الفصل الحادي عشر : نضام التخرج
مرّ شهر كامل منذ انضمام الطلاب الجدد إلى أكاديمية التسخير.
خلال ذلك الشهر، اعتاد الجميع على الحياة داخل الأكاديمية، وحفظوا ممراتها الحجرية الواسعة، وساحاتها المليئة بالأشجار، وقاعاتها التي لا تهدأ بالحركة. أصبحت الأيام تسير وفق نظام ثابت؛ محاضرات صباحية، تدريبات خفيفة، وتعريف مستمر بتاريخ المملكة وقوانينها.
ورغم ذلك...
كان وليد يشعر أن شيئًا مهمًا لم يبدأ بعد.
جلس في المقصف إلى جانب خالد ومريم، بينما كان الطلاب يتبادلون الأحاديث حول قدراتهم ومستقبلهم.
قال وليد وهو ينظر إلى طبقه:
"أشعر أننا لم نفعل شيئًا منذ دخلنا الأكاديمية."
ابتسم خالد.
"وهل كنت تتوقع أن يرسلوك لقتال الوحوش منذ اليوم الأول؟"
هز وليد كتفيه.
"بصراحة... نعم."
تنهدت مريم وهي تشرب كوبًا من الشاي.
"لهذا السبب أخاف عليك."
رفع وليد حاجبيه.
"ولماذا؟"
قالت بنبرة ساخرة:
"لأنك تفكر بعضلاتك أكثر من عقلك."
وقبل أن يرد، دوّى صوت مألوف في أرجاء المقصف.
"أيها الطلاب..."
ساد الهدوء فورًا.
التفت الجميع نحو مدخل القاعة، حيث دخل المدير محمد زهرمان بخطوات هادئة، يرافقه عدد من الأساتذة.
وقف الطلاب احترامًا.
ابتسم المدير وقال:
"اجلسوا."
عاد الجميع إلى أماكنهم.
نظر المدير إلى الوجوه الشابة أمامه وقال:
"مرّ شهر منذ التحقتم بالأكاديمية."
"وقد حان الوقت للانتقال إلى المرحلة التالية من رحلتكم."
بدأ الهمس ينتشر بين الطلاب.
أكمل المدير:
"بعد شهر من الآن..."
"سيحدد الطائر العجوز الفرق الرسمية."
رفع خالد يده.
"ماذا تقصد بالفرق يا سيدي؟"
أجاب المدير:
"سيُقسَّم كل ثلاثة طلاب إلى فريق واحد."
"ويرافق كل فريق أستاذ مشرف."
اتسعت عينا وليد.
"يعني... سنخرج في مهمات؟"
ابتسم المدير.
"نعم."
"لكنها ليست رحلات ترفيهية."
"ستكون مهمات حقيقية، بعضها للاستطلاع، وبعضها لحماية القرى، وبعضها لمواجهة الوحوش أو حل المشكلات التي تعجز عنها الحاميات المحلية."
شعر وليد بحماس يتصاعد داخله.
همس لنفسه:
"هذا هو ما كنت أنتظره..."
لاحظ المدير حماسه فابتسم.
"يبدو أن أحدهم متحمس."
ابتسم وليد دون خجل.
"بالتأكيد."
"أفضل ألف مرة من الجلوس في قاعة الدراسة."
ضحك بعض الطلاب.
أما مريم فوضعت يدها على جبينها وقالت:
"كنت أعلم أنه سيقول ذلك."
ابتسم خالد.
"أنا أيضًا."
رفع المدير يده طالبًا الهدوء.
"لا تستهينوا بالمهمات."
"فهي ليست وسيلة لاكتساب الخبرة فقط."
"بل هي جزء أساسي من تقييمكم داخل الأكاديمية."
بدأت ملامح الجدية تظهر على وجوه الطلاب.
تابع المدير:
"لكل مهمة عدد معين من النقاط."
"وبحسب أدائكم، تُضاف هذه النقاط إلى سجلكم."
رفع أحد الطلاب يده.
"وهل تؤثر هذه النقاط على تخرجنا؟"
أومأ المدير.
"بشكل مباشر."
ساد الصمت من جديد.
كان الجميع يدرك أن الأمر أصبح أكثر جدية مما توقع.
ساد الهدوء في المقصف بعد كلمات المدير، ولم يعد يُسمع سوى صوت الرياح القادمة من النوافذ العالية.
أخذ المدير نفسًا عميقًا ثم تابع حديثه:
"الآن سأشرح لكم نظام النقاط الذي تعتمد عليه الأكاديمية."
ظهرت خلفه لوحة حجرية كبيرة، أشار إليها بعصاه.
"تنقسم السنة الدراسية إلى ثلاثة فصول."
"ويبلغ الحد الأقصى للنقاط في كل فصل مائة نقطة."
بدأ بعض الطلاب يدونون الملاحظات بسرعة.
وأضاف المدير:
"أي أن مجموع نقاط السنة الكاملة يبلغ ثلاثمائة نقطة."
رفع وليد يده بحماس.
"وهل يجب أن نحصل على الثلاثمائة كلها؟"
ابتسم المدير.
"لو استطعت، فلن يمنعك أحد."
ضحك الطلاب.
ثم عاد المدير إلى جديته.
"لكن الحد الأدنى المطلوب للانتقال إلى السنة التالية هو مائة وخمسون نقطة."
تبادل الطلاب النظرات.
وسأل أحدهم:
"وماذا لو حصل الطالب على أقل من ذلك؟"
أجابت الأستاذة فاطمة، التي كانت تقف بجانب المدير:
"يعيد السنة الدراسية كاملة."
ساد صمت ثقيل.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها الجميع بأن الفشل ليس مجرد احتمال بعيد.
همس خالد:
"الأمر منطقي."
أومأت مريم.
"لا أظن أن كثيرين سيفشلون."
أما وليد فظل ينظر إلى الأرض.
بدأ يحسب في رأسه.
"أنا... لست بارعًا في الدراسة."
قالها بصوت منخفض، لكنه كان مسموعًا.
التفت إليه خالد.
"لكنك تجيد التكيف بسرعة."
ابتسم وليد ابتسامة خفيفة.
"أتمنى أن يكون ذلك كافيًا."
قال المدير:
"لا تعتمدوا على المهام وحدها."
"ولا تعتمدوا على الدراسة وحدها."
"الطالب الحقيقي هو من يوازن بين الأمرين."
لكن وليد كان قد اتخذ قراره في داخله.
"إن كنت ضعيفًا في الدراسة..."
"فسأعوض ذلك في المهمات."
رفع رأسه، وقد عاد الحماس إلى عينيه.
ابتسم المدير وهو يراقب وجوه الطلاب.
"ابتداءً من الغد..."
"ستبدأ دروسكم العملية."
"استعدوا جيدًا."
ثم استدار وغادر المقصف، يتبعه الأساتذة.
بدأ الطلاب يغادرون القاعة في مجموعات صغيرة، يتحدثون بحماس عن الفرق والمهمات.
قال خالد وهو يتمطى:
"يبدو أن الأيام الهادئة انتهت."
ابتسمت مريم.
"وأخيرًا."
أما وليد فكان ينظر إلى السماء من خلال النافذة.
"لا أستطيع الانتظار."
حلّ الليل.
هدأت الأكاديمية، واختفت الأصوات إلا من نقيق الضفادع وحفيف الأشجار.
داخل المهجع، كان الضوء الخافت للقمر يتسلل عبر النافذة.
نام خالد بسرعة كعادته.
أما وليد فظل مستلقيًا ينظر إلى السقف.
كان يفكر في كلمات المدير...
وفي حلمه...
وفي الطريق الطويل الذي ينتظره.
وبعد دقائق، غلبه النعاس.
وجد نفسه واقفًا في مزرعة والده.
كانت الأرض نفسها...
والفأس نفسه...
والريح نفسها.
لكن شيئًا كان مختلفًا.
سمع ضحكات خلفه.
استدار ببطء.
كان عدد من النبلاء يقفون على طرف الحقل.
ابتسم أحدهم باستهزاء.
"ألم نقل لك؟"
وقال آخر:
"مكانك الحقيقي هنا."
ثم تقدم ثالث وهو يضحك.
"هل ظننت حقًا أنك ستصبح مسخرًا؟"
ازدادت الضحكات.
أحكم وليد قبضته.
"لقد أصبحت مسخرًا..."
لكنهم لم يسمعوه.
بل استمرت أصواتهم.
"ستفشل."
"ستعود إلى الزراعة."
"وحينها..."
اقترب أحدهم أكثر.
"لن نكتفي بذلك."
ابتسم ابتسامة باردة.
"سآتي يومًا..."
"وآخذ مزرعتكم أيضًا."
اتسعت عينا وليد.
حاول أن يتحرك...
لكن قدميه كانتا ثقيلتين كأنهما غرستا في الأرض.
ارتفعت الضحكات أكثر فأكثر.
حتى غطت كل شيء.
فتح عينيه فجأة.
كان يتنفس بسرعة.
وشعر بقطرات العرق على جبينه.
استغرق لحظات حتى أدرك أنه لا يزال في غرفته داخل الأكاديمية.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم نظر إلى السرير المقابل.
كان خالد نائمًا بعمق، يصدر شخيرًا خفيفًا.
ابتسم وليد رغم اضطرابه.
"كيف يستطيع النوم بهذه الراحة؟"
جلس على طرف السرير.
ثم تذكر حديث خالد قبل أيام...
عن مجلس القُدْرَاس...
وعن التصويت...
وعن الطريق الطويل المؤدي إلى منصب حامي الدولة.
خفض رأسه وهو يهمس لنفسه:
"إن كان أبناء النبلاء ينظرون إليّ بهذه الطريقة..."
"فكيف سيكون آباؤهم؟"
ساد الصمت.
ثم رفع رأسه مرة أخرى، ونظر إلى خالد.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"لكن..."
"يبدو أن هناك دائمًا استثناءات."
استلقى مجددًا.
وأغمض عينيه.
وغدًا...
ستبدأ أول خطوة حقيقية في طريق تحقيق حلمه.
أيمن صلاح الدين