المهد المكسور (أميرة المطبخ)
الفصل الخامس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
كل أمالي تتسرب من بين يديّ مثل قطرات المياه، أحلامي تتبدد وتتبعثر مثل أوراق الخريف، تذهب في مهب أول ريح تعصف بها.
جعلتني الحياة انتظر تحقيق أحلامي لأستيقظ فجأة على كابوس، مع كل كابوس أفقد شخصًا غاليًا عليّ، حتى فقدت كل عزيز وغالي، حبيبتي، أخي، وبالأخير أمي، لم أجد حتى الفرصة لأناديها بأمي فأول مرة نطقت بها هذه الكلمة وأنا بجوار جثمانها، أصرخ بكل ما أُتيت من قوة حزنًا على فراقها، كنت أتمنى أن أعوضها عن حرمانها مني كل هذه الأعوام، والآن أتذكر نظرة الحزن التي كانت ترتسم داخل عينيها في كل مرةٍ أناديها بمربيتي، لم أنعم بحضنها قط، وها أنا أقف أمام هذا القبر، فقد منحنى الملك الإذن بدفنها ثم مغادرة القصر.
ظل رسلان ينظر إلى قبرها بحزن، حتى كادت الشمس أن تغرب، اقترب منه كِيران ورتب على عاتقه وقال: سمو الأمير.
نظر له رسلان وابتسم ابتسامة حزينة وقال: لم أعد كذلك يا كِيران، بل الأصح أنك أصبحت أعلى مني مرتبة الآن، أنت من النبلاء وأنا من العامة.
كِيران بحزن: لا أهتم، إنت صديقي المقرب سواء كنت الأمير أو لا، فأنت أقرب شخصٌ لي، لذلك قررت أن أغادر القصر معك.
رسلان: لا، أنا أريدك أن تبقى بجوار الأميرة، يومًا ما سوف تصبح هي الملكة، وهي الآن وحيدة بالقصر، ظل بجوارها كي أطمئن عليها.
كِيران: وأنت؟! كيف ستعيش خارج جدران القصر.
رسلان: لا تقلق، يجب عليّ أن أتأقلم الآن، سوف أبحث عن عمل وأتدبر أمري يجب أن أعود إلى القصر وأخذ أغراضي وأرحل.
كِيران: لما لا تطلب من الملك أن يزوجك الأميرة؟
رسلان: كلانا نعلم أنه سيرفض.
نظر نظرة أخيرة إلى القبر ورحل، عاد إلى القصر، وعندما رأته بهيرة ركضت سريعًا إلى جناح ليال وأخبرتها بأنه قد عاد، ذهبت ليال مسرعة إلى جناحه ولكن وجدته يغادر القصر، نادت باسمه فتوقف ونظر إليها، اقتربت منه وهي تبكي وقالت: متمشيش.
رسلان: أسف يا سمو الأميرة، لازم أرحل.
ليال: أول مرة أعرف إنك بتستسلم بسهولة.
رسلان: يمكن بعد ما خسرت كل حاجة حاولت إني أحصل عليها، فقدت شغفي بإني أحاول عشان أي حاجة تانية، أو مش عايز اتعلق بحاجة تانية وأخسرها.
بكت ليال أكثر وقالت: طيب على الأقل حاول عشاني.
اقترب منها رسلان وقال: حاليًا لا أملك حتى القدرة على المحاولة، لكن... هناك شيء يجب أن أخبرك به، كنت دائم التأجيل لهذا، ولكن الآن لم يعد هناك فرصة أخرى، بالرغم من إن قلبي كان دايمًا بيصرخ بيها من أول مرة شفتك، وإنتي سمعتيها منه أكتر من مرة، فأنا لازم أقولها صريحة، أنا بحبك يا ليال.
ارتمت ليال بين أحضانه وقالت ببكاء: ليه دلوقتي؟
انسابت دموعه وقال: عشان خايف أندم في يوم إني مقولتهاش، وعلى الأقل أبقى قولتها للإنسانة الوحيدة اللي حبيتها واللي عمري ما هحب غيرها.
ليال: أنا بحبك، أرجوك متمشيش.
ضمها رسلان إليه بقوة وقال: ياريت كان بإيدي، ياريت أقدر أغير كل اللي حصل، بس أنا متأكد إن كل ده كان لازم يحصل عشان ترجعي لمكانك، عشان إنتي تبقي الملكة، وأنا أرجع لمكاني، أنا مش هزعل منك لو إتجوزتي، عارف إنهم هيضغطو عليكي، لازم تنسيني وتعيشي حياتك.
ابتعدت عنه ونظرت داخل عينيه وقالت: وإنت؟!
أزال دموعها وقال: أنا ملكك، وهفضل طول عمري ليكي إنتي بس، يكفيني إني أشوفك من بعيد، أقف واتفرج على الموكب بتاعك وإنتي بتمري في السوق، يكفيني إني أعرف إنك بخير.
اقترب منها وقبل جبهتها وهو يغمض عينيه بألم ودموعه تنساب حسرةً على فراقها وقال: الوداع حبيبتي.
تركها وذهب، مع كل خطوة يخطو بها بعيدًا، كانت أنفاسها تخطف من داخل صدرها، كادت تلحق به ولكن أمسكها رَاهون من ذراعها وهو ينظر إليه بحزن، فالتفتت إليه ليال وقالت: إمنعه يا والدي، أرجوك.
رَاهون: لم يطلب رسلان ما ليس من حقه من قبل، هو يعلم أنه إذا طلب الزواج منكِ لن يحدث، حتى وإن وافقت أنا، الديوان سيعترض، والكل سوف ينظر إليه كطامع في السلطة فقط، فهو أمام الجميع كان أخًا لكِ، وعند طرده من القصر يطلب الزواج منكِ، لن يوافق أحد على هذا الزواج.
ليال: أنت من تضع القوانين.
رَاهون: وهذا يعني أن أكون أول من يحترمها.
وصل رسلان عند البوابة ليجد كِيران ينتظره أمامها، وقال: نويت الرحيل؟!
أومأ له رسلان بالإيجاب فأردف: كنت دائمًا عونًا لي، واليوم جاء دوري لأرد الجميل.
أخرج من معطفه بعض الأموال، نظر له رسلان بخجل، ثم أشاح بوجهه عنه، حاول كبح دموعه، ما أصعب أن يتبدل حالك في ليلة واحدة، نظر له كِيران بخجل مما فعل وقال: أنا لا أقصد إهانتك يا سمو الأمير.
رسلان بغضب: لم أعد كذلك.
كِيران: حسنًا حسنًا، يا رسلان.
رسلان: ساهر، اسمي ساهر الآن، لا يوجد أحد بهذا الاسم يا كِيران، أشكرك أنك تحاول مساعدتي، ولكن لن أقبل بهذه الأموال.
تركه ساهر واقترب من البوابة، فتح له الحراس الباب وانحنو له وقالو: سمو الأمير، سوف نفتقدك كثيرًا.
قال بصوت ضعيف: لم أعد كذلك.
خرج من القصر وخطى بالخارج، حتى سمع صوت إغلاق البوابة، التفت لينظر إليها ثم عاد النظر إلى الشارع، للحظة شعر بأن الكون واسعٌ عليه، فقد عاش عمره كله داخل القصر، محاط بتلك الأسوار عالية، كان رَاهون يخاف عليه بشدة لذا منعه حتى من الخروج منه، والآن عليه مواجهة هذا العالم الذي لا يعرف عنه إلا القليل، لأول مرة يخرج ليلًا خارج القصر، لذا شعر بغرابة الأمر، ظل يسير بالشوارع، لا يعلم أين سينام هذه الليلة، مر وقت وهو يسير بالشوارع حتى أُغلقت كل منافذ البيع، شعر بالتعب فجلس بجوار أحد مطاعم، بعد وقت، خرجت فتاة من المطعم، كانت تلقي بالقمامة بالخارج، رأته يجلس وحيدًا ويبدو عليه الحزن فقالت: يا أنت.
نظر لها ساهر فقالت: تعالى ساعدني، فيه شاب مخمور وفاقد الوعي بالداخل ولا أجد من يحمله.
ساهر: وما دخلي أنا؟!
الفتاة: إحمله بس ووصله للمنزل ده، بالزاوية هناك، وارجع إلى هنا وسوف أعطيك أموال.
نظر لها ساهر، هو بالفعل لا يملك أي أموال ويحتاج إلى مكان لينام به، ففكر أن يوصل هذا الشاب ثم يعود ويطلب منها أن تسمح له بالنوم داخل المطعم حتى الصباح، اقترب من المطعم، دخلت الفتاة ولحق بها، حتى رأى الشاب، فأمسك به ورفعه على عاتقه وخرج من المطعم وأوصله إلى منزله ثم عاد، مدت يدها تعطيه بعض الأموال فقال: لأ، أنا بس لو تسمحيلي أنام هنا الليلة.
الفتاة: لأ، ساعدت شباب كتير زيك قبل كده وفي الآخر سرقو الأموال وهربو.
ساهر: خدي الأموال معاكِ، أنا غريب، مش من المملكة ديه، ومعنديش مكان أنام فيه.
نظرت له تلك الفتاة وتنهدت بقوة وقالت: هناك وسادة وغطاء هنا، بس هتمشي بالصباح.
ساهر: شكرًا.
نظر إلى الوسادة وذهب وجلس بجوارها، نظرت له الفتاة قليلًا وقالت: جائع؟
نظر لها ساهر بخجل فقالت: حسنًا، آخر طلب هقدمه اليوم.
ذهبت وبعد قليل عادت ومعها صحن به بعض الطعام فقالت: بعتذر بس ده الباقي من طعام اليوم.
ساهر: شكرًا.
الفتاة: اسمك إيه؟
ساهر: رس... ساهر.
الفتاة: وأنا فداء، هتركك تاكل وتنام، شكلك مجهد جدًا.
تركته فداء، وقبل أن تغادر وضعت عملة نقدية بجوار الطاولة، وأغلقت الباب من الخارج وذهبت إلى منزلها، تناول ساهر الطعام ونام مكانه، حتى الصباح.
عادت فداء إلى المطعم، وجدت ساهر لايزال نائمًا، نظرت إلى العملة ووجدتها بذات المكان، لم تتحرك، اقتربت منه وحاولت أن توقظه، نهض ساهر ونظر لها بفزع ثم قال: بعتذر، همشي حالًا.
نهض ساهر فقالت: انتظر، هو أنت عندك شغل هنا؟
ساهر: لأ، ببحث عن وظيفة.
فداء: طيب أنا محتاجة عامل معايا هنا، بتعرف تكتب؟
ساهر: اه.
فداء: طيب تساعدني في تقديم الطلبات، وتكتب هنا كل طلب يطلع عشان أعرف أراجع الحساب كل يوم.
ابتسم ساهر وقال: شكرًا.
فداء: هسمحلك تنام بالمطعم لحد ما تستأجر بيت.
وبالفعل عمل معها ساهر بالمطعم، كان العمل شاق ولكن شغل تفكيره عن كل هذه الأمور الصعبة التي مر بها في الفترة الأخيرة.
بعد أسبوع، استيقظ ساهر على صوت فداء المفزع وهي تقول: قوم يا ساهر، قوم، الملك مات!
نهض ساهر ونظر لها بفزع وخرج مسرعًا من المطعم، تعجبت فداء من حالته، وكأنه حل عليه صاعقة من السماء، ذهبت خلفه حتى وصل إلى المقابر الملكية، كان هناك عدد كبير من الوزراء والنبلاء، ولم يسمح للعامة بالاقتراب من المقابر، وقفت بجواره فداء وهو يحاول الوصول لأقرب مكان مسموح به ليرى ما يحدث، وقالت: مش هتقدر توصل أكتر، إنت ليه عايز تدخل هناك؟
ساهر: لازم أدخل، لازم.
تعجبت من الأمر وكادت التحدث ولكن قاطعها صوته وهو ينادي باسم كِيران، حتى سمعه كِيران واقترب منه، فقال ساهر: عايز أدخل.
أمسكه كِيران من يده وجذبه خلفه، وقف الوزراء ينظرون له بحزن، حتى دخل إلى المقابر، وجد ليال تقف أمام القبر وتبكي بصمت، توقف مكانه فنظر له كِيران متعجبًا من وقفوه، وجده ينظر إلى ليال بصدمة وقال: كيف مات؟!
كِيران: منذ أن غادرت، وهو اشتكى من ألم رأسه، لم يستطع الطبيب علاج هذا الألم، حتى استيقظت الأميرة على صراخه وهي نائمة بجوار فراشه، كان يصرخ بشدة من الألم حتى فقد الوعي، وعندما ذهب الطبيب إلى غرفته وجده فارق الحياة.
ظهرت الدموع في عينيه، واقترب من ليال ببطء، حتى وقف خلفها وانحنى قليلًا وقال: سمو الأميرة.
فتحت ليال عينيها بصدمة عندما سمعت صوته، والتفتت إليه بلهفة وقالت: رسلان!
ساهر: ساهر يا مولاتي، اسمحي لي بتقديم واجب العزاء، وأن.... أن أودعه.
بكت ليال وقالت: هو مات من حزنه على فراقك، اه أنا بنته، بس إنت ابنه اللي رباه سنين عمره كله، حتى لو مفيش بينكم صلة دم، بس إنت أغلى حد عنده في الدنيا.
حاول كبت دموعه ولكن لم يستطع، اقترب من القبر وجثا بقدميه ثم وضع يده على القبر، وكأنه يتحسس جسده للمرة الأخيرة، يودع ما بقي له في هذه الدنيا، حتى وإن كان ليس والده الحقيقي، لا ينكر حبه له وعاطفة الأبوة التي شعر بها معه فقط، وسيظل بالنسبة له والده الحقيقي.
بكى، وبكت معه ليال، حتى اقتربت منه وجثت بجواره وأخذت ترتب على عاتقه، تواسيه، وهي من تحتاج للمواساة، نظر لهما المسئولون في حزن، حتى تركو المقابر، فقط لبعض الوقت ليودعا والدهما.
بعد وقت، نهض ساهر وانحنى تحيةً لها وقال: إحذري من السلطة والتاج يا مولاتي، أنتي الآن ملكة البلاد، ثقي بكِيران، استعيني بالكفاءات الموجودة داخل الديوان، أقرأي كثيرًا يا مولاتي، ليصبح عهد الملكة ليال أزهى عهود هذه المملكة، ثقي بنفسك وبحدسك، وراعي العامة، أوصيكي بنفسك لا تهميلها.
ليال: نفسي تحتاج إليك، أحتاج إلى حبيبي.
نظر لها ساهر وقال: حبيبك يتابعك من بعيد، أراقب فقط، حين تفعلين الصواب إعلمي إنني سعيد بهذا، حين تكوني بخير سأكون بخير.
ليال: سأغير القوانين.
ساهر: لن أقبل بهذا، كوني ملكةً قوية، لن أسمح بأن أكون نقطة سوداء بتاريخك.
انحنى لها وذهب، عاد إلى فداء التي نظرت إليه بصدمة، ظلت تسأله كيف دخل إلى هناك، لم يجيب وظل يمشي عائدًا إلى المطعم، لم تتركه فداء وظلت تسأله، حتى وصلت إلى المطعم وجذبته من ذراعه وقالت: أقف هنا وفهمني.
وجدته يبكي بحزن، فأجلسته وجلست بجواره، كان يشعر بالتخبط والوحدة، وكأنه وجد أخيرًا من يقص له حجم المعاناة والألم بداخله، قص له كل ما حدث معه منذ أن التقى بليال حتى هذا اليوم، كانت تسمعه وهي تبكي، لم تتخيل كم هذا الألم الذي يكبته بداخله ثم قالت: يعني إنت الأمير للي اطرد من القصر من كام يوم؟! مش ممكن! طيب إنت ليه مستسلم كده؟! إنت كنت أمير وولي عهد المملكة، اتعلمت على أيد أكبر المعلمين، ومعروف إنك كنت مثقف جدًا، ليه شغال هنا؟ ليه تضيع حياتك؟ أدخل إمتحانات المملكة، أحصل على الشهادة، وبعد كده قدم على اختبارات الديوان، ساعتها هتبقى من النبلاء، واتقدم لحبيبتك واتجوزها، ليها سايبها تروح لحد غيرك؟!
ساهر: مش عارف.
فداء: مش إنت قلت إنك مش عايز تطلب حاجة مش من حقك، ولا تشوف في عين الناس إنك عايز السلطة والعرش وبس، معاك حق، فعلًا هنفكر كده، بس إنت تقدر توصلها بطريقة تانية، طريقة مشروعة، هتنافس على جوازك منها، وأنا متأكدة إنك هتوصل.
ساهر: اه، بس الكلام ده محتاج كتب كتير، وأنا مش هعرف اشتري كتب.
صمتت فداء قليلًا تفكر ثم قالت: أنا عارفة مالك مكتبة المملكة، هطلب منه يوظفك عنده، وقتها كل الكتب هتبقى تحت إيدك، تقدر تقراها وتراجعها وقت ما تحب.
نظر لها ساهر، وكأنه وجد طريق جديد يعود فيه إلى ليال، حتى وإن كان الطريق طويل ومتعب، ولكن سيحاول من أجلها، من أجل تكون له، فإن كان فقد كل ما لديه بالحياة، فيجب عليه أن يتمسك بآخر أمل له، وأهم أمل لديه... حبيبته.
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien