المهد المكسور (أميرة المطبخ)
الفصل الخامس
بقلم الكاتبة / رباب حسين
حين تُضاء الحقيقة يظهر الظلام أكثر قُبحًا.
لم تكن هذه الليلة شبيهة بأي ليلةٍ مرت على القصر من قبل؛ الجدران نفسها بدت كأنها تتهامس بخبرٍ أسود لم يكتمل بعد.
في تلك اللحظة، كانت ليال تسير في أروقة القصر ولا تعلم أن خطواتها تقودها نحو قدرٍ لم تختاره، ومكيدة وُضعت بإحكام تنتظر سقوطها.
الملك غاضب، الأمير ممزق بين ثقته وقلبه.
والعيون من حولهم لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عمن تُعلق عليه الجريمة.
وفي مكانٍ ما، هناك من يبتسم في الظل، واثقًا أن أول سهمٍ سيصيب قلب ليال.
اليوم لن يكون مثل الأمس، واليوم ستفهم ليال أن القصر لا يحكمه الملوك فقط، بل يحكمه أيضًا الخوف.
انتشر الخبر... ليس بالهمسات، بل بأصوات صاخبة، نشرت الذعر في أرجاء القصر.
دخل الخادم جناح رسلان وأخبره بصوت مرتعب: حاول أحدهم تسميم جلالة الملك.
نهض رسلان في ذعر وركض خلف الخادم، لم يقل الحال عند ناهر، فقد ترك تدريبات البدنية وركض إلى للحديقة.
أما بالمطبخ، دخل الخادم من الباب ونظر لهم نظرة مودعة، كأنه يودع أمواتًا، فويلٌ لهم من عقاب الملك، ثم نظر لهم بذعر وقال: الطعام اللي اتقدم للملك مسمم.
نظرت له ليال بصدمة وهي تفتح عينيه من شدة هول الخبر وقالت: أي طعام؟!
الخادم: الحلوى، أكل الكلب منها ومات فورًا، الملك غاضب، وطلب الطباخة الملكية في ساحة الديوان.
نظرت ليال إلى بهيرة وقالت: أنا عملت الحلوى وسبتها ليكي تكملي طهيها.
بهيرة بذعر: أيوة، وكانت هنا على الطاولة، تركتها لأن درجة حرارتها كانت عالية، ولازم تتقدم بدرجة حرارة معتدلة.
ليال: مين أخدها للملك؟!
تقدم أحد الخدم: أنا خدتها.
ليال: الذواق أكلها؟
الخادم: لا، كان الملك في الحديقة وطلب الحلوى، وصلتها من غير ما أسأل.
ليال بغضب: كلنا هنتعدم، كده مفيش رقابة في المطبخ.
نظرو لها بخجل، ثم قال الخادم: ليال، لازم تروحي للملك.
خلعت مريول المطبخ بيد مرتعشة وقالت: كملي العشا يا بهيرة، على الأغلب مش هرجع.
تجمعت الدموع في عين بهيرة وشاحت بوجهها عنها، ثم ذهبت ليال خلف الخادم وهي ترى نظرات من بالقصر، كانت تحت طاولة الشبهات، هي جديدة بالقصر ولم يحدث محاولة لتسميم الملك من قبل، من المؤكد أنها في أول قائمة المتهمين.
وصلت إلى ساحة الديوان، وسمعت صوت الملك الغاضب، تقدمت وهي تنظر إلى أسفل ووقفت أمام الملك وانحنت تحيةً له وقالت: جلالة الملك.
نظر لها الملك بغضب وقال: الحلى مسمم، من حرضك على تسميم الملك؟
ليال: عفوًا جلالتك، من أنا لأتجرأ على فعل مثل هذا؟
صاح الملك قائلًا: الخادم قال إن الحلوى خاصة بيكي إنتي، إنتي من أخترعها، إذًا إنتى المتهم الأول.
ليال: أنا صنعتها وتركتها بالفرن، وخرجت لأحضر بعض الأعشاب من حديقة القصر، وعندما عدت لم أجدها.
رَميسا بغضب: الصناعة من إيدك، السم كان داخل الحلوى، لا يوجد أي آثر للسم من الخارج، إذًا أنتي المذنبة، مولاي الملك، لابد من إعدامها فورًا.
رَاهون بغضب: معكِ كل الحق، يجب أن تعاقب بأشد العقوبة، تعدم الآن في ساحة القصر.
فتح رسلان عينيه في صدمة وتقدم سريعًا أمام الملك وقال: مولاي، لا يمكن إصدار حكم إعدام دون تحقيق كافي.
رَميسا: هي اعترفت أنها من صنعت الحلوى، عن أي تحقيق تتحدث سمو الأمير؟
رسلان: لكن هي تركت الحلوى بالفرن، ممكن اتبدلت، أو حد خرجها من الفرن وعبث بالمكونات وأعادها مرة أخرى، جلالتك، إسمحلي أحقق بالواقعة بنفسي.
رَاهون: بتدافع عنها وهي حاولت تسميمي؟!
رسلان: عفوًا يا مولاي، لكن حكم الإعدام دون دليل والأسراع في التنفيذ أمر يقلق، ممكن يُثبت براءتها بعد كده، وأخشى تأنيب الضمير لجنابك، أرجوك إعطيني فرصة للتحقيق، ولو ثبت إنها هي من حاولت تسميم سموك، تعدم في الساحة وأمام العامة، لتكون عبرة لكل من يفكر بأذية مولاي.
رَاهون بتوجس: أتدافع عنها لأنها جاريتك؟ أم حقًا تخشى عذاب ضميري؟! لأول مرة أراك متلعثم، ما السر وراء هذا الدفاع؟!
نظر له رسلان لم يجد مبرر لما يقول، لا يستطيع أن يعلن حبه لها أمام الجميع، وأيضًا هذا ليس بسببٍ كافي حتى يتركها الملك، فقال: ربما تحمل في أحشائها... طفلٌ مني.
رفعت ليال رأسها ونظرت له في صدمة، ثم تذكرت، هي أمام الجميع جاريته وقد أمضت ليلة كاملة في جناحه، أخفضت عينيها الممتلئة بالدموع مرة أخرى، قال رَاهرن: حسنًا، عندك وقت للتحقيق حتى بعد غروب الشمس، إذا لم تأتي بدليل حتى ذلك الوقت ستعدم في ساحة القصر أمام الجميع.
ثم نظر إلى الحرس وقال: ضعوها بالسجن.
رفعت رأسها لتنظر إلى رسلان، الوقت قصير للغاية، لن يستطع إيجاد دليل في هذه المدة القصيرة، نظرت إليه تشكره بعينيها عن دفاعه عنها، ثم ظهر الحزن عليها أكثر عندما أيقنت أن هذه آخر مرة تراه بها، فمن المؤكد أنه لن يحضر الإعدام.
ترك رسلان الساحة بعد أن خرجت ليال منها، وجد كِيران يقف عند الباب فقال وهو يتحرك سريعًا: فين الكلب؟!
ركض كًيران خلفه وقال: عند الطبيب الملكي، بيراجع نوع السم اللي سبب موته.
ذهب رسلان إلى غرفة الطبيب الذي حيّاه فور أن رآه، ثم قال: عرفت نوع السم؟!
الطبيب عرفان: نعم يا سمو الأمير، هناك حبوب جديدة تباع بالسوق، هي سامة للغاية، هي من تسببت بموت الكلب.
عقد رسلان حاجبيه، وضع الحبوب يجب أن يدخل في صناعة الطعام! هذا يستبعد أن يكون هناك عبث بالطعام بعد الطهي أو أثناءه، ثم قال بتعجب: حبوب؟!
عرفان: نعم، ممكن تطحن وتتحط مع العجين، وقتها مش بتظهر أبدًا، حتى الطباخ لن يدركها.
ثم رفع الصحن الذي يحتوي على الحلوى أمامه وقال: ولن يكشف بالنظر عند تقديمة.
رسلان: يعني ممكن الطحين يكون مغشوش؟!
ترك رسلان العيادة وتوجه إلى المطبخ، نظرو جميعًا له بفزع ونهضو ليقفو أمامه، نظر رسلان إلى بهيرة وقال: فين الطحين اللي استخدمته ليال؟!
أشارت له بهيرة على مكانه، ذهب الأمير وفتحه لينظر به، لا يوجد ذرات مختلفة أبدًا فقال: عايز أعرف الطحين ده سليم ولا مسمم.
بهيرة: بس إحنا بنستخدمه من أسبوع، يعني لو العيب فيه كان ظهر من أول إستخدام.
نظر لها رسلان بيأس وقال: حد تذوق الحلوى قبل ما تخرج؟!
بهيرة: للأسف الخادم أخده من غير ما يعرضه على الذواق.
تقدم منه عزيز وقال: بعتذر سموك، ظننت أن الذواق أكله، لإني وجدته الصحن هنا عند الباب.
بهيرة: كنت تركته لتهدأ حرارته قليلًا.
وضع رسلان يده على جبهته، لا يوجد وقت، وكادت الشمس أن تغرب، نظر إلى كِيران الذي أخفض وجهه في حزن ثم عاد النظر إلى الطباخين وقال: ليال هتتعدم.
نظرو إلى بعضهم البعض في صدمة وبكت بهيرة، أردف رسلان: الملك أعطاني فرصة لحد المغيب، لو حد فيكم عنده دليل واحد يثبت برائتها يقول، فيه روح بريئة هتُفنى بعد أقل من ساعة.
رتب كِيران على عاتقه ليهدأ، ثم جذبه خارج المطبخ ليخرج تحت نظرات عزيز المتوترة، نظر رسلان إلى السماء في يأس، الشمس تكاد تغيب! تحرك سريعًا فصاح كِيران: رايح فين سموك؟
رسلان: هروحلها.
ذهب إلى السجن تحت نظرات كِيران الحزينة على ما حل به، رسلان يبدو عليه العشق.
وصل رسلان ودخل ليقف أمام الباب الخشبي المفرغ، تقدمت منه ليال سريعًا لتتمسك بتلك الحواجز الخشبية ونظرت إليه، نظرته كانت تنبأ بكل شيء، لم يجد دليل برائتها، تمالكت ذاتها وابتسمت له وقالت: شكرًا لسموك إنك حاولت عشاني.
رسلان بغضب مكتوم: بتشكريني! أنا السبب في اللي إنتي فيه، أنا اللي دخلتك القصر وإنتي متعرفيش عنه حاجة.
ليال: متحملش نفسك الذنب، دخولي القصر كان أحسن حاجة حصلت في حياتي.
نظرت إلى الفراغ في حزن وقالت: أنا حياتي كانت دايمًا صعبة، دايمًا كان جوايا عدم إنتماء، الحاجة الوحيدة اللي كنت بحبها هي صنع الطعام، جريت ورا حلمي وحققتها، وبفضلك بقيت أكبر طباخة في المملكة، كلنا هنموت ده قدري وأنا راضية بيه.
ثم عادت النظر إليه لترى نظرته الحزينة فأردفت بابتسامة باكية: وأحلى حاجة إني كنت جنبك، لو مكنتش دخلت القصر... مكنتش قربت منك وعرفتك، متزعلش، بكرة تيجي اللي تعصبك زيي وقلبك دقاته تزيد بسببها.
نظر أرضًا وابتلع غصة بحلقه، ثم تركها وذهب، شعر بأن الهواء يختفي من حوله، ذهب بعيدًا عن السجن ولحق به أحدًا ما، دخل الحرس ليأخذوها إلى الساحة، لتكون عند موعد الإعدام أمام الجميع، وقف رسلان عند شجرة ووضع يده عليها، لا تحمله قدماه أكثر، ليال سوف تموت بعد دقائق، جملة كفيلة بأن تقتل روحه من الداخل.
ليسمع صوت مرتعش ينادي باسمه: سمو الأمير.
نظر خلفه ليجد عزيز يقف أمامه بخجل وقال: أنا.... أنا عندي اعتراف لسموك بخصوص ليال.
رسلان: قول بسرعة.
عزيز: أنا خدت الصحن لجلالة الملك، وأنا في الطريق أخدت... أخدت قطعة منه، أول مرة أتطاول على طعام جلالته، لكن... كنت جائع.
أمسكه رسلان من ذراعيه وكأنه وجد طوق النجاة وقال: يعني إنت كلت من الصحن قبل ما يوصل لجلالة الملك؟!
أومأ له بالإيجاب فابتسم رسلان بسعادة ونظر إلى السماء، الشمس كادت تغرب، بقي مجرد دقائق، نظر له وقال: روح بسرعة لغرفة الطبيب الملكي، قوله الأمير رسلان عايز الصحن كله، بسرعة، وهاته على ساحة القصر، أنا هسبقك هناك.
ذهب عزيز راكضًا واتجه رسلان إلى الجهة الأخرى، وصل عند الساحة، وجد جميع من بالقصر يلتفون حول ليال، التي جثت بالمنتصف، ووضع صحن أمامها ممتلأ بالسم، والملك يجلس أمامها وحوله رَميسا وناهر وسلمى، دخل ليقف أمام الملك الذي قال: سمو الأمير، هل أحضرت دليل البراءة.
نظر رسلان لها بطرف عينه ثم اقترب من رَاهون وقال: نعم يا مولاي.
علت أصوات الهمس بالأرجاء، صاح رَاهون: ممنوع الحديث.
حل الصمت على الجميع، وأردف: فين دليلك؟ قدمه.
رسلان: الحقيقة، إن لا يوجد محاولة تسميم لجلالتك من الأساس.
ناهر: كيف؟ والكلب اللي أكل من طعام الملك واتسمم منه؟!
رسلان: موت الكلب تحت قيد التحقيق، لكن أنا متأكد إن الطعام كان خالي من السم.
رَميسا: فين الدليل على ده؟
دخل عزيز ووضع الصحن بيد الأمير وقال: الخادم عزيز قال إنه أكل من الصحن وهو في الطريق لسموك.
نظر له الملك فانحنى عزيز أمامه وقال: عفوًا يا مولاي، أول وآخر مرة، لكن كنت أشعر بالجوع ورائحة الطعام كانت شهية للغاية.
رسلان: المهم إن عزيز على قيد الحياة حتى الآن.
رَميسا: مش ممكن يكون كاذب، عزيز بيعمل معاها في المطبخ، ممكن يكونو مشتركين مع بعض في الجريمة، عشان نتأكد لازم حد يأكل من الصحن ده.
ثم ابتسمت باستهزاء وقالت: مين اللي هيعرض حياته لمخاطرة زي ديه بس عشان يثبت صحة كلام عزيز؟!
أخذ رسلان قطعة ووضعها في فمه على الفور، نظر له الملك وناهر وسلمى بصدمة ليصيح رَاهون: رسلان، اتجننت؟!
اقترب ناهر منه بسرعة وقال: أبصقها فورًا.
ابتلعها رسلان ونظر إلى الملك بهدوء وقال: مش هموت يا مولاي، لا تقلق.
نظرت له ليال بصدمة مما فعل ثم قال رَاهون: لنفرض أنه مسمم، مين سمحلك تأكل منه؟!
رسلان: عفوًا يا مولاي، ولكني أثق بها.
ابتسمت ليال عندما قال هذا، نظرت له رَميسا بغضب وقالت: من الممكن أن يكون الصحن تبدل، أو أن هناك قطع معينة هي المسممة فقط.
نظر لها رسلان بغضب وقال: أم الأمير ناهر، أتُكذبين سمو الأمير؟
ارتبكت رَميسا وقالت: لأ... لأ، عفوًا يا سمو الأمير، بس ممكن يكون السم مش في كل القطع.
نظر رسلان إلى الصحن وتناوله قطعة تلو الأخرى دون توقف، تحت نظرات الدهشة من الجميع، أما رَاهون فكان ينظر إليه بإعجاب، بعد تناول عدد من القطع شعر رسلان بإمتلاء معدته وأخذ يتنفس بصعوبة، وقفت ليال واقتربت منه لتمنع يده من أخذ الحلوى، ثم تناولت المتبقي من القطع، نظر الجميع لما تفعل بتعجب، أما رَاهون فتأكد من حبهما لبعض، أنهت ليال الصحن وبقى قطعة واحدة فصاح الملك قائلًا: استني!
نظرت له ليال بذعر، اقترب الملك منهما وأخذ آخر قطعة وقال: مش قادر انسى ريحتها من وقت ما وضعها عزيز أمامي حتى الآن.
ثم وضع القطعة بفمه وظهرت عليه علامات الإعجاب، إنها شهية للغاية، هذا ما قاله رَاهون، ابتسم رسلان وليال التي نظرت له بعشق، نعم، قد أثبت رسلان حبه لها دون أن يعترف به، يكفي نظرته لها بالسجن والدموع التي كانت حبيسة مقلتيه، قد فعل المستحيل لينقذ حياتها في أقل من ساعتين، رسلان... من اليوم أنا مدينة لك بحياتي، ويومًا ما سوف أرد هذا الدين.
رَاهون: وبسبب الطعم الشهي الذي لا يقاوم، عفونا عن عزيز، وأيضًا... عن ليال.
نظرت ليال إلى رسلان بسعادة، رتب رَاهون على عاتقه وقال: كنت عارف إنك هتجيب الدليل.
نظر له رسلان وليال بصدمة فأردف: البنت ديه أضعف من إنها تحاول سم الملك، بحييك يا رسلان على إختيارك للجارية الخاصة بيك، ومفيش مانع لو هي حامل منك.
اختفت إبتسامة رسلان، ما حدث جعله يكذب ويثبت أنها جاريته بالفعل، وهذا كل ما يبغضه، انصرف كل من بالساحة، عدا تلك العيون التي تشعر بالغضب والخوف من كشف باقي الحقيقة، تُرى، هل سيكتشف رسلان من العقل المدبر لكل هذا أم لا؟
يتبع...
رباب حسين
Rabab Hussien