الفصل التاسع : ظلال الماضي
غادر الطلاب القاعة بعد انتهاء محاضرة فاطمة، وبدأت ممرات الأكاديمية تعج بالأحاديث والضحكات.
كان بعضهم يناقش قدراته الجديدة، بينما انشغل آخرون بالتخطيط لأول تدريب سيخوضونه.
أما مريم...
فلم تشارك أحدًا حديثه.
كانت تسير وحدها في أحد الممرات الحجرية المؤدية إلى الحدائق الخلفية، وعيناها معلقتان بالأرض.
لم تكن تسمع الأصوات من حولها.
كل ما كانت تسمعه هو الكلمات التي قالها الطائر العجوز.
"الفرق بين الخوف والخشية..."
"أنتِ لا تنقصين من الآخرين... بل تنقصين من نفسك."
أغمضت عينيها للحظة.
"ما الذي أخشاه...؟"
همست بالكلمات وكأنها تسأل نفسها.
"إن كنت أعرف الجواب، لما بقي الأمر يؤلمني."
توقفت عند نافورة صغيرة تتوسط الحديقة، وانعكس وجهها على سطح الماء.
رأت فتاة تبدو قوية أمام الجميع...
لكنها في الحقيقة كانت تتعب كل يوم من ارتداء ذلك القناع.
تنهدت.
"أنا حقًا متعبة..."
ثم واصلت السير.
لكنها لم تنتبه إلى الشخص القادم من الاتجاه المعاكس.
اصطدمت بكتف صلب، فتراجعت خطوة إلى الخلف.
رفعت رأسها بسرعة وقالت بانزعاج:
"انتبه أيها..."
توقفت الكلمات في حلقها.
اتسعت عيناها.
وشحب وجهها في لحظة.
وقف أمامها شاب طويل القامة، ذو شعر أسود مرتب، يرتدي زي طلاب السنة الثالثة، وعلى صدره شعار عائلة آل ريام.
كانت عيناه هادئتين...
إلا أن هدوءهما كان أشبه بهدوء يسبق العاصفة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"أكملي."
ارتجفت شفتا مريم.
"أ... أخي."
ابتسم الشاب ابتسامة بالكاد تُرى.
"إذن ما زلتِ تعرفين كيف تنادينني."
خفضت مريم رأسها دون أن تشعر.
كان حضور طارق وحده كافيًا ليبدد كل شجاعتها.
نظر إليها طويلًا قبل أن يسأل:
"ما الذي تفعلينه هنا؟"
أجابت بصوت منخفض:
"أتيت لألتحق بالأكاديمية."
رفع أحد حاجبيه.
"وهل أصبحتِ مسخرة؟"
ترددت لحظة.
ثم أومأت.
"نعم."
"وما القدرة التي حصلتِ عليها؟"
تنفست بعمق.
"قدرة أسطورية..."
ساد الصمت.
ثم بدأ طارق يصفق ببطء.
"رائع."
"هذا ما كنت أتوقعه."
ابتسم ابتسامة باردة.
"في النهاية... أنت تحملين الدم نفسه الذي أحمله."
لم تستطع مريم الرد.
كانت تعرف هذا الكلام جيدًا.
سمعته مئات المرات من قبل.
اقترب منها خطوة.
"سيقول الجميع إنك موهوبة."
ثم هز رأسه.
"لكنهم في النهاية سيقولون شيئًا واحدًا..."
نظر إليها مباشرة.
"إنه أمر طبيعي..."
"فأنتِ أخت طارق آل ريام."
شعرت مريم أن الكلمات تخترق قلبها.
فكل إنجاز حققته في حياتها...
كان يُنسب إلى أخيها.
وكل فشل...
كان يُقارن به.
ابتسم طارق ابتسامة متعالية.
"أمر مؤسف بالنسبة لي..."
ثم أكمل بنبرة لا تخلو من الاحتقار:
"...لكنه ثمين بالنسبة لك."
بقيت مريم صامتة.
لم تجد كلمة واحدة تستطيع أن تقولها.
رفع طارق يده، وربت على رأسها كما لو كان يربت على طفل صغير.
"يمكنك أن تسيري في الأكاديمية وتخبري الجميع أنك أختي."
سكت لحظة.
"لكنك لم تفعلي ذلك."
أومأت مريم بخفة.
"لا."
سألها وهو يحدق في عينيها:
"ولماذا؟"
أخفضت رأسها أكثر.
"لأنني..."
ترددت.
"ظننت أن ذلك قد يسبب لك الإحراج."
ساد صمت ثقيل.
ثم ارتسمت على وجه طارق ابتسامة لم تستطع مريم تفسيرها.
ابتسامة لم تحمل أي دفء...
بل حملت شيئًا جعل قلبها ينقبض.
وكانت تشعر أن ما سيقوله بعد ذلك...
سيكون أشد قسوة من كل ما سبق.
لم يرفع طارق عينيه عنها للحظة.
كانت مريم لا تزال مطأطئة الرأس، تنتظر كلماته التالية، وكأنها تعرف مسبقًا أنها لن تحمل شيئًا طيبًا.
ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال:
"إذن... لم تستخدمي اسمي."
أومأت مريم بصمت.
"لا."
"ولماذا؟"
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيب بصوت مرتجف:
"لأنني ظننت... أن ذلك قد يسبب لك الإحراج."
ساد الصمت.
ثم ضحك طارق ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
"بل كان سيضرني فعلًا."
ارتجفت مريم.
أما طارق فأكمل بنبرة جامدة:
"وجود أخت مثلك لا يزيد من مكانتي."
"بل ينقص منها."
شعرت مريم وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.
لكنها بقيت صامتة.
قال طارق وهو يعقد ذراعيه:
"على الأقل..."
"أحسنتِ حين لم تتباهي بأنك أختي."
ثم نظر إليها بازدراء.
"أخيرًا اتخذتِ قرارًا صحيحًا."
همست مريم بصوت يكاد لا يسمع:
"أنا... لم أرد أن أكون عبئًا عليك."
اقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة.
"وهذا أفضل شيء فعلته."
ساد الصمت بينهما.
ثم تنهد طارق وقال:
"أخبريني..."
"كيف يمكن لطفلين من أب واحد وأم واحدة..."
"أن يكون الفرق بينهما بهذا الحجم؟"
عضت مريم شفتيها بقوة.
كانت تحاول منع دموعها من السقوط.
لكنها لم تستطع.
رفع طارق يده ببطء.
"يبدو أن التربية وحدها لا تكفي."
كانت يده تتجه نحو وجهها.
في تلك اللحظة...
امتدت يد أخرى وأمسكت بمعصمه بقوة.
توقف طارق.
التفت ببطء.
فوجد وليد يقف أمامه، وعيناه مليئتان بالغضب.
وبجانبه وقف خالد، وقد اختفت ابتسامته المعتادة.
قال وليد بصوت حاد:
"أظن أن هذا يكفي."
نظر طارق إلى يده الممسكة بمعصمه، ثم عاد ينظر إلى وليد.
"ومن تكون أنت؟"
أجاب وليد دون تردد:
"شخص لا يحب رؤية رجل يرفع يده على فتاة."
ابتسم طارق بسخرية.
"إنها أختي."
رد وليد مباشرة:
"وهذا لا يمنحك الحق لإهانتها."
تدخل خالد بهدوء، لكن نبرته كانت حازمة.
"إن كنت تريد تأديب أحد..."
"فهناك طرق أفضل من الضرب."
أطلق طارق ضحكة ساخرة.
"إذن..."
"عامي..."
"ونبيل..."
"اتحدا للدفاع عنها."
نظر إلى مريم.
"يبدو أنك أصبحت تملكين أصدقاء."
لم تستطع مريم رفع رأسها.
قال وليد:
"إن كان هذا يزعجك..."
"فالمشكلة ليست عندنا."
نظر طارق إلى وليد طويلًا.
ثم ابتسم.
"أنت..."
"العامي الذي يتحدث الجميع عنه."
أومأ وليد.
"وليد."
"صاحب قدرة الاحتمالات."
ابتسم طارق ابتسامة خفيفة.
"سمعت عنك."
ثم أضاف:
"لكن لا تجعل امتلاكك لقدرة أسطورية يخدعك."
اقترب منه حتى أصبح وجهًا لوجه.
"فهناك فرق كبير..."
"بين امتلاك القوة..."
"ومعرفة استخدامها."
ساد الصمت.
ثم ابتعد طارق خطوة إلى الخلف.
نظر إلى مريم للمرة الأخيرة.
"لا تقلقي."
"لن أفسد يومك أكثر."
استدار وغادر المكان ببطء.
وقبل أن يختفي، قال دون أن يلتفت:
"لكن تذكري..."
"أينما ذهبتِ..."
"ستبقين أخت طارق آل ريام."
اختفى صوته بين الممرات.
ولم تعد مريم قادرة على التماسك.
انهارت على ركبتيها.
وانفجرت بالبكاء.
وقف وليد مرتبكًا.
لم يكن يعرف ماذا يفعل.
اقترب منها بحذر.
"أنا..."
حك رأسه بخجل.
"أعتذر."
رفعت مريم رأسها باستغراب.
"تعتذر؟"
أومأ وليد.
"ربما تدخلي جعل الأمر أسوأ."
هز خالد رأسه.
"لا."
ثم نظر إلى وليد.
"هي لا تبكي بسببنا."
ساد الصمت.
مسحت مريم دموعها بكم ثوبها.
ثم قالت بصوت متقطع:
"أنا... أعتذر."
نظر إليها وليد باستغراب.
"لماذا؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة.
"لأنكما رأيتما هذا الجانب مني."
هز وليد رأسه بسرعة.
"لا داعي للاعتذار."
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
"بصراحة..."
"كان الأمر مفاجئًا."
نظرت إليه.
"ماذا؟"
ضحك بخفة.
"ظننت أنك ستسخرين مني حتى آخر يوم."
خرجت من مريم ضحكة خافتة، لأول مرة منذ بداية الحديث.
قالت وهي تمسح آخر دمعة:
"لا تقلق."
"لن أسخر منك بعد اليوم."
رفع وليد حاجبيه.
"حقًا؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"على الأقل..."
"سأحاول."
مد وليد يده إليها ليساعدها على الوقوف.
أمسكت بها، ونهضت ببطء.
ابتسم وليد.
"هذا وعد إذن."
تنهدت مريم.
ثم عادت نبرتها المعتادة قليلًا.
"لكن..."
نظر إليها.
"لا تنسَ..."
"أنك ما زلت عاميًا."
ساد الصمت لثانية.
ثم وضع وليد يده على رأسه.
"ها قد عادت."
نظر إلى خالد.
"أخبرتك أنها تعرف كيف تستفزني."
ضحك خالد بصوت مرتفع.
ولأول مرة...
ابتسمت مريم ابتسامة حقيقية، دون أن تخفيها خلف أي قناع.
وفي تلك اللحظة، بدأت علاقة جديدة تنشأ بين الثلاثة...
علاقة لم تبنها قوة الفيـج...
بل بنتها لحظة صدق، لن ينساها أي منهم.
أيمن صلاح الدين