خيوط الاحتمال

خيوط الاحتمال

3 0

الفصل العشرون: خيوط الاحتمال

وقف وليد في مواجهة الذئاب العشرة.

كان صهيل الرياح بين الأشجار يمتزج بزئير الوحوش، بينما بقيت عيناه ثابتتين على القطيع الذي بدأ يطوقه ببطء.

قبض يده بقوة.

"عشرة ذئاب..."

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

"حسنًا... لنرَ ماذا أستطيع أن أفعل."

على الغصن المرتفع، فتح الأستاذ عادل إحدى عينيه ونظر إليه.

"هذا الفتى..."

"أكثرهم غرابة."

لم يكن وليد الأقوى جسدًا، ولا الأسرع، ولا الأكثر خبرة.

لكن قوته كانت مختلفة.

قوة لا تعتمد على العضلات...

بل على الاحتمالات.

أخذ نفسًا عميقًا.

وأغلق عينيه.

همس بصوت خافت:

"الاحتمال..."

في اللحظة نفسها، استجاب الفيـج داخله.

شعر بحرارة خفيفة تنتشر في صدره، ثم بدأت خيوط مضيئة تظهر أمام عينيه.

كانت تمتد في كل اتجاه.

بعضها أخضر باهت.

وبعضها أخضر لامع.

وبينها...

خيطان أحمران قاتمان.

كانت قدرة وليد من أكثر القدرات الأسطورية غموضًا.

فهو لا يخلق الواقع.

ولا يغير قوانين العالم.

بل يرجح أحد الاحتمالات الموجودة أصلًا.

فكل حدث يملك آلاف النهايات الممكنة، وقدرته تسمح له بدفع إحدى تلك النهايات لتصبح الأقرب إلى الوقوع.

في مستواه الحالي، لم يكن قادرًا إلا على رؤية الاحتمالات القريبة.

يرى خيوطًا لما قد يحدث خلال ثوانٍ معدودة.

ويشعر بالخطر قبل وقوعه.

وأحيانًا...

كان يسمع همسات غامضة داخل عقله عند اقتراب حدث مصيري.

لكن لهذه القوة حدودًا لا يستطيع تجاوزها.

فلا يمكنها إحياء الموتى.

ولا تغيير الماضي.

ولا كشف المستقبل البعيد.

وكان الإفراط في استخدامها يسبب صداعًا حادًا، ونزيفًا من الأنف، وقد يصل إلى هلوسات مؤلمة.

بل إن الاحتمال الذي يختاره قد ينقذه...

لكنه قد يؤذيه في الوقت نفسه.

فتح وليد عينيه.

كانت الخيوط تتحرك باستمرار.

أربع خيوط خضراء تتفرع أمامه.

وخيطان أحمران يبدوان أكثر اضطرابًا.

قال في نفسه:

"الأخضر يعني فرصة جيدة..."

"أما الأحمر..."

"فثمنه أكبر."

تحرك دون تردد.

اختار أحد الخيطين الأحمرين.

في اللحظة التالية، انقض ذئب من الجانب الأيسر بسرعة هائلة.

مال وليد بجسده في آخر لحظة.

مرت المخالب أمام وجهه مباشرة.

ثم استغل اندفاع الذئب.

ودفعه بقبضته بكل قوته نحو صخرة قريبة.

ارتطم فك الذئب بالحجر، وسمع وليد صوت تكسر أحد أنيابه.

سقط الذئب أرضًا وهو يئن.

اقترب وليد بسرعة.

وانتزع الناب المكسور من فم الذئب.

نظر إليه.

ثم ابتسم.

"سيكون هذا أفضل من القتال بيدين فارغتين."

أحاطت به الذئاب من جديد.

قفز أحدها من الخلف.

رأى وليد خيطًا أخضر يومض أمامه.

استدار مباشرة.

تفادى الهجوم.

ثم غرس الناب في كتف الذئب.

تراجع الوحش متألمًا.

لكن القطيع لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.

انقضت ثلاثة ذئاب معًا.

فعّل وليد قدرته مرة أخرى.

ظهرت الخيوط من جديد.

ركز نظره على أحدها.

ثم همس:

"احتمال المواجهة..."

تدفقت طاقة الفيـج في جسده.

"اجعل احتمال تردد هذا الذئب..."

"...واحدًا من مئة."

توقف الذئب للحظة قصيرة جدًا.

جزء من الثانية فقط.

لكن تلك اللحظة كانت كافية.

اندفع وليد.

وغرس الناب في عنقه.

سقط الذئب بلا حراك.

اتسعت عينا وليد.

"نجحت..."

لكن في المقابل...

شعر بألم حاد يخترق رأسه.

ثم سالت قطرة دم من أنفه.

مسحها بيده.

"إذن..."

"هذا هو الثمن."

بدأت الذئاب المتبقية تهاجمه من كل اتجاه.

تراجع عدة خطوات.

وأخذ نفسًا عميقًا.

"إذا بقيت أستخدم الاحتمالات الصغيرة..."

"فسوف أُستنزف."

رفع رأسه.

ونظر إلى القطيع كاملًا.

"إذن..."

"لنوسّع النطاق."

تدفقت الطاقة داخل جسده بقوة أكبر.

بدأت الخيوط تتشابك.

وأصبح عددها بالمئات.

أمسك رأسه من شدة الألم.

لكنّه لم يوقف قدرته.

ثم قال بصوت ثابت:

"دائرة العشوائية."

اهتز الهواء حوله.

ولم يفهم أحد ما حدث.

لكن الذئاب بدأت تخطئ في تقدير حركاتها.

قفز أحدها نحو وليد.

فاصطدم بذئب آخر.

وذئب ثالث غرس مخالبه في رفيقه بدلًا من هدفه.

تحولت المعركة إلى فوضى.

كان وليد يتحرك بين الهجمات بخطوات دقيقة.

لا لأنه الأسرع...

بل لأنه يعرف أي خطوة تملك أعلى احتمال للنجاة.

ومع كل حركة...

كان نزيف أنفه يزداد.

وأصبحت رؤيته أكثر ضبابية.

همست الأصوات داخل عقله من جديد.

"توقف..."

"لن يحتمل جسدك أكثر..."

لكن وليد ضغط على أسنانه.

"ليس الآن."

اندفع ذئبان معًا.

أمسك أحدهما من عنقه.

ودفعه بقوة نحو الآخر.

تشابكت أنيابهما ومخالبهما، وبدآ يتقاتلان في حالة ارتباك.

استغل الفرصة.

وانطلق نحو بقية الذئاب.

كان الناب الصغير يتحول في يده إلى سلاح قاتل.

طعنة.

ثم التفاف.

ثم مراوغة.

ثم ضربة جديدة.

ومع كل ذئب يسقط...

كان جسده يقترب أكثر من حدوده.

لم يبق في النهاية...

إلا آخر ذئب.

كان أكبرهم حجمًا.

نظر إلى وليد، ثم أطلق زئيرًا هز أرجاء الغابة.

ابتسم وليد رغم الإرهاق.

"لن تكون أنت من يسقطني."

ظهر أمامه خيط أخضر واحد فقط.

اتبعه.

اندفع الذئب بكل قوته.

وفي اللحظة المناسبة...

مال وليد نصف خطوة.

وغرس الناب في عنق الذئب.

تجمد الوحش للحظة.

ثم سقط أرضًا.

بقي وليد واقفًا لثوانٍ.

يحاول التقاط أنفاسه.

ثم اختفت خيوط الاحتمالات.

وشعر بأن قدميه لم تعودا تحملانه.

فسقط على ركبتيه، بينما استمر الدم بالنزيف من أنفه.

في تلك اللحظة...

اختفت الحواجز التي أنشأها الأستاذ عادل.

هبط من فوق الشجرة، ونظر إلى الطلاب الثلاثة.

كانت الذئاب الثلاثون قد هُزمت.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

"أحسنتم."

رفع وليد رأسه بصعوبة.

فأكمل عادل:

"لكم درجات ممتازة..."

"لكنكم نسيتم أهم درس."

نظرت إليه مريم باستغراب.

"أي درس؟"

قال بهدوء:

"العمل الجماعي."

قطبت مريم حاجبيها.

"العمل الجماعي؟!"

"أنت من وضع تلك الحواجز اللعينة!"

ابتسم عادل للمرة الأولى.

"الحواجز كانت تمنع أجسادكم من العبور..."

"لكنها لم تمنع قدراتكم."

ساد الصمت.

ثم أكمل:

"كان بإمكان كل واحد منكم أن يدعم الآخر بقدرته، أو يوجهه، أو يشتت خصومه."

"أنتم ظننتم أنكم تقاتلون وحدكم..."

"لكنكم لم تكونوا كذلك."

نظر الثلاثة إلى بعضهم.

وأدركوا أنهم ركزوا على الفوز الفردي، ونسوا التفكير كفريق.

أدار عادل ظهره، وسار نحو طريق العودة.

"على أي حال..."

"قدمتم مستوى ممتازًا."

ثم أضاف وهو يلوح بيده دون أن يلتفت:

"هيا... عودوا إلى الأكاديمية."

"لقد استحققتم بعض الراحة."

نظر وليد إلى خالد ومريم.

ورغم التعب الذي ظهر على وجوههم...

ابتسم الثلاثة في الوقت نفسه.

كانت المهمة الأولى قد انتهت...

لكن رحلتهم الحقيقية...

لم تبدأ بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة