عين ترى الحقيقة

عين ترى الحقيقة

4 0

الفصل التاسع عشر: عين ترى الحقيقة

ساد الصمت داخل الجزء الذي حاصرته حواجز الأستاذ عادل. كانت عشرة ذئاب رمادية تتحرك ببطء في نصف دائرة، تحاصر مريم من جميع الجهات. لم تكن تتعجل الهجوم، وكأنها تبحث عن اللحظة المثالية للانقضاض.

وقفت مريم بثبات، وقد وضعت قدمها اليمنى خلف اليسرى قليلًا. لم يكن في يدها سلاح، ولم تبدُ على وجهها أي علامة خوف.

على الغصن المرتفع، فتح الأستاذ عادل إحدى عينيه ونظر إليها.

"لنرَ... هل تستحقين كل تلك الثقة التي تتحدثين بها."

أما خالد، الذي كان لا يزال يقاتل في جهته، فقد لمحها بطرف عينه.

"لا تقلقي يا مريم... أنتِ تعرفين ما تفعلين."

ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة لم يلاحظها أحد.

ثم همست:

"العين الثالثة."

في اللحظة نفسها، تغير كل شيء.

اختفت الأصوات تدريجيًا، وبدا الزمن وكأنه تباطأ.

لم تعد ترى الذئاب كما يراها الإنسان العادي، بل رأت حول أجسادها خطوطًا شفافة تتحرك باستمرار، تمثل اتجاه العضلات، وانقباض المفاصل، وتدفق الطاقة داخلها.

ورأت شيئًا آخر...

ومضات قصيرة جدًا.

كل ومضة كانت تمثل نية أحد الذئاب قبل أن تتحول إلى حركة.

همست لنفسها:

"إذن... هذه هي نيتك."

قفز أول ذئب.

لكن مريم تحركت قبل أن يغادر مخالبه الأرض.

مر بجانبها، وضرب الهواء فقط.

ثم تبعه الثاني.

ثم الثالث.

وفي كل مرة، كانت تتحرك خطوة صغيرة فقط، وكأنها تعرف مسبقًا أين ستسقط المخالب.

راقب الأستاذ عادل المشهد بصمت.

"لا تتحرك بسرعة..."

"بل تتحرك في الوقت الصحيح."

أخذت مريم نفسًا عميقًا.

ثم ركزت نظرها على ذئب يقف في مؤخرة القطيع.

كان أقلهم اندفاعًا.

وأكثرهم حذرًا.

قالت بهدوء:

"أنت."

تدفقت طاقة الفيـج من عينيها.

ارتجف الذئب للحظة.

ثم تغيرت نظرته.

لم يعد يرى مريم كعدو.

بل أصبح إدراكه يخبره بأنها فرد من القطيع يجب حمايته.

أطلق عواءً غاضبًا.

ثم اندفع نحو أقرب ذئب، وأسقطه أرضًا.

توقفت بقية الذئاب في حيرة.

"ماذا أصابه؟"

استغلت مريم اللحظة.

وركضت بين الذئاب بخفة.

لكن أحدها استطاع الالتفاف حولها، وقفز من الجانب.

همست مرة أخرى:

"الحاسة السادسة."

في تلك اللحظة، اتسع إدراكها أكثر.

شعرت بحركة الهواء خلفها.

وسمعت احتكاك مخالب الذئب بالأرض قبل أن يصل إليها.

وانحنت في اللحظة المناسبة.

مرت المخالب فوق رأسها مباشرة.

استدارت، وضربت الذئب بكفها في رقبته، فاختل توازنه وسقط.

كانت قدرة مريم، الإدراك الكامل، تختلف عن جميع القدرات الأخرى.

فهي لا تمنح قوة جسدية.

ولا تزيد السرعة.

ولا تخلق أوهامًا.

بل تجعل المستخدم يرى العالم كما هو في حقيقته الداخلية.

ترى النوايا قبل أن تتحول إلى أفعال.

وترى تدفق الطاقة.

وتكشف نقاط الضعف.

وتشعر بالمشاعر التي يحاول الآخرون إخفاءها.

لكن لهذه القدرة ثمنًا.

فكلما زاد تدفق المعلومات...

زاد الضغط على عقل المستخدم.

وكانت حالته النفسية تؤثر مباشرة في دقة الإدراك.

أما إذا أساء تفسير ما يراه...

فقد يتخذ قرارًا خاطئًا في لحظة لا تحتمل الخطأ.

عادت الذئاب للهجوم.

هذه المرة من جهات مختلفة.

واحد من الأمام.

واثنان من اليمين.

وآخر من الخلف.

ابتسمت مريم.

"متأخرون..."

تحركت بخطوات قصيرة وسريعة.

تفادت الضربة الأولى.

ثم الثانية.

ثم استغلت اصطدام الذئبين ببعضهما.

ركلت أحدهما في فكه.

وأمسكت بالآخر من عنقه، ودفعته نحو البقية.

بدأ القطيع يفقد تنظيمه.

لكن أحد الذئاب باغتها من الخلف، ونجح في خدش ذراعها.

تراجعت خطوتين.

ونظرت إلى الدم الذي سال من جرحها.

"إذن... أصبت."

رفعت رأسها مجددًا.

لم يكن الألم هو ما أقلقها.

بل أنها أخطأت في قراءة نية الذئب.

تنفست ببطء.

"اهدئي..."

"كلما اضطربتِ... اضطرب الإدراك."

أغلقت عينيها لثانية واحدة.

ثم فتحتهما من جديد.

عاد العالم واضحًا.

في تلك اللحظة، لاحظت نابًا مكسورًا بجانب أحد الذئاب المصابة.

التقطته بسرعة.

أصبح سلاحها الوحيد.

قفز ذئب آخر نحوها.

استدارت.

وغرزت الناب في عينه.

ارتد الذئب وهو يصرخ.

لكنها لم تتوقف.

وجهت قدرتها نحوه.

بدأ عقل الذئب يفسر الإصابة على أنها لم تحدث.

لم يتراجع.

بل استمر في الهجوم بعشوائية، غير مدرك أنه فقد إحدى عينيه.

وبسبب ذلك...

اصطدم بذئبين آخرين، وأسقطهما أرضًا.

استغلت مريم الفوضى.

وانطلقت كالسهم.

ضربة بالمرفق.

ركلة على الصدر.

طعنة بالناب.

ثم التفاف سريع لتفادي مخلب آخر.

مرت دقائق قليلة...

حتى لم يبق سوى ذئب واحد.

كان أكبرهم حجمًا.

نظر إليها وهو يزأر بغضب.

أما هي...

فوقفت بهدوء.

"انتهى الأمر."

اندفع بكل قوته.

لكنها رأت لحظة الانقضاض قبل حدوثها.

خطت نصف خطوة إلى اليمين.

فمر الذئب بجانبها.

واستخدمت اندفاعه ضده.

أمسكت برقبته بكلتا يديها.

ودفعت رأسه بقوة نحو صخرة كبيرة.

دوّى صوت الارتطام في الغابة.

وسقط الذئب بلا حراك.

ساد الهدوء.

تناثرت أوراق الأشجار مع نسمة باردة.

أسقطت مريم الناب من يدها.

ثم جلست على الأرض، تلتقط أنفاسها.

كان جسدها مرهقًا.

وذراعها ينزف.

لكنها ابتسمت ابتسامة لم تظهر على وجهها منذ دخول الأكاديمية.

نظرت إلى الذئاب الملقاة حولها وقالت بصوت خافت:

"لقد هزمت عشرة ذئاب..."

ثم أغلقت عينيها للحظة.

"هذا... رائع."

على الغصن المرتفع، فتح الأستاذ عادل عينيه بالكامل هذه المرة.

ولأول مرة منذ بداية المهمة...

ظهرت على وجهه ابتسامة رضا خفيفة.

"جيد..."

"أثبتِّ أنكِ لا تعتمدين على موهبتك فقط."

وفي الجهة الأخيرة من ساحة القتال...

كان وليد يمسح الدم الذي سال من أنفه، بينما بدأت خيوط الاحتمالات تتشكل أمام عينيه، معلنة بداية أصعب مواجهة في المهمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة