الراحة المنشودة

الراحة المنشودة

23 0

في الغرفة المظلمة - حيث يقبع مورفي للتعافي

استيقظ مورفي ببطء، وفتح عينه على ذلك السواد المطبق الذي لا يكسره سوى النور الذهبي الخافت المنبعث من الجدار.

همس بصوت جاف ومبحوح في الفراغ: "يا هذا... هل أنت هنا؟"

ابتلع الظلام كلماته، ولم يجبه أحد.

اعتدل في جلسته بتثاقل، ومد يده لينزع إبرة المحلول المتوهج من معصمه. نظر إلى ذراعه؛ لقد عاد جسده سليمًا تمامًا، وكأن العظام التي هُشمت والأنسجة التي تمزقت لم تكن سوى كابوس عابر.

وبمجرد أن تحرك، انزلق القماش الأسود عن وجهه وسقط أمامه على الأرضية الباردة. كان ممزقًا ومتهالكًا بشكل كبير إثر الضربة الغادرة التي تلقاها من خنجر "الحسن".

وهو جالسٌ على حافة السرير المعدني، رفع يده ببطء وتحسس مكان عينه المصابة. كان قد عالج الجرح سطحيًا في خضم المعركة قبل أن يُستنزف جوهره، لكن لم يكتمل شفاءها بالكامل. ركز قليلاً، وشعر بحرارة خفيفة تسري في محجر عينه، وبدأت الأنسجة تتشابك وتلتئم تحت أصابعه، لتعود خلايا عينه للتشكل والتجدد كما كانت... كأنها لم تتأثر قط.

ورغم أن جسده أصبح خاليًا من أي خدش بفضل ذلك المحلول الغريب، إلا أن "مورفي" ظل جالسًا على السرير كتمثال بلا روح. لم يفكر في النهوض، لم يفكر في استكشاف المكان، ولم تخطر بباله حتى فكرة الهروب. لا يعلم لماذا، لكنه تسمر في مكانه، لا يفعل شيئًا سوى التحديق في الفراغ بينما تنهش الأفكار السوداء دواخله، وكأن سحابة سوداء وثقيلة من الاكتئاب والحزن قد سكنت صدره. ظن في قرارة نفسه أن لا هدف يُرجى من انتقامه، ولا جدوى من كل هذا العناء.

أخذت الأسئلة تتقاطر في ذهنه كقطرات حمض كاوية: (هل الأمر يستحق حقًا؟ هل ما قاله "ألكسندر" سابقًا عن كون العالم مجرد تجارة وموت، هو الحقيقة الفعلية المطلقة؟ هل العالم غارقٌ بهذا القدر من الفوضى واللامبالاة؟ ما هذا العبث؟ وما هذا النظام الذي يحكمهم في الخفاء... نظام "العائلات" الذي ذكره ذلك الرجل؟)

تنهد مورفي تنهيدة طويلة ومحملة باليأس، متسائلاً بصوت مسموع: "ما معنى كل هذا؟ ولماذا هذه الحاجة العمياء للسيطرة والقوة؟ ما الهدف النهائي من كل هذا؟"

ظل جالسًا للحظات طويلة، صامتاً يصارع دوامة أفكاره، قبل أن يستسلم لثقلها. رمى جسده للخلف، ممددًا إياه بالعرض على السرير وراح يحدق في السقف المظلم.

كان منتظرًا... لا يعلم ماذا ينتظر، ولا يعلم لماذا، لكنه اكتفى بالانتظار.

فجأة، تردد صدى خطوات هادئة وموزونة في أرجاء الغرفة المظلمة. ورغم اقترابها منه، لم يتحرك "مورفي" قيد أنملة، وظل ممددًا على ظهره، غارقًا في عدميته.

اقترب الرجل ذو القلنسوة—"العين الثانية"—من السرير وجلس بجواره بهدوء تام، كمن يجلس في معبد أو بجوار قبر.

خيم الصمت للحظات، قبل أن يقول الرجل بصوت خفيض يحمل صدقًا ثقيلًا وتأملًا عميقًا:

"أحيانًا... أتساءل وأفكر كثيرًا في الموت. هل هو النهاية حقًا؟ أم مجرد مرحلة انتقالية؟"

ظل مورفي صامتًا، وعيناه معلقتان بالسقف المظلم دون أن يرمش.

تابع "العين الثانية" حديثه، وكأنه يطرح الأسئلة على نفسه بقدر ما يطرحها على مورفي: "هل سنجد الراحة يومًا ما؟ وهل الموت هو هذه الراحة المنشودة، أم أنه مجرد حالة وجودية لا بد منها؟"

أجاب مورفي بصوت جاف وخالٍ من الحياة: "ما الفائدة؟"

صمت الرجل للحظة متأملاً، ليرد بنبرة يملؤها اليقين التام "الحق... والعدل. هما الفائدة. أسألك يا مورفي، هل ما فعلته بقتلك لألكسندر كان استردادًا لحقك... أم تطبيقًا للعدالة؟"

أغمض مورفي عينه وقال ببرود ويأس: "لقد فعلتُ ما عجز النظام عن فعله."

"لكنك لا تؤمن بأي نظام."

"لأن جميع الأنظمة ناقصة."

مال "العين الثانية" بجسده قليلاً، وسأل بنبرة جادة وخالية من أي أحكام: "إذًا، أتظن أن ما فعلته كان عادلًا مقابل ما اقترفه ألكسندر؟ أتعتقد حقًا أن مجرد قتله كان كافيًا للتكفير عن أفعاله؟ أهذا هو الجزاء المناسب لما سببه... خصوصًا لك؟"

خرجت الكلمة من بين شفتي مورفي باهتة ومثقلة بالهزيمة: "لا."

"ولن يكون كافيًا أبدًا." أكد الرجل بثقة المؤمن بقضيته. "طالما أن العالم يسير وفق هذا النظام. نظام غير قادر على أن يضمن أسس أي حياة، أو أن يكفل لك حقك وعدالتك."

التفت مورفي برأسه ببطء شديد نحوه، وسأل بصوت خافت: "أهذا إذًا هو هدفكم؟ القضاء على العالم والنظام؟"

"هدفنا أكثر تعقيدًا من هذا." أجاب الرجل بصوت يحمل ألمًا حقيقيًا ورغبة صادقة في التغيير. "لكنه، بلا شك، عالمٌ لن يضطر فيه الأبناء لمشاهدة آبائهم يموتون أمامهم في عبثٍ بلا جدوى... سوى إرضاءٍ لغرور السلطة وفرض السيطرة."

خرجت كلماته كهمس متعب، مستسلم تمامًا لحقيقة أن روحه مكشوفة أمام هذا الغريب: "أنت حقًا تعرف..."

"نعم يا مورفي، لم أكن أكذب عليك." قال الرجل بصدق مواسٍ، وهو ينهض ببطء من مكانه. "أنا أعرف ما مررت به، وأعرف ما أوصلك إلى هذه الحالة. لكن هذه هي فرصتك الحقيقية... صحيح أنه لا يمكنك تغيير ما حدث، لكن بإمكانك أن تضمن ألا يحدث ويتكرر مجددًا."

استدار الرجل مغادرًا، وقبل أن يبتلعه الظلام أضاف بهدوء:

"لا أحتاج منك جوابًا الآن. فكر في الأمر... وتخيل كيف سيكون هكذا عالم."

غادر الرجل، وبقي مورفي في سكونه المظلم، ممددًا على سريره الذهبي، يحدق في الفراغ.

بمجرد أن غادر "العين الثانية" وابتلعه الظلام، تحرك مورفي ببطء شديد على سريره. سحب ركبتيه نحو صدره، ولف ذراعيه حولهما متخذًا وضعية الجنين؛ يلتمس أمانًا مفقودًا ليدفئ به صقيع روحه. وفي صمت تلك الغرفة الباردة، استسلم لثقل جفونه وغفا... هاربًا من يقظته المظلمة إلى ملاذ العدم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الامبراطورية الجديدة

المؤلف Mo0S
2026/03/07 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة