ظُهورُه لم يَأتِ هباءً، حتّى مُحاولاتُه التي تجدَّدَت، إذ ظهرَ لِغيداء راغبًا في مَعرفةِ سببِ الرّفضِ الذي لَقِيَه من چيهان ورمزي. رَجُلٌ غيرُه كانَ ليَكتفي من المرّةِ الأولى، لكنَّه، بإصرارِه الذي لا يَلين، اقتَحمتْ فِكرَهُ هواجِسُ بشأنِهما؛ فلا يَرى مُبرِّرًا مُقنِعًا لأخٍ يَرفُضُ عريسَ أُختِه لمجرَّدِ الاعتراضِ على الزِّيجة، وكأنَّ الأمرَ بينَهما يَحمِلُ أسرارًا خَفيّة.
اختارَ أن يبدأَ بالاستنتاجِ من غيداء، تِلكَ التي يراها أقربَ الأقربينَ إلى چيهان، معتقِدًا أنَّها ابنةُ خالِها، وتُمثِّلُ صِلةَ رَحِمٍ قويّةً لرمزي، بوصفِها ابنةَ خالِه فهيم.
لكنّ غيداء، التي عَجَزَتْ في البدايةِ عن مَعرِفَتِه لحظةَ نِداءه لها، اضطرَّ أن يَشرح لها بإيجازٍ مَن يكون، وكأنَّه يُعيدُ تَشكيلَ لوحةٍ بَهَتَتْ وسطَ أفكارٍ مُكتَظّة.
استعلَمتْ "غيداء" عن إصرارِه على الزّواجِ من چيهان، حتى بعدَ الأحداثِ الصّعبةِ التي مرَّ بها رمزي في أواصِرِ السّجن، فنَطَقَت:
_وإنت ليش مُصر على چيهان، كأنه ما فيه غيرها ببنات الناس؟
كان "صقر" كونه اسمًا لإنسان لا يمنع كونه صقرًا حقيقيًّا في طباعه؛ يترصّد رمزي وچيهان من بعيد، يراقب تحركاتهما في صمت، يلاحظ نظرات الهيام المتبادلة بينهما، تلك التي أشعرته بأن ما بينهما لا يُشبه علاقة الأخ بأخته، بل يكمن في طيّاتها شيءٌ أعظم. ومن خلال تحليله لهذه التصرفات، أحسّ بروابط سرية خفية، ما جعله يجيب بحرص:
_بيني وبينك ما دخلت دماغي فكرة إنهم أخوان. ما شِفتيه يا أبلة غيداء يوم قام وضربني بس عشان طلبت إيدها؟ نظراته لي ما كانت عادية، نظرات رچال خايف حد ياخذ محبوبته منه. أنا يمكن ما أضمن، بس إحساسي ما يخيب.
عجّت "غيداء" فيه، فرأته صريعًا للعته، فبأي صفة يندس في نسيج العائلة ويعطي آراءه في أفرادها كأنه واحدٌ منهم؟ فجاءت كلماتها بحدة صوت، وقالت:
_بس بس، بلا كلام فاضي يا أخوي، شكلك بعد ما رفضتك عقلك طار وبتقول كلام ما له معنى. چيهان هي أخت رمزي من الأب، عمتي الله يرحمها ما خلفت غير رمزي، لكن أبوه مصعب، الله ينتقم منه، تزوچ واحدة من الحضر وخلف منها چيهان....
رفعت السّبّابة في وجهه بتعبيرٍ حازم، وأردفت بوعيد:
_لما تشوفني مرة ثانية، لا تناديني عشان أبوي وأخوي. حتى رمزي لو عرف شي عنك، ما بيرحمك، ويديه ما توقف عنك، ولا تنسى إنه دخل سچن العمدة من تحت راسك!
غادرتْ غيداءُ المكان وهي ترمقه بنظراتٍ تهكُّمية، تشرحُ ما يعتملُ داخلَ صدرِها من تفنيدٍ، تاركةً الغضبَ الصامتَ يقتله، فلا إثباتَ دونَ دليلٍ يؤكّدُ صحّةَ حديثِه. وفي النهاية، ما هي إلّا شكوكٌ، قد تحملُ الصدقَ، وقد تحملُ الكذبَ.
لكنّه، في كلِّ رَمشةٍ من عينيه، كان يختلقُ أفكارًا للوصولِ إلى الحقيقة. كان مستعدًّا لأن يتركَ حياتَهُ بمهامّها ومسؤولياتِها من أجلِ إثباتِ شكوكِه. فبات الوضعُ كأنّه رِهانٌ بينه وبين نفسِه، ليُؤكّدَ لها امتلاكَه نفسَ دهاءِ رمزي ورَصانتهِ المميّزة.
في أوّلِ ليلةِ عملٍ لرمزي في دارِ الشيخِ ضرغام، انسدلَ الليلُ بستارِه على الحياة، وأغمضتِ الشمسُ عينيها، غافيةً في نومِها الهادئ، مُحتضنةً صغارَها من الكواكب.
خيَّمَ الصمتُ على المكان، والغُفْرُ يقفونَ في الظلامِ بين الأشجارِ الشاهقة، كلٌّ منهم قابضٌ على سلاحِه بإحكام، بما فيهم رمزي الذي بدا مهيبًا من بينهم، ذو طاقةٍ جاذبيةٍ عالية، وشخصيةٍ فريدة. كان يتجوّلُ حول السريةِ الضخمةِ ببطء، وأقدامُه تحتكُّ بالأرضِ، مُصدِرةً خشخشةً امتزجتْ بعواءِ الذئبِ المتجول في أعماقِ الصحراءِ على مسافاتٍ متناهية.
كلُّ ثانيةٍ والأخرى، يتطلّعُ إلى رقمِ چيهان على برنامج (الواتس آب)، فهي الطريقةُ الأسهلُ للتواصلِ بينهما بدلًا من المكالمات، خاصّةً في وقتِ عملٍ يتطلّبُ التركيز.
لم تضع چيهان صورةً شخصيّة، بل تركتْ كلَّ شيءٍ فارغًا كما هو. وكلّما أحسَّ "رمزي" بالحنين، انفلتتْ أصابعُه، راغبةً في كتابةِ رسالةٍ نصيّةٍ لها يطمئنُّ عليها. وبينما تغمرُهُ العتمة، فلا يرى يديه سوى بضوء الشاشةِ المنعكسة، فكتبَ لها:
_چيهان! نايمة وإلا صاحية؟
چيهان التي تبدو مستيقظة، فتحت رسالته وقرأتها، لكنها لم تجبه، وكأنها لا تكترث بسؤاله عنها. ظل منتظرًا ردّها حتى مرّت سبع دقائق دون إجابة. كاد الشوق يُلقي بحتفه في هاوية الهلاك، وتزايدت أنفاسه بقلق، وعيناه مصوّبتان إلى الشاشة، قائلًا لذاته بشك:
_بتفتح وما ترد، يعني فايقة، ولا يمكن ما بدها ترد علي؟ يمكن مشغولة بشي ثاني؟
انتشرت نغمةُ الرسالة في الهواء، فرقص فؤاده سرورًا بعدما خُيبت ظنونه السيئة في صمتها، فقرأ رسالتها بصوتٍ خافت:
_صاحية.
انبلجتِ الابتسامةُ على شفتيه، وبدأ يردُّ عليها سريعًا، يكتبُ رسالته هو الآخر بحماسٍ:
_ليش فايقة لهلّق؟ نامي، بس سكّري الباب عليكي زين!
ردَّت "چيهان" باختصارٍ، دون أن تنغمسَ معه في أحاديثٍ عميقةٍ:
_تمام.
بينما رمزي مُنهمك في شاشته، أَصغى لخطواتِ أحدِ الغُفرِ تَتقاربُ من وَرائه، فالتفَّ ليجدَه أحدَ زُملائه، رجلًا بدويًّا يُقارِب عمرُه الأربعين عامًا، بَشرتُه خَمريَّة، ذو قامةٍ مُرتفعةٍ تَبلُغُ المائةَ وخمسًا وثمانين سنتيمترًا. جاء مُندهشًا من استقرار رمزي في موضعٍ بعيدٍ عن العمل، مُنهمكًا في الكتابةِ على جوّاله الخاص. رَفع يده على ظَهرِ رمزي بلُطف، وقال:
_إيش چابك هنا يا غفير؟ ليش تركت السرية وواجف في المخفي؟ وليش ماسك تليفونك وما مركز في شغلك؟
يتدخّل وكأنّه شيخُ القبيلةِ ذاتِه، بل ويُحاسبُه كأمٍّ تُوبخ طفلَها، فأنزلَ "رمزي" هاتفَه، وأغمسه في حُلْكةِ جيبِه، وأطلق نظراتِه الحادّةَ نحوَه، وقال بسُخرية:
_لو إنت شيخ القبيلة علّمني، يمكن أنا مكنتش عارف!
ردّ الغفيرُ مُحسِّنًا أسلوبَه، وكأنّه خشيَ ردودَه الجَلفة:
_لو شيخ القبيلة شافك، بيعمل شغل ما يتصور، احنا هون عالكد، خلي كل شي تأجل لبعدين!
رفع "رمزي" السبّابة، وتوعَّد له بخشونةِ صوتٍ، قائلًا:
_اسمع يا غفير إنت! ما أعرف اسمك شنو، بس أنا ما أقبل إنك تحاسبني مهما صار، نفذ كلامك لما اللي مشغلني ومشغلك يقولها بنفسه، بس إنت هنا مثلّي، منختلفش عن بعض في شي.
عَلَت نبرةُ الغفيرِ عليه، فقال موضِّحًا مقصده:
_آني مقولتش غير.....
قاطع "رمزي" حديثَه في الحال، وقال بانِدفاعٍ لفظيٍّ:
_لا تقول ولا تسوي، كلامي واضح، الكلمة ما تخرج من فمي مرتين!
خطا رمزي بثباتٍ عائدًا إلى موقعِ الحراسة، بعدما أفحمَ الغفيرَ بثقتهِ العاليةِ في نفسِه، ما جعل الأخيرَ ترتدعُ حروفُه في حلقِه عن الردود، فاضطرَّ لأن يتتبّعه في صمتٍ حتى عاد كلٌّ منهما إلى موضعِه.
طوال الليل، يسير الغُفر حول الدارِ يحرسونها من لذعاتِ الأفاعي البشريّة وهجماتها القاسية، فكان رمزي بين كل حينٍ وآخر يقبضُ على هاتفِه، يرى آخرَ ظهورٍ لچيهان على تطبيقِ التواصلِ الاجتماعي <الواتس آب>، مُترصِّدًا حالتَها بشغفٍ يسري في دِمائه.
الحياةُ هنا تطلبُ الجِديّةَ في العمل، لا التَّغافُل. عينٌ تتوسّطُ الرأسَ بدقّة، فالانشغالُ لن يعودَ سوى بنتائجَ خائبة. كان الليلُ مملًّا، تتحرّكُ دقائقُه وكأنها أعوامٌ ضاجرةٌ من الانتظار، فيتحرّك رمزي هنا وهناك، تارةً يمسكُ هاتفَه بفضولٍ إن كانت خلدت چيهان للنوم أم لا، وأخرى يُؤدّي عمله وهو يتنقّل بسلاحه بين الأشجارِ شاهقةِ الارتفاع، فيطلبُ أحيانًا من بعضِ زُملائه التقاطَ الصورِ له، ثم يجلسُ مستريحًا وساقاهُ تعانيانِ من آلامِ الوقوف، وكأن علّةَ الماضي لم تُطلِق سراحَه بعد.
تلاشت العتمةُ بضياءِ الشمس وأشعّتِها التي انتشرت في أحضانِ الأرض، منظرُ الشروقِ البهيّ وكأنّه لحظاتُ الغروب، إذ بدت الطيورُ تستفيقُ من نيامِها، وتحلّقُ في السماءِ مُزقزِقةً بالحريّة، تسيرُ في أفواجٍ مُنتظَمة كأنّه مشهدٌ مهيبٌ لزفافِ عروسَين في الأفق، وتغاريدُ العصافيرِ تجذبُ الروحَ المتعطّشةَ للجمال، وكأنّها ألحانٌ هادئة.
فيما كان "رمزي" يقفُ متألِّمًا من ساقِه المُصابة، قبضَ على هاتفِه ودخلَ إلى برنامجِ الواتس آب، يطمئنُّ على چيهان في صمتٍ دون أن يُبادِرَ بالكلمات، ظنًّا منه أنّها مستسلمةٌ لغفوةِ النوم. رفعَ صورتَه في الحالة، ومزجها بمقطعٍ صوتيٍّ يُعبِّر عن حالتِه بموسيقى كلَفتةٍ رومانسيّةٍ هادئة، فكانت الكلماتُ بصوتِ شاعرٍ يقول:
_تخيل بس لو أنّ القمر يحكي وحلفته، قسمًا بالله ليقول أنّك أجمل من مداراته... وربي لك غلا مهما شرحته لك ووصفته، أحس إني مقصر به... بكثر الشعر وآهاته... صباح الخير يا وجه عرفت الخير من شفته.
كانت صورةً عميقةً تشرحُ مشاعرَه المتجرّدةَ من الإضمار، مُنتظرًا اللحظةَ التي سيعودُ فيها إلى المنزل، فيلتقي بوجهِها الحسن، الذي كان مصدرَ طمأنينةٍ وإلهامٍ له. وبينما الدقائقُ تتسلّل، والإيابُ يَدنو في كلِّ لحظةٍ تمرّ، تفاجأ بوجود چيهان "متصل الآن"، لم يفهم: هل استيقظت مُبكرًا؟ أم أنّها لم تنم من الأساس؟
وعلى جهةٍ أخرى، بينما رمزي يَتركُ خلفه حيرتَه وأسئلتَه، كانت أشعّةُ الشمس قد تَسلّلت إلى حجرةِ چيهان، فاستنارت الغرفةُ بضِياءٍ ينقصُه أمانٌ في غيبتِه. لم تتمكّن من النومِ في غيابِه، بل كان قلبُها يضخُّ القلقَ إلى عقلِها، الذي بات مضطربًا في مَغيبِه. لم تشعرْ إلّا وهي تفتحُ هاتفَها وتقتحمُ تطبيقَ الواتس آب بفضولٍ مُتزايد، فترى حالتَه، وهو يُملي كلماتِه المقصودةَ على أحدِهم.
وبمجرّد أن انفتحَ الفيديو، لامستِ الكلماتُ قلبَها بسِهامٍ مباشرة، جعلت وجهَها يتفتّحُ تبسُّمًا، وبمجرّد أن انتهى، تفاجأت بأن "رمزي" قد أرسلَ لها رسالةً قال فيها:
_صباح الخير....
تأكّدت في هذهِ اللحظةِ ممّن يقصده في قولِه، لم تتريّث قليلًا لتُجيبه، حتى تابعَ في رسالةٍ أخرى:
_أنا قدامي ساعة وراجع البيت.
تزايدَت "چيهان" ارتباكًا، وكأنّه كان على سفرٍ وقرر المآبَ فجأةً، إذ وقفت سريعًا قبالةَ المرآة التي لا تُظهر سوى معالم وجهِها، تتفحّص وجهها بنظراتٍ غريبة، وتتحرّك كدجاجةٍ صاخبةٍ على وشكِ الوضع، حتى قبضت على هاتفها، وأجابته بهدوءٍ رزينٍ يتعارضُ مع ما فعلته منذ قليل:
_صباح النور... تمام.
كَأنّه كان مُنتظرًا ردّها، فلا يشغله شيء سوى حديثها، فانتهى الحوار بينهما سريعًا، وهي تخرجُ إلى المطبخِ ضيقِ الأركان، تطهُرُ يديها، وتفتحُ الثلاجة لتصنعَ له فطورًا جليلًا يليقُ به، فبعدما حصلَ رمزي على مكافأةِ الشيخ ضرغام، أملى الدارَ خيراتٍ، معترضًا ألا يصرفَ أحدٌ أمواله عليهما، متوليًا مسؤوليةً كبيرةً كرجلٍ متزوجٍ يحملُ متطلباتِ المنزلِ على عاتقه.
الاختياراتُ كانت متنوعةً، لكن رغم ذلك التحيرَ يكتسحُ عينيها الباحثتين، ويداها العابثتان داخل أرففِ الثلاجةِ الصغيرةِ بعشوائية، حتى أخرجت الخضرواتِ ومنتجاتِ التحضير، وقررت صنعَ له وليمةً صغيرةً تعينهُ على تحمّل مشقّةِ العمل.
صُنِعَ الطعامُ بحُبٍّ، فانتشرت الروائحُ الشهيةُ من مهجةِ المطبخ كطاهيةٍ ماهرةٍ تجيدُ فنونَ الطهي، تتحركُ بسرعةٍ تسابقُ الزمانَ في صراعٍ لطيفٍ قبل إيابهِ من العمل، وقد باتت الساعةُ الثامنةَ صباحًا على مشارفها، لم تمضِ طويلًا حتى انتشر نياقُ الجمالِ في الصحراءِ وأصواتُ رجالِ البدو المستيقظين من نومهم، وقد جاءت اللحظةُ الحاسمةُ، اللحظةُ التي أنارت الارتباكَ في سفحِ فؤادها الخجول، إذ برمزي يدخلُ منهكًا، ساقُه تؤلمهُ من الوقوفِ لساعاتٍ طويلةٍ دون راحة، وبمجردِ أن عبرَ البابَ وصكّه وراءه بلطف، خرجت "چيهان" له بحياءٍ من المطبخ، ظلّ ناظرًا لها بحنينٍ في انتظارِ ما ستقوله، لكنها، وبرأسها المستميلةِ نحو الأرض، قالت بابتسامةٍ تكادُ تُخفي:
_ حمدالله على السلامة.
ردَّ "رمزي" ببسمةٍ، وصوتٍ حنونٍ على غير عادتهِ:
_الله يسلمك.
بينما يخطو "رمزي" إلى الداخلِ ويستريحُ على الأريكة، وتتبعُه چيهان، سألها:
_صاحية بدري ليه؟!
تردّدت "چيهان" في ردّها، ما جعلها تقولُ بتوتّرٍ:
_مجاليش نوم.
ثم تحرّكت باتّجاهِ المطبخ، وهي تنطقُ باهتمامٍ:
_أنا جهزتلك الفطار، أكيد راجع من برا مُرهق.
اندهش رمزي من عنايتِها له، إذ بدا يعيشُ حياةً لم يذقْ فيها سوى مرارةِ التجاهل، وكأنّه حلمٌ جميلٌ لا يتمنّى نهايتَه. وفيما وضعت چيهان الأطباقَ المملوءةَ بالإفطارِ على الصينية، خرجت له بيدٍ مرتجفةٍ، إذ كانت الصينيةُ تُشكّلُ ثِقلًا على أعصابِها. فنهض رمزي في الحال، يُعينُها على حملِها بدلًا منها، ثم وضعها على الطاولةِ الصغيرةِ برفق، ونظر في عينيها نظراتٍ هائمة، قلبٌ يرتعشُ هيامًا لما يعيشه من اكتراثٍ مُفرِط.
لكن "چيهان"، التي تخجلُ من نظراتِه الناهلةِ إليها، قالت بخجلٍ يتسرّبُ من صوتِها:
_الأكل قدامك، كُل وأبقى نام جوا!
ثم استدارتْ نحوَ المطبخِ لتتركَهُ يتناولَ الطَّعامَ بحُريةٍ، فتفاجأتْ بنداءِه لها، وهو يقولُ:
_أنا مش هاكل لواحدي... هتاكلي معايا!
التفتَت "چيهان" إليه بإحراجٍ واسع، وقالت باعتراضٍ:
_لا أنا مش عايزة آكل دلوقتي، كُل إنت، بالهنا والشفا!
تحرّك "رمزي" نحوها بإصرارٍ لا يتزعزع، وقال بصَرامةٍ لطيفة:
_لو مش هتاكلي يبقى دخلي الأكل جوا تاني، أنا مش هاكل لواحدي، حتى الأكل مش هيبقى له طعم.
ترددت "چيهان" في الموافقةِ على العرض، فاضطُرّت لقولِ الحقيقةِ التي دفعتْها للاعتراض، قائلةً:
_مش هينفع نقعد سوا لواحدنا، الأحسن خلي كل واحد لواحده... أنا مش هتصرف أي تصرف أندم عليه بعدين.
اندهش "رمزي" من ردّها الذي دسَّ إلى قلبه شعورَ الانحطاط، كما لو كانت تراه ذئبًا بلا مبادئ، فأعاد تصويب كلماتها وظنونها الخاطئة، قائلًا:
_تصرف إيه اللي هتندمي عليه بعدين؟ كل ده عشان بقولك مش عايز آكل لواحدي عشان اللقمة مش هيكون ليها طعم؟ على العموم يا ستي كتر خيرك، أنا عمري ما حد اهتم بيا كده.
رفعت "چيهان" السَّبّابة، تملي عليه شرطها الخاصّ لكي تسمح لهما بالمشاركةِ سويًّا في وجبةِ الإفطار، قائلةً بحزمٍ:
_أنا موافقة بس بشرط، نخرج بالأكل برا على السطح، على الأقل مش هيكون مقفول زي هنا....
وتابعت بنفس الصرامةِ:
_وكل واحد فينا ياخد أكله ويقعد بيه في زاوية بعيدة عن التاني، غير كده أنا مش موافقة ولا هوافق.
ضحك "رمزي" وهو يرى التوتر جليًّا على ملامحها، تعدُّ مرتبكةً وهي تضع شروطها العجيبة، فقال بموافقةٍ:
_عرفتي تضحكيني... عليكي كلام ولا أجدعه كلام طفلة صغيرة، بس ماشي لو ده هيريحك خلاص.
حمل رمزي صينيّةَ الطعام، وخرج بها إلى السطح، فنفّذ شروطَها الواضحة، إذ أخذ طعامَه جانبًا وجلس في زاويةٍ بعيدةٍ عنها، حتى هي التي انفردت بطعامِها في ركنٍ أبعد، وكأنّهما في حالةِ شقاقٍ مؤقّتة. لم تستطع أن تتناولَ الطعامَ وعينان تُراقبانها من بعيد، تشعرُ أنّها نجمةُ المسرح، فانحبست أنفاسُها برجفةٍ غريبة، كمن قُيّدت بخجلِها.
بعيدًا عن أنظارِ الشغف، في عالمٍ متسمٍّ بالمشكلاتِ اللا متناهية، كانت نتيجةُ دور أغسطس قد ظهرت مساءَ الأمس، لكن "ريم"، التي غفَت في نومٍ مضطربٍ كالأمواجِ المتلاطمة، كانت خاضعةً للغَفيان. وحينما استيقظت من نومِها، كعادتها أمسكت بهاتفِها تتفحّصُ وسائلَ التواصلِ الاجتماعي، فقابلها أوّلُ منشورٍ في لحظاتٍ مفزعة... الكليّة تُعلن في ملفٍّ عن نتائجِ طلابِ الفرقةِ الرابعةِ دور أغسطس.
كانت لحظاتٌ قاطعةٌ للأنفاس، تفوحُ بروائحِ الارتعابِ في الأجواء. فاعتدلت في جلستِها بهدوء، وأذناها تُصغيان لطبولِ قلبِها الصاخبة، زفرت وشهقت عدّة مرّات وكأنّها تُتمالك أعصابَها، فتحت الملفَّ بأناملٍ مذعورة، وبدأت تجولُ بين أسماءِ الطلاب، باحثةً عن اسمِها، آملةً لو أنّها تتخرّجُ كباقي زملائِها وتنتهي رحلتُها الدراسيةُ على خير.
لكنّ القدرَ، الذي لم يشأ نجاحَها، جعلَها في حالةِ رُقود؛ نفسُ المادتين اللتين سعتْ للنجاحِ فيهما في فرصتها الأخيرة، رسبتْ وكأنّ شيئًا لم يكن. كيف، بعد السعيِ والمحاولةِ للإصلاح، أن تنتهي الأمورُ بالانهزام؟ ارتعد كيانُها، وانفجرت دموعُها بقهرٍ، عيناها لا تُصدّقان ما رأته حيالها... نهضت تبكي بحرارة، وتدقُّ يديها على الجدرانِ بتعاسةٍ شنيعةٍ لا يتحمّلها إنسان، وأخذت تُردّد، بوجنتين محمرّتين، وعينين مُرغرغتين، قائلةً بصراخٍ:
_ليه أسقط ليه؟ حضرت الإمتحانات وعملت اللي عليا يا رب...والله عملت اللي عليا وزيادة وفوق طاقتي....
انهارت صارخة، تسند رأسها إلى الجدار وهي تنتحب، تواصل نحيبها بانهيار نفسي عارم:
_ده أنا لو كنت دخلت الإمتحان وكتبت اسمي بس كانوا نجحوني... والله كانوا نجحوني وعديت زي باقي زمايلي... اشمعنا أنا؟ ليه؟ ليه يا رب ليه؟!
وسقطت على الأرض بنحيبٍ مدوٍّ، كأن البيت كله يئن معها، مسترسلة:
_يا رب ليه ليه ليه؟ ليه أنا ليه؟!
اندفعت "أسماء" إلى حجرة النوم على وقع صراخها، وأمسكت بذراعها لتديرها نحوها بفزع، وهي تسأل بلهفة:
_مالك يا ريم؟ في إيه يا بنتي؟!
انغرست "ريم" في أحضان والدتها، في ذروة انهيارها، تُفرغ آلامها بصراخٍ عاتٍ يمزّق السكون:
_عدت السنة يا ماما، عدت السنة اللي سعيت إني أنجح فيها، تعبي ومجهودي كله راح، تعبي راح على الأرض يا ماما.... يا رب خدني وريحني، أنا عايشة بتعذب، بتعذب أوي أوي ومحدش حاسس بيا.
ربتت "أسماء" على ظهرها بحنان، تمنحها دفء المواساة التي حرمت منها طويلًا، ثم قالت بلطف:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنتي اتأكدتي إنك هتعيدي السنة؟ مش يمكن في حاجة مش مظبوطة؟
تشبثت "ريم" بذراعي والدتها وهي تنتحب بألم، تردد بين شهقاتها:
_لو في حاجة مش مظبوطة فهتبقى حياتي اللي اتدمرت وبتدمر قصاد عيني، ليه أنا ليه؟ ردي عليا!
مدّت "أسماء" يدها برفق، وضعتها على كتفي ابنتها المنهارة، وعيناها تغرقان في الحزن، قائلة بصوت مبلل بالعاطفة:
_اهدي يا ريم! وطي صوتك شوية طيب!
صفعت "ريم" وجهها بكلتي يديها، ثم قفزت على الأرض في حالة جنونية، انتهت بها إلى السقوط، وأصابعها تتشابك في خصلات شعرها بعنف، محدثة فوضى مؤلمة، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح:
_إنتي كل اللي يهمك صوتي؟ مش همك إني سقطت وهعيد السنة تاني؟ مفيش حاجة في حياتي بتعدي بسهولة، لازم يطلع عيني عشان أعرف أعيش، ويا ريتني بعرف بعد ده كله... مبعرفش! ومش عارفة أعيش يا ماما...مش عارفة!
جذبتها "أسماء" إلى الأعلى، وحاوطتها بجناحي الأمان، ثم جلست بها على السرير، تحاول تهدئتها بنظرة مليئة بالحنان، وهمست بلطف:
_طب خلاص طيب، قدر الله وما شاء فعل، لعله خير، يمكن السنة الجاية إن شاء الله تعوضي وتنجحي بتقدير أحسن من السنة دي، وبرضه خدي بالك التقدير هيفرق معاكي أوي بعد التخرج، وإنتي تقديرك السنة دي مكنش حلو، يمكن ربنا شايلك الأحسن.
رفعت "ريم" كفيها إلى وجهها، بينما تتصاعد حرارة جسدها مع بكاء مرير لا ينقطع، ثم قالت بصوتٍ متقطعٍ ومملوء بالألم:
_أنا مابقتش قادرة أستحمل تاني، أنا ليه اتولدت وجيت الدنيا؟ عشان أتعذب صح؟ جيت الدنيا ليه؟ ليه؟!
تجلَّت حكمةُ الأمومةِ الصادقةِ على "أسماءَ" حينما أخبرتها:
_الدنيا دي دار إبتلاء، محدش عايش مرتاح يا ريم، كل واحد بيعاني بطريقة مختلفة عن التاني، وإنتي عشان مؤمنة، ربنا اختار يشوفك هتستحملي ولا هتعترضي على حكمته، احنا مفيش في إيدينا حاجة غير إننا نقول الحمدلله، (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.) (سورة البقرة: الآية ٢١٦) ده كلام ربنا عز وجل مش كلامي، والحاجة اللي بتفقديها بترجعلك في يوم بشكل مكنتيش تتخيليه.
انتفضت "ريم" من وَطأةِ الحزن، وارتجفَ جسدُها قهرًا وهي تقول:
_إبتلاء عن إبتلاء يفرق...اللي أنا فيه ده مش طبيعي، فيه عكوسات بتستهدف أي حاجة بتفرحني وبتبوظها، ليه أنا؟ ما كل الناس مرتاحة ومبسوطة، محدش بيعاني ربع المعاناة اللي أنا عايشاها دي.
رَبَّتَت "أسماء" على يَدَيْها برفق، وقالت ناصحةً:
_يمكن على قد التعب، يكون ربنا شايلك حاجات أحسن بكتير أوي... هو الإنسان عَجول، عايز كل حاجة بسرعة من غير ما يفكر إن كانت خير له ولا شر... متعيطيش وقولي الحمدلله....
ثم رفعت كفَّها الأيمنَ على كتفِها، واسترسلت:
_قومي اتوضي وصلي ركعتين، هتلاقي قلبك ارتاح!
ونهضت محاولةً أن ترفعَها بدافعٍ تحفيزيّ، متابعةً:
_يلا روحي اتوضي وصلي ركعتين، واقري في القرآن شوية، وإن شاء الله هتبقي كويسة!
اتجهت ريم إلى المرحاض بخُطى متعثِّرة، وكأنّ آلامها انفجرت، فأطفأت وَهَجَ روحها. تسير بتألُّم، والحزنُ يَطغى عليها ببشاعةٍ، فلا يُعطيها مجالًا للترويح. كانت ترى الحياة بعينٍ سوداويّة، تُفقِدها لذّةَ الفَرَح، حتى وصلت إلى المرحاض وأوصدت الباب، وهي لا تَقوى على صَلْبِ سِيقانها.
فتحت الصنبورَ بيدٍ مُرتعشة، والدّموع لا تزالُ تَنهمرُ بِقسوة، فتُبللُ ثيابَها الطاهرة.
بدءًا من غسلِ الكفَّين، نهايةً إلى القدمَين، في خطواتٍ مُنَظَّمة، ضغطَ الأسى على صدرها حتى كادت أن تختنق، ووالدتُها في المطبخ تُصغي لبُكائها المسموع. وبينما كانت "أسماء" تغسل الأواني تحت المياه الجارية، قالت بحَسرةِ أُمٍّ:
_لا إله إلا الله... الصبر من عندك يا رب، احنا هنلاقيها من إيه ولا إيه بس؟
بعد دقائق خرجت "ريم" بنفس الشجن من المرحاض، دُخولًا إلى حجرتها. ارتدت الإسدال البنفسجي الزاهي ذات النقوشات الهادئة، وفرشت سجادتها الناعمة على الأرض، ووقفت تُصلّي صلاة قضاء الحاجة، وما زال الألم يكبُسُ على أنفاسها. رفعت يداها الاثنان لأعلى، قائلة:
_الله أكبر.
وحينما أنهت قراءةَ الآياتِ القرآنية، سجدت وهي تبكي بكاءً حارًّا، تتضرّع إلى الله بعدما ضاقت بها الحياة، تلك التي استهانت بجروحها الغائرة. فجأةً انفجرت في البكاء بنحيبٍ عالٍ لكنه مكتوم في قماش السجادة، قائلةً باستغاثة:
_يا رب يا رب يا رب... أنا مخنوقة أوي وحزينة، حُزن الدنيا كله فيا... مش مبسوطة ولا فرحانة بالعيشة العذاب دي، أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل وليه كل ده عليا؟ حاسة إنك بتعاقبني مش بتبتليني، أستغفر الله العظيم، أنا مش عارفة بقول إيه، بس اللي أعرفه إنك الوحيد اللي هتحس بيا وبوجعي، وبالدنيا اللي طول عمرها سودة في عيني، مش طالبة منك يا رب غير الرحمة، ارحمني برحمتك، يا رب بستغيث، والله تعبانة.
لم يكن هناك أشدُّ رحمةٍ على العبد سوى ربه، الله الرحيمُ بِعِبادِه، رؤوفًا بهم وبآلامهم المستكينة. لم يعاقب بل يبتلي المؤمنين ليرى قوةَ إيمانهم، وصمودهم وسط حقولٍ من النيران المتقدة.
انزلقت دموعُها بانهمار، ما جعل السجادة تغرق بين أمطارٍ غزيرةٍ من الحزن. فبعدما أنهت صلاتها، نهضت تقرأ القرآن وهي على يقينٍ أنه ملاذٌ من الأتراح المحيطة لها كأسهم باترة، إذ تشتد وتشتد حتى تنحل تمامًا، كما يقولون: "كلما ضاقت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج".
هناك، في بلدة الواحات، تتغير الحياة نحو أزقةٍ فرشت بالورود والمحبة، عالمٌ تلوّن فجأةً بعد حلكةٍ دامت لحقبٍ مريرة.
بعدما أنهيا "رمزي" وچيهان تناول الطعام، كان رمزي جالسًا على نجيلة السطح وسط النسيم الدافئ، فخرجت چيهان من المطبخ حاملةً كوبًا من عصير البرتقال البارد، واتجهت نحوه بخطواتٍ مستحيَة، حتى مدته بالمشروب في صمت، لكنه بادر بالحديث قائلًا:
_تسلمين يا زينة البنات.
اشتد الخجل فتجلى على هيئة وجنتين متوردتين، وكأن جملته سهامًا اخترقت قلبها في حالةٍ من الحياء، فاستكفت بالصمت، ودخلت حجرتها بدلال، ما أوضح له مدى تأثير الكلمة إيجابيًا عليها. صكت الباب ووقفت حيال المرآة تنظر إلى ذاتها بضحكةٍ خجولة، ثم فجأة تصمت وتردع ذاتها عن السقوط في هُوّة قد سقطت فيها بالفعل.
لامست وجنتيها بزَهْزَقةٍ ساكنة، آملةً لو أن تسمع الجملة بصوته البهيج مرةً أخرى، فرفعت كفها بلطف وكأنها تحاول التحكم في مشاعرها الفياضة، تبتسم وتعبس وهي في حالة اضطرابٍ ما بعد البهجة. عقلها لا يتخيل، وأذناها الصاغيتان لكلماته المدللة، يترددان عن الإدراك بمرحٍ طفولي.
كما يصفها تمامًا طفلة على هيئة شابة عشرينية، لا تزال تسعد بأقل الكلمات، ويتكدر صفوها من نظرةٍ بسيطةٍ غير مقصودة. فالنساء تظلن صغيرات وأفئدتهم رقيقة، فالمرأة الحقيقية كلما أحبّت بصدق، صغر عقلها واضمحل، كمن تعيش طفولةً لا تفارقها حتى مع الكبر.
أما رمزي الذي لاحظ سعادتها من وقع الكلمات، ابتسم بلطف وهو جالس مع ذاته، يفكر في خطةٍ غريبةٍ ليفتتح معها أي حديث جديد، إذ لا يرى أي حجة مناسبة ليستجلبها إليه ويخاطبها، وإن كان الحديث يدور حول ماهية زرع النباتات في الحدائق.
مرّت أحداثٌ جمّة في قفزةٍ زمنيةٍ طويلةٍ تراوحت لسبعةِ أشهر، دونَ جديد، فالأيام تمرُّ مرور الزَّموع، تسير على نفس الوتيرة، كحلقاتٍ ذاتيةِ الترداد.
رمزي، الذي اجتهد في عمله طوال هذه الأشهر، يعملُ بجدّ، محافظًا على منزلته السامقة بين الرجال، بدا أهمّ الغُفرِ في سرية الشيخ ضرغام، ذاك الذي لامس فيه شخصيةً قيادية، تحوي قوّةً طبيعية في بنيانه الشخصي. وعلى الرغم من أنه في منتصف العقدِ الثاني من عمره، إلا أنه ذو ترتيبٍ صارمٍ لمهامه، حاملٌ لقوّةِ جاذبيةٍ لا يعرف الناس مصدرَها، حتى وإن خَطا مكانًا دون أن يتلفّظ بكلمةٍ ليُثبت وجوده، فلا يزال مُبجَّلًا.
الخطوة التي يتخذها الغُفر في أيام، لا تُكلّفه سوى يومٍ واحد. فكان الشيخ ضرغام يُوجّهه إلى مناطقَ نائيةٍ عن البلدة، يُؤدّي فيها مسئولياتٍ خاصةً مقابل مبالغَ ماليةٍ تُعينه على معيشةٍ مرفّهة نوعًا ما، فتجاذب الفؤادُ نحوه ومَال ضعفًا، بالرغم من مكانة العمدة الجليلة.
أما عن الهوى، فزاد أضعافًا مضاعفة، بطريقةٍ تتعدى حدودَ الغرامِ المألوف. أصبحت القلوبُ في غمرةِ الحبّ أسيرةً، والليالي تكتسي بألفاظِ العشق، لكنّ الحاجز في أشدِّ قوته، كجدارٍ يَحُول دون تلاقي المغرومين. تغيرت المشاعر وتعاظمت بقوةٍ لم يكن لأيٍّ منهما يدٌ فيها؛ عواطفٌ متبادلةٌ بلا اختيار، وفي ذروة القوة، ضعفَ الحبُّ، ذلك الذي أصحب معه مخاوفَ شنيعةً من نهايةٍ متوقعة.
المواقف أفصحت عمّا تُخفيه القلوب، حتى الأغراب الذين لاحظوا هذه التغيرات الجمّة، منهم من استسلم للشكّ، كون الصلةِ الواضحةِ للجميع ما هي إلا أكذوبةٌ خادعة، والبعض الآخر يُكذّبون هواجسهم، معتقدين أنها أوهامٌ بلا مصدر.
ريم، التي رضيت بالأمر الواقع بعدما عادت لنقطةِ الصفرِ من جديد، تُعيد عامًا دراسيًا أملت يومًا في إنهائه. لكن عمرو، الذي منحها حُبَّه ودعمه، كان دومًا إلى جوارها، يهتمّ بما تُحبّذه وتبغضه، ساعيًا إلى سعادتها ولو كانت على حساب راحته. عشقته ريم عشقًا كبيرًا، وأحسّت بعِوضِ الله لها بعد أعوامِ الهلاك التي سَحقتها سحقًا. أصبحت لا تَقوَى على مرورِ يومٍ واحدٍ بدونه؛ منبع الحب، والحنان، والرحمة، وكلّ شعورٍ جميل.
وكأيِّ عروسينِ يستعدّان لتجهيزاتِ ما قبل الزفاف، شرع عمرو في تجهيز عشّ الزوجية، وهو يتابع آخر تطورات العمال داخل شقته في دار أسرته. فمرّت إحدى الخطوات، وهي تركيب أرضية المنزل بأشكالٍ وألوانٍ من ذوق ريم الرفيع. اختارت ما ترغبه، واحترمت عائلة عمرو رغبتها في الاختيار، مانحين إياها حريةَ القرار دون تسلّط، كما يحدث في بعض العائلات. وهذا ما زاد من تعلّق ريم بهم، فوضعتهم في منزلة أسرةٍ حقيقية، تراها بمنزلة ابنةٍ لهم.
أسماء، الوالدة التي بكت بحرقةٍ كلّ ليلةٍ على خسارتها قطعةً من روحها، "چيهان"، ابنتها الصغرى التي لطالما انتظرتها طويلًا. وما أصعبَ الانتظار؟! لكنّ الأمهات دومًا يَحْوِين حدسًا خفيًّا بشأن أبنائهن، نفس الشعور الذي راودها ليُخبرها بأن الإياب بات مُستهلًّا. فتدعو الله في كلّ وقتٍ وحين، بأعينٍ أرهقتها كثرةُ الدموع، ولسانٍ تلعثمت حروفه من وطأةِ الاستغاثات.
ذلك اليوم، الحاوي لمهامَ طويلة، تخطّى رمزي البعضَ منها، إذ كان يقود إحدى سيارات الشيخ ضرغام في الساعة الرابعة من وقت العصر، مُتّجهًا لتسليم أموالٍ لأحد معارفه. يقود السيارة باحترافية، مُتمرّسًا فنون القيادة، والدروبُ رحيبة، يصطفّ على جوانبها جبالٌ شاهقة الارتفاع، والطيور تُحلّق في السماء بأنغام التحرر، فيما كان رمزي يُصغي لكلماتِ إحدى الأغاني العربية، التي تقول:
_آني بالدنيا وحيدك، العمر لو ينعاد أريدك...اختصرت الكون كله بلمسة إيدك...إتفائلت خير وعشقتك لذة الحب بحضنتك...تسوى هاي الدنيا كلها يا عشرتك.
أحسَّ بمشاعرِ الحبِّ تسري في عُروقه، يتذكّر ملامحَها، تصرفاتِها العفويّة، حزمَها المانع كضميرٍ حيٍّ يُعيد تشكيله، وكأنه يعيش مشاعرَ جديدةً لم يشعر بها طَوال حياته. عاش خمسًا وعشرين عامًا يغرق في محيطاتِ الشرّ والأذى، كان يُردّد في ذاته أن قلبَه الجافّ لا يسع ولو لذرةِ حبٍّ واحدة، لكنه الآن، في حالته تلك، تيقّن من أنه يملكُ العالمَ وما فيه داخل روحه الولهانة.
هناك، خرجت "چيهان" من المنزل متّجهةً إلى المسجد، تقضي أوقاتًا خاشعةً داخله. طَوال الأشهر الماضية، جاءت مرارًا وتكرارًا لمقابلة الشيخ نعمان، لكنها كانت تتفاجأ بغيابه، فيُخبرها الإمام بأنه في بلدته، فتعود إلى المنزل خائبة.
لكنّ الأمل رفرف بجناحيه حولها، وهي تراه يخرج من سيارته البسيطة، متجهًا إلى المسجد، ففرت نحوه بخطواتٍ سريعة، تُناديه بحماس:
_شيخ نعمان! شيخ نعمان!
وقف الشيخ نعمان باكتراث ليرى بفضول المنادي، فاستقرت چيهان قبالته بابتسامة لطيفة، وقالت:
_ازي حضرتك يا شيخ نعمان؟ حضرتك مش فاكرني؟
أجابها الشيخ "نعمان" بعقلٍ فولاذي، فإن نسي أعظمَ مشاكله، فلن ينسَ وجوهًا ائتلفها، قائلًا:
_فاكرك، إنتي لسه هنا يا چيهان؟!
أحنت "چيهان" رأسها إلى الأرضِ بخجل، وأجابته:
_كويس إن حضرتك لسه فاكر اسمي، أه أنا لسه هنا ومش هينفع أرجع لأهلي دلوقتي.
نصحها الشيخ "نعمان" كأبٍ يخشى سقوطَ ابنته في منحدرِ الموبقات، قائلًا بنصيحةٍ كَهُدْلٍ تقيٍّ يُدرك مدى الكارثة:
_اسمعي يا بنتي، أنا قولتلك قبل كده إن وجودك مع الشاب الخُلّقي ده تحت سقف واحد مينفعش ولا يرضي ربنا، أنا عندي شقة هنا في الواحة مبقعدش فيها لأني عالطول مسافر عشان شغلي بيتطلب أتنقل من محافظة لمحافظة، هديكي المفتاح، واعتبري البيت بيتك لحد ما أفهم منك إيه اللي بيحصلك ده.
ترددت "چيهان"، وهي تضعُ ردَّ فعلِ رمزي عائقًا عويصًا للموافقة، فقالت:
_أنا خايفة شوية من رد فعله، بس أكيد خوفي من ربنا أكتر بكتير.
قال الشيخ "نعمان" بنُصحٍ لا يحتملُ الرفض، مُصرًّا على رأيه:
_لو خايفة من ربنا يبقى ابعدي عنه عشان تكسبي دنيتك وأخرتك لو إنتي طالبة رضا ربنا صحيح، وخدي بالك اللي فيه فيه مش هيتغير بالسهولة اللي إنتي فاكراها، متضيعيش وقتك معاه على الفاضي!
تنهّدت "چيهان" واقتنعت بحديثه، بل وقرّرت تنفيذَه عن كَسْب، بل ورغبت في امتلاك رقمِه لتتمكّن من التواصل معه بيُسرٍ إن شاءت، فنطقت باقتناع:
_حضرتك عندك حق في كل كلمة قولتها، أنا بس محتاجة رقمك عشان لو حبيت أتواصل معاك في أي وقت.
استخرج الشيخ "نعمان" هاتفه وبدأ يُملي عليها رقمَه، وبينما هي تُدوّنه على هاتفها بإسم <الشيخ نعمان>، استخرج من جيب جلبابِه دُلاّية مفاتيح، باحثًا بدقةٍ عن مفتاحِ الشقّة، حتى أخرجه من بين باقي المفاتيح، ومدّه إليها، وقال:
_المفتاح معاكي أهو، إنتي زي بنتي، وأنا مقبلش إن بنت ناس زيك تتحط في وضع صعب زي ده، ربنا يسترك ويسترها على كل البنات اللي زيك.
امتنت "چيهان" لجهوده نحوها، فأمالت برأسها بحياءٍ ناحية الأرض، وقالت بشكر:
_شكرًا لحضرتك يا شيخ نعمان، بجد شكرًا.
خطا الشيخ "نعمان" نحو المسجد، فيما كان الرجال يدلفون إلى الداخل لقضاء صلاة العصر، وقال بنبرة داعمة:
_الشكر لله وحده يا بنتي، أنا داخل أصلي، إنتي دلوقتي معاكي رقمي، منين ما يحصل أي حاجة رني عليا عالطول، متحتاريش!
ردّت "چيهان" بابتسامة لطيفة:
_حاضر.
دخل الشيخ نعمان إلى مسجد الرجال، فيما صعدت چيهان إلى مسجد السيدات في الطابق الثاني. جلست على الأرض، ولم يكن هناك سواها. وفي نفس اللحظة، كان "رمزي" متعدد المهام؛ يقود السيارة وفي نفس الوقت يتحدث مع صديقه مرزوق في مكالمة هاتفية، إذ يقول:
_والله يا خوي، لا تحكي لحد، لا تفتّح على حالك أبواب جهنم... وبلاش تقرّب صوب دار العمدة ضرغام، ما وراه إلا وجع راس.
تلقى "رمزي" مكالمةً من چيهان، وبدون أي مقدمات تابع:
_سلام يا خوي، خلينا هسا.
استجاب للمكالمة بحماس، مفتقرًا لصوتها الذي غَلّفه نعيمٌ ومحبّةٌ فاتنة، ليجيب بنبرة أظهرت غرامًا:
_خير يا چيهان؟ إنتي كويسة؟
ردّت "چيهان" بتردّد، مجيبةً برجفة صوت:
_أه كويسة... أنا كنت بكلمك عشان أقولك إني هروح بيت الشيخ نعمان، هو قالي إن وجودنا مع بعض مش هينفع، حبيت أعرفك قبل ما أمشي.
خرجت كلماتها ممتزجة بأنفاس متقطعة، فلا تدري أي رد فعل سيكون، لكن رغم مرارة الحقيقة لا بد من وقوعها. بعدما اقتربا من الدخول إلى عام كامل وسط الأحداث العصيبة، من المؤكد أن تأتي هذه اللحظة وإن كانت غير مرغوبة. فهي ترغب في كسب الآخرة وإن خسرت حبًا لا يليق بهما، وإن أرغمتها الحياة على دفن مشاعرها تحت التراب. لكن رد فعله نفث الرهبة في الأجواء، فدائمًا ما يكون غير متوقع.
يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة