الطائر العجوز ( الجزء الثاني)

الطائر العجوز ( الجزء الثاني)

22 0

الفصل الخامس: الطائر العجوز (الجزء الثاني)

لم يمض وقت طويل حتى اجتمع جميع الطلاب في الساحة الواسعة التي تتوسطها شجرة زيتون عملاقة. كان جذعها أعرض من بيت صغير، وتمتد أغصانها في كل اتجاه حتى بدت وكأنها تظلل الساحة بأكملها.

وفوق أعلى أغصانها، وقفت بومة بيضاء ضخمة ذات عينين ذهبيتين نافذتين. لم تتحرك، لكنها كانت تراقب كل طالب بنظرة جعلت كثيرين يشعرون بأنها ترى ما هو أبعد من الوجوه.

ساد الصمت.

ثم تقدمت امرأة مسنة بخطوات هادئة. كانت ترتدي رداءً أخضر داكنًا مزينًا بخيوط فضية، وشعرها الأبيض الطويل ينسدل على كتفيها.

قالت بابتسامة هادئة:

"مرحبًا بكم، أنا فاطمة من آل شهين."

انحنى عدد من الطلاب احترامًا.

أكملت بصوت دافئ:

"تقفون الآن أمام الطائر العجوز، حارس شجرة الحكمة."

وأشارت إلى جذع الشجرة.

"بعد قليل، سيتقدم كل واحد منكم ويضع يده على الشجرة."

رفع أحد الطلاب يده متسائلًا:

"وماذا سيحدث بعد ذلك؟"

أجابت فاطمة:

"سيقرأ الطائر ما في أعماق قلوبكم، ثم يتحدث إليكم."

ارتفعت همسات الدهشة بين الطلاب.

تابعت:

"لا تقلقوا... لن يسمع أحد حديثه معكم."

نظر وليد إلى خالد باستغراب.

"إذن... كيف سنعرف النتيجة؟"

ابتسم خالد قبل أن تجيب فاطمة:

"بعد انتهاء الحوار، سيخبرني الطائر بالمهجع الذي يناسب كل طالب، أما ما يقوله لكم فسيبقى سرًا بينكما."

سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أكثر جدية:

"قد تكون كلماته نصيحة... وقد تكون تحذيرًا... وربما يكشف لكم أمرًا يغيّر نظرتكم إلى أنفسكم."

ابتلع بعض الطلاب ريقهم، بينما ازداد فضول وليد أكثر فأكثر.

بعد دقائق، بدأ التصنيف.

تقدم عدد من الطلاب تباعًا، ووضع كل منهم يده على جذع الشجرة، ثم عاد بهدوء بعد انتهاء حديثه مع الطائر، بينما كانت فاطمة تعلن اسم المهجع الذي سينتمي إليه.

وبعد انتهاء مجموعة من الطلاب، رفعت فاطمة صوتها:

"آدم آل شديم... تقدم."

ابتسم آدم بثقة، وتقدم بخطوات ثابتة نحو الشجرة، ثم وضع كفه على جذعها العتيق.

وفي اللحظة التي لامست فيها يده الشجرة...

أغلق عينيه.

واختفى كل ما حوله.

ما إن لامست كف آدم جذع الشجرة العتيقة، حتى اختفى صوت الطلاب من حوله.

ساد صمت مطلق.

فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه واقفًا في فضاء أبيض لا نهاية له، لا أرض واضحة ولا سماء، وكأن العالم كله قد تجرد من ألوانه.

ثم دوّى صوت عميق، هادئ، يحمل هيبة السنين.

"آدم... آل شديم."

تلفت آدم حوله.

"من هناك؟"

"أنا الطائر العجوز."

ظهرت أمامه البومة البيضاء، لكن حجمها كان أضخم بكثير مما رآه على الشجرة. كانت عيناها الذهبيتان تنظران إليه مباشرة، وكأنهما تخترقان أعماق روحه.

ابتسم آدم بثقة.

"إذن أنت من سيحدد مهجعي."

أجاب الطائر:

"أنا لا أحدد مصير أحد."

"بل أكشف الطريق الأقرب إلى قلبه."

عقد آدم ذراعيه وقال بثقة لا تخلو من الغرور:

"إذن لن يطول الأمر."

ظل الطائر يراقبه بصمت للحظات، ثم قال:

"أنت ترى نفسك مختلفًا عن الآخرين."

ابتسم آدم.

"وهل هذا خطأ؟"

"لا."

"لكنك لا تكتفي بذلك."

اقترب الطائر منه.

"أنت تؤمن بأنك خُلقت لتقف فوق الجميع."

لم تتغير ملامح آدم، بل ازداد اعتزازًا بنفسه.

"هذا صحيح."

تابع الطائر:

"ترى العالم ساحة منافسة."

"وترى الناس درجات تؤدي إلى القمة."

"ولا تخشى السير فوقهم إن كان ذلك سيقربك من هدفك."

أجاب آدم دون تردد:

"الضعفاء خُلقوا ليتبعوا الأقوياء."

"وهذه هي طبيعة العالم."

ساد الصمت مرة أخرى.

ثم قال الطائر بنبرة هادئة:

"الثقة قوة."

"لكنها قد تتحول إلى غرور."

"والغرور قد يعمي صاحبه عن الحقيقة."

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.

"سأكتشف الحقيقة بنفسي."

هز الطائر رأسه.

"لهذا..."

"فإن الطريق الذي يناسبك هو..."

تردد صدى الكلمات في الفضاء.

"مهجع الهيمنة."

وفي اللحظة نفسها، عاد كل شيء إلى طبيعته.

فتح آدم عينيه ليجد نفسه واقفًا أمام الشجرة، بينما سحبت يده عنها بهدوء.

تقدمت فاطمة خطوة إلى الأمام، ثم أعلنت بصوت يسمعه الجميع:

"آدم آل شديم..."

توقفت لحظة قصيرة، ثم أكملت:

"ينتمي إلى مهجع الهيمنة."

تعالت همسات الطلاب.

ابتسم آدم بثقة، وكأنه كان يعلم النتيجة مسبقًا، ثم اتجه إلى مكانه دون أن ينظر إلى أحد.

راقبه وليد وهو يبتعد، ثم همس لخالد:

"لا أعرف لماذا..."

"لكن النتيجة تبدو مناسبة له."

ضحك خالد ضحكة خافتة.

"كنت سأقول الشيء نفسه."

رفعت فاطمة نظرها إلى قائمة الأسماء بين يديها.

ثم قالت بصوت واضح:

"خالد زهرمان..."

"تقدم."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة