الفصل السادس

الفصل السادس

17 0

المهد المكسور (أميرة المطبخ)

الفصل السادس

بقلم الكاتبة / رباب حسين

لم يعرف رسلان يومًا أن السعادة يمكن أن تأتي مبتورة، كطائرٍ بجناحٍ واحد؛ يقدر على الارتفاع لحظة ثم يسقط في اللحظة التالية.

نجت ليال من الموت، نعم، لكن شيئًا داخله لم ينجُ، كان يقف بعيدًا عن ضوضاء القصر، يعصر قلبه السؤال ذاته: لماذا يشعر أن الفرح ناقص، مهما حاول أن يلتقطه بيده؟ ولماذا كلما اقترب من لحظة نور، تبعها ظل أطول وأقسى؟

منذ قليل فقط، كان يواجه خنجر الزمن وهو يرى ليال تركع في ساحة الإعدام، ورغم أنها عادت للحياة، إلا أن الخوف الذي عاشه ترك أثره في روحه، اكتشف رسلان أن السعادة التي تأتي من بوابة الرعب لا تكتمل، فقد عاد إلى صراعه الأكبر، هي الآن جاريته بالفعل أمام الجميع، لم يفكر وقتها سوى بنجاتها من الموت، أما الآن فأمر الزواج أصبح بعيد المنال.

كان يؤمن دائمًا أن الأمير لا يجب أن يشعر، ولا يجب أن يخاف، ولا يجب أن يخسر، لكن تلك اللحظة علمته أن القلب لا يسأل عن لقب صاحبه، وأن العاشق مهما أخفى حبه يُفضح من ألمه قبل كلمته.

عاد رسلان إلى نفسه فاكتشف الحقيقة الأكثر قسوة: أن ليال نجت من الموت، لكن هو لن ينجو من الألم الذي سكن صدره، سقط في خوف لم يختبره من قبل، وفي حب لا يعرف كيف يحمله دون أن ينكسر.

اليوم علم الأمير أن السعادة ليست كاملة مهما اقتربت، وأن بعض البدايات تُولد ناقصة،

وأن قلبهما بين كل القلوب بات يعرف ما معنى ألا يكتمل الشيء الذي تمناه.

كان يقف بالحديقة بعد أن ذهبت ليال لتعد لرَاهون بعض الحلوى مرة أخرى، فهو لم يتناول العشاء بسبب أن الطعام لم يعجبه، فذهبت ليال إلى المطبخ على الفور، أما هو وقف بعقل شارد وروح مثقلة بالهموم، ينظر إلى السماء بألم، اقتربت منه سلمى ورتبت على ذراعه، نظر لها وقبل يدها ثم عاد لشروده، فقالت سلمى: عارفة شعورك.

رسلان: أنا مش قادر أتنفس.

سلمى: آخر حاجة كنت أتوقعها هو إنك تغرم للدرجة ديه.

رسلان: وجودها بجواري طول الوقت وإني بتماسك بكل قوتي عشان مش عايزها تعرف حقيقة مشاعري صعب التحمل، رفضتها وهي بجناحي! أنا بقسى عليها وعلى نفسي قبلها، ما حدث الليلة صعب أنكره، ومش عايز أخليها جارية بجد، حتى لو بيني وبين نفسي هي لسه حرة، مش عايز أشوفها كده، وأيضًا خسرت فرصة الزواج مني.

سلمى: بكل الأحوال مفيش فرصة عندها للزواج منك، ياريت تمنع نفسك من القسوة عليها، إنت عملت اللي يقدر ينجيها من الموت، وده الأهم.

رسلان: ومين اللي عرضها للموت، أنا اللي دخلتها القصر، أنا اللي عملت فيها كده، لو كنت أعرف إني هحبها للدرجة ديه كنت منعتها من دخوله.

زفر في ضيق وقال: خليني أحل قضية السم، لازم أظهر الجاني لإثبات براءتها دون شك.

سلمى: هتعمل ده إزاي؟

رسلان: لازم أعرف الكلب أتسمم إزاي.

شرد قليلًا ثم قال: لازم أمشي، ارتاحي في جناحك مربيتي.

ذهب من أمامها تحت نظراتها الحزينة.

عادت ليال إلى المطبخ، وجدت بهيرة تجلس أمام الباب تبكي، لم تستطع أن تحضر وتشاهد ليال وهي تُعدم ظلمًا، اقتربت منها ليال وهي تنظر إليها بأمتنان وقالت: بتبكي ليه؟!

نظرت لها بهيرة بصدمة ونهضت سريعًا لتحتضنها وبكت أكثر وقالت: إنتي هنا بجد؟!

ليال: اه، مش هتخلصي مني بسهولة كده.

ابتعدت عنها وقالت: بس... حصل إيه؟!

ليال: هقولك، بس دلوقتي تعالي معايا بسرعة نعمل المعجنات للملك لإنه طلبها مني دلوقتي، ولما نخلص هقولك كل حاجة.

جذبتها من يدها ودلفت إلى المطبخ سريعًا.

كان هناك الكثير من العيون تتربص الخطوة التالية، حالة من الخوف أصابت الكثير بعد إثبات براءة ليال، والآن حان دور رفع الستار عن الجاني، أولهم كان الخادم المسئول عن كلب الملك، الذي جلس بغرفته يترقب ما يحدث وينتظر عقابه على ما فعل، فكر في الهروب من القصر ولكن الملك منع الخروج نهائيًا حتى ينهي رسلان التحقيق، حاول التفكير بطريقة تقيه شر العقاب، ولكن تفاجأ بدخول رسلان الغرفة، وقف ينظر إليه في ذعر وقال بتوتر: سمو... سمو الأمير، شرف كبير دخول سموك غرفتي المتواضعة.

وقف رسلان أمامه بهدوء ومن خلفه كِيران وقال: الحقيقة.

عاصف بخوف: حقيقة إيه... سموك؟

رسلان: الكلب... كيف مات؟!

نظر له بارتباك ولم يجيب فأردف رسلان: ربما تتحدث أمام الملك.

ثم صاح عاليًا وهو يشاهد نظراته الحائرة وقال: يا حراس.

دخل الحراس وألقو القبض عليه وهو يتحدث برجاء: أرجوك يا سمو الأمير، أنا مكنتش أقصد، معملتش حاجة.

جذبه الحراس عنوة ولحق بهم رسلان، ذهبو جميعًا إلى غرفة الملك الخاصة وطلبو الأذن منه، سمح رَاهون لهم بالدخول ثم وقف أمامه رسلان وقال: الخادم الخاص بالكلب بتاع سموك، أعتقد إنه عنده أقوال بخصوص حادث التسمم.

ثم نظر إلى عاصف وقال: هتجاوب على السؤال وتعترف بالحقيقة كاملة أم تعدم بدلًا من المحرض؟

نظر له عاصف بصدمة فأردف: لا تتعجب، فليس من السهل أن تقتل الكلب الذي ربيته بيدك، وأيضًا إنت ليس لديك غرض في موت الطباخة ليال.

أخفض عاصف عينيه وقال: الكلب كان مريض، أيامه المتبقية قليلة على كل حال، عندما أمرتني بالتخلص منه وأعطائه هذه الحبة المسممة مع طعام الملك، وأيضًا إعطائي مبلغ من المال بالمقابل... وافقت.

رَاهون: من هي؟!

عاصف: الجارية مريم.

نظر رسلان له بتعجب، كان يتوقع أن رَميسا هي من وراء هذا الحادث ولكن تفاجأ بالحقيقة، هي تعلم أن الملك يعطي الكلب من طعامه دائمًا، وهي من كانت تجلس معه بالحديقة، وأيضًا تحاملها على ليال بهذا الشكل أثناء المحكمة جعله يظن أنها هي، من يتوقع أن هذه الفتاة الرقيقة تفعل ذلك؟! أتحاول قتلها لمجرد أنها أصبحت جاريتي؟!

صاح رَاهون بقوة: إحضرو مريم إلى هنا فورًا.

ذهب الحرس ليحضروها، وأمر رَاهون الحرس بإلقاء عاصف بالسجن ليحاكم في ديوان العدل صباحًا، بعد وقت، وصلت الجارية ووقفت أمام الباب وهي تشعر بالخوف الشديد، وقبل أن تدخل وجدت ليال تقف أمام غرفة الملك، تحمل في يدها صحن ممتلء بالحلوى، وتطلب الإذن بالدخول إلى الغرفة، نظرت لها بغضب، ثم دلفت خلفها بعد أن سمح لها الملك.

رَاهون: ضعي الحلوى هنا وانتظري قليلًا.

أومأت له ووقفت جانبًا، نظر رسلان إلى مريم التي تلقي بنظرات الغضب إلى ليال، وهذا ما جعله يستشيط غضبًا وقال: جارية مريم.

نظرت له بذعر وقالت: نعم سموك.

رسلان: عاصف يقول أنكِ من طلبتي منه وضع السم مع الطعام.

نظرت إليه بصدمة وقالت بارتباك: لا... لا لم يحدث.

صاح بها غاضبًا حتى انتفض جسدها من صوته حينما قال: أتتجرئين على الكذب أمام الملك والأمير؟!

نظرت أرضًا وقالت: عفوًا سموك.

رسلان: إعترفي، ما السبب وراء هذه المكيدة؟!

نظرت إلى ليال التي تسمع ما يقال وتنظر إليها بصدمة، لم تتوقع أنها فكرت بهذه الطريقة فقط للتخلص منها، ثم قالت: بعتذر سموك، غيرتي عمتني، الغيرة تعبث بعقول وقلوب النساء، كل ما كنت أريده فقط، هو وصلك يا سمو الأمير، أنا جاريتك وهي من أخذتك مني.

نظر لها رسلان وقال بصوتٍ هادر: أنا لست بملكية خاصة لكي.

نظرت له بحزن فأدرف بهدوء: أعرف، إزاي قدرتي توصلي بريئة للموت واكتفيتي بالمشاهدة؟! أظننتي إن الحقيقة لن تُكشف؟

نظرت له بعشق والدموع داخل عينيها: لم أتحمل قربها منك.

نظر لها باشمئزاز وسمع صوت رَاهون يقول: تُعدم.

نظر له رسلان وليال بصدمة وقال: تُعدم؟! لأجل قتل كلب؟!

رَاهون: والسكوت عن الحق، كانت ليال ستعدم أيضًا.

ليال باندفاع: عفوًا يا مولاي، أنا مسامحة، والحمد لله إن براءتي ظهرت.

رسلان: حكم الإعدام مبالغ فيه يا مولاي، عفوًا منك، بس أرجو إعادة النظر في الحكم.

رَاهون: هل كان غرضكِ التخلص من ليال؟!

مريم: لم أتوقع أن تعدم يا مولاي، مقدرتش أقول الحقيقة وقتها خشيت أعدم مكانها.

نظر رَاهون لهم قليلًا ثم قال: تنفى من المملكة ولا يسمح لها بالعودة مرة أخرى.

نظرت مريم إلى رسلان بحزن وكأنها تودعه، أما هو فأشاح بنظره بعيدًا عنها ونظر إلى ليال، وجدها تنظر إليها بحزن، تعجب من هذه النظرات، لم يتوقع أن يراها هكذا.

جذب الحراس مريم وخرجو من غرفة الملك.

نظر رَاهون إلى رسلان وقال: فعلًا أثبت إنك بتقدر تميز الجيد من السيء، كل من بالقصر كان يتعجب، إزاي الأمير رسلان رفض جاريته المفضلة والوحيدة، الجميلة الرقيقة، أنا نفسي كنت أقول هذا، بس بعد ما شفت مريم وليال عرفت إنك معاك كل الحق.

نظرت له ليال بصدمة، رفضها؟! ثم أعادت النظر إلى رسلان الذي ابتسم وانحنى له وقال: تلميذ سموك يا مولاك.

ابتسم الملك وقال: ممكن أكل الحلوى، انصرفو.

خرجا من الغرفة بعد أن قدما التحية له، خطى رسلان بعيدًا عنها ليذهب إلى جناحه ولكن لحقت به ليال ونادت عليه: سمو الأمير، انتظر لو سمحت.

التفت لها فاقترب منه وقالت: عندي سؤال، هو سموك رفضت الجارية مريم؟

رسلان: اه.

ليال: بس... أنا كنت فاكراها... فاكراها جاريتك.

رسلان: إنتي حكمتي بنفسك من غير ما تسألي.

ليال: بس... جلالة الملك قال إنها جاريتك الوحيدة.

رسلان: أيوة.

نظرت له بصدمة وقالت: معنى كده، إن سموك معندكش جواري.... غيري؟

نظر لها رسلان وهو يعقد حاجبيه فأردفت: زي ما هما فاكرين.

ابتسم رسلان فقالت: بس ليه؟! يعني سمو الأمير ناهر عنده جواري كتير، ليه سموك معندكش ولا جارية؟

رسلان: قلبي لأمرأة واحدة.

نظرت له بعشق وقالت: ليه مقولتليش.

رسلان: لإنك سريعة في الحكم على الناس، مع إني نبهتك أكتر من مرة، قولتلك إنتي متعرفنيش، لكن من أول مقابلة وإنتي حكمتي عليا من وجهة نظرك بس.

ليال بغضب: بس ديه غير كل مرة، كنت شايف إني متضايقة من وجودها جنبك، كان لازم تقولي الحقيقة، وكمان أنا شفتها في جناحك، أفهم إيه؟!

نظر لها رسلان بتحذير فأخفضت صوتها وقالت: أفهم إيه سموك؟

رسلان: صوتك عالي.

نظرت له بخجل فأردف: كان ممكن تسأليني، كنتي هتعرفي إنها خرجت من الجناح بمجرد ما أنا وصلت، حتى مصنحتش لها الفرصة تقولي إنك أحضرتي الرداء، لكن إنتي مش بتسمعي غير صوتك العالي ده.

عقدت ذراعيه أمام صدرها في تذمر طفولي وشاحت بنظرها بعيدًا عنه، نظر لها وحاول ان يتحكم في ابتسامته ثم قال: عنيدة، سريعة الغصب، متسرعة بالحكم على الناس، صوتك مرتفع، ونضيف كمان متذمرة كالأطفال، مش هراضيكي، لإنك أسأتي الظن بي أكتر من مرة ومن غير ولا اعتذار واحد.

نظرت له بحزن فلم يقوى على رؤيتها هكذا، اقترب منها وهمس بإذنها: نضيف كمان، إنك أجمل ليال العمر.

ثم تحرك من أمامها وهي تبتسم آثر حديثه فالتفتت لتنظر إليه وهو يمضي وقالت: هذا ليس بعدل.

نظر إليها وعقد حاجبيه فاقترب منه وقالت: دايمًا تنتقضني وأنت تنظر في عيني، لكن تحرمني من رؤية عينيك وأنت تقول لي كلامك المعسول.

رسلان بتعجب: إيه الغير عادل في ده؟!

نظرت له داخل عينيه بعشق وقالت: عايزة أشوف الكلام ده جوا عينيك.

لم يتحدث، ترك نظراته تبوح بما في قلبه، هناك من يدق صوت الخطر بداخله، عقله يحذره من الوقوع بها أكثر، ولكن أبى قلبه الاستماع، لم يتمالك مشاعره أكثر فضمها إليه، أغمض عينيه وكأنه يحاول خطف لحظات من السعادة بالقرب منها، أما هي فوضعت أذنها على قلبه، تبتسم وهي تسمع نبضاته تعلو وتعلو، معلنة حبه لها، لم تعلم أن هناك حرب ثائرة، تدفع رسلان إلى حافة الجنون، يعلم أن ما يفعله خطأ، ولكن يضعف أمامها كطير ارتفع في السماء وظل يحلق لأيام وليالي دون توقف، ليقف بالنهاية ينظر إلى تلك العيون الخضراء وكأنها جنته، ينال قسطًا من الراحة ليعود لعناده وتحليقه ثانيةً، تُرى... إلى متى ستحلق أيها الأمير العاشق؟

أما بمكان أخر داخل القصر، تمشي سيرا وهي تلتفت حولها في خوف، حتى وصلت إلى جناح رَميسا ودخلت سريعًا وقالت: انتهى التحقيق، لم تتحدث مريم عما فعلت أنا، ولم تخبرهم أنني من حرضتها على فعل ذلك، مضى الأمر يا مولاتي وأنتي في أمان الآن.

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المهد المكسور (أميرة المطبخ)

المؤلف Rabab Hussien
2025/11/11 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة