الطابق 49

الطابق 49

39 2

باريس، المقر الرئيسي لشركة "مورا" للأدوية

التاسعة مساءً

​دفع الرئيس التنفيذي باب مكتبه المصنوع من خشب الماهوجني الثقيل، وتوجه للداخل بخطوات واثقة وهو يتحدث عبر هاتفه بنبرة حاسمة:

"سأتأخر قليلًا، لديّ بعض الملفات العالقة التي يجب تسويتها الليلة."

​أغلق الخط وألقى بهاتفه على السطح الزجاجي الأسود والبارد للمكتب. كانت أضواء باريس الليلية تتسلل من النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف، لترسم ظلالًا طويلة ومائلة على السجاد الوثير، وتنير أجزاءً متفرقة من الغرفة الواسعة. وقبل أن يجلس، شقّ سكون الغرفة صوتٌ عميق وهادئ قادم من زاوية الأريكة الجلدية المظلمة:

​"لديك جدول عمل مزدحم حقًا!"

​لم ينتفض الرئيس، ولم تظهر عليه أي علامات للذعر. التفت ببطء نحو مصدر الصوت، ثم أكمل طريقه نحو خزانة المشروبات الصغيرة. التقط زجاجة كريستالية وبدأ يصب كأسًا بصمت تام، وصوت رنين الزجاج يتردد في أرجاء الغرفة وكأنه يتحدى الموقف.

​حمل الكأس وجلس على كرسيه الجلدي، رفع نظره أخيرًا نحو الظل القابع على الأريكة، وقال بنبرة مليئة بالغطرسة:

​"أفترض أنك تخطيت أنظمة حمايتنا لسبب يستحق... كم دفعوا لك لتجلس على أريكتي؟"

​ضحك الرجل بخفة وسخرية:

" تتحدث وكأن اختراق حصنك المزعوم إنجازٌ يذكر."

​في تلك اللحظة، وتحت حافة المكتب الخشبية الضخمة، انزلقت أصابع الرئيس بخفة واحترافية لتضغط على زر أمني خفي.

​"محاولة التمويه لن تفلح." قال الرئيس وهو يرتشف من كأسه بثبات. "عاجلًا أم آجلًا... سيعرفون كل شيء."

​مال الرجل الغريب بجسده إلى الأمام لتلتقط ملامحه بعض أضواء الشارع الخافتة، وتجاهل التهديد المبطن قائلاً:

"على الأرجح لن تتذكر الأمر... فقد كان ذلك منذ حوالي سبعة عشر عامًا."

​لأول مرة، تصدّعت الهالة الجليدية التي تغلف الرئيس. توقفت يده التي تحمل الكأس في منتصف المسافة، وتصلب فكه وهو يضيق بؤبؤ عينيه متسائلًا بصوت منخفض:

"عمَّ تتحدث؟"

​في تلك الأثناء، وفي الممرات الخارجية الصامتة لمبنى الشركة الضخم، ومض ضوء أحمر خافت عبر شاشات الأمن. لم تنطلق صفارات الإنذار، ولم يصدر أي ضجيج. وبلمح البصر، تحركت فرق الأمن التابعة للشركة كأشباح مدربة جيدًا. ارتدوا عتادهم التكتيكي الكامل، وسحبوا أسلحتهم بصمت، وبدأوا يتوافدون في تشكيلات سريعة ومنظمة، متوجهين بخطوات لا تُسمع نحو مكتب الرئيس.

​تسارعت الأفكار في رأس الرئيس التنفيذي. هل يعقل أن الجالس أمامه يجهل طبيعة "عالمهم" السري؟ وكيف تمكن من اختراق كل هذه التحصينات؟

​قطع الرجل الغريب حبل أفكاره حين نهض عن الأريكة ببطء. سار بخطوات هادئة نحو المكتب لتدخل هيئته أخيرًا في بقعة الضوء. كان يرتدي بدلة أنيقة مفصلة بعناية، وقفازات بيضاء ناصعة في يديه. لكن المشهد المرعب لم يكن في ملابسه، بل في رأسه؛ لم تكن له ملامح بشرية ظاهرة، بل كان وجهه ملفوفًا بالكامل بضمادات طبية يغطيها قماش أسود قاتم.

​تحدث الرجل المضمّد بنبرته العميقة ذاتها:

"في ذلك الوقت... حين انتشر ذلك المرض المتحور، ولم يكن هناك أي علاج يلوح في الأفق... حتى ظهرتم أنتم."

​انقشعت حيرة الرئيس، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة ومتهكمة. استند إلى كرسيه الوثير براحة أكبر، وقال:

​"آه، لقد فهمت الآن. أنت تتحدث بعاطفة، بينما هي مجرد صناعة وتجارة. نحن لا نصنع المعجزات، نحن نبيع الوقت. سواء كان ذلك المرض قبل سبعة عشر عامًا، أو أي وباء سيأتي غدًا... القاعدة واحدة لا تتغير: المريض هو من يحتاج إلينا، وليس العكس. يمكنك تسمية ذلك استغلالًا، أو جشعًا، أو ما شئت... لكن في النهاية، سيظل العالم مضطرًا للركوع أمامنا لشراء حياته. غضبك هذا لن يغير من الحقيقة شيئًا."

​لم يتأثر الرجل من قسوة الرد، بل أومأ برأسه المغطى قائلاً:

"توقعت أن تكون هذه إجابتك... حسنًا، يبدو أنه لم يعد هناك شيء آخر لقوله."

​بمجرد أن نطق بحرفه الأخير، تحطم صمت الغرفة. اندفع باب المكتب العريض للداخل بعنف، واقتحمت فرق الأمن المكان كعاصفة سوداء. وفي ثوانٍ معدودة، كانوا يحيطون بالرجل من كل جانب بأسلحتهم المصوبة بالليزر الأحمر. رغم ذلك، لم يرتجف الرجل الغريب، ولم يكلف نفسه حتى عناء النظر إليهم.

​صرخ الرئيس فورًا:

"لا تقتلوه! أريده حيًا لاستجوابه!"

​لكن الكلمات تجمدت في حلقه. قبل أن يكمل جملته، تموجت السجادة أسفل قدمي الرجل المضمّد مباشرة وكأنها سطح سائل، ثم ذابت الأرضية الصلبة وتلاشت متحولة إلى فراغ مبتلع، ليسقط الرجل في هوة الطابق السفلي في لمح البصر.

​"أمسكوه! لا تدعوه يهرب!" زأر الرئيس وهو يضرب بقبضته بقوة على سطح مكتبه.

​في تلك اللحظة الفوضوية، لم يهتم حراسه الشخصيون سوى بسلامته. اندفع ثلاثة رجال أمن ضخام البنية نحو الرئيس، أحاطوا به كدرع بشري، وبدأوا في إخراجه من الغرفة لتأمين خروجه من المبنى.

​الطابق 49 (الدور ما قبل الأخير)

​نهض الرجل المضمّد بهدوء وسط الغرفة المظلمة التي استقر فيها. نفض الغبار عن بدلته الأنيقة، ثم مد يده إلى سترته ليُخرج مسدسًا أسود مزودًا بكاتم للصوت.

​أحكم قبضته عليه... وها قد بدأ الأمر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الامبراطورية الجديدة

المؤلف Mo0S
2026/03/07 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة