الفصل الخامس والأربعون

الفصل الخامس والأربعون

16 0

إن وثِقت، فلا تثِق إلا في نفسك، فالقريب حقده نارًا تحرقه قبل أن تحرقك، والغريب لن يشغل باله بأمورك، لكن الاحتراس منه واجب.

حينما تصب ثقتك في الأقارب فأنت عُرضة لحظّ مخبوء، قد يأتي بالنفع فتُقدَّر جهودك، وقد يأتي بالفشل وأنت ترى كل ما فعلته في وسعك ما هو إلا ماء يسكب في الغربال. وإن تلفظت بـ"يا ليتني ما فعلت" لأصغت أذناك لرد جارح: "لم يطلب منك أحد ما قدمته".

ولا تدخل منزلك مَن لا يستحق، فالأشرار في الدراما قديمًا يظهرون بقرون الشياطين وابتسامات ساخرة، لكن في عصرنا هذا ارتدى الشيطان ثوب الملائكة ليظهر مثاليًا، مدعيًا الحب، وقد تظهر منه أفعال جادة للمحبة لكنه في أعماقه لا يعلم نواياه سوى الله.

وقع الخبر على الجميع كعاصفة نارية ألهبت صدورهم بمشاعر الحنق. ريم، التي قضت خمس سنوات وزهرة شبابها تذبل يومًا بعد يوم، زارتها أحاسيس مباغتة بمن يؤذيها، لكنها خشيت الظلم: "إن بعض الظن إثم"، فربما يخيب إحساسها؛ فليس كل شعور حقيقة، أحيانًا تكون هواجس شيطانية لا أكثر.

ارتجف جسدها ببكاءٍ حار، وضمت كفيها بخوف على فمها. والداها كانا في صدمة رهيبة، والفضول يقتلهم لمعرفة الخائن الحقيقي وراء ذلك الفعل الحقير.

تأكدوا أن ما اشتكت منه ريم يومًا نبع من روح أرهقت بفعل الطاقات السلبية المتجددة وليس بتمثيلٍ، فانحبست الأنفاس وكأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى الحجرة، و"أسماء" تتساءل بعينين اتسعتا حزنًا، قائلة:

_مين يا شيخ؟ قولنا أبوس إيديك، أنا بنتي متبهدلة أوي أوي، بنتي حياتها متدمرة، أبوس إيدك قول!

تدخّل "شوقي" في الحديث، وحاول أن يُهدِّئ من روع زوجته، فقال بأسلوبٍ لطيف:

_اهدي بس يا أسماء لما نفهم الأول!

واسترسل للشيخ، متسائلًا هو الآخر باستياءٍ:

_فهمنا يا شيخ محمود، العمل ده اتعمل ازاي ولا مين اللي عمله ولا إيه اللي بيحصل؟ قولنا عشان نعمل حسابنا ونخرجها من حياتنا.

تنهد الشيخ "محمود"، وعبثت أصابعه بالورقة الموازية له على الأرض، ثم رفع بصره نحو شوقي، وقال بوضوحٍ نسبي:

_واحدة من لحمكم ودمكم عملتلها على دم نجس.

وطأت "أسماء" كفّيها على وجهها في ذهولٍ تام، والتفتت برأسها تارةً نحو الشيخ محمود وتارةً أخرى نحو زوجها، وسؤالها يَنقِز بتكرار على لسانها، قائلة:

_يعني إيه عملتلها على دم نجس؟ يعني إيه؟ حد يفهمني يعني إيه الكلام ده!

أجابها الشيخ "محمود"، مُفسِّرًا حالةَ ريم بإيجاز:

_يا حاجة أنا كلامي واضح، متخافيش! العبد لله بيعدي عليه حالات من دي كتير كل يوم، احنا بقينا في زمن ما يعلم بيه إلا ربنا، الناس بقيت بتلجأ للسحرة أكتر ما بتاكل وتشرب، لكن في رب فوق اسمه العدل!

نظرت "أسماء" لابنتها نظرةً حنونة، وكلتاهما تبكيان، فضمّت يديها على صدرها بأسى، وقالت:

_يا حبيبتي يا ريم....

ثم أعادت بصرها نحو الشيخ بنبرةٍ مهزوزة، وأردفت:

_ليه عملت فيها كده؟ هي مين أصلًا؟ بنتي أذيتها في إيه؟ ده أنا بنتي طول عمرها في حالها....

واستدارت نحو ريم وتابعتُ بنحيبٍ:

_إنتي أذيتي حد في حاجة يا ريم؟ جيتي على حد ولا ظلمتي حد؟

أومأت ريم رأسها برفقٍ بمعنى "لا"، وظلّت ثابتةً على حالها تبكي بمرارةٍ في صمت، وكأنها تخشى تعرّي مشاعرها أمام الجميع. حينها تنحنح الشيخ "محمود" بصوته، وقال:

_أنا مقدرش أقولك هي مين، بس اللي أقدر أقولهولك إن بنتك كل ما يجيلها عريس يا يطفش من برا برا يإما هي اللي ترفضه، ولو حصل قبول ما بين الاتنين ووصلوا لمرحلة الخطوبة يجي الموضوع قبل عقد القران يتفشكل وينتهي زي ما بدأ.

صاحت "أسماء" بنبرةٍ عالية، مبرهنةً على صحة حديثه، فأشارت له بسرعةٍ بكل تأكيد، وقالت بحسرةٍ تدفّق مع حروفها:

_حصل يا شيخ، حصل والله، تالت خطوبة ليها اتفشكلت، وكانت قبل كتب الكتاب بدقايق، البنت كانت هتموت من القهر، ودخلت المستشفى يومها والله، وكل ما أدخل عليها ألاقيها بتعيط، وكل ما أكلمها كلمة تقولي عندي اكتئاب، حتى مبتروحش محاضراتها، بقولها اخرجي غيري جو، تقولي مش قادرة أتعامل مع البشر، عايزة أكون لواحدي.

نطق "شوقي" بقهرٍ على ابنته، مبديًا حرصهم في التعامل مع الآخرين:

_والله العظيم يا عم الشيخ لا لينا في مشاكل ولا بلطجة ولا قلة الأدب اللي بقيت تحصل اليومين دول، دايمًا في حالنا وكافيين خيرنا شرنا، لا عمرنا غلطنا في حد ولا قلينا منه، وربنا العالم بينا.

امتلك الشيخ "محمود" مهارةً روحانية تجعل من أمامه بمثابة كتابٍ مفتوح، وهذا ضد الدين لأنه فيه اطلاع على أمور الغيب، فلا يتحلّل الأمر حتى وإن كان يستخدمه في الخير لمساعدة الضحايا. لكنه قرأ أسلوب حياة شوقي وعائلته، وعلى الرغم من طباعه الصعبة، إلا أن أطراف الأسرة جميعهم مبتعدون عن إثارة المشاكل والفتن، ويتبعون نهجَ سليمة. فرمقه، وقال بتبجيل:

_عارف يا حاج شوقي، بس هنقول إيه؟ إن كيدهن عظيم، غيرة الحريم تعمل أكتر من كده... أنا بس عايزكم تهدوا شوية، احنا هنعمل برنامج علاجي لريم هتمشي عليه لمدة ٢١ يوم، ممنوع يتقطع يوم واحد بس وإلا هنرجع نعيده من الأول تاني!

كما يقولون: الغارق يتعلق بقشة، فأصغت له الأسرة باهتمامٍ بالغ، وقالت "أسماء" بتهيُّؤ:

_اللي تقول عليه يا شيخ محمود احنا معاك فيه.

وجه الشيخ "محمود" حديثه إلى ريم، شارحًا برنامجها العلاجي بدقة، فقال بإرشادٍ حازم:

_بُصي يا ريم، احنا هنعمل برنامج مكثف عشان حالتك قديمة والعارض بيكون عنيد شوية، هتجيبي علبة تمر، هتاخدي منها كل يوم سبع تمرات على الريق، تمام؟

جفّفت "ريم" دموعها بأناملٍ مُرتجفة، كيف لأظافرها الطويلة المزينة بطلاءٍ أحمر أن تمتزج الدموع معها في حزنٍ مطبّق؟ بُهت جمالها واستتر وراء طاقات الخبثاء الملعونين، وبينما شهقت بشجنٍ، قالت:

_تمام.

استرسل الشيخ "محمود" قائمته الإرشادية، فَقال:

_بعد كده تاكلي عادي براحتك، عايزك تقري سورة البقرة والصافات كاملين في جلسة واحدة يوميًا لمدة واحد وعشرين يوم... قبل المغرب بنص ساعة هتجيبي شوية ماية حلوين تحطي عليهم ماء ورد وسبع حبات من الملح الخشن وتدوبيهم كويس وتغتسلي بيهم برا الحمام.

سألته "أسماء"، مشاركةً الحوارَ معهما بفضولٍ، قائلة:

_طيب ليه يا شيخ مينفعش يدخل الحمام؟

رفع الشيخ "محمود" إصبعهُ بحزمٍ، رافضًا ولو مجردَ التعليق على أوامره، فقال:

_لا، ممنوع! الماية تتفضى في إزازة وتتصرف في البحر، ممنوع تدخل الحمام، اسمعوا الكلام من غير ليه، احنا عايزين نخلصها من اللي هي فيه، ريم حالتها قديمة والسحر بيتجدد كل اكتمال قمر، الكلام ده يا حاجة مفيهوش نقاش!

ردّت "أسماء" باستياءٍ، وفي صدرها آلام متزايدة:

_اللي تشوفه يا شيخ محمود، أهم حاجة عندي إن ريم تخف من اللي هي فيه، دي متبهدلة ومبهدلانا معاها والله.

وبينما يدوّن الشيخ "محمود" البرنامج العلاجي في ورقةٍ ليظلَّ عالقًا في أذهانهم، قال:

_أنا برضه هكتبلكم البرنامج في ورقة، ولما الواحد وعشرين يوم يخلصوا تيجوا تاني متابعة.

نطق "شوقي" بتأهُّب، واهتز صوته حزنًا:

_ماشي يا شيخ، ربنا يباركلك.

دونّ الشيخ محمود البرنامج كاملًا على الورقة، وفي كل سطر خطوة من خطوات العلاج بأعدادٍ معيّنة، ثم مدّها لهم وأكد عليهم ما يجب عليهم فعله.

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى نهضت الأسرة لاعتراب المكان، فيما صافح شوقي الشيخ محمود وألقى عليه تحيةَ الإسلام وخرج برفقة أسرته والحزن مخيمٌ على الوجوه. وبمجرد أن ركبوا السيارة، صعدت الحالات الأخرى إلى الشيخ بحماسٍ، والجميع متأهّبون للعلاج.

لم يتردّد على لسانيّ أسماء وريم سوى قول: "حسبي الله ونعم الوكيل"، اللتان بكيتا بحرارة. كادت الأسرة أن تغرق في دموع الحسرة بدون ساتر النجاة.

لم تستوعب ريم إلى هذه اللحظة أنها سُحرت بلا ذنب، وإن كانت اقترفت جريمة، فلا مبررات للشرك بالله مهما حدث... الغيرة، الحقد، العدوان لم يكن أبدًا سبيلًا لصُنع الأذى وإلحاقه بعباد الله.

لا مانع من الكراهية، فالمحبة في يد الخالق وحده، لكن مَن يتجه إلى مشعوذ، خسيس، خائن للثقة، مطرود من رحمة الله، فقط لينفث عن دمائنه بأساليب محرّمة شرعًا، ليرى من يبغضه في أسوأ حالاته، وبهذا يغذي أمراضه النفسية.

مَن يستعين بساحر فهو من ذوي الأمراض النفسية، بلا أخلاق ومبادئ، يُعاني من شعور غائر بالنقص. يعلم في قراراته خير علم أن منزلته بين الأجمعين متدنية، خاضع، حقير، دومًا ما يغمس نفسه في مقارنةٍ مع الآخرين، وكأن الحياة في عينيه سباق. إذ يتمنى ذاته دومًا الأفضل، فلا أحد يتزوج ولا ينجب غيره. منزله شلالاتٌ من الثراء، لكن الآخرون يتوق أن يجعلهم ذو ثيابٍ مهترئة، يقفون على المطبات يشحذون الجنيهات بإذلال.

انتابت ريم هبّاتٌ ساخنة في صدرها، وكأن يدًا خفية تطوّق عنقها بقبضةٍ عنيفة كتمت عنها الأنفاس. لم تؤذِ قريبًا أو غريبًا بتاتًا.

أيعقل أن تُسحر لمجرد شجارات تافهة بينها وبين أطفال العائلة في صباهم؟ لا منطق لما حدث سوى أن أقاربها يتمنون لها الهلاك بدلًا من أن يحسنوا إليها نظرًا لصلة الرحم فيما بينهم.

انحدرت الدموع على ثيابها بقهرٍ، فترى ذاتها مكبلةَ الأيدي والأرجل، رائية الناس يتقدمون وهي كالدمية المقيدة بحبال الظُلم. لم يكن بوسعها شيء سوى أن تفوّض أمرها إلى الله، فيمن جار على حقوقها ونهبها بأنيابٍ حادة، وكأنه ثعلبٌ ماكر لا بشريٌّ ذو عاطفة.

طوال الطريق تنظر من النافذة وأناملها ترتجف على زجاجها. السيارة تترجرج بهم على الطّرق المتهشّمة، كما تتضارب مشاعرها المنكسرة من الداخل. لكن الأمل لاح في أفق حياتها، لربما يهديها القدر بشفاء روحاني يمكنّها من العيش بسلام، كمثل من حولها.

اشترت أسماء ما طلبه الشيخ منهم بأملٍ متجدّد، متمنيةً أن يجعل الله البركة في عناصر الشفاء. وبعد ثلث ساعة وصلت الأسرة إلى المنزل، فصعدت أسماء برفقة ابنتها ريم إلى الشقة، أما شوقي فقد عاد إلى عمله مسترسلًا مهامه.

انفتح الباب ودلفت الاثنتان إلى وطنهم الخاص، لكن يبدو كل شيء من حولهم غير مألوف، كأن ريم تخطو عتبة دارهم لأول مرة برؤية عاجز يرى الناس يهرولون في سباقٍ حياله.

الجدران طلاؤها تبدو قاتمةً، والأرض لهيب على أقدامهم، الحياة مغمورة بأجواء تعيسة. وبينما دخلت ريم إلى حجرتها بقلبٍ ناضحٍ بالآلام على خطواتها، قالت "أسماء" بقهر:

_حسبي الله ونعم الوكيل في اللي أذت بنتي وضرتها، حسبي الله ونعم الوكيل في الساحر الملعون اللي أذى ريم، تتقطع إيديك ورجليك، ربنا يقهرك زي ما قهرتنا....

ورفعت يداها لأعلى، وتابعت دعاءها بنحيبٍ صاخب:

_يا رب حلها من عندك، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عمرنا ما أذينا حد يا رب، ليه الناس تإذينا وتفرح لوجعنا بس؟

ناحت ريم من أعماق غرفتها بأعصابٍ مُنهكة، واستمرت على حالها هذا حتى غيرت ثوبها وهي ترى العالم من منظور كفيف فقد أعظم النعم. كلما خطت خطوةً، ازداد بكاؤها على حظها الأدْجَن كلون الفحم، إذ أحضرت سبع تمرات وتناولتهنّ بجسدٍ ارتجف تعاسةً، ثم اغتسلت بماء الورد والملح الخشن خارج المرحاض كما أُمرت.

إلى هذه اللحظة لم يحدث تغيير، لكنها بمجرد أن ارتدت ثوبها، وتوضأت وجلست بالمصحف الشريف على سريرها لقراءة سورة البقرة، بدأ العارض يثور ويتحرك بانفعالٍ بإحساسٍ مشابه للذبذبات القوية أو رجرجة محرك السيارة. كل هذا يسري داخل عروقها، وخاصة ساقها اليسرى التي تثاقلت بفعل سورة البقرة.

ظلت ساعتين ونصف على سريرها كما هي، وبمجرد أن أنهت سورتي: البقرة والصافات، تثاقلت رأسها بالنعاس وتفاقمت حرقة العين، ما جعلها تنام في موضعها لتجد كابوسًا شنيعًا يلاحقها.

إذ كانت ريم داخل مبنى واسع لكنه مُظلم، يبدو أسفل الأرض بلا منافذ. تغمر بعض أركانه إضاءات برتقالية خافتة، وهناك طرقة واسعة مزدحمة بالغرف، كأنه فندق أو زنزانة مهجورة. وجدت إنسي، وهيئته بشعة، ينتظرها في نهاية الطرقة بمنشار كهربائي، والجدار من خلفه متروث بطلاسم باللون الأحمر، كلماتها مبهمة وغير مفهومة، ظلت تهرول بصعوبة، وكلما اجتازت مسافة، عادت إلى نفس النقطة من جديد، فهوت على الأرض صارخة، لكن لا أصوات خرجت، وكأن أحبالها الصوتية اقتلعت منها.

لكنها نهضت، والوحشي يتدانى منها بشرٍ حتى انتهى الكابوس، واستيقظت من نومها تلهث بخوفٍ، لكنها في الحال استدعت والدتها بنداءٍ خافت. فدخلت أسماء إليها وجلست بجوارها تطمئنها في نومها حتى لا تتكرر الهجمات الشيطانية من جديد.

انسدل الليل بستاره على البلاد، فكانت الفُرصة مناسبةً لأن يتجه رمزي، بمخادنة ناجي، إلى مقابر البلدة وسط الظلام الدامس، باعتبارها فرصةً استثنائية بعيدًا عن انكشاف النهار. لكن الغفير الحارس للمقابر دومًا ما يجول بعرض الأسوار بسلاحه المثبت على كتفه، تأهبًا لأي اكتساح من سارقي الجثث أو السحرة الذين يتسللون في الخفاء لدفن الأسحار.

فوقف رمزي وراء السور مع "ناجي" من جهة نائية عن مرأى الغفير، وبينما ينظران لأعلى، سأله ناجي بقلق:

_كيف بس رح تنط من هني يا رمزي؟ ما خايف تتأذى؟

لكن "رمزي"، من دافع قهره على والدته كان مُصِرٌّ أن يبحث عنها بأي طريقة، فأوضح لناجي أن الأمر مسألة حياةٍ أو موت بالنسبة له، قائلًا بنبرةٍ تشبعت حزنًا:

_ما بيصير شي، خلك هادي بس، وخلص قبل ما الغفير يدير باله منا!

ردّ "ناجي" بتردد، وهو يميل بظهره بالقرب من السور الحديدي:

_اللي تبغاه يا رمزي، كأنك ما تسمع إلا صوتك وبس.

قفز "رمزي" بلياقة على ظهر ناجي، الذي تألمت عظامه من كتلته. جزَّ على أسنانه وأغلق عينيه بمعاناة، حتى تشبث الأخير بالحديد ومرّ إلى الجهة الأخرى. ظلّ يبحث حوله عن أداة تساعد ناجي على الدخول هو الآخر، حتى وجدها، إذ بصندوقٍ خشبي بين الأشجار يناديه. هرول رمزي إليه سريعًا دون أن يصدر صوتًا، وعاد به ومدّه إلى ناجي، وقال:

_خد يا ناچي، نط عليه وتعال وراي، أو بخليك هني لين ما بشوف وبرچعلك ثاني!

اكتفى "ناجي" بالوقوف خارجًا، وقال باعتراضٍ:

_لا، آني بظل هني، ادخل إنت خلّص اللي وراك، وتعال لا تتأخر!

استدار "رمزي" وتحرك بخطى واسعة، وهو يقول بخفوتٍ:

_طيب، ما بتأخر عليك.

تعمَّق رمزي بين مدافن الموتى في جولةٍ سريعة، وهو يلتفت حوله باحتراس. حتى وصل إلى مقبرة والدته، وجدها موصدةً بإحكام. ظل يحوم حولها، باحثًا بعينيه عن مدخلٍ ولو صغير. جلس على التراب ونبش فيه على مسافةٍ عميقة، فوجد مدخلًا صغيرًا لا يسع أرنبًا.

قرر إحكام عقله، وبعد ثوانٍ من التأمل، فتح عدسة هاتفه التي استنارت بضوء الكشاف، فانتشر الضوء في محيطه. إذ تسلل بذراعه المتشبث بالهاتف إلى داخل الفجوة، وهو يسجل ما يراه في الداخل. ظل يحرك ذراعه في كل الاتجاهات، حتى أخرجه وشاهد الفيديو، وبينما يفعل ذلك، قبضت عليه يدٌ ما. التفت حوله فلم يجد شيئًا، لمح شيئًا يتحرك داخل فجوة القبر. وحينما صوب ضوء المصباح نحوه، وجد جنيًا شنيع الملامح، ظهر لثوانٍ ثم اختفى.

للوهلة الأولى، انفزع رمزي فنهض سريعًا وخرج من المكان. فوجد "ناجي" واقفًا بظهره إلى الجدار، يتجول بين تطبيقات هاتفه بانشغال. وحينما بصره، سأله بفضول:

_سويت إيش يا رمزي؟ وصلت للي تبغاه؟

ردّ "رمزي" بيأسٍ محسوس في نبرته، قائلًا:

_لا، ما لقيت شي، الباب كان مسكّر، يلا نرچع قبل ما الغفير يحس بينا!

تحرّك رمزي برفقة ناجي خارج الحي إلى أن وصلوا دار العائلة، وصعدا كل منهما إلى موطنه، هناك في الأعلى أول ما فعله رمزي، فتّح باب حجرة چيهان برفق ليتأكد كونها سالمة، ثم صكه وخطى إلى الصالة يستريح على الأريكة، وأعاد تشغيل مقطع الفيديو باهتمام، متفحصًا كل لقطة فيه بدقة لم يجد سوى أقمشة مُتسخة وجماجم وعظام، ما يؤكد أن والدته فطيمة نُقلت بالفعل إلى نفقِ إيبار الوارِف.

شعرَ بقبضةِ قلبٍ قوية تجاهها، تعيسًا بما آلت إليه الأمور من صدماتٍ حطّمت صلابته. والدته التي أفنت حياتها من أجله حتى الممات، أَتكون نهايتها جثةً هامدةً محنطةً بلا أعضاء؟ الفِكرُ نفسه كان قاسيًا عليه، وما أزاد وطأةَ المشاعر تلبُّس أورثيم بجيهان، فلا يدرِ رمزي إلى أي بقعة أرضٍ يهربُ إليها من همومه. كل شيء أثقل كاهله وجعله مسنًا بلا روح، لكن لا فعلَ بلا ضريبة، ولا بدّ أن يَتَلقِي مصعب جزاءه يومًا.

انقضت الأيام وكأنها تنفرط سريعًا كحبات السُّبحة. الشيخ نعمان يأتِي كل ليلةٍ لاسترسال جلسات چيهان. أورثيم كان في ذروة عناده، متشبثًا بالجسد بطريقة فاقت الغراء ذاته. أصبحت چيهان من أصعب الحالات التي قابلها الشيخ نعمان، ولذلك اعتبرها تحديًا لقدراته، وبدلًا من أن تكون سبع جلسات، تخطّت الحادية عشرة جلسة، وأورثيم ما زال رافضًا الخروج.

بينما ظهرت التناقضات في منزل عصام، ذاك الذي وافق على عقد قرآن ابنته منى وحدده منذ أيام مع العريس وعائلته. منى رأت أنها فرصة هنيئة لأن تعقد قرآنها على خطيبها محمد، فدعت ريم قبل أيامٍ لحضور المناسبة، لكنها جعلت رسالتها معلقة لفترة بلا إجابة. لكن منى لم تستسلم، فدعت أسماء وجهًا لوجه، متمنية أن تشاركها العائلة لحظاتها السعيدة.

بدأ اليوم بتجهيزات منى وهناء وزوجات إخوتهم، وكن طوال اليوم يزغردن على السلالم بأصواتٍ عالية، فيما كانت ريم داخل حجرتها تشعر بضيقِ تنفّس، جالسةً على سريرها والنافذة مفتوحة على مصراعيها، والنسيم البارد يحرك أوراق المناديل برفقٍ على مكتبها.

الباب موصد جزئيًا، والأجواء تعيسة في عالمها، وبينما تشير الساعة إلى الثالثة عصرًا، كانت أسماء قد تجهّزت للذهاب مع زوجها، ينقصها لفّ الحجاب. فدلفت إلى حجرة ابنتها سريعًا، وحينما بصرتها "ريم"، جلست على سريرها بغضبٍ، وقالت:

_إنتي هتروحي بجد يا ماما؟ هتروحي للحقيرة دي اللي هي سبب كل اللي أنا فيه؟

لكن "أسماء" لم ترَ عائقًا يمنعها من حضور عقد القِران، خصوصًا أن الشيخ لم يحدد اسم الساحر، فقالت:

_ما هو يا ريم احنا مش متأكدين إذا كانت هي ولا لا، ما يمكن حد تاني غيرها، مش عايزين نظلم حد.

نهضت "ريم" من موضعها، وعاصفة القهر تعصف بملامحها، شبكت ذراعيها في بعضهما والدموع تلمع في عينيها، وقالت بصوتٍ حاد:

_مفيش حد غيرها اللي هيعمل كده، محدش له مصلحة يعطلي حياتي غيرها، إنتي أصلك مشوفتيش يوم قرآية فاتحتي على عمرو لما حطوله كوباية معينة دونًا عن غيره، قال إيه أصل العريس مميز في اليوم ده، بيكلموا واحدة عبيطة ومش فاهمة، يمكن، ولما جات من عند ربنا والكوباية اتدلقت كانت مصممة تدخل تجيب واحدة غيرها....

وبينما تتراجع بذاكرتها إلى الوراء، تذكرت حدثًا تكرر لمرات عدة، فتابعت برصانة:

_وأه صحيح، ليه عمرو كان كل ما يعدي يشتكي برجليه؟ اشمعنا إلا لو اللي بتعملي ساكنة معانا في نفس البيت! مين هيعملي؟ جدتي الست الكبيرة اللي بتتحرك واتنين مسندينها؟ ولا مرات عمي اللي ضهرها واجعها وبرضه بتتحرك بالعافية؟ ولا هيكون جدو شعيب الله يرحمه اللي كان بيحبني أكتر مانتوا بتحبوني؟

وتابعت بصياحٍ كمن أزيل الغشاء عن عينيه فرأى الأمور بوضوح:

_هيكون عمي مثلًا اللي دماغه في الشغل ومش بيرجع إلا بالليل متأخر؟ ولا هتكون أختها اللي متجوزة وقاعدة مع حماها وحماتها؟ هيكون مين يا ماما غيرها؟ ردي عليا!

تقدمت "أسماء" بالقرب منها، وربّتت على كتفها، وقالت بغمرةٍ من الحنان:

_اهدي بس يا ريم، كملي بس العلاج اللي الشيخ قالك عليه، مش إنتي ارتاحتي وبقيتي أحسن؟

ردّت "ريم" بصراخٍ، ولهيب الحزن يتطاير من صوتها:

_ونفسيتي فين اللي اتدمرت من اللي شوفته وحصلي؟ شبابي اللي ضاع وبيضيع قصاد عيني بسبب واحدة كافرة بتحقد على عيشتي اللي هي زفت وقرف أصلًا.....

ثم استدارت حولها كالمجنونة، وواصلت بنواحٍ:

_يعني هي تعطلي جوازي ومن تاني ناحية تروح تتجوز وتفرح؟ فيها إيه لو كلنا فرحنا؟ ليه يا ماما ليه؟

رفعت "أسماء" كفها مسرعةً على فم ريم بتبكيت، وعينيها مفنجلتان بخوفٍ عارم، قائلةً بتحذير:

_وطي صوتك! عايزاهم يفكروكي غيرانة منها؟ محدش فيهم هيفهم إنها اللي مدمراكي يا ريم، هيفهموا اللي بيتقال ده بطريقة تانية خالص....

ثم ضمّت ريم إلى حضنها وقبلت رأسها برفق، وواصلت:

_اهدي وطلعيها من دماغك وإن شاء الله ربنا هيعوض عليكي باللي يستاهلك، يمكن عمرو مكنش خير ليكي بس اللي ظاهرلنا إنه كويس لكن الباطن حاجة تانية، احمدي ربنا ومتزعليش!

جلست ريم على السرير، والاستياء يجتاح أركان حجرتها، ورفعت كفيها على وجهها بترحٍ بلغ شِعفته، وبكت بحرارةٍ، ليس من نابع الغيرة، إنما من الظُلم الجسيم الذي وقع عليها من خسيسةٍ قيدت آمالها لتعيش هي مستعرضةً فرحها للجميع. فربّتت "أسماء" على ذراعها بلطافة، وأردفت:

_كملي بقية البرنامج واحنا مش هنتأخر، ساعة ولا ساعتين كده وهنرجع تاني.

خرجت "أسماء" من الغرفة، مواصلةً تهذيب حجابها، تاركةً ريم فريسةً لأحزانها، وحينما انزلقت دموعها بغزارة، وجدت رسالةً من "إسلام"، ذاك الذي يتساءل عن أخبارها كل بضعة أيام، لتجده يقول:

_مساء الخير، إيه الأخبار؟

همشّت ريم رسالته واضطجعت على سريرها بنحيب، والأثاث من حولها شاهدًا على أتراحها المتراكمة. ازدادت البشر قساوةً وانتُزعت من قلوبهم الرحمة. أما أسماء، كوالدة شفيقة تحزن لأحزان أبنائها، فكانت في وضعٍ حرج، إذ لا بد من أن تحضر عقد قرآن منى ولو لساعة واحدة، فتظهر نفسها وزوجها للأجمعين، متفاديةً أن تُصوَّب عليهم التُّهم، ومن أجل علياء، والدة العروس التي لم ترَ منها سوى كل خير.

بعيدًا عن تجهيزات عقد القِران، في واحة الداخلة، بعدما أدى الشيخ نعمان دوره الجليل في شفاء چيهان بفضل الله أولًا ثم بجهوده، اقتربت چيهان من الشفاء على الرغم من سيطرة الراصد عليها، لكنها في حالة تقدم. وقبل أن ينصرف رمزي إلى عمله كحارس لنفق بيارون، دخل الحجرة إليها بثبات، حاملًا صينية تحوي طعامها وكوب ماء بارد، فوضعها على الطاولة المجاورة لها، ووقف إزاءها بنظراتٍ فاضحة لمشاعره. نظرت "چيهان" له بإرهاق، وقالت:

_هنفضل كده لحد امتى؟ أنا تعبت ونفسي أرجع لأهلي!

ردَّ "رمزي" مؤكدًا لها مآبها إلى الأعزَّة فيما قريب:

_خلاص هترجعيلهم قريب أوي، بس أنا هكلمك كل فترة أطمن إن التحصين اللي هعملهولك ماشي تمام.

نطقت "چيهان" بواقعيةٍ لم يتحمّلها:

_ويفرض ربنا أكرمني مثلًا واتجوزت، تفتكر إن في راجل هيقبل إن واحد غريب يكلم مراته كل شوية؟

تغيّرت ملامح "رمزي" في الحال، وبرزت عروق عنقه بسخطٍ جلي، فاحتدت نبرته، وقال وكأنّه يتشاجر لا يُجادل:

_كيف يعني تتزوچي؟ وإنتي ليش تتزوچي؟ أهلك ما بينقصوكي شي...

واستدار جهة أخرى بأسلوبٍ جاف، متابعًا:

_أنا ما موافق عالكلام العبيط ذا، تروحين ترمي نفسك في النار يعني؟

اندهشت "چيهان" من تحوّله المفاجئ، فقابلته بسؤالٍ قيدَه في نطاقٍ محصور بلا إجابة، لذا قالت:

_وهو أنا هاخد منك الإذن ولا إيه عشان أتجوز؟ وبعدين هو إيه ده اللي كلام عبيط معلش؟

صاح "رمزي" فيها بلا استيعاب لتصرّفاته، فنطق بصُداحٍ مدوٍ كالرعد:

_ليش ما بتاخذي إذني؟ كنت غريب ولا إيش؟ قربنا من سنة وحنا سوا بسبب الظروف، تيچي بعد كل ذا تتعاملي معي كأني هوا؟

نهضت "چيهان" من السرير ووقفت حياله، وشبكت ذراعيها في بعضهما ببسالة، ورفعت حاجبها بدهاء، وتساءلت باستغرابٍ:

_إنت متعصب كده ليه؟ وازاي تتكلم معايا بالأسلوب ده أصلًا؟ هو احنا بنتكلم ولا بنتخانق؟!

خرج رمزي بنيرانٍ ملتهبة من المنزل برُمَّته بعدما صكَّ الباب فارتجَّ بصوتٍ عالٍ، يبدو متحولًا إلى وحشٍ كاسرٍ في هذا الوقت العصيب، لكن چيهان، التي لم تفهم سبب هذا الانفعال، خرجت إلى السطح محاولةً أن تترصّده من الأعلى، وبعد ثوانٍ توجَّه إلى الصحراء ودخل إحدى الخيام، تاركًا دهشة عظيمة على ملامحها.

في الماضي كان رمزي قادرًا على إخفاء مشاعره إلى حدٍّ كبير، لكن الآن انكشف وجدانه ككتابٍ مفتوح، فلم يَقوَ على تمالك أعصابه، ما جعله يظهر بهذا السلوك الاندفاعي. وبعد أن رمقته چيهان لدقائق، عادت إلى حجرتها وجلست على سريرها محاولةً تهميش العواطف المُتبادلة بين قلبين لا نصيبَ بينهما.

تسربت الساعات، وعائلة الدميري تعيش سعادةً جديدة، فاكتظَّ الهواء من حولهم بهجةً. الجميع داخل المسجد رجالًا ونساءً يجلسون على كراسٍ متراصّة، والأطفال يحملون البالونات ذات الألوان المتباينة، والعروس متزينة بفستانها الأبيض البسيط ومكياچها اللامع.

في منتصف المسجد طاولة فُرشت بالقماش الأبيض، وعلى حافتها باقة ورد أرجوانية في أبيض، والمأذون الشرعي جالسٌ على كرسيه، وعلى جانبيه، في توازٍ، والد العروس والعريس الذي ارتدى زيًّا كاچوال وكأنه ذاهب إلى إحدى المتاجر لا إلى حدثٍ هامّ كعقد قرانه.

وبينما يجهّز العريس بطاقة هويته، والأصوات تتداخل، تقدمت "أسماء" بخطى ثقيلة كمن أُرغم على الحضور ولا يرغب في قرارة نفسه، ابتسمت ابتسامة هادئة، وصافحت العروس منى، وقالت:

_مبروك يا منى.

ردّت "منى" بسعادة مبالغ فيها، فضمّت أسماء إلى صدرها رغم أن الأخيرة لم تبادر بذلك، وقالت بحُبور:

_الله يبارك فيكي يا مرات عمي، عقبال ريم مع اللي يستاهلها يا رب....

وتابعت بدهاءٍ ملحوظ:

_ريم مجاتش ليه بس؟ ده أنا زعلت خالص، كان نفسي تكون معايا في كتب كتابي وتشاركني اليوم لحظة بلحظة.

ردّت "أسماء" بجفاءٍ، وقد تسلّل إليها إحساس وكأنها تخاطب إبليس متجسّدًا في هيئة امرأةٍ غدّارة، نشأت على مبادئ وضيعة، مع أبٍ خاضع سقاها الشر في صِباها:

_ريم تعبانة وعندها دور سخونية، كان نفسها تحضر بس أنا قولتلها متخرجيش عشان الدور ميزيدش.

ابتسمت "منى" بمكرٍ، وقالت بضحكةٍ مصطنعة:

_ألف سلامة عليها، خلاص تتعوض إن شاء الله في الفرح، هو عمومًا خلاص شهر أو شهرين بالكتير.

قابلتها "أسماء" بردٍّ جاف، وقالت بلا عاطفة:

_الله يسلمك.

تحرّكت "أسماء" بالقرب من علياء وابنتها هناء وزوجات أبناءها اللواتي جلسن على الكراسي بأطفالهن في موضع قريب من العروسين، فاختارت المقعد المجاور لعلياء وجلست إلى جوارها، وأبدت استغرابها للتعجيل بحفل زفاف منى على الرغم من أنها دومًا ما كانت تردد أن الوقت لا يسمح بإقامته في تلك الفترة، فتوجهت إليها بسؤالها، وقالت:

_أما قوليلي يا علياء، هو إنتوا مش قولتوا إن فرح منى لسه قدامه شوية حلوين؟ ليه غيرتوا الاتفاقات بسرعة كده وعايزين تعجلوا بيه؟

أجابتها "علياء" بعفويةٍ خرجت مع ردودها، قائلة:

_والله يا أسماء احنا كنا متفقين إن لسه شوية، لكن لقيت منى بتلح عليا جامد إننا نخلص كل حاجة بدري، قولتلها ده احنا لسه موديناش عزالك ولا عملنا أي حاجة، قالتلي مش مهم، احنا نسرع الأمور وننزل نخلص كل حاجة وإن شاء الله الوقت هيكفي.

لم تقتنع "أسماء" بإجابتها التي بدَت منعطفةً كالمسار الذي سلكته منى منذ أعوام مع أتباعها الخاضعين، شعرت بغمرةٍ من الارتياب جعلتها تُعيد النظر لكل شيء، ولم تُظهر شكوكها، فاكتفت بقول:

_يلا مبروك يا أم العروسة، ربنا يسعدها.

مرّرت "علياء" يديها على كتفها بانشراح، وقالت بفرحٍ أمومي:

_الله يبارك فيكي، وعقبال ريم.

في موضعٍ قريبٍ من مجلس النساء، على جهةٍ مقابلةٍ بأمتار قليلة، كان شوقي جالسًا برفقة هشام وأخوات العروس من الرجال، وباقي المعارف والأقارب للعروسين. انضم إليهم خال العروس "صلاح" برفقة زوجته وأبنائه –محسن، إسلام، شيماء–، الأب وابنه الأكبر في المُقدمة، تعقبهم الوالدة، وفي النهاية إسلام وعلى سيفه أخته الصغرى.

انضمت الزوجة المدعوة "غفران" إلى النساء، فهي سيدةٌ حنطية البشرة، ملامحها أقرب ما تكون إلى الهنود، قامتها متوسطة، وكأن ابنها الأصغر نسخة كربونية منها لكنه على هيئة شبابية.

غفران سيدةٌ في منتصف العمر على مشارف سن الخمسين، أما ابنتها الأخيرة فقد حملت الكثير من ملامح والدها، وقد جاءوا خصيصًا من الفيوم لحضور عقد قران منى، ما يبرهن على صلة الرحم المتينة بينهم. فتقدمتا نحو النساء تصافحتن برمتهن، بما فيهن أسماء التي عانقتها بودّاد، فخرج صوت "غفران" لأول مرةٍ وهي تقول:

_ازيك يا أم يوسف، إيه الاخبار؟

ردّت "أسماء" بابتسامةٍ مطفأة، نبعت من سفح دَلمٍ بالأحزان:

_الحمدلله بخير... إنتي عاملة إيه؟

أجابتها "غفران"، والمسجد لا يتسعُ لجَذْلها هذا اليوم:

_بألف خير والله.

تحركت غفران لمصافحة باقي النساء باصطحاب ابنتها معها، والزغاريد تتراقص على ألسنة النساء بسرورٍ، فيما الرجال جلسوا سويًا يتبادلون الحديث، والأطفال تلهو من حولهم. لكن في لحظةٍ ما، ساد الصمت استعدادًا للحظة الأهم على الإطلاق، عقدُ قران منى، إذ تحدّث المأذون الشرعي عبر الميكروفون، ملزمًا الجميع بالقبض على الأصوات، والإصغاء لكلماته الهامة. فبدأ السكون يستحوذ على الحاضرون، ما منح "المأذون" حرية الحديث، وهو يبدأ كلماتٍ بثّت الفرح في المكان، قائلًا:

_ بسم الله الرحمٰن الرحيم ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]

وتابع:

_إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله....

يعيش الحاقد متمنيًا السعادة لنفسه، وإن كان الرزق في يده لكان قبضه عن الخلق أجمعين. لكن من رحمة الله وكرمه أن جعل الرزق في يده وحده يهبه لمن يشاء، فإن الحاسد شروره تسحقه غيظًا، وهو يسخط على عطاء الله للغير، آملًا أن يكون له وحده. وهذا ينطبق على مَن أسرت الضحية في سجنٍ مُظلم، تطغو عليها بجبروتها، وهي من وراء الأسوار تضحك وتحيى متدعية السعادة، وإن كانت أحزان العالم كله في دواخل روحها.

بعيدًا عن أجواء الفرح المُزيف والقلوب القاتمة بشرها، وصل رمزي إلى عمله في نفق بيارون، ملتحفًا في جلبابه، وسلاحه على كتفه، تحرك بين الأشجار شاهقة الارتفاع بين حراس النفق الذين رمقوه بريبة، مندهشون من غروبه المفاجئ. فيصعد سطرًا ويترك عشرًا، كأنه جني يظهر ويتوارى بينهم، ما جعل أحد الغفر يتوجه إليه بسؤالٍ يصف استغرابه، قائلًا:

_حمدالله عالسلامة، تچي يوم وتغيب مية، يا ترى العمدة ضرغام داري باللي يصير ولا دماغه في وادي ثاني؟

خَرج "رمزي" بشكاسة صوتٍ، مُعترضًا على مسائلته كمن يتعامل مع شرطي يحقق معه في قضيته، وليس بغفيرٍ مثله ذو حقوق وواجبات، فأجابه:

_كنت وعران والمرض ماسكني، وما في شغل هني إلا والعمدة بيعرفه، وخرچ روحك منها!

تدخّل أحد زملائه في الحوار، وسأله بعتابٍ:

_هدي روحك علينا شوي يا رمزي، ليش كل ما حد يهدر معك بكلمة ترد عليه بهالخشونة؟

صَوّبَ "رمزي" نحو الغفر نظراتٍ قاسية أوحت بهيبةٍ صامتة، ثم حدثهم بحديثٍ مُوجه للجميع:

_ما حد يسألني مرة ثانية، اللي له الحق يسألني بس اللي مشغلني ومشغلكم، إنتوا هني زيكم زيي، لا تزودوا شي ولا تنقصوا شي!

وتابع بنبرةٍ أشدّ خفوت:

_أنا رايح أشوف شغلي الحين.

انصرف رمزي إلى البوابة الخلفية النائية عن الأنظار، ظل ماكثًا لدقائق قليلةٍ حتى تأكَّد أن الجميع منشغلون في حراسة البوابة الأمامية، فقفز بسلاحه فوق جزع الشجرة الصَلد، وعبرّ الأنبوب الضيق المنكثب بالغبار من جديد، كان يتمدد فيه وكأنه أفعى تلتوي في ممرٍ محصور، حتى خرج منه بأنفاسٍ متقطعة، وقفز على الأرض بلا ارتدادٍ كاشفٍ للارتطام.

ظل يعافر بين المياه التي ازداد منسوبها إذ ابتل جلبابه حتى اعتلت ركبتيه، وبعد دقائق وصل إلى بهو مفترق الطرق؛ الأبواب التي دخلها من قبل لن يستطع العبور منها من جديد، وكأنه في كل مرة يعيش مغامرةً جديدة.

البوابة الجديدة، ذات شكل قلب، لربما تشير إلى الحُب، ما أقصاه إليها مباشرةً بلا تفكير، لكنها لم تُفتح بهذه السهولة، إذ كان لديهم طلباتٌ خاصة إن اجتازها لمرّ بنجاح. فرفع رمزي جلبابه إلى ما بعد خصره واستخرج كتابه الذي حصره بين ثنايا ملابسه، وأنزل جلبابه من جديد، وقبض على كتابه بإحكام، وتصفح ورقاته، فبدأت الدماء تُكتب على الورقة راغبةً في إيصال فكرٍ معين:

"بدأت رحلتك منذ مُدة، تخطيت العديد ظنًا منك أن القليل قد بات على مرأى منك، لكن ما غامرت به لم يتخط نصف الرحلة، لكن الغرام قذفك لهاويةٍ منحدرة ستأتِ عليك بالسلب، اقطع الورقة الأخيرة من الكتاب بالترتيب واحرقها!"

تصفحت أصابع "رمزي" بين أوراق الكتاب حتى وصل إلى نهايته، إذ بصفحةٍ سودوية كالحياة التي عاشها تمامًا، قطعها ثم أخرج القداحة من جيب جلبابه وحرق الورقة كما أُمر.

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انفتحت البوابة على مصراعيها، وعبَر منها، ليجد كارثة جديدة أوهمته أنه في كابوسٍ مفزع، إذ بِچيهان مكبلةٌ داخل صندوقٍ حديدي، اللاصق المتين يمنع فمها من التفوه، لكنها تنتحب بصوتٍ مكتوم، وتنظر إليه طالبةً الإغاثة، وبينما يخطو بسرعة قبالتها ليفك قيدها، قال بجلبةٍ مدوية:

_چيهان!

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة