جمهورية الكونغو الديمقراطية
في عمق الغابات الاستوائية الكثيفة، حيث تحجب المظلة الخضراء للأشجار العملاقة ضوء الشمس وتخلق رطوبة خانقة، تناثرت شبكة من المباني التي صُممت واجهاتها ببراعة لتبدو كمدارس ريفية معزولة. لكن، في أكثر بقع الغابة وعورة ووحشة، كان يربض المجمع الأكبر والمقر الرئيسي.
"عائلة مورا"
كُتبت هذه العبارة بحروف غائرة على لافتة حجرية ضخمة، زحفت عليها بعض الطحالب الاستوائية عند المدخل الرئيسي للمجمع. خلف هذه البوابة، امتدت ساحات خضراء شاسعة لم تضم طلاباً، بل فصائل من الرجال ذوي البنية القتالية، يتلقون تدريبات عسكرية قاسية ومنظمة كالساعة، تحت أنظار مشرفين صارمين لا يعرفون الرحمة.
بالقرب من المبنى الرئيسي، وعلى مهبط طائرات مخفي بعناية بين قمم الأشجار، هبطت مروحية سوداء مُثيرةً زوبعة عنيفة من أوراق الشجر والغبار. بمجرد أن سكنت المحركات، ترجل السيد "سميث" ببدلته الأنيقة التي لا تناسب وحشية المكان، لتستقبله امرأة تقف على حافة المهبط بابتسامة عملية باردة.
قالت المرأة بصوت يعلو قليلاً فوق الأزيز المتبقي للمروحية:
"أهلاً بك سيد سميث. رحلة طويلة؟"
عدّل سميث سترته وأجاب بهدوء وهو يمسح الغبار عن كمه:
"يبدو أننا سنرى بعضنا كثيراً في الأيام القادمة."
أومأت المرأة برأسها واستدارت قائلة:
"تفضل معي. السيد رحيم في انتظارك."
على الجانب الآخر من الغابة، كانت قافلة من سيارات الدفع الرباعي السوداء والمظللة تشق طريقاً طينياً وعراً، حتى توقفت بصرير مكابح حاد أمام إحدى ساحات التدريب.
ترجل السيد "مورغان" محاطاً بحراسه، وسار بخطوات ثقيلة وواثقة شقّت صفوف المتدربين الذين توقفوا عن حركتهم فوراً. استمر في تقدمه حتى وقف وجهاً لوجه أمام المشرف المسؤول.
قال مورغان بنبرة خشنة: "سامويل."
رد المشرف بنظرة حادة مماثلة، ويداه تسترخيان بالقرب من سلاحه: "مورغان."
خيّم صمت ثقيل ومكهرب على المكان، وتجمد المتدربون في أماكنهم وكأن الرجلين على وشك الانقضاض وقتل بعضهما البعض. ثم فجأة، انكسر الجليد؛ التمعت عينا مورغان، وانفجر الاثنان في ضحك عالٍ، وعانق كل منهما الآخر بحرارة.
ربت مورغان على كتف المشرف قائلاً:
"لقد مرت فترة طويلة لم أرك فيها أيها الوغد الصغير."
ابتسم سامويل وهو يشير بيده نحو المبنى الرئيسي:
"حسنًا، أنت تعرف مشاغل العائلة... ومشاغل السيد رحيم."
تنهد مورغان بابتسامة ماكرة:
"هذا الرجل لا يهدأ أبدًا... تفضل بتمهيد الطريق."
في قلب المبنى الرئيسي، وتحديداً في غرفة واسعة معزولة تماماً، امتدت واجهة زجاجية ضخمة من الأرض إلى السقف، تطل على لوحة طبيعية مهيبة لغابة كثيفة وشلال مياه هادر. ورغم المنظر البري وصخب المياه في الخارج، كان الصمت داخل الغرفة خانقاً ومحمولاً بالترقب.
على رأس طاولة الاجتماعات، جلس السيد "رحيم"، وإلى جانبه السيد "سميث". وبعد لحظات، فُتح الباب ليدخل السيد "مورغان" وينضم إليهما.
كسر مورغان الصمت، مستنداً إلى مقعده الوثير ببرود:
"إذن... ما الخطب يا رحيم؟ استدعاء بهذا الشكل المفاجئ يجب أن يستحق العناء."
كان رحيم جالسًا وعيناه مغلقتان في سكون تام. فتح عينيه ببطء شديد، ولم ينظر إلى مورغان، بل وجه نظره نحو زاوية مظلمة في الغرفة وقال بصوت عميق ورزين:
"إلى متى تنوي الاختباء هناك؟"
للحظة، لم يتحرك شيء سوى انعكاس تموجات المياه على الزجاج. ثم، ودون أي صوت يُذكر، انسلّ ظلٌ بشري من خلف أحد الأعمدة الخرسانية الضخمة. سار الرجل بهدوء، حتى وصل إلى الطاولة وجلس في المقعد الشاغر بجانبهم.
ابتسم السيد "الحسن" وهو يخرج من الظل، وقال بنبرة هادئة وواثقة:
"كعادتك يا رحيم... حواسك لا تخطئ أبداً."
تبادل الرجال النظرات... لقد اكتمل النصاب.
***
في مكانٍ ما في روما
في قاعة واسعة يغلفها ظلام دامس، لا يقطعه سوى شعاع ضوء عمودي خافت مسلط على المنتصف، حيث تربض طاولة خشبية ضخمة نُحتت بدقة على شكل "عين".
حول تلك العين، جلس سبعة أشخاص. لم تظهر منهم أي ملامح؛ مجرد أطياف وظلال ثقيلة تكتنفها السرية التامة، وتشع منها هالة من السلطة.
شقّت العين الأولى سكون الغرفة، متسائلةً:
"هل عرفتم من فعل هذا؟"
أجابتها العين الثانية بنبرة هادئة وواثقة:
"نعم... إنه مجرد شاب."
مالت العين الثالثة إلى الأمام قليلاً لتلامس حوافها بقعة الضوء، وسألت باستنكار:
"ماذا تقصد بمجرد شاب؟"
تدخلت العين الرابعة لتوضح الأمر:
"يقصد... أنه لا ينتمي لأي عائلة من العائلات السبع."
ساد صمتٌ مشحون بالتوتر للحظات، قبل أن تقاطعه العين الخامسة بنبرة تحمل طابعاً من عدم التصديق:
"كيف يعقل هذا؟ أتقولون إن هناك شخصاً يمتلك قوة كافية لاختراق (مورا) وفعل ما فعله، وهو لا ينتمي لأي من العائلات السبع؟"
ردت العين الثانية ذاتها مؤكدة بهدوئها المعتاد:
"نعم. لكن المشكلة الأكبر أنه لا يدرك حتى حجم ما اقترفه."
تساءلت العين السادسة بنبرة يشوبها الترقب:
"وماذا عن الثغرة؟"
أجابتها العين الثانية بثقة:
"لقد استغلها كما خُطط."
همهمت العين السابعة في الظلام، وبدت في نبرتها مسحة من الاهتمام الخبيث:
"هممم... قد تكون هذه فرصة جيدة لنا. يمكننا ضمه إلى صفوفنا قبل العائلات."
عادت العين الأولى لتطرح سؤالها، ونبرتها تحمل تحذيراً مبطناً:
"هل أنت متأكد من هذا المسار؟ ماذا لو رفض العرض؟"
حسمت العين السابعة النقاش بصوت بارد، موجهةً حديثها مباشرة نحو العين الثانية:
"إذا رفض، سنتخلص منه. الأهم الآن... ألا تدعه يغيب عن الأنظار."
Mo0S