أعجوبة العصر

أعجوبة العصر

2 0

الفصل الثاني و العشرون: أعجوبة العصر

ساد الهدوء في المقصف بعد انتهاء إعلان الأستاذة فاطمة عن اختبار الفرق.

لم يعد صوت الملاعق أو أحاديث الطلاب يُسمع كما كان قبل دقائق، فقد انشغل الجميع بالتفكير في الاختبار القادم.

كان قانون الخمس دقائق وحده كافيًا ليشغل عقولهم.

كيف يمكن لفريق أن يحمي بيضة، بينما يُجبر على تبديل حاملها باستمرار؟

نهض الطلاب واحدًا تلو الآخر، وبدأت القاعة تفرغ تدريجيًا.

تنهد وليد وهو يضع يديه خلف رأسه.

"يبدو أن الأمر سيكون مزعجًا..."

قال خالد وهو يسير إلى جانبه:

"بل ممتعًا."

أجابته مريم وهي تعقد ذراعيها:

"سيكون مزعجًا وممتعًا في الوقت نفسه."

نظر إليها وليد مبتسمًا.

"ها أنتِ أخيرًا قلتِ شيئًا أعجبني."

رمقته بنظرة باردة.

"لا تفسر كلامي كما يحلو لك."

إبستسم وليد.

تنهد خالد وهو يسير بينهما.

"هل يمكن أن يمر يوم واحد دون أن تتشاجرا؟"

نظر إليه الاثنان في اللحظة نفسها.

"لا."

قالاها معًا.

ساد الصمت لثانية...

ثم انفجر وليد ضاحكًا، بينما أدارت مريم وجهها وهي تتمتم بانزعاج.

"هذا الأحمق..."

واصل الثلاثة السير في رواق الأكاديمية الطويل.

كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، لترسم خطوطًا ذهبية على الأرضية الحجرية.

كان الطلاب يعبرون الممرات في كل اتجاه، وكل مجموعة تتحدث عن استراتيجيتها الخاصة في اختبار البيضة.

فجأة...

توقف أحد موظفي الأكاديمية أمام وليد.

"وليد."

رفع رأسه.

"نعم؟"

"المدير يطلب حضورك إلى مكتبه."

اتسعت عينا وليد.

"أنا؟"

أومأ الرجل برأسه.

"حالًا."

نظر خالد إلى وليد باستغراب.

"هل فعلت شيئًا هذه المرة؟"

ابتسم وليد بثقة.

"بالطبع لا."

رفعت مريم حاجبها.

"كلما قلتَ بالطبع لا... أقتنع بالعكس."

لوّح لهما وليد بيده.

"سأعود بعد قليل."

ثم اتجه نحو الطابق العلوي.

كان مكتب المدير يقع في أعلى برج الأكاديمية.

كلما صعد وليد الدرج، ازداد المكان هدوءًا.

اختفت أصوات الطلاب تمامًا، ولم يبق سوى وقع خطواته.

وصل إلى الباب الخشبي الكبير.

تنفس بعمق.

ثم طرق الباب برفق.

"ادخل."

فتح الباب ببطء.

كان المدير محمد زهرمان يجلس خلف مكتبه، وبين يديه مجموعة من الملفات.

رفع رأسه، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.

"تفضل يا وليد."

دخل وليد وأغلق الباب خلفه.

"استدعيتني يا سيدي؟"

أشار المدير إلى المقعد المقابل.

"اجلس."

جلس وليد وهو ينظر حوله.

كانت جدران المكتب مغطاة بالكتب والخرائط القديمة، وفي الزاوية نافذة كبيرة تطل على كامل الأكاديمية.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال المدير:

"كيف تسير تحضيراتك لاختبار الفرق؟"

ابتسم وليد.

"في الحقيقة..."

"أنا لا أفكر إلا في شيء واحد."

رفع المدير حاجبه.

"وما هو؟"

قال وليد وهو يفرك ذقنه:

"لماذا جعلت الأستاذة فاطمة قانون حمل البيضة خمس دقائق فقط؟"

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه المدير.

"أهذا ما يشغل بالك؟"

أومأ وليد.

"نعم."

"أشعر أن لهذا القانون سببًا."

نهض المدير من مقعده، واتجه نحو النافذة.

ظل ينظر إلى ساحة الأكاديمية للحظات.

ثم قال بهدوء:

"لأن هذا... لم يكن القانون الأصلي."

اتسعت عينا وليد.

"ماذا؟"

استدار المدير نحوه.

"قبل عامين..."

"كان يُسمح للطالب بحمل البيضة عشرين دقيقة كاملة."

ساد الصمت.

لم يستطع وليد إخفاء دهشته.

"إذن..."

"لماذا تغير؟"

عاد المدير إلى مقعده.

تشابكت أصابعه فوق المكتب.

ونظر مباشرة إلى وليد.

"لأن شخصًا واحدًا..."

"حطم جميع توقعاتنا."

تسارعت دقات قلب وليد.

شعر أنه يعرف الإجابة قبل أن تُقال.

قال بصوت منخفض:

"...طارق؟"

ابتسم المدير.

"نعم."

انحنى وليد إلى الأمام.

"لقد أخبرني سابقًا عن فهم الحالة."

"ظننت أنه كان ينقل إليّ معلومة يعرفها الجميع."

هز المدير رأسه ببطء.

"أنت مخطئ."

قطب وليد حاجبيه.

"ماذا تقصد؟"

قال المدير:

"صحيح أننا كنا سنشرح لكم مفهوم فهم الحالة في وقت لاحق..."

"لكن طارق..."

توقف لثانية.

ثم أكمل بنبرة هادئة امتزجت بالإعجاب.

"...اكتشفه بنفسه."

ساد الصمت داخل المكتب.

لمعت عينا وليد بدهشة.

"بمفرده...؟"

نظر المدير إلى صورة قديمة موضوعة على أحد الرفوف.

كانت لشاب يقف وحيدًا في ساحة الأكاديمية.

ثم قال بصوت خافت:

"وذلك لم يكن أكثر إنجازاته غرابة..."

توقف الحديث عند هذه الكلمات.

أما وليد...

فشعر أن قصة طارق التي كان يظنها مجرد إشاعات...

كانت أعمق بكثير مما تخيل.

قبل أن يكمل المدير حديثه، خيّم صمت ثقيل على المكتب، وكأن الذكريات التي يستعد لاستحضارها لم تكن عادية حتى بالنسبة له.

ظل وليد ينظر إلى المدير دون أن ينطق بكلمة.

أما المدير، فأخذ الصورة القديمة من فوق الرف، وأدارها نحو النافذة.

كانت الصورة لشاب يقف وحيدًا في ساحة الأكاديمية.

نظراته هادئة...

لكنها خالية من أي ابتسامة.

قال المدير بصوت منخفض:

"كان اسمه يتردد في كل مكان."

"ليس لأنه الأقوى..."

"بل لأنه كان يكسر كل قاعدة نعتقد أنها مستحيلة."

اقترب وليد قليلًا.

"هل تقصد اختبار البيضة؟"

أومأ المدير.

"ذلك الاختبار كان نقطة البداية فقط."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يسترجع الذكرى.

قبل عامين...

كانت الغابة تعج بأصوات الطلاب.

كل فريق يحاول حماية بيضته، بينما يراقب الأساتذة سير الاختبار من بعيد.

في ذلك الوقت...

كان القانون يسمح بحمل البيضة عشرين دقيقة كاملة.

وقف طارق في مقدمة فريقه، ينظر إلى الغابة بصمت.

سأله أحد زملائه:

"ما الخطة؟"

لم يجبه.

أغمض عينيه فقط.

ثم همس بكلمتين.

"أرض الأحلام."

في لحظة واحدة...

اختفى كل شيء.

اختفت الأشجار.

اختفت السماء.

اختفى الضوء.

وعندما فتح جميع الطلاب أعينهم...

وجدوا أنفسهم داخل فضاء أبيض لا نهاية له.

لم تكن هناك أرض واضحة.

ولا جدران.

ولا اتجاهات.

مجرد فراغ أبيض يمتد إلى ما لا نهاية.

بدأ الطلاب يركضون في كل اتجاه.

لكن البياض لم يتغير.

صرخ أحدهم:

"أين نحن؟!"

وقال آخر:

"هل هذه أوهام؟!"

أما طارق...

فكان يقف في مكانه دون أن يتحرك.

ينظر إليهم بصمت.

قال المدير وهو يروي القصة:

"لم يسحب أجسادهم..."

"بل سحب وعيهم إلى عالم صنعته قدرته."

"هناك..."

"لا وجود للمسافات كما نعرفها."

"ولا للاتجاهات."

"ولا حتى للإحساس بالزمن."

نظر وليد بدهشة.

"إذن... كانوا عاجزين عن العودة؟"

ابتسم المدير ابتسامة صغيرة.

"بل كانوا عاجزين حتى عن معرفة أين يذهبون."

عاد المشهد إلى الفلاش باك.

بدأ الذعر ينتشر بين الطلاب.

كلما ركض أحدهم...

عاد إلى النقطة نفسها.

وكلما حاول الصراخ...

ابتلع الفراغ صوته.

مرت دقائق...

لكنها بدت لهم ساعات طويلة.

أما في العالم الحقيقي...

فلم تمضِ سوى أربع دقائق.

وحين انتهت قدرة طارق...

عاد الجميع إلى الغابة.

كانت البيضة لا تزال في يده.

وانتهى الاختبار.

نظر وليد إلى المدير بعد انتهاء القصة.

"أربع دقائق فقط..."

أومأ المدير.

"ومنذ ذلك اليوم..."

"أدركنا أن القانون القديم لم يعد صالحًا."

"لذلك خُفضت مدة حمل البيضة من عشرين دقيقة إلى خمس."

ساد الصمت للحظات.

لكن سؤالًا آخر كان يطارد وليد.

"هل لهذا السبب تسمونه أعجوبة العصر؟"

ابتسم المدير.

"لا."

"هذا السبب جعلنا نحترمه..."

"أما سبب تسميته أعجوبة العصر..."

فتغيرت ملامحه قليلًا.

"فهو أعظم من ذلك."

نهض من مقعده.

واتجه نحو النافذة مرة أخرى.

ثم قال:

"هل تعرف في أي عمر يستطيع الإنسان عادةً التعاقد مع الفيج؟"

أجاب وليد:

"بعد أن تستقر مشاعره."

"في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة تقريبًا."

أومأ المدير.

"صحيح."

"فالطفل في عمرٍ أصغر تكون مشاعره صادقة ومتقلبة بصورة خطيرة."

"ولهذا..."

"إذا حاول احتواء الفيج..."

"فإن جسده لا يتحمل."

خفض صوته.

"ويتوقف قلبه."

شعر وليد بقشعريرة تسري في جسده.

"لكن..."

"طارق..."

التفت المدير إليه.

"روّض الفيج وهو في الحادية عشرة من عمره."

اتسعت عينا وليد.

"مستحيل..."

"لقد كان ينبغي أن يموت."

قال المدير بهدوء:

"هذا ما كنا نعتقده جميعًا."

"لكنه..."

"كسر القاعدة."

ساد الصمت.

كانت الكلمات وحدها كافية لتجعل وليد عاجزًا عن الرد.

ثم أكمل المدير:

"صحيح أنه نجا..."

"لكن الثمن كان قاسيًا."

التفت وليد إليه.

"أي ثمن؟"

تنهد المدير طويلًا.

"أحد الآثار الجانبية لقدرته..."

"أنه يفقد الإحساس بالسعادة المرتبط ببعض ذكرياته."

قطب وليد حاجبيه.

"ماذا يعني ذلك؟"

قال المدير:

"تخيل أن تتذكر أجمل يوم في حياتك..."

"لكن دون أن تشعر بأي فرح."

"ترى الذكرى..."

"وتعرف أنها كانت سعيدة..."

"لكن قلبك لا يتذكر ذلك الشعور."

شعر وليد بثقل في صدره.

واصل المدير:

"ومع مرور السنوات..."

"بدأت معظم ذكرياته تتحول إلى الحزن..."

"أو الغضب..."

"أما السعادة..."

"فلم تعد تدوم داخله إلا لحظات قصيرة."

خفض وليد رأسه.

"هذا..."

"قاسٍ جدًا."

لم يجب المدير.

اكتفى بالنظر إلى السماء من خلف النافذة.

وبعد لحظات من الصمت، رفع وليد رأسه من جديد.

"هناك أمر آخر."

نظر إليه المدير.

"أنا مدين لطارق بطلب."

"هل تعرف ماذا يمكن أن يطلب مني؟"

ابتسم المدير ابتسامة غامضة.

"لا أحد..."

"يعرف ما يدور في عقل طارق."

ثم أضاف وهو يعيد الصورة إلى مكانها:

"لكن لا تقلق."

"إن كان يريد إيذاء شخص..."

"فلن يحتاج إلى أحد لينفذ ذلك."

ساد الصمت داخل المكتب.

شعر وليد أن الغموض الذي يحيط بطارق ازداد بدل أن ينقص.

نهض من مقعده ببطء.

ثم انحنى احترامًا.

"شكرًا لك يا سيدي."

أومأ المدير برأسه.

"استعد لاختبار البيضة."

"ستكتشف قريبًا..."

"أن المعركة ضد الخصوم أسهل أحيانًا من المعركة مع زملائك."

خرج وليد من المكتب.

وأغلق الباب خلفه بهدوء.

كان الرواق خاليًا.

لكن ذهنه كان ممتلئًا بالأسئلة.

من هو طارق حقًا؟

ولماذا اختاره القدر ليكسر القواعد التي عجز عنها الجميع؟

ابتسم وليد ابتسامة خفيفة رغم الحيرة.

"يبدو..."

"أن الطريق ما زال طويلًا."

وفي مكان بعيد داخل الأكاديمية...

كان شاب يقف أمام نافذة مظلمة، يراقب الأفق بصمت.

ارتسمت على وجهه ابتسامة بالكاد تُرى.

وقال بصوت خافت:

"اقترب الوقت..."

نهاية الفصل العشرين - نهاية المجلد الأول.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة