ذهاب بلا عودة

ذهاب بلا عودة

26 2

مدينة ليفربول، بريطانيا - مساء اليوم التالي

​في أحد الموانئ المزدحمة، حيث تمتزج رائحة الملح الثقيلة بعوادم السفن الكثيفة، كان العمال يفرغون حمولات ضخمة وسط صرير الرافعات الحديدية. شقت سيارة سوداء فارهة ومظللة طريقها ببطء وسط هذه الأجواء الكادحة والمغبرة.

​ترجل منها رجل أنيق، وتوجه بخطوات واثقة نحو عامل محدد من بين الرجال المنهمكين. بمجرد أن التقيا، أومأ الزائر برأسه إيماءة خفيفة. دون كلمة واحدة، ألقى العامل قفازاته المتسخة وتحرك ليدله على الطريق، بينما تبعه الزائر بصمت حتى وصلا إلى مكتب الإدارة الرئيسي في الميناء.

​دلف الزائر، ووجه حديثه للرجل الجالس خلف المكتب بنبرة رسمية وباردة:

"طاب مساؤك، سيد سميث."

***

كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية

وسط حقول زراعية شاسعة تمتد كبحر ذهبي تحت أشعة شمس الظهيرة، فُتح باب سيارة سوداء فارهة كانت متوقفة أمام بيت ريفي بسيط. ترجلت منها امرأة ترتدي بذلة رسمية داكنة تتناقض مع حرارة المكان. وقفت أمام صاحب البيت الريفي وقالت بوضوح:

​"السيد رحيم يطلب لقاءك، سيد مورغان."

***

جبال لبنان، الشرق الأوسط

​في الغسق البارد، وأمام مبنى معزول يبدو كمدرسة تخفي خلفها مقراً سرياً محصناً، تقدم رجل نحو المدخل. من وسط العتمة في الداخل، استوقفه صوت خشن ومقتضب:

​"المستوى؟"

​أجاب الزائر دون تردد: "آر فايف (R5)... سيد الحسن."

***

باريس، فرنسا

​بعيداً عن هذه التحركات العالمية المتزامنة، وفي إحدى الغرف الفندقية الهادئة والمعتمة، كان الرجل جالساً في صمت. هذه المرة، لم يكن وجهه مغطى بذلك القماش الأسود، بل كان مكشوفاً تماماً.

​كان التوهج البارد لشاشة الحاسوب المحمول ينعكس على وجهه، تذوب ملامحه في ظلال الغرفة دون أن تتضح منها أي تفاصيل تُذكر، وكأن العتمة نفسها تشكل جزءاً منه. أمامه، انتشرت عدة علامات تبويب: واحدة تخص شركة الطيران الغامضة "لور"، وأخرى لكل فرع رئيسي لشركة "مورا" للأدوية في القارة العجوز (فرنسا، بريطانيا، اليونان، وألمانيا)، وأخيراً، الصفحة الرئيسية لشركة "مورا" الأم.

​كان يراقب شاشته بهدوء... ينسج خيوط شبكته الخاصة.

​من بين كل تلك النوافذ الرقمية المفتوحة، توقف تركيزه بالكامل عند الموقع الرسمي لشركة "مورا". أخذ يمرر عينيه ببطء على البيانات والوثائق المعروضة، لتتضح أمامه الصورة الكبرى المرعبة: "مورا" لم تكن مجرد شركة أدوية، بل كيان أخطبوطي متشعب، يربط كل فروع القارة، ويمتد نفوذه المالي ليبتلع حتى شركة الطيران الخاصة "لور".

للحظة، ومضت الشاشة بخفة، وظهر رابط فرعي صغير أسفل الصفحة لم يكن منتبهاً له من قبل، يحمل عنوان: "التأسيس والتاريخ".​نقر عليه. وهناك، توقفت حركة يده تماماً فوق لوحة اللمس.

​الموقع الرئيسي والمنشأ الفعلي لتلك الإمبراطورية الضخمة لم يكن في باريس، ولا في أي عاصمة أوروبية فارهة. لقد كانت الجذور العميقة للشركة تمتد إلى مكان واحد... "جمهورية الكونغو الديمقراطية".

​رفع الرجل نظره عن الشاشة، وامتدت يده لتلتقط سماعة الهاتف الفندقي. ضغط على زر الاستقبال، وبنبرته العميقة الهادئة قال:

​"مساء الخير... سأخلي الغرفة في الرابعة فجراً."

​صمت لثوانٍ مستمعاً لرد موظف الاستقبال، ثم أردف وعيناه لا تفارقان الشاشة:

"نعم، أحتاج إلى سيارة تنتظرني بالأسفل لتوصيلي إلى المطار... لا، ليست لدي أي حقائب."

​أنهى المكالمة وأعاد السماعة إلى مكانها بصمت. وفي تلك اللحظة، كان شريط التحميل على شاشة حاسوبه قد اكتمل، لتومض رسالة خضراء مقتضبة:

​"تم تأكيد الحجز. رحلة ذهاب فقط. الوجهة: مطار كينشاسا الدولي."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الامبراطورية الجديدة

المؤلف Mo0S
2026/03/07 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة