الفصل الخامس عشر: لماذا؟
غادرت أشعة الشمس آخر قمم الأبراج، وغرقت الأكاديمية في هدوء المساء. كان الطلاب يتفرقون في الممرات بعد انتهاء الدروس، بينما جلس وليد وخالد ومريم في الحديقة الحجرية المطلة على الساحة الرئيسية.
كسر وليد الصمت وهو يقلب ورقة شجرة بين أصابعه.
"ما زلت أفكر فيما قاله الأستاذ عادل... وفيمَا قاله طارق أيضًا."
نظر إليه خالد.
"عن فهم الحالة؟"
أومأ وليد.
"بالضبط."
تدخلت مريم وهي تنظر إلى السماء.
"الأمر ليس بسيطًا كما يبدو."
التفت إليها وليد.
"أنتِ قلتِ سابقًا إن توافق المشاعر ليس كافيًا."
أومأت.
"لنفترض أنني سعيدة... وفيجي سعيد أيضًا."
ابتسم وليد.
"إذن تحقق فهم الحالة."
هزت رأسها بالنفي.
"لا."
عقد وليد حاجبيه.
"لماذا؟"
قالت بهدوء:
"لأن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تشعر؟"
توقفت لحظة.
"بل... لماذا تشعر بذلك؟"
ساد الصمت.
حك وليد رأسه.
"أشعر أن رأسي بدأ يؤلمني."
ضحك خالد.
"أخبرتك أن التفكير ليس هوايتك."
نظر إليه وليد بعبوس.
"ساعدني بدلًا من السخرية."
وقبل أن يجيب خالد...
ظهر صوت مألوف خلفهم.
"إذن ما زلت لا تفهم."
تجمدت مريم في مكانها.
اتسعت حدقتاها.
استدار وليد وخالد في الوقت نفسه.
كان طارق يقف خلفهم، واضعًا يديه في جيبيه، وعلى وجهه ابتسامته المتعالية المعتادة.
همست مريم بصوت مرتجف:
"طارق..."
ابتسم.
"يبدو أن اسمي ما زال يرعبك."
وقف وليد أمام مريم تلقائيًا.
"ماذا تريد؟"
نظر إليه طارق.
"معلومة... لها ثمن."
قال وليد دون تردد:
"وما هو الثمن؟"
ابتسم طارق.
"ليس الآن."
"سأطلبه عندما يحين الوقت."
تقدم خالد خطوة.
"وإذا رفض؟"
ابتسم طارق ابتسامة خفيفة.
"لن أطلب منه قتل أحد."
نظر إلى وليد مباشرة.
"ولا خيانة أحد."
ظل وليد ينظر إليه للحظات.
ثم قال:
"موافق."
ابتسم طارق.
"إذن استمع جيدًا."
اقترب منهم حتى أصبح صوته منخفضًا.
"أنتم تعتقدون أن توافق المشاعر هو المفتاح."
"لكنه نصف الحقيقة فقط."
رفع إصبعه.
"المشاعر قد تكون متشابهة..."
"لكن أسبابها مختلفة."
سأل وليد:
"وما الفرق؟"
أجاب طارق:
"لو ماتت والدتك في حادث طبيعي..."
"...ستحزن."
ثم ثبت نظره في عيني وليد.
"لكن لو كنت أنا من قتلها..."
"...فستحزن أيضًا."
صمت الجميع.
ثم أكمل:
"في الحالتين تشعر بالحزن."
"لكن السبب مختلف."
"وفي عالم الفيـج..."
"اختلاف السبب يعني اختلاف المشاعر."
أخذ وليد نفسًا عميقًا.
بدأت الفكرة تتضح أمامه.
قال طارق:
"لهذا..."
"إذا كنت سعيدًا، وفيجك سعيد..."
"لكن لكل منكما سبب مختلف..."
"فلن يتحقق فهم الحالة."
خفض خالد رأسه وهو يفكر.
أما مريم، فقد كانت تنظر إلى أخيها بصمت.
قال وليد أخيرًا:
"إذن..."
"لا يكفي أن أشعر بما يشعر به الفيـج."
"بل يجب أن أفهم لماذا يشعر بذلك."
ابتسم طارق لأول مرة.
"أخيرًا..."
"بدأت تستخدم عقلك."
ثم استدار ليغادر.
نادته مريم.
"انتظر."
توقف دون أن يلتفت.
"لماذا تساعدنا؟"
ساد الصمت للحظات.
ثم قال ببرود:
"لا أساعدكم."
"أنا فقط..."
"أستثمر في المستقبل."
وغادر.
ظل الثلاثة ينظرون إلى مكان اختفائه.
قال خالد وهو يزفر ببطء:
"كلما ظننت أنني فهمته..."
"زاد غموضًا."
أما وليد، فكان يحدق في يده.
ويفكر في سؤال واحد فقط.
لماذا يشعر فيجي بما يشعر به؟
ولأول مرة...
أدرك أن فهم قوته لن يبدأ من نفسه وحدها...
بل من فهم الكائن الذي يسكن قلبه.
أيمن صلاح الدين