الطائر العجوز( الجزء الثالث)

الطائر العجوز( الجزء الثالث)

19 0

وقف خالد أمام شجرة الزيتون العملاقة، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يرفع يده اليمنى.

قال وليد مبتسمًا:

"لا تنسَ أن تخبرني ماذا قال لك."

ابتسم خالد وهو يهز رأسه.

"لو كان الأمر بيدي لفعلت."

ثم وضع كفه على جذع الشجرة.

في اللحظة نفسها، اختفى صوت الرياح، وتلاشت وجوه الطلاب من حوله، ليجد نفسه في فضاء هادئ تغمره إضاءة بيضاء ناعمة.

هبط الطائر العجوز أمامه بخفة، ثم طوى جناحيه ونظر إليه بعينين تحملان حكمة مئات السنين.

قال بصوت هادئ:

"خالد... حفيد محمد زهرمان."

انحنى خالد احترامًا.

"يشرفني لقاؤك."

ابتسم الطائر ابتسامة خفيفة.

"الاحترام لا يصنع الإنسان... بل أفعاله."

رفع خالد رأسه.

"أتفق معك."

ساد الصمت للحظات، ثم بدأ الطائر يتحدث.

"أنت تختلف عن كثير ممن يحملون اسم عائلتك."

قطب خالد حاجبيه.

"بأي معنى؟"

قال الطائر:

"لا تبحث عن السلطة."

"ولا تركض خلف المجد."

"ولا ترى الناس درجات تعلو بها."

تنهد خالد.

"لم أفكر يومًا بهذه الأمور."

تابع الطائر:

"لكن هذا لا يعني أنك ضعيف."

"بل يعني أنك تزن الأمور بعقلك قبل قوتك."

ابتسم خالد ابتسامة هادئة.

"أحاول فقط أن أفعل ما أراه صحيحًا."

أغمض الطائر عينيه للحظة.

"وهذا هو سبب تميزك."

ثم فتحهما مجددًا.

"قلبك يسبق لسانك."

"وما تؤمن بأنه حق... تسير نحوه دون تردد."

"قد تخطئ أحيانًا، لكنك لا تخون قناعاتك."

خفض خالد رأسه مفكرًا في كلمات الطائر.

ثم سأله:

"وهل هذا يكفي؟"

أجاب الطائر:

"لا يوجد إنسان كامل."

"لكن التوازن الذي تحمله نادر."

"ولهذا..."

ساد الصمت، قبل أن ينطق الطائر بثبات:

"مكانك... مهجع العهد."

عاد الضوء يملأ المكان.

وفي لحظة، وجد خالد نفسه واقفًا أمام الشجرة من جديد.

ابتسم ابتسامة خفيفة، بينما أعلنت فاطمة بصوت واضح:

"خالد زهرمان..."

"ينتمي إلى مهجع العهد."

صفق بعض الطلاب، بينما لوح له وليد مبتسمًا.

"كنت أعلم أنها ستكون نتيجة كهذه."

اقترب خالد منه وهو يبتسم.

"وأنا أيضًا."

نظرت فاطمة إلى القائمة مرة أخرى، ثم رفعت صوتها:

"مريم آل ريام..."

"تفضلي."

تقدمت مريم بخطوات هادئة، لكن ملامحها كانت جامدة على غير عادتها.

وقفت أمام الشجرة للحظات، ثم رفعت يدها ببطء.

وما إن لامست أصابعها الجذع العتيق...

حتى اختفى كل شيء من حولها.

وللمرة الأولى...

اهتزت نظراتها، وكأنها تخشى ما ستسمعه من الطائر العجوز.

اختفى ضوء الساحة في لحظة، وحلّ محله فضاء هادئ تغمره هالة بيضاء، لا يسمع فيه سوى خفقان القلب.

فتحت مريم عينيها ببطء.

وقفت وحدها.

أمامها حطّ الطائر العجوز فوق غصن يابس ظهر من العدم، ثم حدق إليها بعينيه الذهبيتين.

ساد الصمت.

شعرت مريم بأن نظراته تخترق قلبها، فشيئًا فشيئًا بدأت ملامحها المتماسكة تتصدع.

قال الطائر بصوت هادئ:

"مريم... آل ريام."

أخفضت رأسها قليلًا.

"نعم."

ظل الطائر صامتًا للحظات، ثم قال:

"تملكين موهبة نادرة."

"وقوة أسطورية."

"وعقلًا حادًا."

ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهها.

"أعلم."

لكن الطائر أكمل:

"ومع ذلك..."

"أنت لست كما تظهرين."

تجمدت ابتسامتها.

رفعت رأسها بسرعة.

"ماذا تقصد؟"

نظر إليها بثبات.

"تتظاهرين بالقوة."

"وتخفين ضعفًا لا يعرفه أحد."

عقدت مريم حاجبيها.

"لا أحد يستطيع معرفة ذلك."

أجاب الطائر بهدوء:

"أنا لا أقرأ الكلمات."

"بل أقرأ القلوب."

أشاحت مريم بوجهها.

"إذن... أخبرني."

"ما الذي تراه؟"

قال الطائر:

"أراك فتاة تخشى أن تكون أقل مما يتوقعه الآخرون."

اتسعت عيناها.

"لهذا ترتدين قناع الغرور."

"ولهذا تهاجمين من حولك قبل أن يهاجموك."

بدأ صوتها يرتجف.

"اصمت..."

لكن الطائر لم يتوقف.

"كلما مدحك الناس..."

"تذكرتِ أن المدح لم يكن لك وحدك."

"بل لأنك من آل ريام."

اهتزت أنفاسها.

كانت تلك الكلمات تصيب جرحًا حاولت إخفاءه سنوات طويلة.

همست بصعوبة:

"لا أحد..."

"لا أحد يعلم هذا."

ابتسم الطائر ابتسامة هادئة.

"الآن..."

"أجيبي عن سؤال واحد."

"ممّ تخشين؟"

ساد الصمت.

أطبقت مريم عينيها.

وحاولت الإجابة...

لكن الكلمات لم تخرج.

أخيرًا همست:

"لا أعرف."

هز الطائر رأسه.

"وهذا هو سبب معاناتك."

"فالإنسان يستطيع مواجهة ما يخافه."

"لكن ما يجهله..."

"يصعب عليه حتى أن يبدأ بمواجهته."

سقطت دمعة من عين مريم دون أن تشعر.

رفع الطائر جناحيه قليلًا، ثم قال بصوت مليء بالحكمة:

"اعلمي يا مريم..."

"الفرق بين الخوف والخشية ليس في قوة الشعور."

"بل في سببه."

"الخوف شعور فطري يمكن التغلب عليه."

"أما الخشية..."

"فهي خوف يولد من معرفة عميقة."

"ومن تعظيم الشيء الذي تخشاه."

رفعت مريم نظرها إليه.

أكمل الطائر:

"أنت لا تخشين الآخرين."

"أنت تخشين أن تظلي سجينة صورتهم عنك."

"وتخشين أن تقضي حياتك تبحثين عن اعتراف لن يشبع قلبك أبدًا."

ساد الصمت طويلًا.

ثم قال الطائر برفق:

"لو كان التغلب على الخوف يشبه رفع غصن..."

"فإن التغلب على ما تخشينه..."

"يشبه حمل شجرة بأكملها."

تنهدت مريم ببطء.

ولأول مرة منذ سنوات...

شعرت أن أحدًا فهمها حقًا.

قال الطائر أخيرًا:

"لذلك..."

"سأنقلك إلى مهجع العهد."

"هناك ستتعلمين أولًا أن تعاهدي نفسك..."

"قبل أن تطلبي اعتراف الآخرين."

اختفى الفضاء الأبيض فجأة.

وعادت مريم إلى الساحة.

فتحت عينيها، ومسحت دمعتها سريعًا قبل أن يلاحظها أحد.

ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة، ثم أعلنت أمام الجميع:

"مريم آل ريام..."

"تنتمي إلى مهجع العهد."

تعالت همسات الطلاب، بينما بقيت مريم صامتة، وكأن كلمات الطائر ما زالت تتردد داخل قلبها.

وقف وليد أمام شجرة الزيتون العتيقة، ثم أخذ نفسًا عميقًا.

ابتسم لخالد ومريم.

"تمنيا لي الحظ."

قال خالد ضاحكًا:

"أنت تحتاج إلى الحظ أكثر منا."

أما مريم فاكتفت بالنظر إليه بصمت.

رفع وليد يده، ووضع كفه على جذع الشجرة.

في اللحظة نفسها، اختفى كل ما حوله.

...

عندما فتح عينيه، وجد نفسه في فضاء لا نهاية له.

لم تكن هناك أرض ولا سماء، بل مساحة بيضاء هادئة تتراقص فيها خيوط لا تحصى، تمتد في كل اتجاه كأنها تربط العالم بأسره.

تأملها بدهشة.

"ما هذه الخيوط؟"

"كل خيط..."

جاء الصوت من خلفه.

"...احتمال."

استدار وليد بسرعة.

كان الطائر العجوز يقف فوق صخرة صغيرة، يراقبه بعينيه الذهبيتين.

قال وليد باحترام:

"إذن أنت الطائر العجوز."

أومأ الطائر برأسه.

ثم سأل دون مقدمات:

"أخبرني يا وليد..."

"ما احتمال أن يولد عامي، ثم يحصل على قدرة أسطورية؟"

صمت وليد للحظة.

ثم ابتسم.

"ضئيل جدًا."

هز الطائر رأسه.

"وما احتمال أن يصبح ذلك العامي حامي الدولة؟"

تلاشت ابتسامة وليد.

"أصغر."

"وربما يراه البعض مستحيلًا."

اقترب الطائر منه ببطء.

"ومع ذلك..."

"ما زلت متمسكًا بحلمك."

رفع وليد رأسه بثبات.

"لأن الاحتمال، مهما كان صغيرًا..."

"يبقى احتمالًا."

ساد الصمت.

ثم ابتسم الطائر ابتسامة خفيفة.

"إجابة تليق بحامل قوة الاحتمالات."

أخذ يطوف حول وليد ببطء.

"لقد سمعت كلمات النبلاء."

"ورأيت نظراتهم."

"وشعرت باحتقارهم."

توقف أمامه.

"لكن..."

"لم أشعر بالكراهية في قلبك."

قطب وليد حاجبيه.

"ولماذا أكرههم؟"

"لأنهم يميزون بين العامي والنبيل."

أطرق وليد برأسه قليلًا.

ثم قال بهدوء:

"هم لم يكذبوا."

نظر إليه الطائر باهتمام.

تابع وليد:

"أنا عامي."

"وهذه حقيقة."

"ولا أستطيع تغييرها."

رفع بصره نحو الخيوط التي تملأ الفضاء.

"لكن..."

"كوني عاميًا لا يعني أن أتوقف عن الحلم."

ساد الصمت مرة أخرى.

ثم قال الطائر:

"إذن..."

"أنت لا تحارب الناس."

"بل تحارب الفكرة التي يحملونها."

ابتسم وليد.

"ربما."

سأل الطائر:

"وهل تعتقد أن الفكرة تتغير بالقوة؟"

هز وليد رأسه.

"لا."

"بل بالأفعال."

ظل الطائر يحدق فيه طويلًا.

ثم قال:

"هذا هو الفرق بينك وبين كثيرين."

"أنت لا تسعى لإثبات أنك أفضل منهم..."

"بل تسعى لإثبات أن الإنسان لا يُقاس بأصله."

شعر وليد بأن كلمات الطائر أصابت شيئًا عميقًا في قلبه.

لكن الطائر لم ينتهِ بعد.

اقترب أكثر.

"إذا أردت أن تفهم قوة الاحتمالات..."

"فعليك أولًا أن تفهم البشر."

بدت الدهشة على وجه وليد.

"البشر؟"

"نعم."

"لن تستطيع تغيير نتيجة..."

"إن لم تفهم سبب حدوثها."

صمت وليد.

فأكمل الطائر:

"ولن تستطيع هزيمة عدو..."

"إن كنت تجهل السبب الذي يدفعه للقتال."

ازدادت حيرة وليد.

"أسبابهم..."

همس بها لنفسه.

ابتسم الطائر.

"حين تفهم الأسباب..."

"ستبدأ بفهم الاحتمالات."

وتلاشت الخيوط البيضاء ببطء...

بينما شعر وليد أن هذا الحوار لم يمنحه إجابات، بل منحه أسئلة سيقضي سنوات يبحث عن حلولها.

تبددت الخيوط البيضاء، وعاد صوت الرياح يملأ أذني وليد.

فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه من جديد واقفًا أمام شجرة الزيتون العتيقة. كانت يده لا تزال ملامسة للجذع، بينما وقف جميع الطلاب يحدقون فيه بفضول، ينتظرون إعلان النتيجة.

سحب وليد يده بهدوء، ثم نظر إلى فاطمة التي بدت شاردة الذهن على غير عادتها.

رفعت فاطمة رأسها نحو الطائر العجوز الجالس على أعلى الأغصان، وكأنها تنتظر منه الجواب الأخير.

مرّت ثوانٍ من الصمت.

ثم اتسعت عيناها فجأة.

همست دون شعور:

"هذا... مستحيل."

بدأ الطلاب يتبادلون النظرات.

قال أحدهم:

"ما الذي حدث؟"

وأضاف آخر:

"لماذا لم تعلن النتيجة؟"

ابتلعت فاطمة ريقها، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع صوتها.

"الطالب... وليد."

ساد الصمت في الساحة.

تابعت بصوت ما زالت الدهشة واضحة فيه:

"سينتمي إلى..."

توقفت لحظة، وكأنها لا تصدق ما ستقوله.

"...مهجع العهد."

تنفس بعض الطلاب براحة.

لكن فاطمة لم تنه كلامها.

"...ومهجع السيادة."

ساد صمت ثقيل.

ثم انفجرت الساحة بالهمسات.

"مهجعان؟!"

"هل أخطأت؟"

"هذا لم يحدث من قبل!"

تراجع أحد الطلاب خطوة وهو يحدق في وليد بعدم تصديق.

أما آدم، فقد عقد حاجبيه وقال ببرود:

"كيف يمكن لعامي أن يُمنح امتيازًا كهذا؟"

أطرق خالد رأسه للحظة، ثم أطلق ضحكة قصيرة.

"كنت أعلم أن هذا الفتى لن يكون طبيعيًا."

نظر إليه وليد باستغراب.

"لا تضحك... أنا نفسي لا أفهم ما يحدث."

أما مريم، فبقيت صامتة.

كانت تحدق في وليد طويلًا، ثم قالت في نفسها:

*"هذا العامي... في كل مرة أظن أنني فهمته، يفاجئني بشيء جديد."*

في تلك الأثناء، كانت فاطمة لا تزال تنظر إلى الطائر العجوز، وكأنها تنتظر منه تفسيرًا.

لكن البومة اكتفت بإغلاق عينيها، ولم تنطق بكلمة أخرى.

فهمت فاطمة الرسالة.

ثم أعلنت بحزم:

"هذا قرار الطائر العجوز."

"ابتداءً من اليوم، سيكون وليد طالبًا في مهجع العهد، ويتلقى كذلك دروس مهجع السيادة."

لم يقتنع كثير من الطلاب.

بدأت الاعتراضات ترتفع من كل جانب.

"هذا مخالف لكل ما عرفناه!"

"لم يحدث في تاريخ الأكاديمية!"

"إنه مجرد عامي!"

لكن قبل أن يتحول الأمر إلى فوضى، دوّى صوت محمد زهرمان في الساحة.

"اهدؤوا."

ساد الصمت فورًا.

تقدم المدير بخطوات هادئة، ثم وقف إلى جانب فاطمة.

نظر إلى وليد مطولًا، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.

"منذ زمن..."

قالها بصوت منخفض.

"...لم أرَ طالبًا يجعل الطائر العجوز يخرج عن المألوف."

ثم التفت إلى الطلاب.

"إن كان هذا قرار الطائر..."

"فهو قرار الأكاديمية."

لم يجرؤ أحد على الاعتراض بعد ذلك.

أما وليد، فكان يقف في مكانه، لا يدري هل يفرح أم يحتار.

همس لنفسه:

"مهجعان..."

"يبدو أن حياتي هنا ستكون أعقد مما توقعت."

ابتسم خالد وربت على كتفه.

"بل أكثر إثارة."

ارتفعت نظرات الطائر العجوز نحو السماء، بينما كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل بين أغصان الزيتون.

وكأن القدر نفسه...

قد خطّ أول سطر في رحلة ستغيّر المملكة بأكملها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة