الفصل الثاني عشر: أول خطوة نحو القوة
أشرقت شمس الصباح على أبراج أكاديمية التسخير، بينما بدأت أصوات الطلاب تملأ الممرات الحجرية بعد انتهاء فترة الإفطار.
كان اليوم مختلفًا.
فاليوم ستبدأ أولى الحصص العملية الخاصة باستخدام الفيـج.
خرج وليد من المهجع وهو يتمطى، ثم أخذ ينظر إلى الورقة الصغيرة التي سُلِّمت له في الليلة الماضية.
قرأها مرة أخرى، ثم حك رأسه بحيرة.
"يا إلهي..."
اقترب منه خالد وهو يحمل حقيبته.
"ما الأمر؟"
ناول وليد الورقة إليه.
قرأها خالد سريعًا، ثم انفجر ضاحكًا.
"لقد نسيت أنك تدرس في مهجعين."
تنهد وليد.
"هذه هي المشكلة."
نظر إلى الممرين الممتدين أمامه.
أحدهما يؤدي إلى قاعات مهجع العهد...
والآخر إلى قاعات مهجع السيادة.
قال وهو يشير إليهما:
"كيف بحق السماء سأعرف إلى أي حصة أذهب؟"
ابتسم خالد بخبث.
"أغمض عينيك..."
"واختر عشوائيًا."
نظر إليه وليد باستياء.
"هذه نصيحتك؟"
رفع خالد كتفيه.
"إنها طريقة فعالة."
وقبل أن يرد وليد، وصلت مريم بخطوات هادئة.
كانت تحمل عدة كتب بين ذراعيها.
توقفت أمامهما وقالت:
"ما سبب هذا الضجيج منذ الصباح؟"
أشار خالد إلى وليد.
"يحتار بين الفصلين."
نظرت مريم إلى الورقة، ثم أعادتها إليه.
"ولماذا لا تستخدم قدرتك؟"
رمش وليد عدة مرات.
"قدرتي؟"
قالت بثقة:
"قدرتك هي الاحتمالات."
"فلتدعها ترشدك."
ظل وليد صامتًا.
ثم قال:
"فكرة جميلة..."
"لكن هناك مشكلة صغيرة."
"لا أعرف كيف أستخدمها أصلًا."
ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة، ثم أشارت إلى صدره.
"أغلق عينيك."
نفذ ما قالت.
قالت بهدوء:
"تنفس ببطء."
"لا تحاول البحث عن القوة بعقلك..."
"بل اشعر بها."
"الفيـج يسكن بالقرب من قلبك."
بدأ وليد يهدأ شيئًا فشيئًا.
كان يسمع دقات قلبه بوضوح.
نبضة...
ثم أخرى...
ثم شعر بدفء لطيف ينتشر في صدره.
قالت مريم:
"هذا هو."
"مد يدك نحوه."
عبس وليد.
"كيف أمد يدي إلى شيء داخل جسدي؟"
تنهد خالد.
"لا تفسد اللحظة."
ضحكت مريم لأول مرة منذ مدة.
ثم قالت:
"تخيل فقط أنك تلمس ذلك الدفء."
أخذ وليد نفسًا عميقًا.
وفي اللحظة التالية...
شعر وكأن شيئًا استجاب له.
بدأت طاقة خافتة تتحرك من قلبه إلى ذراعه، ثم إلى أطراف أصابعه.
فتح عينيه بدهشة.
كانت خيوط رفيعة من الضوء تمتد أمامه.
خيط يتجه نحو اليمين...
وآخر نحو اليسار.
قال بدهشة:
"إنها... ظهرت."
اقترب خالد قليلًا.
"ماذا ترى؟"
أجاب وليد وهو يحدق أمامه:
"خيطين."
"أحدهما أحمر..."
"والآخر أخضر."
سألته مريم:
"إلى أين يقود الأخضر؟"
تتبع وليد الخيط بعينيه.
ثم قال:
"إلى قاعات السيادة."
"أما الأحمر..."
"فيتجه نحو العهد."
ابتسمت مريم.
"إذن الجواب واضح."
نظر إليها وليد باستغراب.
"كيف عرفتِ؟"
قالت وهي تدير ظهرها استعدادًا للمغادرة:
"الإدراك."
"أنا لا أرى الاحتمالات كما تراها أنت..."
"لكنني أدرك أيها أقرب إلى الخيار الصحيح."
وقف وليد مبهورًا.
"قدرتك مرعبة فعلًا."
ابتسم خالد.
"لقد قلت ذلك منذ البداية."
نظر وليد إلى الخيط الأخضر مرة أخرى.
ثم بدأ يسير خلفه.
ومع كل خطوة...
كان الخيط يزداد وضوحًا، حتى أوصله إلى مبنى ضخم يحمل شعار مهجع السيادة.
توقف أمام الباب الكبير.
واختفى الخيط فجأة.
ابتسم.
"إذن..."
"لقد نجحت."
استدار نحو صديقيه.
"سنلتقي في المقصف بعد انتهاء الحصص."
قال خالد:
"حاول ألا تسبب مشكلة."
ابتسم وليد بثقة.
"أنا؟"
ثم أضاف ضاحكًا:
"المشاكل هي التي تبحث عني."
هزت مريم رأسها وهي تبتعد.
"وهذا ما يقلقني."
ضحك الثلاثة، ثم افترق كل منهم في طريقه.
أخذ وليد نفسًا عميقًا.
ثم دفع باب القاعة ببطء...
غير مدرك أن أول درس له سيجمعه مجددًا بالشخص الذي لا يرغب في لقائه...
طارق آل ريام.
توقف وليد لحظة أمام باب قاعة مهجع السيادة.
كان الباب الخشبي الضخم مزينًا بنقوش قديمة تمثل أشجارًا تمتد جذورها عميقًا في الأرض، بينما تعانق أغصانها السماء. وفي وسط الباب نُقش شعار المهجع، تحيط به دائرة فضية تعكس ضوء الصباح.
دفع الباب بهدوء.
اتسعت عيناه.
كانت القاعة أوسع مما توقع؛ مقاعدها مرتبة على شكل نصف دائرة حول منصة مرتفعة، والجدران مغطاة برفوف تضم مخطوطات وخرائط قديمة، بينما تتدلى من السقف مصابيح بلورية تبعث ضوءًا دافئًا.
كان معظم الطلاب قد وصلوا بالفعل.
اختار وليد مقعدًا في الصف الأوسط، لكنه ما إن جلس حتى شعر بأن أحدًا يراقبه.
رفع رأسه.
تجمد في مكانه.
وقف أمام المنصة شاب طويل القامة، شعره الأسود ينسدل حتى عنقه، وعيناه تحملان النظرة الباردة نفسها التي رآها قبل أسابيع.
ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة.
"صباح الخير... يا وليد."
اتسعت عينا وليد.
"طارق!"
اقترب منه بخطوات هادئة.
"لم أتوقع أن أراك هنا."
قال وليد باستغراب:
"بل أنا من يجب أن يقول ذلك."
"أنت طالب في السنة الثالثة... أليس كذلك؟"
ابتسم طارق.
"صحيح."
"إذن... ماذا تفعل هنا؟"
وقبل أن يجيب، فُتح باب القاعة بقوة.
دخل رجل في منتصف العمر، يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وتعلقت عند خصره ساعة جيب فضية.
توقف الجميع احترامًا.
قال الرجل بصوت هادئ:
"اجلسوا."
جلس الطلاب.
ثم نظر إلى طارق.
"شكرًا لقدومك."
أومأ طارق.
أما وليد فازداد فضوله.
قال الأستاذ:
"اسمي عادل."
"وسأتولى تدريبكم خلال هذا الفصل."
ثم أشار إلى طارق.
"أما ضيفنا اليوم..."
"فهو طارق آل ريام."
ساد همس بين الطلاب.
ابتسم طارق بثقة.
"أظن أن معظمكم يعرف اسمي."
"لكن لا بأس."
"أنا أول طالب في الأكاديمية منذ خمسة عشر عامًا يحصل على فيـج أسطوري."
نظر الطلاب إليه بإعجاب.
حتى وليد لم يستطع إخفاء دهشته.
أكمل الأستاذ عادل:
"استدعيت طارق لأنه أفضل من يستطيع أن يريكم كيف تبدو القوة حين يفهم صاحبها جزءًا من حقيقتها."
ابتسم طارق.
"لن أطيل عليكم."
رفع يده اليمنى ببطء.
وأغلق عينه اليسرى.
في اللحظة التالية...
تبدلت ألوان القاعة.
اختفى الضوء.
واختفى السقف.
وشعر الجميع وكأن الأرض سُحبت من تحت أقدامهم.
صرخ أحد الطلاب.
لكن الصرخة ذابت في فضاء لا نهاية له.
وجد وليد نفسه واقفًا وسط عالم غريب.
سماء بنفسجية...
وأرض من الضباب...
وأبواب لا تحصى، تطفو في الهواء.
بعضها مفتوح...
وبعضها مغلق بإحكام.
تردد صدى صوت طارق في كل مكان.
"مرحبًا بكم..."
"في أرض الأحلام."
نظر وليد حوله بانبهار.
كل باب كان يعكس مشهدًا مختلفًا.
طفل يركض خلف والده.
جندي يحتضن سيفه.
امرأة تبكي.
رجل يضحك.
أحلام...
ومخاوف...
ورغبات...
وذكريات.
قال طارق:
"كل حلم حلم به إنسان..."
"يترك أثرًا في هذا العالم."
"وكل خوف..."
"وكل ندم..."
"له مكان هنا."
مد يده نحو أحد الأبواب.
فتح الباب.
ظهر بحر لا نهاية له.
ثم أغلقه.
واختفى البحر فورًا.
قال:
"داخل هذا العالم..."
"أستطيع الوصول إلى آثار الأحلام البشرية."
شعر وليد بقشعريرة تسري في جسده.
"هذه القوة..."
"مرعبة."
بعد لحظات، أعاد طارق فتح عينه.
فانهار العالم.
وعاد الجميع إلى القاعة.
ساد الصمت.
كان بعض الطلاب يلهثون من شدة التأثر.
ابتسم الأستاذ عادل.
"كما رأيتم..."
"هذه هي قدرة أرض الأحلام."
رفع أحد الطلاب يده.
"هل يمكن أن نموت هناك؟"
أجاب طارق بهدوء:
"لا."
"لا أحد يموت داخل أرض الأحلام."
"لكن..."
نظر إليهم جميعًا.
"الألم النفسي حقيقي."
"ومن يفقد وعيه هناك..."
"ينهار جسده في الواقع."
ثم أضاف:
"كل دقيقة تقضونها داخلها..."
"تعادل ثانية واحدة فقط في العالم الحقيقي."
ساد الصمت.
ثم قال وليد:
"وهل لهذه القدرة ثمن؟"
ابتسم طارق.
"لكل قوة ثمن."
اقترب من النافذة.
ثم قال بصوت هادئ:
"في كل مرة أستخدم فيها أرض الأحلام..."
"أفقد ذكرى جميلة من حياتي."
اتسعت أعين الطلاب.
أكمل:
"وكلما بالغت في استخدامها..."
"أصبحت عاجزًا عن النوم."
ثم استدار ببطء.
"أما إن نسيت اسمي الحقيقي داخل أرض الأحلام..."
توقف للحظة.
"...فسيموت دماغي."
ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
لم يجرؤ أحد على الكلام.
همس وليد:
"كل هذا..."
"من أجل تلك القوة؟"
ابتسم طارق.
"القوة دائمًا تطلب ثمنًا."
رفع الأستاذ عادل رأسه وقال:
"لهذا السبب..."
"ليس الأقوى هو من يملك أعظم قدرة."
"بل من يفهمها أكثر."
ثم تابع:
"في مملكتنا اليوم..."
"لا يوجد سوى ثلاثة أشخاص بلغوا مرحلة فهم الحالة."
بدأ الطلاب ينصتون باهتمام.
"المدير محمد زهرمان."
"والأستاذة فاطمة."
"ورئيس المجلس وائل زهرمان."
قال طارق:
"يظن الناس أن الأمر يتعلق بالقوة."
هز رأسه نافيًا.
"لكنه في الحقيقة يتعلق بالمشاعر."
نظر إلى صدره.
"قد تستطيع الكذب على البشر."
"لكن..."
ثم وضع يده فوق قلبه.
"لن تستطيع الكذب على الفيـج الذي يعيش بداخلك."
شعر وليد بأن تلك الكلمات علقت في ذهنه.
"لن تستطيع الكذب على الفيـج..."
كانت جملة بسيطة...
لكنها بدت أعمق من أي درس سمعه منذ دخوله الأكاديمية.
انتهت الحصة، وبدأ الطلاب يغادرون القاعة وهم يتناقشون بحماس حول ما شاهدوه.
لكن قبل أن يخرج وليد...
سمع صوت الأستاذ عادل يناديه.
"وليد..."
التفت إليه.
"ابقَ قليلًا."
توقف وليد في مكانه، بينما غادر بقية الطلاب القاعة، غير مدرك أن الأستاذ يخطط لاختبار قدرته لأول مرة.
يتبع...
أيمن صلاح الدين