشجارها ومنازلها وسياراتها، كادوا أن ينبشوا عنه بين التراب، لكن رمزي وچيهان في هذه الأثناء قد استقلا إحدى سيارات الأجرة التي خرجت بهما من البلدة برمتها، متجهةً إلى عالمٍ جديد، فالعودة إلى العوينات تعني موتًا محتّمًا لرمزي لا جدال فيه.

جلسَ رمزي وچيهان في المقعد الأخير وبينهما الحقائب كفاصلٍ أخلاقي يحدّ من أي ملامسات غير مقصودة، چيهان صامتة، مستديرة بظهرها لرمزي ووجهها نحو النافذة المفتوحة، إذ تسلّل الهواء البارد على وجهيهما، والقمر يظهر تعيسًا في الأعلى. چيهان صامتة لدرجةٍ مُخيفة بثت القلق في نفسه، لم يفعل شيء سوى أنه يرمقها بوجومٍ مختلطٍ بندم المُحبّ، إذ لا تنظر له تمامًا وكأنه ليس موجودًا معها في نفس السيارة.

كأنها تودّع الطرقات باعتبارها المرة الأخيرة لمغامرة لطيفة عاشتها معه بين نُسم الحبّ، ذكرياتٌ حفرت في قلبها وعقلها وروحها أكثر من حفظها لملامحها.

جسدها ارتجف قليلًا وكأنها تنتحب بلا أثر، إذ كلما جاهدَ رمزي أن ينظر إلى وجهها ليتأكد من سلامتها، وجد صعوبةً عارمة وكأنها بنت جدارَ حجب الرؤية بينهما. ساعةٌ ونصف كاملان من الصمت، وبمجرد أن وصلت السيارة إلى وجهتهم الجديدة في بلدةٍ قاصية عن العوينات، حمل رمزي الحقائب فوق كتفه ونزل مع چيهان قبالة فندقٍ قديم رسمت عليه علاماتُ الزمان المُهترئة.

دخل هو في المُقدمة وچيهان تعقبه في صمتٍ مطبق أوهج الرعب في نفسه، فألقى عليها نظرةً هادئة، ثم وصل إلى رجلٍ مُسنٍّ جالسًا على مكتبه الصغير في صالة الاستقبال، مرتديًا نظارته الطبية، وحياله الدفترُ وقلمه الأزرق الجاف، فاستقرَّ "رمزي" إزاءه، وقال:

_أبغى حچرتين، كل حچرة سرير واحد.

سألهُ "موظف الاستقبال" وأصابعهُ تستعد لتدوين البيانات في دفتره الخاص:

_كام ليلة؟

أجابهُ "رمزي" بتفكير، محاولًا تقدير المدةِ المطلوبة في ذهنه:

_يعني ثلاث ليالي مو أكثر.

مدَّ "الموظف" يداهُ لرمزي، راغبًا استلام بطاقاتهم الشخصية، قائلًا:

_هاتوا بطايقكم!

الظروفُ أرغمتهما أن يتحركا في بلاد العالم بلا بطاقاتِ هوية تُثبت مصداقيتهما، فأوضحَ رمزي لموظفِ الاستقبال أنهما لا يملكان أيَّ بطاقات، وأنهما يحتاجان إلى الغرف لثلاثة أيامٍ لا أكثر، فأبدى الموظفُ اعتراضه في بداية الأمر، لكن رمزي بنفس أسلوب والده بدأ يتمتم حروفًا صامتة، دست الموافقة في رأسه، جعلته يتغاضى عن أي متطلبات.

أحسَّ بمدى قدرته للتأثير على قراراتِ الآخرين، ذاك الذي منحه شعورًا عظيمًا بالقوةِ الروحانية. فحمل الحقائب على كتفيه واستلم مفاتيح الغرف، وصعد مع چيهان إلى الطابق الثاني.

كانت الدرجات محطمةً وكأنها مشهدٌ من فيلمٍ للأشباح المُريعة، على الرغم من تفشّي الأضواء العالية في أرجائه. وفي تلك اللحظات المشحونة بآلام النفس المكبوتة، فتحَ رمزي أبواب الغرفتين المجاورتين لبعضهما في فندقٍ هادئ لا تسكنه حركات البشر، فدخلت چيهان حجرتها في صمت، ووقف "رمزي" على عتبة بابها وهو ما زال متوَقًّا لدراية أسباب سكونها إلى هذه اللحظة، فخرج بصوته المُتعب، وسأل بتعجبٍ:

_ليش ساكتة طول الطريق، ما بتحكيلي بشي؟!

نطقت "چيهان" بطريقةٍ جافة، وصوتها يتردّد في أذنيه، باثًّا آلامًا غامرة طفحت على أفعالها باستبانة:

_أنا مش طايقة أشوفك ولا أسمع صوتك!

انكسرَ حبُّها الوحيد بعدما رأته سندًا لا يميل بها، العشقُ خانها وهي لم تخنه يومًا، نظراته وأفعاله خلال هذا العام أظهرت لها ما لا تنطقه الألسن، ومالت في وجوده متيقنةً ألا تسقط، لكن يداه خانتها حينما احتضنتها الأرض بقسوة.

ألهبَ النيران في قلبها المتيم به. لا دينٌ، ولا مجتمعٌ يسمحان باجتماعِ متباعدين، تفرّقا وسيتفرّقان طالما ظروف الحياة تُعاند جواهما. انصبت الدموع من عيناها وأنفاسها تربو بقهرٍ عظيم لم ترَ مثله طوال حياتها، فيما دلفَ "رمزي" إلى داخل الحجرة، وترك الحقائب على السرير، ووقف حيالها بنفس الاستياء، وقال بعيونٍ لامعة بالندم:

_أنا سويت كل هالشي عشانك إنتي!

استغربت چيهان ردهُ عليه، كيف فعل ذلك كله من أجلها وهو من اجترعها بسموم الحسرة؟ تلك المتحسرة على شبابها، مستقبلها، عائلتها التي افتقدتها، وكأنهم تذوقوا عذابَ الموت مرتين، الأولى لفراقهم يوسف، والثانية فقدانهم چيهان، وكل مرة أشدُّ بؤسًا وعذابًا، كأن الحياة مناوئة لسرورهم، تلك التي جذبت منهم كأس الفرح واستبدلته بكؤوس الأحزان.

عجّت "چيهان" في وجهه وكأنها تصغى لتكسير فؤادها لأجزاءٍ متناهية الصغر، غدره للحبِّ النقي قتل ما تبقى من أمانها، فصرخت قائلةً باستنكار:

_علشاني أنا ازاي؟ إنت كسرتني ودمرتني وبعدتني عن كل حاجة في حياتي، ازاي هونت عليك؟ ازاي قدرت تعمل كده؟ أنا مش قادرة أصدق اللي حصل، أنا مخدوعة فيك، إنت أكبر خدعة قابلتها في حياتي!

بادلها "رمزي" الصياح هو الآخر، إذ وقف موازيًا لها وكلاهما ينظران لبعض بنظراتٍ حادة جدًا، كأنهما يتبادلان سِهام الموت على هيئة حب صامتٍ لم يُفصح عنه بعد. الأنفاسُ تعلو بخوفٍ في عتابٍ قاسي بين كلا الطرفين، فضغط رمزي على أسنانه مفصحًا لأول مرةٍ عما يختلج في روحه، والدموع تتساقط من عينيه ممتزجةً بالعجيج الصاخب، قائلًا:

_أيوه، أنا سويت كل هالشي عشانك إنتي! مو إنتي بس اللي خسرانة، أنا كمان خسران واجد ويمكن أكثر منك، بس إنتي ما حاسة، لما أخسر أبوي عشانك وأعرض نفسي للخطر طول الوقت، أبوي اللي ما كنت بسيبه ولا ببعد عنه ثانية، ولما أدخل الحبس عشانك وأطلع منه، ولما أفر من العرس اللي متكلف ملايين وأنا بروحي ماضي عوصولات أمانة عشان حق بنته ما يضيع، ولما بعد كل هالشي وأهرب عشانك يصير....

بترت "چيهان" حديثه في الحال، وقالت باعتراض، هادرة فيه بصيحاتٍ عالية:

_ابعد عني قولتلك! مش عايزة أشوفك، مش طايقة أسمع صوتك، مش عايزة يكون في كلام بيني وبينك تاني! إنت كسرتني، أنا مش مسامحاك ولا هسامحك طول عمري.....

تشبثَ "رمزي" بقبضته الجافة في ذراعها، جزَّ على أسنانه والدموع تنهمر من عينيه بحزنٍ، فبترّ ردها بصرخةٍ مدوية، وهو يقول بألمٍ في صوته:

_ما كسرتك، أنا هربت عشانك إنتي وضحيت بكل هالشي عشانك إنتي! السؤال اللي كنتي دايمًا تسأليه لي وما كنت راضي أچاوبك وأنا عارف إنتي تبغي توصلي لإيش، هسَّه أچاوبك يا چيهان....

ثم ضغط على يديها بقوةٍ أكبر فتألمت، وكلاهما ينتحبان في مشهدٍ حزين تلين له القلوبُ القاسية، وتابع بصراخٍ وعيناه لا تغادر عينيها ثانيةً:

_سويت كل هالشي عشان بحبك يا چيهان بحبك، فاهمة يعني إيش بحبك؟ بحبك وما بقدر أعيش مع غيرك....

انتفضَ جسد چيهان من هول الصدمة، وكأن إفصاحه بُحبه لها رصاصات أصابتها بعنفٍ، فاتسعت حدقتاها، وهو ما زال يواصل بنفس الدرجة الصاخبة، والدموع تنهمر على وجنتيه بألمٍ مُغرم:

_ما بقدر أكون لغيرك ولا تكوني لغيري، حبيتك من أول يوم شفتك فيه وبحبك وبظل أحبك لين آخر نفس لي في الحياة....

وقبل أن تُلقي چيهان عليه ردها، وضع يده على فمها وبكتها، مواصلًا بضعفٍ عجيب، أثار دهشته وهو يرى ذاته ذليلًا أمام الحبِّ لأول مرة، فأردف:

_عارف، بتحكي بإيش، عارف! عارف إن ظروفنا مُختلفة وعارف إن كل الديرة ضدنا، وإن لا أهلك ولا أهلي بيوافقوا، بس أنا بحبك....

باعد يده عن فمها بقهرٍ مستحوذ على حركاته، ثم تشبث بمعصميها وهي تستعبر بارتباكٍ، واسترسلَ وكأنه سجين لتحكّمات المجتمع لحياته:

_روحي اتعلّقت فيكي غصب عني، ما كنت أبغى أوصل لهالدرچة وياكي، اللي خوفت منه صار وأنا كل يوم بتعلّق فيكي أكثر من الأول... ما أبغى أشوفك مع غيري، بتشعل فيّ نار عمرك ما بتحسيها، أبغاكي لي لوحدي، نفسي أكون وياكي يا چيهان بس وحنا متزوچين مو هربانين من أبوي والديرة كلها، إنتي بالنسبة لي مو واحدة عادية، إنتي العالم كله....

ثم رفعَ كفه في الهواء بإشارةٍ واضحة، وأردفَ بعواطفٍ متفجّرة من الحب:

_عارف إنك بتحبيني من غير ما تردي عليّ، أنا شِفت في عيونك الحب مثل ما شفتِيه في عيوني، شفت خوفك عليّ وشوقك لي مثل ما أشتاق إليكي، إنتي ما تخرچي من بالي لحظة يا چيهان، أنا بحبك وأبغاكي بس ما بينفع نكون سوا وعارف هالشي، يكفي إن دمي معهم، وأنا ما أبغى أظلمك معاي أكثر من كذا.

تباعدت چيهان عنه للوراء، وجسدها مصطك بمزيجٍ من الدهشة والخوف، ظلت تتراجع حتى وصلت للجدار ودقاتُها تخفق باشتداد، لم تُجيبه وظلت صامتةً مكتفيةً بنحيبها وهي ترمقه كأنها مكبلةُ الأيدين والأرجل مثله تمامًا، فلا أحدٍ منهما يملك بين قبضتيه الحل، إذ تعدُّ من العلاقات المستحيلة التي دومًا ما تنتهي بشكلٍ مأسوي.

أما رمزي، مكث موضعه يحدقها بعينَيْن محمرّتين من الدموع، اندهشت جوارحه التي عاشت مع قاسٍ أجفّ من الحجر الصلد ذاته لتجده لأول مرة بشكلٍ مثير للغرابة يزرف دموعه، وكأنها القشة التي قسمت ظهر البعير. لا يعرف كيف أفصح لها عن حبه، ولماذا، وهو يعلم في قراراته خير علمٍ أن الظروف تحكم عليهم شاؤوا أم أبوا بالفراق.

استدار رمزي في الحجرة حول نفسه كالمعتوه، قبضته على فمه بلا استيعاب لما كشفه لها من مشاعرٍ دفينةٍ في أعماق وجدانه العاشق، ثم استدار لها من جديد، وجدها تبكي في صمتٍ، ضامةً يديها الاثنان على فمها، فلا يظهر له منها سوى عينيها المحمرّتين من وطأة النحيب. فزفرَّ بأنفاسٍ يائسةٍ لها، وقبل أن يلقي حديثه عليها من جديد، أصغى لصدح خطواتٍ تقترب، وأحدهم يقول:

_يا رب يا ستار.

سرعان ما حملَ رمزي حقائبه وأغدقها بنظرةِ سلامٍ مبهمة، ورفَعَها على كتفيه وتحرّك للخارج، وصكَّ بابها، ثم دلفَ إلى حجرته وأوصدَ بابه هو الأخير.

وفي تلك الأثناء عبرَ أحدُ النزلاء في الفندق الطرقة الممتدة حتى بلغ حجرته، وبينما چيهان داخلَ حجرتها تبكي بمرارةٍ، غير مستوعبةٍ تلفُّظ رمزي لها بكلماتِ الحُبِّ، جلست على السرير ودموعها تنحدر على عباءتها بغزارةٍ كأنها فيضانٌ من القهر الذي لا ينتهي.

أصغى رمزي في حجرته لبكائها بينما هو جالسٌ على سريره بجوار حقائبه، فانسلت أصابعه بين ثيابه يستخرج كتابَه الأحمر، ثم وضعه جانبًا على الفراش، ثم افتتح حقيبةَ المال التي كانت دومًا ما في وديعة چيهان، يقينًا منه أنه أمن على روحه معها، أفلا يؤمن على بضعِ ورقاتٍ لا تسوى شيئًا إزاء حُبِّها؟

اشترك رمزي خلال الأشهر الماضية في جمعيةٍ استثمر فيها أمواله حتى لا تنهار هضبةُ ثروته الصغيرة، تمكن من استغلال العمدة ضرغام بشكلٍ استراتيجيّ ذو رصانةٍ عاليةٍ حتى لا يشحذ بين الطُرقات كالمارة المتسولون، إذ قرر أن ينصرم الليلة التالية ليصنع لذاته حسابًا بنكيًّا يؤمن حاضره ومستقبله إلى أن يجد مهنةً تنتشله من ظلماتِ الضياع. وبعدما اطمأنَّ على أمانته، فتح كتابَه بأناملٍ ترتجف استياءً ليبدأ تحصين چيهان فتعود إلى عائلتها مطمئنةً بأن ما حدث لن يتكرر قَطّ.

تراجع بظهره للوراء حتى استند بظهر السرير، وحوله أعينٌ خفية تترصده، وبينما تتصفح يداه في كتابه، كانت الصفحة رقم خمسٍ وخمسون تصف طرق الحماية المختلفة، قائمةً طويلةً برموزٍ مبهمة لا يستطيع فكَّها سوى من يعلم أصولها الخاصة، وأمام كل رمز رسمةٌ هادئة تشرح ما يعنيه. الكتابة جميعها مطليةٌ بالحبر الأحمر وكأنها دماءُ أولى ضحايا إيبار، وفي القائمة الحصون الآتية:

١ـ حصن الأجداد بخواتيم الروح: انبلجَ إلى جانبه كهدلٍ ذو لحيةٍ بيضاء منسدلة إلى صدره، رأسه ممشوقة لأعلى وفمه مفتوح كمن يتلفظ أنفاسَه الأخيرة في الحياة.

٢ـ حصن الزعفران الدموي: خيوطٌ حمراء رفيعة أشبه بالدم المجفف، تتوهج أسفل الإضاءة، وعندما تُفرك تتشعشع منها روائحٌ كأنها مزيجٌ بين المسك المحروق وصدأ الحديد.

٣ـ حصن القمر المُنفجر: طاقةٌ مُركّزة كالنيران في الهشيم، تتزايد قوتها وكأنها تقوّي جدرانها الحامية كل ليلة اكتمال القمر، بمثابة قنبلةٍ موقوتةٍ لمن يتجرأ على اجتياز الحدود.

وغيرهم من الطرق المُلتوية في اتجاهاتٍ يعترضُها الدينُ، فبمُجرد اعتقاد الإنسان أنّ أي مخلوق مثله قادرٌ على حِمايته فقد أشركَ، فالحافظُ هو اللهُ وحده الذي لا إلهَ غيرُه، لكنّ رمزي الذي لا يزالُ معتقدًا بأنّ السحر حامٍ له ولغيره باعتباره سحرًا أبيض، هذه في حد ذاتِها كارثةٌ عظيمة، إذ السحر بأنواعه المختلفةِ سواءٌ للخير أو الشّر فهو كُفر باللهِ، فمَن سلك هذا الطّريق دون توبةٍ، لَهب الدركِ الأسفل في انتظارهِ.

اختارَ رمزي طريقتهُ الأنسب من بين خمسٍ وعشرين طريقة، مستحضرًا اسم چيهان ووالدتها وتاريخَ ميلادها، وشفتاهُ تمتمان بحروفه السحرية، مُكلِّفًا الخادم الأول بحمايتِها ودفع خُدام مصعب عنها إن تخطَّوا الحدودَ ليعادوها.

بدلًا من نصف ساعة انتظارٍ بلغت ساعتان كاملتان في حفل الزفاف، المأذون الشَّرعيُّ أراد المغادرة لكن شيخ البلدة منعهُ، فانكتمت الأجواءُ من حولهم وكأنها تؤهلهم لحدثٍ أعظم، إذ لم يتركْ رجال الغفر سنتيمترًا في البلدة إلا وتفحصوهُ جيدًا لدرجة أنهم اقتحموا منزل الخال فهيم وفحصوا طوابقه المختلفة بقعة بقعة، ما جعل أهل المنزل في دهشةٍ خاصةً غزال  وغيداء اللتان توقَّتا لفهم الأحداث الواقعة من حولهما، أما صبا فكانت تعلم كلّ شيءٍ، لكنّها اضطرت لإظهار جهلها لخطّ سيرهما، وكأنّ عيناها لم تُبصراهما من الأساس.

أخوالُ رمزي برفقة أبنائهم وقفوا جميعًا بجانب بعضهم بعضًا، يتجادلون في مغيب رمزي عن الحفلِ، حتى المعازيم الذين لاحظوا تجهُّم وجه شيخ البلدةِ، نطق أحدهم للآخر بريبةٍ:

_العريس باينله هرب من العرس، أنا طول عمري أسمع إن الحرمة هي اللي ممكن تهرب، إنما الرچال بنفسه، هالشي چديد عليّ.

في الأعلى، العروس مرتديةٌ فستانها الأبيضَ، وعلى مُحيّاها أملٌ كبير بأن ينتهي الزواج قبل بدئه. وقفت وراءها أقاربها وزميلاتها، جميعُهن ينظرن من الشرفة مُنتظرات خبرًا يُشفي قلقهن، حتى دقت إحدى السيدات الباب، ودخلت إلى العروس، وقالت:

_سمعت تخاطيف كلام من الرچال تحت وهم بيقولوا إن العريس هرب، وقالبين عليه الديرة كلها وما لاقيينه.

استدارت لها العروس بلفتةٍ من الأمل، وانقشعت عن شفتيها ابتسامة عريضة معبرةٌ عن الفرح المتجدّد، كأنَّ جبلًا من الهموم انزاح عن كاهلها، فقالت ببهجةٍ:

_هرب عنچد؟!

أجابتها السيدةُ بكل تأكيد، فإذا بالعروس تصابُ بنظرات غريبة مِن كل مَن حولها:

_أي هرب، ضحك عالعمدة وقال للغفير إنه داخل الحمام، ومن ساعتها كأنه فص ملح وذاب، وكمان الغفير خيري يقول إنه شافه يهرُب ويا حرمة من الديرة ومعاه شنط سفر.

زفرت العروس "دليلة" بهدوء نفس، فما لبثت أن ارتاحت روحُها إلى أن اقتلعت الطرحة البيضاء وتاج الألماس ووضعته جانبًا بتهلل، ثم جلست على السرير، وقالت بفرحٍ لا يُخفى:

_الحمد لله إنه هرب، أنا من الأول وما كنت أبغى هالچوازة، بس أبوي ما كان راضي يسمعني ويچبرني على شي أنا ما أبغاه، بس هالحين أقدر أقول إن ربنا نچاني من حفرة كبيرة كنت باشقع فيها عيّد أبوي.

ضاق المكان على عائلة رمزي رعبًا، متخوفين من سماع الخبر المتوقع بمناصه بعيدًا، إذ أخوالُ رمزي متراصّون بجوار بعضهم وهم ينظرون في وضع صموتٍ كمن يشاهد مسرحيةً نهايتها هلاكُ البطل.

الأرضُ الممتدة، اتسعت بخطى رجال الغفر وهم يتقدّمون نحو عمدةِ البلد وسط صمت الأغان، حتى وصلوا إليه، وأنبأ أحدهم شيخَ البلدة بنبرةٍ غاضبة:

_حنا قلبنا الدنيا عاليها واطيها يا عمدة، رمزي هرب من الديرة كلها عديرة ثانية وما حد فينا يعرف وين هو، بس اللي حنا متأكدين منه إنه هرب ويا حرمة.

تضاربت الدماء في رأس الشيخ ضرغام بعدما خزى قبالة الجميع، ما جعل أخوالَ رمزي يتهامسون بعيدًا، وعلى محياهم فزعٌ رهيب، حتى "مصعب" الذي تقدّم بسرعة نحو العمدة، وقال:

_آني بچلبلك رمزي من تحت الأرض، لا يغريك إنه ابني ولا أرحم عليه، اللي غلط يتعاقب، وآني بچلبهولك وأطلّع عينه وعين اللي چابوه!

رمقه الشيخ "ضرغام" بنظراتٍ شرسة، وتقدّم منه وقبض على ياقة جلبابه، وحدقتاه تنفجمان باحتدامٍ عنيف، فضغط على أسنانه، وقال بنبرة شرّ بطيئة:

_چاب عزرائيل روحك وروحه، صرتوا تشتغلوني وفي الآخر ابنك يهرب مني ويخليني عار قدام الأهل والحبايب؟ قسمًا بالله العظيم بأخذ بتاري منكم كلكم واحد واحد وما بخلي حد فيكم....

ثم أشار للغفر بإشارة واضحة لا تحتمل الجدال، واسترسل بصياحٍ عاتٍ:

_خذوه عسچن العمدة، وخذوا كمان اثنين رهان من ولاد خاله!

وبينما يقبض الحراس على مصعب، ومهاوش وعواد أبناء الخال عاصم، فرّ الأخوات سريعًا نحوه، يتوسّلا إليه بتركهما وشأنهما وسط الصيحات الذكورية الخشنة. فتحول الزفاف من مسرح للبهجة إلى ساحة عراك، وقد يتحوّل إلى جنازات حارة بعد قليل، فتشبّث "عاصم" بذراعي العمدة، وقال بصراخٍ متوسّلٍ إياه:

_أبوس إيدك، سيب ولادي لحالهم، مهاوش وعواد ما إلهم ذنب في اللي رمزي سواه، أحب عراسك وإيدك ورچلك يا عمدة، أبوس إيدك!

تلفظ "فهيم" هو الآخر بإعوال، وأصابعه تتعلق في كتفي شيخ البلدة، باستغاثة:

_يا عمدة الديرة، إنت رچال كبير وفاهم الأصول زين، ولاد أخوي ما لهم ذنب، هذولا شباب مثل الورد وعايزين يعيشوا، إذا كنت ناوي تعاقب، عاقب صاحب الأمر نفسه!

انفجر الشيخ "ضرغام" بجلبةٍ عنيفة في وجهيهما، مظهرًا جبروتَ شخصيته وقراراته الصارمة، قائلًا بوعيدٍ صريح:

_التلاتة هذولا عندي رهان، بيضلوا منوّرين سچن العمدة لين يچي رمزي بالسلامة، يوم يچي خير وبركة، وقتها يطلّعوا ويدخل هو محلهم وياخذ عقابه، أما إذا ما چاء، ربي يعوضكم فيهم.

غادر العمدة ضرغام المكان، تاركًا اللهبَ تحرق أبدانهم باحتجاز فلذات أكبادهم داخل سجنه. تحرّك رجال الغفر قابضين على الثلاثة، حتى دخلوا بهم السرية، وبينما يتحركون بينهم في الظُلمات، عَجَّ "مصعب" فيهم وهو يقاومهم بقوته، قائلًا بصياح:

_وش لي آني؟ آني اللي هربت ولا رمزي؟ ليش تحبسوني في سچن العمدة؟ آني اللي حرّضته عالهرب ولا شنو؟!

دفعه "الغفير" بقسوةٍ عارمة إلى الداخل، ناطقًا بصرخةٍ مدوية:

_تحرّك ولا تكثر سوالف ما لها لزوم، يلا تحرّك!

رمقه مصعب بغيظٍ مكبوت، متوعدًا له بأن يسحقه سحقًا وينتقم من كل من تجرأ عليه يومًا، فالصاع لن يكون صاعين، بل سيكون انفجارًا ذريًا يُخفيهم تمامًا من الوجود.

وفي الأعلى، انحنى "عاصم" على ركبتيه وهو يضرب رأسه بحسرة، قائلًا بصيحاتِ استغاثة:

_عيالي الاثنين خذوهم مني يا فهيم، وين أروح ووين أچي؟ وش أسوي؟ رمزي يوم دخل حياتنا خربها علينا، يا رب الفرچ منك، أغثنا!

ربّت فهيم على ظهر أخيه كمثالٍ للأخوة والسند الراسخ بقوى الحُبّ والإعزاز الطاهر، مستشعرًا آلامه، مُقدّرًا حجمها الذي يقسم ظهر أقوى الجبابرة. كان مضطرّان لواقعٍ لا يمكنهما تغييره، فمن يحكم البلدة لا يتهاون في حقوقه، ويتقابل مع الخطيئة الواحدة بشلالاتٍ من الدماء.

بلغت الساعة الثامنة صباحًا، وچيهان لم تنم بعد، حتى رمزي الذي غفوت عيناه لساعتين فقط، وفي كل مرة يستفيق منفزعًا على بكائها داخل حجرتها.

كانت الأنوار مطفأة في الغرفتين، يتسلّل ضوء النهار مع حرارة شمس الصباح عبر النوافذ. رمزي مستندٌ بظهره على السرير، وعيناه تجولان حوله بأفكارٍ منصهرةٍ من ذهنه، مرتديًا بنطالًا وقميصًا منزليًّا خفيفًا، لكن ساعة اليد لم يقتلعها بعد.

وبينما كان جالسًا باستياء، طرقت أيادٍ خفيفة الباب، فنهض بهدوء وفتح، وجدها چيهان بعينين توهجتا بحمرة الحزن، وجفنين تورّما من هول البكاء طوال الليل. جسدها هزيلٌ وكأن سيقانها لم تعد تحتملها.

دخل وجلس على السرير، فاتبعته واستقرت قبالة السرير في صمتٍ. أحنى رمزي رأسه لأسفل، ومشاعر الحب المنكسر تغمر وجدانه، حتى "چيهان" التي تساقطت دموعها، جاءت بالرد في وقتٍ متأخر، إذ حركت أناملها بلُطف على وجنتيها، وقالت بصوتٍ شاجن:

_أنا مش هنكر إن أنا كمان حبيتك، واتعلقت بيك، وحسيت معاك بالأمان اللي عمري ما حسيته وأنا مع أهلي، غيابك بالنسبالي مُخيف واللي كان بيخوفني أكتر وأكتر إني عارفة إن علاقتنا ببعض مُستحيل تنتهي بحاجة كويسة تفرحنا....

اعتدل رمزي في جلسته، مُكترثًا لكل كلمة تتفوّه بها، فانزلقت الدموع على ثوبها، ورفعت أناملها لتجفّفها برعشةٍ من اليأس، وأردفت ببكاء:

_إنت حياتك كلها غلط في غلط، اتربيت وسط الشر وعايش في ضلمة مفيهاش خيط نور واحد، لكن أنا اتولدت وعيشت وهعيش وهموت مُسلمة، مؤمنة بالله، وبعيدة عن أي حاجة تغضبه، كان ممكن كل حاجة تتغير لو إنت أسلمت وسيبت الطريق ده، بس برضه مفتكرش إنه هينفع لأن لو الدين وافق عمر ما المجتمع هيوافق!

استقام "رمزي" ووقف بالقُرب منها، وقلبه يخفق تتيمًّا. نظر لعينيها التي لا تخون ولا تكذب، وجد فيها أمًّا غائبة، فعلت مثلما تفعل چيهان التي بنسخة جديدة منها، ترشده بعواطفها الجياشة وتمنحه نور الهدى بهداها. فخرجت كلماته هادئة، مختلطة بالأسى:

_أنا مستعد أسوي أي شي عشانك، لو تقولين لي أدخل حرب عشانك بسويها وما بتأخر لحظة، جيهان أنا أحبك وأبغاكي، أحس روحي من غيرك كأني ميت بلا روح، من يوم دخلتي حياتي وأنا أشياء كثيرة فيّ تغيّرت، أموت لو تبعدين عني!

ما كنتُ أنا، ولولا طيفُكِ غرَّمني الدمُ والهوى،

قالوا: الثراءُ مادةٌ ماكثةٌ في الجيوب،

كذبوا، وأنا ثريٌّ بحُبكِ في جيوبِ الجوى،

يا سَلَّابةَ الأرواحِ، أعطيني روحي التي سُلبت بنهبِكِ لها حدَّ المُنتهى.

لكن "چيهان" رأت في الأفق البعيد أحداثًا تُزيد القلب شروخًا غائرة، تباعدت إلى الوراء وهي تشير له بيدها، قائلة بإحباطٍ يتعارض مع طبيعتها المتفائلة:

_صدقني مش هينفع، والله ما هينفع! مكنش ينفع أبدًا إننا نحب بعض ولا نتعلق ببعض، كل ده من الأول كان غلط، لا أنا كنت عايزة ولا إنت كنت عايز، عارفة إن القلب أقوى من الظروف، بس مش هينفع!

سقطت دموعٌ هادئة من عينيهما، وإن كان ليدخلا سباقًا في البكاء لفازت چيهان من فيض حزنها. "رمزي" يدري جيدًا بحساسية علاقتهما، لكن حُبه العنيف لها يقوده رغمًا عن إرادته، فخاطبها بوجهٍ تعيس:

_الشي الوحيد اللي يفرق بينا إن دمي من دمهم، لا تقولين أبوي ولا أهلك كلهم ولا القوم ولا أي شي بيقدر يفرقنا! لو لقيت حل ما كنت صرت مهموم بهالشكل، بس الشي اللي لازم تعرفينه يا چيهان، إني أهب حياتي كلها لكي إنتي وبس، وأعيش وأموت وأنا أحبك، ما عمري بلقى مثلك!

ردّت "چيهان"، وعلى محياها استياءٌ سافر:

_لازم ننسى بعض، لازم نحاول ونفهـ....

انقطع حديث چيهان على رنينِ هاتفها، فنظر "رمزي" إلى شاشتها باستغراب، ووجد اسم الشيخ نعمان يظهر بوضوحٍ، فسألها بفضولٍ متزايد:

_الرچال ذا وش يبي منك؟ ليش يتصل فيكي بهالوقت؟!

أجابته "چيهان" بتردّد، وأصابعها تتأهّب لقبولِ الاتصال:

_أنا اتصلت بيه إمبارح مردش عليا، بعتله رسالة إني محتاجة أتكلم معاه ضروري، أكيد هو لسه شايفها دلوقتي.

تنهّد رمزي بضيقٍ، واعترض علاقتها بالشيخ نعمان، لكنه ترك لها مساحةً ضئيلةً بأن تستجيب لمكالمته، ووقف في زاوية الحجرة باتجاه النافذة بغضب، وظهره مُواجَهًا لها، فاستجابت "چيهان" لمكالمته، وقالت برجفةٍ تحيقُ حروفها:

_ألو يا شيخ نعمان، أنا بعت لحضرتك إمبارح رسالة بإني محتاجة أتكلم معاك ضروري، بس الظاهر إنك مشوفتهاش غير دلوقتي.

في حين رمزي يُصغي لحوارها معه، وبلا أيّ مُقدّمات، أجابها الشيخ "نعمان" مباشرةً، مُحذرًا إياها بحدة:

_رمزي خربها مش كده؟ عمدة البلد قالب عليه الدنيا بحالها وطول الليل ضرب نار في السما، ربولنا الرعب ولا كأننا عايشين في حرب، اديني بقولك أهو، تعرفيني مكانك فين دلوقتي، عشان أجيلك ونخلص من الموضوع ده ويا دار ما دخلك شر!

ردت "چيهان" شارحةً له موقفها بوضوح، فقالت ببكاءٍ هادئ:

_مانا بكلم حضرتك عشان أقولك تيجيلي، أنا عايزة أوصل لحل نهائي، محتاجة أرجع لأهلي يا شيخ نعمان....

استدار "رمزي" لها بغضبٍ، وقبض على هاتفها بقَسوة، وتحدّث بالنيابة عنها، فقال بمُعارضةٍ:

_اسمع يا رچال زين وش بقوله لك! چيهان ما ترچع لأهلها الحين، وإن كنت چاي ونيتك تاخذها انسى! چيهان ليّ أنا، مو ملك أحد، وأنا اللي بقرر متى ترچع لأهلها ومتى تبقى!

ردّ الشيخ "نعمان" بجلبةٍ صاخبة، مُظهرًا له هيمنته الحاسمة لأول مرة:

_من الواضح إن مفيش فايدة فيك، وإيه چيهان لي أنا دي؟ كانت مراتك اللي متجوزها على سنة الله ورسوله؟ ولا واحدة أجنبية عنك ومش من حقك تجتمع معاها في مكان واحد ولا يكون بينكم كلام من الأساس؟ واسمع إنت يا رمزي بيه! هتبعتولي عنوانكم دلوقتي حالًا وهاجي وأنا اللي هقرر مش إنت....

قاطعه "رمزي" بردّه العجاج، ليقول باحتجاجٍ لتدخّلاته في مجرى أمور حياتهم:

_لا، لا لك دخل ولا تيچي ولا تفتح فمك! چيهان لا هي مرتي ولا هي بنتك، ومثل ما تقول إني ما لي حق أتكلم معها، إنت بعد ما لك حق ترفع صوتك عليها!

صاح الشيخ "نعمان" فيه بغضبٍ مُتفجر، وقال مسيطرًا على الأوضاع التي بدت مُتحرّكة في مساراتٍ خاطئة:

_أنا ولا كأني سمعت أي حاجة من اللي قولتها، ودلوقتي توصلي رسالة يا منك يا من چيهان بعنوانكم، وخلص أنا مش فاضيلك ولا فاضي لعنادك ده! سلام.

أنهى الشيخ نعمان المكالمة، إذ كان مُتمكّثًا لرسالةٍ مضمونُها العنوان، فيأتي ليتدخّل جاهدًا لاقتلاع الأزمة من جذورها، مُضحّيًا براحته وصفاءِ صفوه في سبيل أن يرسم البهجة على وجوه عائلة چيهان حينما تعود لأحضانهم من جديد، إذ تحرّك رمزي سريعًا وارتدى جلبابه، وحمل حقيبةَ المال فوق كتفه، فسألته "چيهان" ببكاءٍ:

_إيه اللي إنت بتعمله ده؟ حرام عليك بقى سيبني أمشي، عايزة أرجع لأهلي، أنا تعبت وقرفت!

خطا "رمزي" اتجاه باب الحجرة بخطواتٍ مُهرولة، ورد بنُصحٍ:

_خليكي هني لا تتحركين خطوة! بروح عالسريع أودع هالفلوس في البنك وراچعلك، سكري الباب زين عليكي، ولا تفتحي لأي مخلوق حي! وإذا چاكي هالرچال الخربان اللي اسمه نعمان، لا تطلعين معه مهما صار، فهمتي؟

مضت "چيهان" سنتيمتراتٍ قليلة وراءه، حتى وصلت إلى باب الحجرة بتدفقٍ من الخوف يَسري في شرايينها، وسألته بخوفٍ:

_هتتأخر طيب؟

زَفر "رمزي" بإرهاقٍ بدني، واستدار نحوها قليلًا، وأجاب:

_ما راح أتأخر، أهم شي تسمعين الكلام وتسوّينه مثل ما قلت، لا تزيدين ولا تنقصين!

طوَّق رمزي اللثامَ حول معالم وجهه عدا عينيه، ثم تحرّك بخُطاه العَجولة في الطُرقة الممتدّة. ظلّت چيهان مكانها تُراقبه إلى أن اختفى عنها، فصكّت الباب سريعًا وجلست على سريره، ثم رفعت هاتفها وأرسلت الموقعَ الجغرافي إلى الشيخ نعمان عبر تطبيق المراسلة. فتلقّاه الأخير بفضولٍ على الجهة الأخرى، ثم انطلق من منزله على عَجَل متجهًا إلى العنوان المُشار إليه، فيما بقيت چيهان مُستريحة على السرير، إلى أن وقعت عيناها على كتابه الأحمر، فامتدّت أناملها إليه بتطفّل، فوجدته ممتلئًا برموزٍ غامضة كأنّها امتدادٌ من لعنة إيبار، تبدو أصعبَ من الكتابة الهيروغليفية ذاتها.

ضيّقت عيناها باستغرابٍ، وانتابها شعورٌ باليأس من مغادرة رمزي دربه المُظلم، وفجأةً وقعت عيناها على اسمها واسم والدتها وتاريخ ميلادها، كأنّها صُعقت بالكهرباء في تلك اللحظة، اعتقادًا منها أنّه قد سحرها إيهامًا منه لها بأنّه يُحصّنها. لم تثق بتوجُّسها منه، وكذّبته في الحال، فغلبت ثقتها به ثقتها بنفسها.

أمّا رمزي فسار بين شوارع البلدة باحثًا عن أقرب بنكٍ يودِع فيه أمواله بدلًا من أن تُنهَب منه، أو تضيع بين متاهاته اللا متناهية، مُتذكّرًا چيهان في كل وقتٍ وحين، وقلبه ينعصر قهرًا على نجمٍ يراه مُتوهجًا في السماء لكن يداه لا تطُلاه. فالحُب قتله شعوريًا قبل أن يُقتل.

الزحامُ جعله في حالة تحيُّرٍ واسعة، واضطرّ أن ينتظر دوره حتى يُنهي مهمّته ويعود سريعًا إلى الفندق. انصرمت الدقائقُ لتصل إلى ساعةٍ ونصف حتى جاء دوره، فنهض حاملًا حقيبته إلى نافذة الإيداع.

وفي هذه الأثناء المشحونة بالخوف والترقّب، وصل الشيخ نعمان إلى الفندق، فعبره دون أن يجد موظّفَ الاستقبال لكنّه يعلم وجهته جيدًا. عبر الدَّرَج بتمهّل، فالسنّ يحكُم وهو لا يُحكَّم، وبينما وصل إلى وجهته وجد الكارثةَ العُظمى؛ إذ بمصعب واقفًا حيال باب حجرة چيهان كالجريح المُترصّد، ما فتح أبوابًا شاسعة من صراعاتٍ عنيفة بين جميع الأطراف.

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة