بدأ الأمر.
تحرك الرجل المضمّد بخطوات ثابتة نحو مخرج الطوارئ نفسه الذي سلكه الرئيس وحراسه. لكنه لم يكد يعبر الردهة حتى اصطدم بفرقة أمنية مدججة بالسلاح، ليندلع القتال في لحظتها.
كان من الصعب عليهم استهدافه في تلك المساحة الخانقة؛ إذ أخذ يتحرك بخفة مرعبة، يحتمي بأجسادهم كدروع بشرية ويوجه ضرباته القاضية بدقة. لم يطل الأمر حتى تمكن أحد الجنود أخيرًا من توجيه فوهة بندقيته مباشرة نحو وجه الرجل المضمّد. لكن في كسر من الثانية، قبض الغريب بيده ذات القفاز الأبيض على سبطانة السلاح.
اتسعت عينا الجندي في صدمة شلت حركته؛ تحت قبضة الرجل، بدأ المعدن البارد يفقد قساوته، ويتآكل مصدراً حفيفاً خافتاً كأوراق شجر جافة تحترق، ليتحول إلى رماد أسود يتساقط بين أصابعه. وقبل أن يستوعب الجندي استمرار هذا الكابوس... انطلق صوت طلقة مكتوم، لتخترق رصاصة من مسدس الغريب رأسه مباشرة.
وعلى درجات سلالم الطوارئ، وقبل بلوغهم مرآب السيارات بقليل، أثناء هبوطهم اللولبي السريع بأنفاس لاهثة، سقطت إحدى الجثث من الأعلى لترتطم بالدرج أمامهم مباشرة بدموية مفزعة، لتبث رعبًا خالصًا في قلوب المجموعة الهاربة.
توقف أحد الحراس فجأة. التفت ليواجه الدرج شاهرًا سلاحه، وصرخ في الحارسين المرافقين للرئيس:
"اذهبا الآن! أخرجاه من هنا!"
ركض الحارسان والرئيس بأقصى سرعة ممكنة. خطواتهم تصدح في أرجاء المرآب الخرساني البارد، تحت إضاءة مصابيح الفلورسنت، حتى وصلوا أخيرًا إلى سيارة الرئيس المصفحة. وفي اللحظة ذاتها التي التقطوا فيها أنفاسهم ظناً أنهم نجوا... دوت طلقة واحدة مكتومة، وسقط أحد الحارسين أرضًا جثة هامدة.
استدار الحارس الثاني فورًا وصوّب سلاحه نحو الرجل، مطلقًا عدة رصاصات متتالية. لكن الرجل المضمّد تفاداها بخفة وهدوء مرعبين، وكأنه يرقص بين مسارات الطلقات. حين أدرك الحارس أن الرصاص لن يجدي نفعًا، استل سكينه القتالي واندفع نحو الغريب في محاولة اشتباك بائسة لتعطيله وكسب الوقت لمرؤوسه.
في تلك الأثناء، تمكن الرئيس، الذي تمزقت سترته الفاخرة أثناء احتكاكه العنيف بجدران السلم، من رمي نفسه داخل السيارة وإغلاق الباب. وبيدين ترتجفان بعنف، حاول تشغيل المحرك. أصدرت السيارة صوتًا متقطعًا، ثم صمتت تمامًا... كانت معطلة.
رفع الرئيس نظره بيأس ليرى مشهدًا جمّد الدم في عروقه؛ كان الغريب قد أحكم قبضته ذات القفاز الأبيض على عنق الحارس. وفي ثوانٍ معدودة، بدأ رأس الحارس يتحلل ويتآكل كأنه رماد يتطاير في الهواء، حتى سقط الجسد المقطوع بلا حراك، لتبقى يد الرجل المضمّد معلقة في الفراغ للحظة إثر إمساكه للعنق الذي تلاشى.
تجاوز الرجل الجثة، واقترب من السيارة بخطوات هادئة وموزونة. وصل إلى النافذة، وببرود تام، طرق بيده على الزجاج، مشيرًا بإصبعه للرئيس أن يُنزل الزجاج.
استسلم الرئيس، وكأن طاقة المقاومة قد سُحبت من جسده تمامًا. أنزل الزجاج ببطء، وبنبرة امتزج فيها اليأس بتقبل المصير المحتوم، قال:
"أنت ساذج جدًا لتظن أنك ستنجـ..."
لم يكمل جملته. اخترقت رصاصة رأسه في لمح البصر، لتبعثر دماءه على زجاج النافذة والمقعد الجلدي المجاور لمقود السيارة، منهيةً الأمر برمته.
وسط رائحة البارود والدماء التي أخذت تملأ المكان، وقبل أن يلتفت الرجل ليغادر مسرح الجريمة، لفت انتباهه شيء يبرز من جيب سترة الرئيس الممزقة.
مدّ يده ذات القفاز الأبيض، التي بقيت نظيفة بشكل يثير الأعصاب، وسحب ذلك الشيء ببطء. تأمله لثوانٍ؛ ليتبين أنه تذكرة طيران لرحلة خاصة، تحمل شعار شركة طيران تُدعى "لور". مرر عينيه من خلف الضمادات على التفاصيل المطبوعة، لكن ما أثار دهشته حقًا لم يكن اسم الشركة الغامضة، بل الوجهة المسجلة عليها.
"جمهورية الكونغو الديمقراطية".
تعجب الرجل من هذه الوجهة غير المتوقعة لرئيس تنفيذي لشركة أدوية كبرى. ألقى التذكرة من يده بلامبالاة ليتخلص منها، ولكن... وكما حدث مع السلاح والحارس قبل قليل، بدأت حواف الورقة تتآكل وتتحلل في الهواء كأنها رماد أسود، لتتلاشى تمامًا... قبل حتى أن تلامس أرضية المرآب الباردة.
Mo0S