الفصل الرابع والعشرون
غابة لا ترحم
لم يكن صوت خطوات الوحش هو الشيء الوحيد الذي يقترب.
كان الضباب نفسه يتحرك.
يتلوى بين الأشجار كأنه كائن حي، يختفي ثم يظهر من جديد، بينما كانت أصوات بعيدة تتردد في أرجاء الغابة.
صرخات مجهولة.
أغصان تتكسر.
وهدير لا يمكن تحديد مصدره.
ومع ذلك، واصل وليد وخالد ومريم السير.
لم يكن أحد منهم يتحدث.
كانوا يعرفون أن أي صوت مرتفع قد يجذب شيئًا لا يريدون مواجهته.
مرّت عشرون دقيقة منذ بداية الاختبار.
وفي مكان آخر، كانت النتائج قد بدأت تتغير بسرعة.
من أصل 31 فريقًا دخلوا الغابة...
تم إقصاء 20 فريقًا.
أما فريق وليد، فقد كان مسؤولًا عن إقصاء خمسة عشر فريقًا من أصلهم.
لم يكن الأمر صدفة.
كانوا يتحركون بسرعة، ويختارون المواجهات بعناية.
لكنهم لم يدركوا بعد أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ.
توقف وليد فجأة.
رفع يده.
- انتظروا.
توقفت مريم وخالد.
حدق وليد بين الأشجار.
كان هناك شيء أبيض يتحرك ببطء بين الضباب.
قالت مريم:
- ماذا ترى؟
لم يجبها.
اقترب الشيء أكثر.
ثم ظهر.
غزال.
كان يقف وسط النباتات، رأسه منخفض، وقرناه الصغيران يلمعان تحت ضوء الشمس الذي بالكاد يخترق الضباب.
اتسعت عينا مريم.
- يا له من غزال لطيف!
ابتسم وليد.
- على الأقل وجدنا شيئًا طبيعيًا هنا.
نظر خالد إلى الغزال دون اهتمام.
- لا تثقوا بأي شيء في هذه الغابة.
اقترب الغزال خطوة.
ثم رفع رأسه.
فتح فمه.
وفجأة...
اندفعت من فمه كرة من اللهب.
تراجع الثلاثة في اللحظة نفسها.
انفجرت النار أمامهم.
صرخ وليد:
- ماذا؟!
حدق في الغزال.
- كيف لغزال أن ينفث النار؟!
قال خالد بهدوء:
- إنها غابة من صنع المديرة.
نظر وليد إلى الغزال الذي بدأ يقترب منهم.
- إذا كانت تريد حيوانًا ينفث النار...
ثم أشار إليه.
- لماذا لم تخلق تنينًا من البداية؟
نظرت مريم إلى وليد بصمت.
- ...
التفت إليها.
- ماذا؟
لم تجب.
اندفع الغزال نحوهم.
رفع خالد يده.
هدأت ملامحه تمامًا.
- الحاسة المعكوسة.
تغيرت نظرة الغزال.
تحرك خالد إلى الجهة اليسرى.
انقض الغزال عليه.
لكن جسد خالد تحرك إلى الجهة اليمنى.
لم يتوقف.
استدار خالد بسرعة.
ثم وجه لكمة مباشرة إلى جانب رأس الغزال.
دوم!
ارتطم جسد الغزال بالأرض.
اختفى فجأة.
لم يبقَ منه سوى دخان أسود تلاشى داخل الضباب.
نظر وليد إليه.
- حتى الحيوانات هنا تختفي؟
قال خالد:
- قلت لك إنها غابة مصطنعة.
لم يرد وليد.
أغمض عينيه.
عاد ذلك الشعور إلى رأسه.
الخيوط.
الاحتمالات.
المستقبلات الصغيرة التي لم تكن موجودة قبل لحظات.
فتح عينيه.
- خيوط الطريق.
ظهرت أمامه عدة احتمالات.
لكن هذه المرة...
لم يكن هناك سوى خيط واحد واضح.
خيط أحمر.
حدق فيه.
- غريب.
قالت مريم:
- ماذا؟
- لا يوجد أي خيط أخضر.
اقترب خالد.
- ماذا يعني هذا؟
ظل وليد يراقب الخيط.
- يعني أن هذا الطريق لا ينتهي بنا إلى نتيجة جيدة.
سكت.
ثم أضاف:
- لكنه يقودنا إلى شيء مهم.
قالت مريم:
- فريق آخر؟
نظر إليها.
- ربما.
ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
- يبدو أننا لم نعد وحدنا.
بعد دقائق من السير، ظهرت ثلاثة ظلال وسط الضباب.
توقف الفريق.
قال خالد:
- فريق آدم.
كان آدم يقف في المقدمة، وبجانبه يحيى وجميل.
كان يحمل البيضة في يده.
رفع آدم رأسه.
ثم ابتسم.
- أيها العامي.
توقف وليد.
- مرحبًا بك.
اقترب آدم قليلًا.
- هل يمكنك الاقتراب قليلًا؟
نظر وليد إليه.
قال آدم:
- الضباب يجعل الرؤية صعبة قليلًا.
لم يجب وليد.
بل تقدم خطوة.
ثم أخرى.
وفجأة...
انطلق.
لكمة مباشرة.
تحرك آدم في اللحظة نفسها.
بووم!
اصطدمت قبضتاهما.
ارتد الاثنان.
تبادل آدم ووليد نظرة سريعة.
قال آدم:
- كما توقعت.
تحرك وليد مرة أخرى.
لكمة من اليمين.
آدم تفاداها.
ركلة من اليسار.
وليد انحنى.
كان الاثنان يقرآن حركات بعضهما بسرعة.
قال آدم في داخله:
"إنه يعرف مساري قبل أن أتحرك..."
ثم تراجع خطوة.
"لكنني أسرع منه قليلًا."
اندفع آدم.
في اللحظة نفسها، ظهر خالد أمامه.
وجه خالد يده.
- الحاسة المعكوسة.
تغير إدراك آدم للحظة.
لكن قبل أن يتأثر بالكامل...
ظهر جميل.
رفع يده.
- انعكاس الضوء.
انفجر ضوء قوي بينهما.
تراجع خالد.
أغمض عينيه.
قال:
- الضوء...
فتح عينيه.
- إذًا أنت.
تحركت مريم.
- العين الثالثة.
تغيرت نظرتها.
لم تعد ترى أجسادهم فقط.
رأت مسارات الحركة.
النوايا.
الثغرات.
واللحظة التي سيهاجم فيها كل واحد منهم.
قال يحيى:
- لن أدعك تفعلين شيئًا.
مد يده.
- الريح الباردة.
اندفعت موجة هواء باردة نحو مريم.
وفي اللحظة نفسها، تحرك وليد.
- الدائرة العشوائية.
بدأت الاحتمالات تتشابك حول جسده.
انحنى.
مرت الرياح بجانبه.
ثم اندفع نحو آدم.
لكن آدم رفع يده.
- المرآة المستنسخة.
ظهر أمامه انعكاس يشبهه تمامًا.
توقف وليد للحظة.
قال:
- نسخة؟
ابتسم آدم.
- بل أكثر من ذلك.
كانت المواجهة قد بدأت تتحول إلى شيء آخر.
لم يعد الأمر اختبارًا لحماية بيضة.
بل اختبارًا لقدرات أربعة مسخرين أسطوريين.
وكل واحد منهم كان يريد أن يثبت شيئًا.
قال آدم:
- لنرى أي واحد منا سيبقى حتى النهاية.
ظهرت نسخة ثانية خلفه.
تغيرت ملامح وليد.
- اثنان؟
قال آدم:
- يمكنني استنساخ قدرة واحدة في كل مرة.
تقدمت النسختان.
لكن وليد لم يتراجع.
كان يرى الخيوط.
أخضر.
أحمر.
أصفر.
ومسارات لا تنتهي.
قال وليد في نفسه:
"هناك طريقة..."
ثم أغلق عينيه.
"لكنها خطيرة."
فتحت عيناه.
- الاحتمال الوحيد.
تحرك.
اندفعت النسخة الأولى نحوه.
انحنى.
مرت الضربة فوق رأسه.
استدار.
لكمة في البطن.
كراك!
تشقق جسد النسخة كما لو كان مصنوعًا من زجاج.
لكنها لم تختفِ.
بل تراجعت.
ثم بدأت التشققات بالالتئام.
نظر وليد إليها بدهشة.
- إنها تعيد تشكيل نفسها؟
ابتسم آدم.
- المرآة لا تنكسر بسهولة.
في اللحظة نفسها...
صدر صوت رفرفة فوقهم.
رفع الجميع رؤوسهم.
خفافيش.
عشرات الخفافيش خرجت من الضباب.
صرخت مريم:
- ماذا الآن؟!
انقضت الخفافيش.
تحرك آدم بسرعة.
جمع يده.
ظهرت أمامه مجموعة من الألواح الزجاجية.
ارتطمت الخفافيش بها وتحطمت.
أما وليد...
فلم يقاتلها.
كان يتحرك بين الهجمات.
خطوة.
انحناء.
دوران.
ثم خطوة أخرى.
كان يعرف أين ستصل كل ضربة قبل أن تحدث.
لكن فجأة...
ضربة أصابته في كتفه.
بووم!
تراجع مترين.
قطرات من الدم سقطت على الأرض.
رفع وليد رأسه.
كان آدم الأصلي يبتسم.
- يبدو أن احتمالاتك ليست كاملة.
مسح وليد الدم عن كتفه.
ثم ابتسم.
- لم أقل إنها كاملة.
رفع يده.
- دائرة العشوائية.
بدأت المساحة المحيطة به تتغير.
لم تعد الحركات تسير وفق المنطق المعتاد.
حتى الخفافيش بدأت تصطدم ببعضها.
تراجعت نسختا آدم.
حدق آدم في وليد.
- ماذا فعلت؟
أجاب وليد:
- غيرت القاعدة.
سكت آدم.
ثم نظر إلى نسخته المتشققة.
فجأة...
انفجرت النسخة.
تناثرت شظايا زجاجية في كل اتجاه.
لكن وليد كان قد تحرك قبل الانفجار بلحظة.
استدار.
وجد آدم أمامه.
انطلق وليد نحوه.
حاولت النسخة الثانية اعتراضه.
لكن جسد وليد انحرف بطريقة غريبة.
مر من جانبها.
وكأنه لم يكن موجودًا في المكان الذي توقعته.
اتسعت عينا آدم.
- مستحيل...
وصل وليد أمامه.
قال بهدوء:
- الاحتمال الوحيد...
ثم قبض يده.
- هو الشيء الذي لا تستطيع نسخه.
دوووم!
انطلقت اللكمة مباشرة إلى صدر آدم.
طار جسده للخلف.
اصطدم بالأرض.
وتدحرج عدة أمتار.
وفي اللحظة نفسها...
سقطت البيضة من يده.
تشققت.
ساد الصمت.
نظر الجميع إليها.
ثم رفع آدم رأسه.
كان يلهث.
ابتسم.
- أحسنت.
نظر وليد إليه باستغراب.
- ماذا؟
قال آدم:
- لكن لا تفرح كثيرًا.
رفع عينيه.
- لأن الاختبار لم ينتهِ بعد.
أيمن صلاح الدين