مقر عائلة مورا - جمهورية الكونغو الديمقراطية
في أعماق المقر الرئيسي، كان السيد "رحيم" يجلس في غرفة واسعة ومخفية تحت الأرض، صُممت ونُحتت بعناية فائقة لتبدو ككهف طبيعي معزول تماماً عن العالم الخارجي.
تقدم المشرف "سامويل" بخطوات صامتة ومحسوبة، ووقف على مسافة محترمة قائلاً: "سيد رحيم... لقد وجدنا شيئًا يثير الاهتمام."
سأل رحيم بصوته الخشن العميق دون أن يلتفت: "ما الأمر؟"
تردد سامويل لثانية، وأجاب ونبرته تحمل مزيجًا من الحذر والترقب لشيء يكسر قواعد المنطق: "«الخلل»... لقد ظهر الخلل أخيرًا."
فتح رحيم عينيه ببطء، وسأل باهتمام بالغ: "أأنت متأكد؟"
انحنى سامويل قليلاً وأوضح: "التفاصيل لا تزال غامضة سيدي، لكن هذا ما أوردته المعلمة 'سالي' في تقريرها العاجل من الأكاديمية إثر حادثة اليوم."
أومأ رحيم ببطء، وأصدر قراره الحاسم: "حسنًا... فلتأتِ به إلى هنا. سنختبر الأمر بأنفسنا لنتأكد."
قال سامويل بامتثال تام: "كما تأمر، سيد رحيم."
انصرف سامويل في هدوء، تاركًا رحيم غارقًا في جلسته التأملية العميقة، يحدق بتركيز شديد في ذلك الشيء المهيب القابع أمامه.
كان رحيم جالسًا على صخرة عتيقة، بينما تلتف جذور الأشجار الضخمة وتتشابك حول جدران الكهف لتصنع ما يشبه القبة الخضراء الداكنة. وفي المنتصف تمامًا، استقرت منصة حجرية صغيرة أقرب ما تكون إلى مذبح طقوسي قديم...
وفوق ذلك المذبح، استقر تابوت أسود لامع، تعانقه جذور الأشجار وتلتف حوله بإحكام كأوردة نابضة، وكأن الطبيعة ذاتها تحرسه، وتتغذى ببطء من هيبته.
***
أحد شواطئ جزيرة سانت مارتن - الكاريبي
على مقربة من الرمال البيضاء والمياه الهادئة، رسا يختٌ ضخم وفاره لا يمت للبيئة الطبيعية البسيطة من حوله بأي صلة. كان يختًا أسطوريًا يخطف الأبصار، يبدو وكأنه صُنع خصيصًا لأغنى رجل في العالم، أو لملك متوج.
على هيكله الجانبي اللامع، كُتب بخط كلاسيكي أنيق وعريض: "جرينويل".
كان اليخت يضج بصخب لا يتوقف؛ حفلة صاخبة تعج بالأشخاص، حيث اختلطت إيقاعات الموسيقى العالية بالضحكات الماجنة والرقص المستمر. كل ما يمكن تخيله من ملذات وموبقات كان حاضرًا بقوة على متن هذا اليخت، ويُمارس بلا أي قيود.
في الساحة الواسعة والمفتوحة، كان هناك رجل في أواخر الأربعينيات من عمره، يتوسط مجموعة من النساء الجميلات ويحتفل بانسجام تام. كان يرتدي قميصًا حريريًا باللون اللبني المشجر، مفتوح الأزرار حتى سرته ليكشف عن سلسلة ذهبية غليظة تتدلى على صدره، مع شورت أبيض أنيق، وتخفي عينيه نظارة شمسية ذات عدسات عسلية باهظة الثمن.
وسط هذه الفوضى الماجنة، تقدم أحد الخدم بملابسه الرسمية، وانحنى باحترام بالغ ليقدم له هاتفًا محمولاً.
بمجرد أن رأى الرجل اسم المتصل، تلاشت ابتسامته واعتدل في وقفته فورًا. أشار للنساء بالابتعاد بحركة صارمة، وانسحب مسرعًا بخطوات جادة نحو غرفته الخاصة المعزولة في الطابق السفلي لليخت.
أغلق الباب بإحكام، ووضع الهاتف على أذنه قائلاً بنبرة خافتة تملؤها الطاعة العمياء:
"نعم، سيد مورغان... كل شيء جاهز تمامًا كما أمرت."
صمت قليلاً يستمع للطرف الآخر، ثم أومأ برأسه بتوتر رغم أن مورغان لا يراه:
"نعم... نعم، بالطبع سيدي. ستصل الشحنة في موعدها المتفق عليه دون أي تأخير... بالتأكيد سيدي، نحن ندرك أنهم من أهم عملائنا ولن نخيب ظنك أبدًا... حسنًا... إلى اللقاء."
أنهى المكالمة وتنهد بعمق. رمى الهاتف بإهمال على إحدى الأرائك الجلدية الوثيرة في الغرفة، وتوجه نحو حانة صغيرة في الزاوية، أمسك بزجاجة كحول فاخرة، وصب لنفسه كأسًا ليخفف من ارتعاشة يديه بعد محادثته مع رئيس العائلة.
***
قبل الساعة الرابعة فجرًا بقليل، ومع اقتراب الحفل الماجن من أواخره وتراجع حدة الصخب على السطح، نزلت إحدى الخادمات بخطوات مرهقة إلى الطابق السفلي متجهة نحو الغرفة الخاصة للرجل الذي يُدعى السيد "براون".
أدارت مقبض الباب وفتحته ببطء. وقبل أن ترفع عينيها، زكمت أنفها رائحة نحاسية ثقيلة ونفاذة. وما إن سقطت عيناها على ما بداخل الغرفة، حتى تجمد الدم في عروقها وتصلب جسدها بالكامل. للحظة، عجز عقلها عن استيعاب اللوحة الدموية، قبل أن تنطلق من حنجرتها صرخة هلع مدوية وممزقة. صرخة متواصلة لم تتوقف، شقت هدوء الممر، ليتدافع على إثرها بقية أفراد الطاقم والحراس نحو الغرفة... وما إن وصلوا، حتى تسمروا جميعًا عند العتبة في حالة من الرعب المطلق والشلل التام.
المشهد داخل الغرفة كان كابوسيًا بكل المقاييس المريضة.
لم يعد السيد "براون" حيًا. لقد تم تفكيك جسده بوحشية ذات طابع هندسي مرعب؛ فُصلت ساقاه من عند الحوض، ثم بُترت مجددًا من عند الركبتين لتشكل أربعة أجزاء، وضُمت إليها ذراعاه المبتورتان. رُتبت هذه الأشلاء الستة بدقة متناهية على الأرضية الغارقة بالدماء لتصنع مثلثًا متساوي الأضلاع، يتداخله مثلث آخر أصغر منه. وفي مركز هذه اللوحة الهندسية الدموية تمامًا، صُفت القدمان والكفان بجانب بعضها البعض لتشكل قاعدة بشعة... استقر فوقها رأس "براون" المقطوع، بعينين جاحظتين تعكسان آخر لحظات رعبه الخالص. أما الأكثر رعبًا وغموضًا في المشهد، فهو أن جذعه الأساسي لم يكن له أي أثر في الغرفة بأكملها، وكأنه تبخر في الهواء!.
بيدين ترتجفان وأنفاس متقطعة، اندفع أحد أفراد الطاقم وتخطى الدماء بصعوبة ليلتقط الهاتف الآمن المخصص للتواصل المباشر مع قيادات العائلة. أبلغهم سريعًا وبصوت يملؤه الذعر بتفاصيل الكارثة.
لم يكن رعب الطاقم نابعًا من بشاعة المنظر فحسب، بل من دلالته الكارثية الواضحة لكل من يعمل في هذا العالم السفلي؛ فهذا الترتيب الهندسي الدقيق والمريض للأشلاء لم يكن مجرد قتل عشوائي أو هجوم عادي لشخص مختل... لقد كانت تلك هي البصمة الدموية الخاصة بـ عائلة "روكا"، وطريقتهم الشهيرة والوحشية في تنفيذ الاغتيالات وتوجيه رسائل الردع لأعدائهم.
كانوا يطلقون عليها اسم: 'التريغما'.
Mo0S