الفصل التاسع

الفصل التاسع

13 0

المهد المكسور (أميرة المطبخ)

الفصل التاسع

بقلم الكاتبة / رباب حسين

رحل.... بعد أن أعاد الأمل إلى قلبي، نعمت بدفئ أحضانه مرة أخرى، كيف لا يكن المشاعر ليّ؟! لم أعد أصدق ذلك، تُرى.... ما الأمر الذي سيخبرني به عند عودته؟

كانت ليال تنظر حولها وهي تبتسم رغمًا عنها، حتى وقعت عينيها على مكتبه، وجدت حجر يبدو مألوفًا، اقتربت من المكتب وأمسكت به، فتحت عينيها في صدمة، وانسابت دمعتها وهي تبتسم، هذا الحجر الذي نقشت عليه حروف اسمه، علمت أنه كان يأتي إليها دون علمها، كان يتبعها حتى أخذ هذا الحجر، نظرت إلى الباب الذي رحل منه، يا إلهي! ليتني علمت قبل رحيله، لم أكن لأتركه حتى يعترف لي بالحقيقة.

مرت أيام طويلة، طالت فترة الإنتظار، كانت تعد الدقائق انتظارًا لعودته، حتى صباح هذا اليوم التعيس.

استيقظت ليال على أصوات مرتفعة بالخارج فجرًا، لتنهض في ذعر وخرجت إلى الحديقة، وجدت سلمى تمسك بأحد وهو محمول على لوح خشبي، وتجهش ببكاء يشبه النحيب، ركضت في ذعر حتى استطاعت أن ترى وجهه، هو! لا... فتحت عينيها ووقفت محلها، شعرت بأنها فقدت كل أمل بالحياة عندما رأته بهذا الوضع، اخترق سمعها صوت سلمى وهي تنادي باسمه، حتى فقدت الوعي وقعت أرضًا، حملها الخدم وركضت ليال خلف رسلان في ذعر، وسألت الطبيب الذي يسير بجواره: حصل إيه لولي العهد؟!

الطبيب بأسف: أصيب بخنجر مسموم.

كيف لبعض الكلمات أن تكون أحد من السيف؟!

تبعت ليال رسلان إلى جناحه وتم وضعه بالفراش، اقتربت منه لترى وجهه الشاحب، دخل الطبيب الملكي على الفور، وكشف عن جرحه، نظرت ليال بعيدًا بألم، لم تتحمل رؤية جسده بهذا الشكل، دخل الملك مذعورًا داخل الجناح وهو يصيح بغضب متسائلًا عما حدث، وقف رئيس الجيش وأخبره أن أحد الرعية هو من طعن ولي العهد وتم قتله على الفور، سأل رَاهون الطبيب عن وضع رسلان، وكان جوابهما واحد، الحالة حرجة ونسبة الشفاء ضئيلة، ولكن سوف يقوم الطبيب الملكي بسحب عينة. من السم ليعطيه ترياق له إن وجده، عمل الطبيبان معًا ثم وضعا بعد الأدوية الطبيعية على الجرح وذهبا لمعرفة نوع السم.

في مشهد حزين، ناهر يبكي بصمت، رَاهون يجلس بجواره ولا يستطيع أن يشيح بنظره عنه، ورَميسا التي تتصنع الحزن، أما ليال فجلست أرضًا بجوار الفراش، نظر لها رَاهون، في كل مرة تثبت هذه الفتاة حبها لرسلان الصادق، نظر لهم وقال: أخرجو من الجناح.

خرجو عدا ليال التي كانت تتحرك ببطء مثبتة نظراتها عليه فقال رَاهون: لأ... إنتي هتفضلي هنا بجواره، بعد المربية سلمى، إنتي الوحيدة اللي هبقى مطمن لو هي هنا.

نظرت له بعين باكية وتركها وذهب، ظلت بجواره ولكن جلست بجانب رأسه، تحاول أن تطمئن من صوت أنفاسه، تقيس عيناها نبض قلبه، أهو على قيد الحياة؟ قبلت جبهته وإن كانت دموعها قد سبقت شفتاها إليها.

ليتني أستطيع أن أضع صدري مكان صدرك،

وأدع السم ينغرس بي لا بك.

فدعائي هو رجائي، ودموعي هي ما أملك.

وليس لي إلا أن أتمسك بظلك.

وإن غدوت إلى حافة الرحيل... فسأظل أحبك.

وليضعو السم في عروقي لألحق بك.

وإن كانت طعنة خنجر تُسلب روحك، فروحي فداءًا لعمرك.

تغيب الشمس وتشرق، يدخل من يدخل ويخرج من يخرج، وهي عند قدميه، لم تتركه، قام الطبيبان بفعل ما يلزم، وبقى ردة فعل جسد رسلان.

مرت أيام، القصر في حالة صمت، حالة من الحزن خيمت على كل من به، وهذا الصديق الوفي، الذي وقف أمام الباب، لا يقوى على رؤيته بهذا الوضع، يذهب ويعود، فقط يقف يحدق بالباب أملًا في سماع صوت الأمل من خلفه.

وفي فجر يوم، كان ليال تتحدث معه كعادتها، لا تعرف إن كان يسمعها أم لا، هي فقط تريد أن تتحدث معه، ثم أمسكت بيده ووضعت رأسها على ذراعه، وكادت أن تغفى لولا أن سمعت صوته يقول بضعف: ليال.

رفعت رأسها في صدمة ونظرت إليه، لم تصدق ما ترى، هو ينظر إليها ويتحدث، دموعها هربت لترحب بعودته، ليست بحزن ولكن بفرحة عودة الحياة إلى جسدها الذي كان يفنى بجواره، أمسكت وجهه وقالت: إنت... إنت عايش؟

ابتسم في ضعف وقال: أنا رجعت القصر؟

ليال: من أكتر من أسبوع.

رسلان: الحمد لله إني رجعت، توقعت إني همشي خلاص.

اقتربت منه أكثر وقالت: بعيد الشر عنك، الحمد لله إنك رجعت ليا بالسلامة، كنت بموت وأنا شايفة وضعك كده.

نظر لها بحب ثم أشاح بعينيه عنها فابتسمت وقالت: لا داعي لهذا بعد الآن يا سمو الأمير، عرفت الحقيقة كاملة.

عقد حاجبيه وقال: كيف؟! أقصد... أي حقيقة؟

رفعت الحجر أمام عينيه وقالت: وجدته بالجناح، لما تخفي مشاعرك عني؟

لم يجيب فأدرفت: تخيل لو كنت أنا مكانك الآن، كنت ستندم مئة مرة إنك لم تخبرني بالحقيقة.

رسلان: كل ما بالأمر، أني لا أرغب بأني يكون لي زوجة وجواري.

نظرت إلى الفراغ في حزن فقال: لا تسيئي الفهم، أنا أرغب بأن أكون لكي فقط، كل هذا الوقت كنت أبحث عن طريقة تجعلكِ زوجتي ولستي جاريتي، وقبل السفر قالت لي مربيتي أن من الممكن أن يتبناكي أحد من العائلات النبيلة ووقت إعلان طلب زوجة لي تتقدمين وأختاركي أنتي، طلبت من كِيران أن يبحث في المدينة وحين أجدها ننفذ الخطة.

ليال: بس.... هناك اختبارات، ولو لم أنجح بها فلن أكون لك، تخيل أخرج من القصر وأخسرك، لأ مش موافقة.

رسلان: لا يوجد حلول أخرى.

ليال: ليه بتعمل كده؟ أنا ملكك من الأساس.

رسلان: أنا بفكر فيكي، لا أرغب برؤيتك تتعذبين وأنا أتزوج بواحدة أخرى، هكون ليها غصب عني وعنك، هي الملكة وليها حقوق فيا أكتر منك، أتحتملين هذا؟

ليال: المهم إن قلبك ملكي، ملكي أنا وبس، مهما تبعد هترجع ليا أنا، راحتك وسعادتك معايا.

رسلان: لأ... لأ، مش موافق.

ليال: أرجوك، كفاية بعد، قلبي بيألمني بما فيه الكفاية، أنا مش قادرة أتخيل يوم كمان وإنت بعيد عني كفاية بقى عذاب، أنا عايزة أبقى معاك، مش مهم الصفة إيه، جارية... زوجة.... حتى لو خادمة أنا موافقة، بس متبعدنيش عنك تاني.

رسلان: أفهميني، إيه ذنب الزوجة التانية وأنا قلبي مش ملك ليها؟

ليال بغضب: وأنا ذنبي إيه؟! سمو الأمير لو رفضتني للمرة التالتة أنا هخرج فعلًا من القصر بس مش هرجع تاني.

رسلان: بتهدديني؟!

نهضت ليال وقالت: لم تترك لي خيار آخر.

تنهد رسلان وقال: تضغطين عليّ.

جثت أمامه وأمسكت يده وقالت بحزن: أنت من تتحامل على نفسك وعليّ أيضًا، يكفي أرجوك.

جذبها بيده وضمها إليه وقال: أنا لكِ وحدك، أرجوكي، لو حسيتي إن الوضع أصبح صعب عليكي في يوم تقدري تطلبي البعد.

ليال: عمري ما هطلبه.

سطعت الشمس الصباح، وذهبت ليال إلى جناح الملك وأبلغت الخدم أن ولي العهد قد استعاد وعيه، انتشر الخبر في القصر، ودبت الأفراح به مرة أخرى، وتجمعو جميعًا بغرفته، وبعد أن طمئنهم الطبيب وظهرت السعادة عليهم بعودته سالمًا، نظر لهم رسلان وقال في تعجب: فين مربيتي؟!

نظر بعضهم إلى بعض ثم قال رَاهون: هناك أمر يجب عليك معرفته، سلمى مريضة، رحلة علاجها السابقة لم تجدي نفعًا، كانت تخبئ الأمر علينا جميعًا، ولكن عندما رأتك بهذه الهيئة ساءت حالتها الصحية، وهي طريحة الفراش من وقتها.

رفع الغطاء لينهض فأوقفته ليال وقالت: لأ... مش هينفع، لا يجوز سموك تتحرك.

رسلان: لازم أشوفها.

منعته ليال وقالت: عارفة، بس لما حالتك تتحسن أكتر وتشوفك هيساعدها هي كمان، ارتاح بس يومين.

وضعت الغطاء عليه مرة أخرى بعد أن رضخ لرأيها ثم قال رسلان: أتركوني مع جلالة الملك لو سمحتم.

خرجو جميعًا وتحدث رسلان مع الملك بأمرٍ ما، ثم خرج من الجناح وتوجه إلى قاعة القصر مباشرةً، مر يومان، كانت ليال تعتني برسلان كالعادة، ولكن الغضب كان يتصاعد عند رَميسا وأركان.

في صباح اليوم الثالث، ذهب رسلان إلى غرفة سلمى، وتحدث معها قليلًا، وفي هذا الوقت ذهبت ليال إلى المطبخ، وبعد أن باشرت عملها، دخلت أحد الجواري وقالت: السيدة جوهرة تشعر بوعكة صحية، بتطلب لو حد يعملها حساء ساخن.

ليال: هعملها أنا، حساء فيه الشفا، متقلقيش روحي وأنا هجيبه فورًا.

بعد وقت، ذهبت ليال وهي تحمل الحساء ودخلت عرفتها، وجدتها جالسة بالفراش فقالت جوهرة: تعالي يا ليال، معدتي تألمني.

ليال: الحساء ده والدتي كانت بتعمله ليا وأنا مريضة دايمًا، وبعدها كنت بقوم على طول، أشربيه وإن شاء الله فيه الشفا.

أخذته جوهرة، وبدأت تأكل منه، وفور أن تذوقته نظرت إليها بصدمة وقالت: قولتي.... والدتك؟! والدتك علمتك الحساء ده؟

ليال: أيوة.

ابتلعت ريقها وهي تنظر إليها بوجه شاحب وقالت: والدتك اسمها إيه؟!

ليال: هيام.

جوهرة: هي فين؟!

ليال: ماتت منذ عام.

فتحت جوهرة عينيها، وكأنها تلقت صاعقة كهربائية، ثم أشارت لها بالإنصراف، ظلت تنظر إلى الفراغ، ثم حدقت بالإناء، وانسابت دموعها، وبرغم بكائها إلا أنها تناولته كله، وفي لحظة تأكدت أن السر سوف ينكشف قريبًا وهي من عليها كشفه، فيجب إيقاف ما يحدث فورًا، حتى وإن كان الثمن موتها.

في إجتماع الديوان، كان رَاهون يتابع سير العمل، وفجأة دخل رسلان القاعة، قامو جميعًا بتحيته، ثم وقف رسلان بمنتصف القاعة وقال: تم عمل إتفاقية من رئيس الجيش لمملكة إيلاريا، الحقيقة أن ما حدث هو خطأ ولكن ليس خطأهم.

أركان: من الجيد أن ولي العهد يعترف بأخطائه.

نظر له رسلان واقترب منه بخطى واثقة وقال: ولكن أنا لم أقل أن الخطأ خطئي، هناك أحد من داخل الديوان أذاع خبر أن نيتنا في إرسال المحاصيل الزراعية هي السيطرة على مملكة إيلاريا، بعد جفاف أراضيها بسبب اعتمادهم على محاصيلنا.

نظر له أركان باضطراب، ثم قال أحد الوزراء: ومن فعل ذلك؟

رسلان: الشخص الوحيد الذي كان يعترض على إرسال المحاصيل، وهذا بغرض إشعال الفتنة بين المملكتين، مما أدى إلى هذه الحرب، والغرض الحقيقي لم يكن الحرب، بل أنا.

نظر له أركان بغضب وقال: ولي العهد بيشير إليّ بإصابع الإتهام في خيانة عظمى جلالتك وبدون دليل.

رسلان: مين قال إنها بدون دليل؟

نظر رسلان إلى رَاهون وقال: عندما اقتربنا من حدود أرنيل، خرج علينا جيش إيلاريا، وأثناء المعركة، كان هناك أحدًا يصوب بالسهام عليّ فقط، كنت أتفاداها، وبعد وقت، رأيت من كان يحاول قتلي، وعندما عرف أنني كشفته اختبأ وهرب، والمفاجأة أن من حاول قتلي داخل المقاطعة وبعد توقيع الإتفاقية هو ذات الرجل، الأمر جلالتك فيه مكيدة واضحة للتخلص مني.

أركان بغضب: ده كله مش دليل إني أنا اللي عملت ده.

أخرج رسلان من معطفه رسالة وقال: قبل رحيل رئيس الجيش، طلبت منه إعادة إرسال الرسالة التي أخبرتهم بنية الملك، وها هي، الرسالة من السيد أركان يا مولاي.

فتحها رَاهون ثم وقف في غضب وقال: أقبضو عليه فورًا،

أركان: يا مولاي، الرسالة مزورة، أنا مأرسلتش حاجة.

أخذه الحرس ووقف رَاهون ينظر لهم بغضب وقال: لآخر لحظة كنت أكذب ولي العهد لأجله، أهذا يعقل؟! إنه يعمل لدي منذ أكثر من عشرين عامًا.

نظرو جميعًا إليه بخجل، ثم أمر الملك رسلان بأن يعود ويرتاح بغرفته.

عاد رسلان وكان يجلس بغرفته مع كِيران، وبعد وقت من المزاح بينهما رحل كِيران وتركه، طلب رسلان من الخدم أن يأمر الجارية ليال بأن تأتي لغرفته، فلم يعد يتحمل رفضها أكثر.

وصل الخبر إلى ليال، التي ذهبت لتستعد لأول ليلة لهما معًا لتكون جاريته حقًا.

بعد وقت، كان رسلان يقف بالجناح وينتظرها، طُرق الباب، لينظر إليه في سعادة منتظرًا دخولها، ولكن دخلت جوهرة بدلًا منها، وقف رسلان أمامها وقال: خير يا جوهرة، فيه حاجة؟!

جوهرة: عفوًا يا سمو الأمير، بس فيه سر يجب إفصاحه فورًا.

رسلان: سر؟!

جوهرة: سر.... من الممكن أن أموت أمام إفصاحه، وليس موتى وحدي، بل موت السيدة سلمى أيضًا.

شعر رسلان بالخوف وقال: إتكلمي.

بعد وقت، خرجت جوهرة وتركت رسلان في صدمة لم يستطع التحدث على آثرها، وفي ظل هذا التخبط، دخلت ليال الجناح، نظر لها رسلان، وهناك ألم يعصف بقلبه، ليس بألم طبيعي، بل أقوى من الخنجر المسموم، للحظة تمنى أن يكون قد فارق الحياة على آثره، عوضًا عن هذا الألم الذي يشعر به، نظرت له ليال بتعجب واقتربت منه بقلق، رفعت كفيها لتضعهما على وجنتيه ولكن ارتد رسلان إلى الخلف بذعر وقال: متلمسنيش.

نظرت له وهي تعقد حاجبيها وقالت: هترفضني تاني؟!

رسلان بألم: المرة ديه.... لازم أرفضك.

ليال: ليه؟!

رسلان: عشان.... عشان مينفعش نبقى لبعض.... إنتي.... إنتي توأمي، أختي التوأم.

نظرت له ليال بصدمة، لم تستوعب ما قال، أهذا لغز؟! أم مزحة سخيفة، من الذي ينعتها بالأخت؟!

سر قد يغير مجرى حياتهم جميعًا، فلن يعود القصر كما كان، بل سينقلب على عاقبيه، معلنًا حربًا أخرى، تُرى، ما الذي حدث بالماضي؟

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المهد المكسور (أميرة المطبخ)

المؤلف Rabab Hussien
2025/11/11 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة