المجلس

المجلس

20 0

الفصل العاشر : إرث الدم

خيم الصمت على الممر الحجري بعد رحيل طارق.

لم يبق سوى وقع خطوات الطلاب البعيدة، وصوت الرياح وهي تعبر بين أشجار الأكاديمية.

وقفت مريم تمسح ما تبقى من دموعها، بينما بقي وليد وخالد ينظران إليها في صمت، وكأنهما يمنحانها الوقت لتستعيد هدوءها.

كان أول من كسر الصمت هو وليد.

حك مؤخرة رأسه بتردد، ثم قال:

"إن لم يكن السؤال يضايقك..."

رفعت مريم رأسها إليه.

"من كان ذلك الشخص؟"

ساد صمت قصير.

أغمضت مريم عينيها للحظة، ثم قالت بصوت هادئ:

"إنه... أخي الأكبر."

اتسعت عينا وليد.

"أخوك؟"

أومأت برأسها.

"اسمه طارق آل ريام."

ظل وليد صامتًا للحظات، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه.

ثم قال باستغراب:

"لكنكما مختلفان تمامًا."

ابتسمت مريم ابتسامة باهتة.

"الجميع يقول ذلك."

تدخل خالد بهدوء:

"طارق يكبر مريم بثلاث سنوات."

تنهدت مريم وهي تنظر إلى الأشجار.

"منذ أن وعيت على الدنيا... وأنا أعيش في ظله."

التفت إليها وليد باهتمام.

تابعت بصوت يخلو من أي انفعال، وكأنها تروي قصة شخص آخر.

"عندما كنت صغيرة، كنت أعود إلى المنزل فرحة بأي إنجاز."

"فإن حصلت على أعلى الدرجات..."

ابتسمت بسخرية مريرة.

"...قالوا: طبيعي، فأنتِ أخت طارق."

خفضت رأسها قليلًا.

"وإن أخطأت في أمر بسيط..."

توقفت للحظة.

"...قالوا: لماذا لستِ مثل أخيك؟"

قبضت يدها دون أن تشعر.

"كبرت وأنا أركض خلف شخص لم أطلب يومًا أن أقارن به."

ساد الصمت.

لم يجد وليد ما يقوله.

للمرة الأولى، فهم أن كلماتها الساخرة لم تكن نابعة من الكبر...

بل كانت درعًا تخفي خلفه جروحًا قديمة.

قالت مريم بهدوء:

"مهما فعلت..."

"كان اسمه يسبق اسمي."

"ومهما نجحت..."

"كان نجاحي يُنسب إليه."

تنهدت.

"حتى اليوم..."

"حين حصلت على قدرة أسطورية..."

ابتسمت بمرارة.

"قال إنها نتيجة طبيعية لأنني أحمل دمه."

خفض وليد نظره إلى الأرض.

ثم قال بصوت خافت:

"هذا مؤلم."

ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة.

"اعتدت عليه."

هز خالد رأسه.

"لا..."

"لا أحد يعتاد على شيء كهذا."

نظر وليد إلى خالد.

"لكن لماذا يحدث هذا أصلًا؟"

"أليسوا عائلة واحدة؟"

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة.

"الأمر أعقد مما تظن."

بدأ الثلاثة يسيرون ببطء بين أشجار الأكاديمية، بينما واصل خالد حديثه.

"في العائلات الأرستقراطية..."

"لا يُعامل جميع الأبناء بالطريقة نفسها."

نظر إليه وليد باستغراب.

"ماذا تقصد؟"

أجاب خالد:

"الابن الأكبر..."

"هو الوريث الرئيسي."

"هو من يرث اسم العائلة، ومقعدها، وسلطتها."

"أما بقية الأبناء..."

فتنهد قبل أن يكمل:

"فيؤسسون ما يُعرف بالعائلات الفرعية."

عقد وليد حاجبيه.

"عائلة فرعية؟"

أومأ خالد.

"نعم."

"لكل عائلة رئيسية عشرات الفروع."

"لكن القرار النهائي يبقى بيد الفرع الرئيسي."

بدأت الصورة تتضح في ذهن وليد.

"إذن..."

"طارق هو وريث آل ريام."

"بينما مريم..."

أكمل خالد:

"تنتمي إلى الفرع نفسه، لكنها ليست الوريثة."

نظرت مريم إلى الأمام بصمت.

ثم قالت:

"لهذا كانت كل تصرفاتي تنعكس على مكانة أخي."

"وكان نجاحي يعتبر أمرًا عاديًا."

"أما فشلي..."

أغمضت عينيها.

"...فكان عارًا."

ساد الصمت مرة أخرى.

وبعد دقائق من السير، وصلوا إلى شرفة مرتفعة تطل على العاصمة.

توقفت خطوات وليد فجأة.

امتدت المدينة أمامه بكل عظمتها.

وفي قلبها ارتفعت اثنا عشر برجًا شامخًا، يحيط كل واحد منها بالقلعة الملكية.

قال وليد بإعجاب:

"ما زلت لا أصدق جمال هذا المكان."

ابتسم خالد.

"كل برج من تلك الأبراج..."

وأشار بيده نحو المدينة.

"...يمثل إحدى العائلات المؤسسة للمملكة."

تأمل وليد الأبراج طويلًا.

كان لكل برج لون مختلف، وعلى قمته راية تحمل شعار عائلته.

أما في المنتصف...

فارتفعت القلعة الملكية، شامخة بين الجميع.

قال خالد:

"المملكة مقسمة إلى اثنتي عشرة مقاطعة."

"وكل مقاطعة تتبع إحدى تلك العائلات."

"أما العاصمة..."

وأشار إلى القلعة.

"...فهي لا تتبع أي مقاطعة."

"بل تخضع مباشرة لمجلس القُدْرَاس."

ظل وليد يتأمل المشهد.

ثم سأل:

"ومن يترأس المجلس؟"

أجاب خالد بهدوء:

"وائل زهرمان."

ابتسم وليد.

"إذن هو والدك؟"

ضحك خالد.

"لا."

"إنه عمي."

اتسعت عينا وليد.

"عمك؟"

أومأ خالد.

"والدي هو الشقيق الأصغر لوائل زهرمان."

"ولهذا لا أرث رئاسة العائلة."

تذكر وليد اجتماع المجلس الذي سمع عنه الطلاب.

ثم سأل:

"لكن..."

"لماذا تترأس عائلة آل زهرمان المجلس منذ تأسيس المملكة؟"

نظر خالد إلى القلعة الملكية البعيدة.

ثم قال بهدوء:

"لأن مؤسس المملكة اختار هذه الأرض لتكون العاصمة."

"وكانت أراضي آل زهرمان هي مركز المملكة آنذاك."

"ومنذ ذلك اليوم..."

"أصبحت رئاسة المجلس من نصيبهم."

ساد الصمت.

كان وليد يحدق في القلعة من بعيد.

لقد بدأ يدرك شيئًا مهمًا...

أن حلمه لم يعد مجرد الوصول إلى القوة.

بل الوقوف يومًا ما أمام أولئك الذين يحكمون المملكة بأكملها.

وهنا فقط...

بدأ يفهم حجم الطريق الذي اختاره.

ظل وليد يحدق في الأبراج الاثني عشر التي ارتفعت حول القلعة الملكية، وكأنها حراس يقفون منذ مئات السنين لحماية قلب المملكة.

تنهد ببطء، ثم قال:

"إذن... إن كان مجلس القُدْرَاس هو من يحكم المملكة..."

التفت إلى خالد.

"فكيف يُختار حامي الدولة؟"

ابتسم خالد، فقد كان يعلم أن هذا السؤال سيأتي عاجلًا أم آجلًا.

قال وهو يستند إلى سور الشرفة الحجري:

"الأمر ليس بسيطًا كما يظن الناس."

اقترب وليد أكثر.

"أخبرني."

قال خالد:

"حين يشغر منصب حامي الدولة، يجتمع مجلس القُدْرَاس كاملًا."

"يمثل كل برج أحد أعضاء المجلس، أي اثني عشر عضوًا."

"ويرأس الاجتماع رئيس المجلس، وائل زهرمان."

سأل وليد:

"إذن عددهم ثلاثة عشر؟"

هز خالد رأسه.

"ليس تمامًا."

"أعضاء المجلس اثنا عشر فقط."

"أما الرئيس فيملك صوته الخاص، إضافة إلى صلاحيات استثنائية إذا تعقدت عملية التصويت."

عقد وليد حاجبيه.

"وكيف يتم التصويت؟"

أجاب خالد:

"كل عضو يختار شخصًا واحدًا يراه أهلًا لحماية المملكة."

"قد يكون من إحدى العائلات الأرستقراطية..."

"وقد يكون شخصًا آخر أثبت جدارته."

اتسعت عينا وليد.

"حتى لو كان عاميًا؟"

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة.

"من الناحية القانونية..."

"نعم."

ثم أضاف وهو ينظر إليه مباشرة:

"لكن الواقع أصعب بكثير."

سكت لحظة قبل أن يكمل:

"لم يسبق لعامي أن وصل إلى هذا المنصب."

شعر وليد بشيء من الثقل في صدره.

لكنه لم يتراجع.

بل سأل:

"وكم صوتًا يحتاج المرشح؟"

أجاب خالد:

"سبعة أصوات على الأقل."

"من دونها... لا يصبح حاميًا للدولة."

فكر وليد قليلًا.

ثم قال:

"وإن تعادل المرشحان؟"

رد خالد:

"حينها يتدخل رئيس المجلس."

"إما أن يستخدم صلاحياته لحسم النتيجة..."

"أو يأمر بإعادة التصويت بين المتعادلين."

قال وليد وهو يحاول ترتيب الأفكار في رأسه:

"إذن القوة وحدها لا تكفي."

ابتسم خالد.

"أخيرًا بدأت تفهم."

"أن تكون قويًا أمر مهم..."

"لكن أن يثق بك المجلس..."

"ذلك أصعب بكثير."

كانت مريم تستمع بصمت طوال الوقت.

ثم قالت وهي تنظر إلى وليد:

"باختصار..."

"أنت تحتاج إلى أن تجعل اثني عشر شخصًا من أقوى نبلاء المملكة يؤمنون بأنك تستحق حماية الجميع."

ضحك وليد بخفة.

"حين تقولينها بهذه الطريقة..."

"يبدو الأمر مستحيلًا."

هزت رأسها.

"لا."

"بل يبدو صعبًا."

نظر إليها باستغراب.

تابعت:

"هناك فرق بين المستحيل..."

"والصعب."

ابتسم خالد مؤيدًا كلامها.

"المستحيل لا يمكن حدوثه."

"أما الصعب..."

"فيحتاج وقتًا وثمنًا."

ظل وليد صامتًا.

ثم عاد ينظر إلى القلعة الملكية.

كانت بعيدة جدًا.

لكنها لم تعد تبدو مجرد مبنى.

بل أصبحت تمثل هدفًا.

قال بعد لحظات:

"كنت أظن أن الحصول على قدرة أسطورية سيجعل الجميع يعترفون بي."

ابتسم بمرارة.

"لكن يبدو أنني كنت ساذجًا."

رد خالد:

"قدرتك جعلتهم يلتفتون إليك."

"أما احترامهم..."

"فعليك أن تنتزعه بنفسك."

أومأت مريم موافقة.

"وسوف يراقبون كل خطوة تخطوها."

"أي خطأ صغير..."

"سيقولون إنه لأنك عامي."

"وأي نجاح..."

"سيحاولون التقليل منه."

ابتسم وليد فجأة.

نظر إليه خالد باستغراب.

"ما الذي يضحكك؟"

قال وليد وهو يضع يديه خلف رأسه:

"هذا يعني أنهم سيضطرون لمشاهدة نجاحي كل مرة."

تنهد خالد وهو يضحك.

"حقًا..."

"لا أعرف من أين تأتي بكل هذه الثقة."

ابتسم وليد بثبات.

"أنا لا أثق بالنتيجة."

ثم وضع يده على صدره، حيث يسكن الفيـج.

"لكنني أثق بأنني لن أتوقف."

ساد الصمت.

كانت الرياح تحرك رايات الأبراج في الأفق.

نظرت مريم إلى وليد للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة دون أن يشعر.

في داخلها، بدأت تتغير نظرتها لذلك الفتى القادم من مزرعة بعيدة.

كان عنيدًا...

وساذجًا أحيانًا...

لكن عناده لم يكن نابعًا من الغرور.

بل من إيمان صادق بحلمه.

قطع خالد الصمت وهو ينظر إلى السماء.

"لنعد إلى المهجع."

"أظن أن يوم الغد سيكون أطول مما نتوقع."

أومأ وليد بحماس.

"كل يوم يقربني خطوة من حلمي."

ابتسم خالد.

أما مريم فاكتفت بهز رأسها وهي تتمتم بصوت خافت لا يكاد يسمع:

"لنرَ إن كنت ستبقى تقول ذلك... بعد أول اختبار حقيقي."

وغادر الثلاثة الشرفة معًا، بينما بقيت الأبراج الاثنا عشر شامخة في الأفق، وكأنها تراقب الفتى الذي أعلن الحرب على قدرٍ لم يجرؤ أحد من العامة على تحديه من قبل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة