الفصل الثالث عشر: انحراف الاحتمال
غادر آخر طالب القاعة، وأُغلق الباب الخشبي خلفه بهدوء.
ساد الصمت.
وقف وليد في منتصف القاعة ينظر إلى الأستاذ عادل، الذي كان يقلب قطعة نقدية فضية بين أصابعه بخفة، وكأنه يفعل ذلك منذ سنوات طويلة.
اقترب وليد بخطوات مترددة.
"أردت رؤيتي يا أستاذ؟"
رفع عادل نظره إليه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
"اجلس."
جلس وليد على أحد المقاعد الخشبية، بينما بقي عادل واقفًا أمام النافذة، يتأمل الأشجار التي تحيط بالأكاديمية.
بعد لحظات من الصمت، قال:
"أخبرني يا وليد... ماذا فهمت من قدرتك؟"
فكر وليد قليلًا.
"أستطيع رؤية الاحتمال الصحيح."
أومأ عادل.
"وماذا أيضًا؟"
تردد وليد.
"لا أعرف."
التفت إليه الأستاذ.
"وهذا سبب بقائك."
أخرج قطعة النقد من جيبه، ثم رفعها أمام وليد.
كانت قطعة فضية بسيطة، لا تحمل أي نقوش مميزة.
قال عادل:
"ما احتمال أن يظهر الوجه إذا رميتها؟"
ابتسم وليد.
"خمسون بالمئة."
"أحسنت."
لوّح الأستاذ بالقطعة في الهواء، لكنها لم تسقط.
أعاد الإمساك بها.
"لا أريد منك أن تخمن."
نظر إليه وليد باستغراب.
"إذن ماذا تريد؟"
ابتسم عادل.
"أريدك أن تستخدم قدرتك."
ارتفع حاجبا وليد.
"الآن؟"
"الآن."
أخذ وليد نفسًا عميقًا.
وأغمض عينيه.
تذكر كلمات مريم.
"ركز على قلبك..."
"هناك يسكن الفيـج..."
بدأ يشعر بذلك الدفء المألوف ينتشر في صدره.
ثم امتد عبر ذراعه إلى أطراف أصابعه.
فتح عينيه.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر فوق قطعة النقد خيطان رفيعان.
أحدهما أحمر.
والآخر أخضر.
اتسعت عيناه.
قال عادل بهدوء:
"ماذا ترى؟"
أجاب وليد دون أن يبعد نظره عن القطعة.
"الخيط الأخضر..."
"يشير إلى الوجه."
ابتسم الأستاذ.
"إذن قل إجابتك."
قال وليد بثقة:
"الوجه."
ابتسم عادل، ثم قذف القطعة إلى الأعلى.
دارت عدة مرات في الهواء.
وسقطت فوق الطاولة.
وجه.
ساد الصمت.
نظر وليد إلى القطعة، ثم إلى الأستاذ.
ابتسم بحماس.
"نجحت!"
أومأ عادل.
"كما توقعت."
لكن ابتسامته اختفت سريعًا.
أعاد التقاط القطعة.
وقال:
"الآن..."
"سنبدأ الدرس الحقيقي."
عقد وليد حاجبيه.
"أليس هذا هو الدرس؟"
هز الأستاذ رأسه.
"ما فعلته قبل قليل..."
"ليس استخدامًا لقدرتك."
"بل قراءة لها."
لم يفهم وليد.
لاحظ الأستاذ حيرته فقال:
"قدرتك ليست رؤية الاحتمالات فقط."
"بل التأثير فيها."
شعر وليد بأن قلبه خفق بقوة.
"التأثير...؟"
أومأ الأستاذ.
"هذه القطعة الآن..."
رفعها أمام عينيه.
"احتمال الوجه خمسون بالمئة."
"واحتمال الكتابة خمسون بالمئة."
ثم نظر مباشرة إلى وليد.
"أريدك..."
"أن تجعل احتمال الوجه واحدًا وخمسين بالمئة."
ظل وليد صامتًا.
"واحدًا وخمسين فقط؟"
"نعم."
ضحك بخفة.
"هذا يبدو سهلًا."
ابتسم الأستاذ ابتسامة غامضة.
"جرب."
مد وليد يده نحو القطعة.
وأغمض عينيه.
شعر بالطاقة تتحرك داخل جسده.
ثم ركز نظره على الخيط الأخضر.
حاول أن يجعله أكثر لمعانًا.
لكن...
لم يحدث شيء.
فتح عينيه.
"لم ينجح."
قال الأستاذ بهدوء:
"مرة أخرى."
كرر المحاولة.
ثم الثالثة.
ثم الرابعة.
لكن الخيط بقي كما هو.
بدأ العرق يتجمع على جبين وليد.
قال بضيق:
"لا أفهم."
اقترب الأستاذ منه.
"أنت تنظر إلى الاحتمال..."
"ولا تلمسه."
أشار إلى صدر وليد.
"لا تطلب من قدرتك أن ترى."
"اطلب منها أن تدفع."
عقد وليد حاجبيه.
"أدفع...؟"
أغلق عينيه مجددًا.
هذه المرة...
لم يحاول رؤية الخيط.
بل تخيل أنه يدفعه إلى الأمام.
ببطء...
بدأ الخيط الأخضر يزداد إشراقًا.
بينما خفت لون الأحمر قليلًا.
فتح عينيه بدهشة.
"لقد..."
قاطعه الأستاذ.
"لا تتوقف."
ركز أكثر.
شعر وكأن شيئًا يُسحب من جسده.
ازدادت حرارة صدره.
وأصبح تنفسه أثقل.
لكن الخيط الأخضر ازداد لمعانًا فعلًا.
ابتسم الأستاذ.
"يكفي."
رفع قطعة النقد.
ثم رماها في الهواء.
دار المعدن عدة مرات.
وسقط.
وجه.
ابتسم وليد بسعادة.
"نجحت!"
لكن فرحته لم تدم.
فجأة...
شعر بوخزة حادة داخل رأسه.
ثم سالت قطرة دافئة من أنفه.
مد يده بسرعة.
نظر إليها.
كانت مغطاة بالدم.
"دم...؟"
وقبل أن يستوعب ما يحدث، شعر بدوار شديد.
فاستند إلى الطاولة حتى لا يسقط.
قال عادل بهدوء، وكأنه كان يتوقع ذلك:
"هذا هو ثمن القوة."
رفع وليد رأسه بصعوبة.
"لكنني..."
"لم أغير سوى واحد بالمئة."
اقترب الأستاذ، ثم ناوله منديلًا.
"بالضبط."
"واحد بالمئة فقط..."
ثم نظر إليه نظرة جادة.
"واستنزفت هذا القدر من طاقتك."
ساد الصمت.
ثم أردف:
"تخيل لو حاولت تغيير احتمال معركة كاملة."
شعر وليد بقشعريرة.
لأول مرة...
أدرك أن قدرته ليست بلا حدود.
بل ربما تكون من أكثر القدرات استهلاكًا لصاحبها.
نظر عادل إلى القطعة النقدية مرة أخرى وقال:
"الاحتمالات لا تعارض الواقع..."
"إنها تقنعه أن يميل قليلًا."
ثم ابتسم.
"وهذا الميل الصغير..."
"قد يغير العالم بأكمله."
ظل وليد صامتًا للحظات وهو يمسح الدم عن أنفه.
كان يشعر بالإرهاق، لكنه شعر أيضًا بحماس لم يعرفه من قبل. للمرة الأولى أدرك أن قدرة الاحتمالات ليست مجرد وسيلة لمعرفة النتيجة الصحيحة، بل قوة قادرة على تغيير الواقع نفسه... ولو بنسبة ضئيلة.
نظر إليه الأستاذ عادل وقال:
"لا تحبط."
رفع وليد رأسه.
"كل مستخدم فيـج يمر بهذه المرحلة."
"في البداية يظن أن قوته مطلقة، ثم يكتشف أنها تقيده أكثر مما تمنحه."
سأل وليد باهتمام:
"وهل سأتمكن يومًا من تغيير الاحتمالات بحرية؟"
ابتسم الأستاذ ابتسامة خفيفة.
"ستتمكن... لكن ليس اليوم."
ثم أكمل:
"كلما ازدادت خبرتك، واتسعت كمية الطاقة التي يستطيع الفيـج ضخها داخل جسدك، استطعت تغيير احتمالات أكبر."
رفع قطعة النقد مرة أخرى.
"تغيير نتيجة رمية قطعة نقدية..."
"ليس كتغيير نتيجة معركة."
أومأ وليد.
تابع الأستاذ:
"في القتال ستواجه عشرات المتغيرات."
"عدد الخصوم."
"سرعتهم."
"إصاباتك."
"حالة الطقس."
"مستوى الإرهاق."
"كل هذه تدخل ضمن الاحتمالات."
تنهد ثم قال:
"ولهذا فإن رفع احتمال واحد فقط قد يستهلك من الطاقة أكثر مما تتخيل."
ابتلع وليد ريقه.
"إذن... المهام الخارجية ليست فقط لاكتساب النقاط."
"بالضبط."
"إنها المكان الذي تتطور فيه القدرات."
"المعارك الحقيقية وحدها تجعل الفيـج ينضج مع صاحبه."
ثم أشار نحو الباب.
"يمكنك الذهاب."
توقف وليد قبل أن يغادر.
"شكرًا... يا أستاذ."
لوح عادل بيده دون أن يلتفت.
"لا تشكرني الآن."
"اشكرني عندما تبقى حيًا."
ابتسم وليد بخفة، ثم خرج من القاعة.
كانت ممرات الأكاديمية هادئة في ذلك الوقت.
كان معظم الطلاب قد غادروا إلى مهاجعهم أو إلى المقصف.
أما وليد...
فكان غارقًا في التفكير.
"أستطيع رؤية الاحتمال..."
"وأستطيع تغييره..."
"لكن... إلى أي حد؟"
نظر إلى يده.
ثم ابتسم فجأة.
"انتظر..."
توقف في منتصف الممر.
"إذا كنت أستطيع تغيير الاحتمالات..."
"فهل أستطيع زيادة احتمال أن أصبح أكثر ذكاءً؟"
ضحك وحده.
"لنجرّب."
أغمض عينيه.
ووضع يده فوق صدره.
بدأ يستدعي طاقة الفيـج.
وبعد لحظات...
ظهرت الخيوط.
لكن...
اتسعت عيناه بدهشة.
لم يكن هناك خيط أخضر واحد.
بل كانت جميع الخيوط...
حمراء.
صمت للحظة.
ثم حك رأسه.
"هاه؟"
"لماذا كلها حمراء؟"
ظل يحدق فيها، ثم قال بحزن مصطنع:
"هل يعني هذا..."
"أن احتمال أن أصبح ذكيًا يساوي صفرًا؟"
في تلك اللحظة...
سمع صوتًا مألوفًا خلفه.
"من الجيد أنك اكتشفت ذلك بنفسك."
تجمد وليد.
استدار ببطء.
كانت مريم تقف واضعةً ذراعيها أمام صدرها، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة.
تنهد وليد.
"أنتِ مجددًا."
قالت بابتسامة خفيفة:
"يبدو أنك أخيرًا أدركت حدودك."
ابتسم وليد بثقة مصطنعة.
"على الأقل أنا لا أحتاج إلى قدرة الإدراك لأعرف أنني أفضل منك."
اختفت الابتسامة من وجه مريم.
ارتفع حاجبها.
"ماذا قلت؟"
ابتعد وليد خطوة للخلف.
"قلت الحقيقة."
تقدمت نحوه.
"أتريد القتال؟"
رفع يديه بسرعة.
"لا... لكن لن أخسر أيضًا."
وقبل أن يشتعل الشجار...
ظهر خالد بينهما.
تنهد بعمق.
"مرة أخرى؟"
نظر إلى وليد.
"ألا تستطيع قضاء يوم واحد دون استفزازها؟"
أجاب وليد:
"هي التي بدأت."
ردت مريم فورًا:
"بل هو."
أغلق خالد عينيه لثوانٍ.
"أشعر أنني سأشيخ مبكرًا بسببكما."
ضحك وليد.
أما مريم فحاولت كتم ابتسامتها، لكنها سرعان ما استعادت ملامحها الجادة.
سأل خالد:
"كيف كانت حصتك في مهجع السيادة؟"
أجاب وليد بحماس:
"تعلمت شيئًا مهمًا جدًا."
ثم بدأ يشرح لهما ما حدث مع الأستاذ عادل.
أخبرهما عن قطعة النقد.
وعن رؤية الخيط الأخضر.
ثم عن محاولة تغيير الاحتمال من خمسين إلى واحد وخمسين بالمئة.
وأخيرًا...
عن نزيف أنفه.
استمعت مريم باهتمام.
ثم قالت:
"هذا طبيعي."
نظر إليها وليد باستغراب.
"طبيعي؟"
"كل قدرة لها ثمن."
"وقدرتك من الواضح أنها تستهلك كمية هائلة من الطاقة."
هز خالد رأسه موافقًا.
ثم سأل:
"وهل أخبرك الأستاذ بشيء آخر؟"
ابتسم وليد.
"نعم."
"التقيت بطارق أيضًا."
توقفت مريم فجأة.
"أخي؟"
"نعم."
"وقد شرح لنا أرض الأحلام..."
"...وتحدث عن فهم الحالة."
ساد الصمت.
بدت الدهشة واضحة على وجه مريم.
"مستحيل."
"ما الذي يستحيل؟"
قالت وهي ما تزال تنظر إلى الأرض:
"ليس من طباع أخي أن يشرح شيئًا لأحد."
ابتسم وليد.
"ربما كان في مزاج جيد."
أجابت بسرعة:
"أخي لا يعرف معنى المزاج الجيد."
ضحك خالد.
"معك حق."
بدأ الثلاثة يسيرون معًا في الممر المؤدي إلى المقصف.
كان الصمت يرافقهم هذه المرة.
لكن عقل وليد لم يتوقف عن التفكير.
"أستطيع رؤية الاحتمالات..."
"وأستطيع تغييرها..."
"لكن إن كان تغيير واحد بالمئة فقط يرهقني..."
"فكم سأحتاج لأغيّر احتمال انتصاري على خصم أقوى مني؟"
شعر بثقل السؤال.
لكنه في الوقت نفسه...
ابتسم.
لأن طريق القوة الحقيقي قد بدأ أخيرًا.
أيمن صلاح الدين