المهد المكسور (أميرة المطبخ)
الفصل الرابع
بقلم الكاتبة / رباب حسين
حين تظن أن العاصفة قد هدأت... تدرك أنها كانت مجرد هدوء يسبق الإعصار. إعصار أصاب قلبي بمجرد أن لمستني، رفعت يدها فقط حتى لا يفضح هذا النبض الغادر عن مشاعري دون إرادتي.
القلوب التي خفقت بالرهبة البارحة تخفق اليوم بالحيرة، هل أجعلها ملكي؟!... لا، لن أسمح لأحد أن يُهينها حتى أنا. وضع يدها بعيدًا عنه وقال: كفاية كلام، ده وقت نومي.
ولاها ظهره، ليغمض عينيه بألم، ليس من السهل أن تكون من تحبها بجوارك، ملك يديك، ترى نظراتها تعلن عشقها لك وترفضها، عذرًا ليال، إنتي أغلى من ذلك.
نظرت له ليال بضيق، هو لا يريدها، لو كان معجب بها ولو قليلًا فلن يتركها، عادت إلى الوسادة وأغمضت عينيها لتنام بعد يوم شاق.
وبين دهاليز القصر المذهبة، لا أحد يعرف من يملك مفتاح النجاة.
ليال... لم تعد تلك الفتاة التي تخشى الظلال، بل صارت هي الظل الذي سيخشاه الجميع. انتشر خبر أن ليال أصبحت جارية الأمير رسلان، لتصبح الجارية الأولى التي تمضي ليلها بداخل جناحه، ذلك الخبر الذي سيقلب الموازين، خاصةً ذلك المتربص بالظلام ( أركان) والآن قد أُضيف عدو جديد إلى ليال، مريم، التي اشتعلت الغيرة بقلبها، عدا تلك الإهانة التي تعرضت لها اليوم برفض الأمير لها، ولكن زاد عليها طلبه لتلك الطباخة.
أما الأمير رسلان، فبين فخر الدماء الملكية وصوت قلبه الذي تمرد، يقف على حافة الاختيار... قلبه أم هي؟!
نام رسلان بصعوبة بعد أن هدأ نبض قلبه.
حل الصباح، ليستيقظ رسلان على صفعة قوية على وجهه، ليفتح عينيه في صدمة ليجد يد ليال على وجنته وقد أحاطت بجسده بساقها، تبسم رغمًا عنه، يبدو أنها تمتلك عادات سيئة أثناء نومها، لم يرغب بأن يتحرك فإن استيقظت لتجد ذاتها بهذا الوضع فحتمًا ستشعر بالخجل، ظل ثابت محله حتى استيقظت ليال، نظرت أمامها بنعاس لترى ذراعها يحاوط رقبة رسلان، فتحت عينيها بصدمة وصرخت بقوة وابتعدت عنه لتنهض من الفراش بذعر، التفت لها رسلان ليجد شعرها مبعثر، وقد كون كحل عينيها هالات حولها كالبندا، لم يتمالك ذاته أكثر وانفجر ضاحكًا، فنظرت له ليال بتعجب ووضعت كلتا يديها على شعرها لتتحسسه ثم ذهبت إلى المرآة، صدمت من هيئتها فأمسكت بمحرمة وقامت بإزالة الكحل وهي تنظر إلى رسلان بغضب وقالت: مضحكة؟!
حاول رسلان تمالك ضحكه ونظر لها قائلًا: حقيقةً، اه.
ثم عاد للضحك مرة أخرى، لكن لم تشعر ليال بالغضب، على العكس فقد ظلت تشاهده وهو يضحك لأول مرة ثم قالت: ضحكت سموك حلوة أوي.
نظر لها رسلان وتحمحم ليعود لهدوئه وقال: تقدري ترجعي على غرفتك، الناس في القصر هيتعاملو معاكي على إنك الجارية بتاعتي، ياريت منتكلمش عن ليلة أمس مع حد.
ليال: بس هيطلبو مني أدخل جناح الجواري.
رسلان: لأ، إنتي هتفضلي في المطبخ وبس.
ليال: أمر سموك.
ثم خرجت من الجناح، تحت نظرات مريم التي سمعت صوت ضحكات رسلان من خلف الباب، نظرت لها بغضب وهي تغادر وعزمت على تلقينها ردسًا ليبعدها عن طريقها.
استيقظت رَميسا وجلست بالفراش واقتربت منها الخادمة صفا وقالت: صباح الخير.
رَميسا: خير، وجهك ينبأ بكارثة.
صفا: عندي خبر يا مولاتي، بس هيعكر صفوك في الصباح.
رَميسا: قولي بسرعة.
صفا: سمو الأمير رسلان، طلب الطباخة الملكية ليال في جناحه أمس، وغادرت الجناح منذ قليل.
فتحت رَميسا عينيها في غضب وقالت: معقول؟! يعني أنا قلقانة من مريم، تطلع كمان ليال، هي إيه حكاية ليال ديه؟! حاولت مع ناهر معرفتش راحت على رسلان! البنت ديه مش سهلة، مين قالك الخبر ده؟
صفا: الست جوهرة، وكمان قالتلي إن مريم ظاهر عليها الغضب من أمس، الأمير رفضها وبعد ساعات قليلة طلب ليال، إهانة كبيرة للجارية المفضلة خصوصًا إنها كل ده مستنية تمضي أول ليلة في جناح سموه.
رَميسا: إيه الأخبار ديه على الصبح؟!
نهضت من الفراش لتستعد لتناول الفطار مع الملك، بعد وقت توجهت إلى غرفة الطعام لتجد رسلان يجلس بجوار الملك على الطاولة ويتحدثا بأمور الدولة، ألقت عليهما تحية الصباح ثم جلست بجوار الملك.
رسلان: سموك متعلمش باللي شفته أمس، الناس في حالة غضب، الضريبة الجديدة مبالغ فيها، كل العامة بيقولو إن خزانة الدولة مليانة ولا يوجد مشاريع حاليًا، إيه سبب فرض ضريبة جديدة تضيق الحال عليهم، صراحةً يا مولاي الحق معهم.
رَاهون: بس المستشار أركان قال إن حالة العامة في تقدم، وأيضًا الخزانة محتاجة للمال.
رسلان: اسمحلي يا مولاي بحضور مجلس الديوان اليوم، وأنا هعرض الأمر على الوزراء، لازم نهدي العامة، لو شعرو بأن سموك بتسمع لهم وتسمع شكواهم، شعبية سموك هتتزايد وحبهم لجلالتك هيزيد.
رَاهون: اممم، إذًا مش هتنزل السوق اليوم؟
رسلان: عندي اختبار، بس هأجله لبعد الإجتماع لو سموك وافقت.
رَاهون: بالطبع موافق.
نظرت له رَميسا وحاولت ألا تظهر غضبها، دخول رسلان الإجتماع، وإذا وافق الأعضاء على إلغاء الضريبة سيزيد من شعبية رسلان، وأيضًا هذه تصرفات صريحة بأنه هو ولي العهد.
دخل ناهر غرفة الطعام لينظر له رَاهون ويقول: توقعت مش هتحضر معانا الفطار.
حيّاه ناهر وجلس على الطاولة وقال: بعتذر عن التأخير يا مولاي.
نظرت له رَميسا بغضب وعادت النظر إلى صحنها، ذهب رَاهون ورسلان إلى الإجتماع، عرض رسلان الأمر على الوزراء تحت نظرات أركان المترقبة بهدوء، وافق أعضاء الديوان على إلغاء الضريبة ولكن تحدث أركان وقال: مولاي، الخزانة بحاجة للأموال.
رسلان: ليه؟ لا يوجد مشاريع أو شيء يلح على جمع مبالغ زائدة.
أركان: ولكن يا سمو الأمير، مولاي الملك طلب إقامة نصب تذكاري لجلالته في الحديقة العامة، وده هيحتاج أموال إضافية، وأيضًا الضريبة واجبة.
رسلان بغضب: ضريبة على المزارعين لأنهم جمعو المحصول! يكفي مشقة الزراعة والحصاد عليهم.
ثم نظر إلى الملك وقال: مولاي، المزارعين بيتعبو لإطعام راعيا سموك، وتوفير أجود المحاصيل وخاصةً اللي بتيجي للقصر، ممكن نستفاد من زيادة المحاصيل ونشتريها منهم ونصدرها للممالك المجاورة، ده هيضيف لخزانة الدولة ويرفع من الحالة المعنوية والمادية للمزارع، لكن فرض ضريبة بدون أي وجه حق، هيأدي لتكاسل المزارعين، ليه يتعب وفي الآخر يدفع ضريبة، كفاية ضريبة الأرض اللي بيدفعها.
علا صوت الأعضاء بتأييديهم لحديث رسلان، عدا نظرة الإعجاب التي نظر بها رَاهون له، فقد جاء بفكرة سديدة، تخدم مصالح الدولة وأيضًا العامة، فقال: الموافق على اقتراح الأمير رسلان يرفع يده.
رفع جميع أعضاء الديوان يدهم عدا أركان ورفيقه سرور، فأردف الملك بإلغاء الضريبة الجديدة، ليُنشر القرار على الفور ويعلن على اللوحة العامة بساحة المدينة، وعلا صوت التهليل والفرحة بأرجائها.
أما أركان فكان له مخطط آخر.
أنهى رسلان الإجتماع وذهب إلى غرفته ليقوم بإداء الإختبار، بعد وقت، خرج إلى الحديقة وبيده أحد الكتب، لا يعلم لما كان يأمل أن يرا ليال، هل اشتاق إليها فقط في هذه الساعات القليلة؟! شرد هو يقرأ بالكتاب وتذكر هيئتها عندما استيقظت من النوم، فظهر على فمه ابتسامة عاشق، ولكن قطع شروده صوت مريم التي اقتربت منه وقالت: سمو الأمير باين عليه مزاجه حلو اليوم.
نظر لها وتحمحم قليلًا ثم قال بهدوء: قليلًا.
ثم عاد النظر إلى الكتاب، جلست مريم وقالت: سمعت عن إجتماع الديوان، فيه أخبار إن العامة بيحتفلو في الشوارع بعد إسقاط الضريبة.
نظر لها رسلان وابتسم بسعادة وقال: حقًا؟!
نظرت إلى ابتسامته وقالت: حقيقي، الأخبار جت مع عمال القصر، بعد ما خرجو يشترو أغراض الجواري.
تنهد رسلان بسعادة وهو يبتسم، فأمسكت مريم كف يده وقالت: سموك هتبقى ملك عادل وحكيم، متأكدة إن شعبك هيحبك ويتذكر عهدك لآلاف السنين.
نظر لها وقال: يكفيني أموت والناس بتفتكرني بالخير، التاريخ لا يخلد كل البشر، ولكن يكفي أن يتذكرني من يعرفني ويترحم على روحي.
مريم: طول العمر ليك يا سمو الأمير.
نظر رسلان أمامه ليرى ليال تنظر إليهما، نظرة الحزن بعينيها كانت كفيلة أن تضع بقلبه شعور الألم، نظر إلى كف مريم الذي أحاط بكفه ونزعه بهدوء من تحت يدها، لتنظر مريم إلى ليال التي تحركت سريعًا فور رؤية رسلان لها، شعرت بالحزن من نظرة التوتر التي ظهرت على وجه رسلان، هو يراعي مشاعر تلك الطباخة، فاستأذنت وذهبت، أما رسلان فقد تهاوى قلبه من نظرة ليال فنهض مسرعًا وحمل كتابه معه، ليقترب من باب القصر ولكن وقف عندما سمع صوت ليال وهي تقول في حزن: معاك حق.
نظر لها رسلان وكاد التحدث فأردفت: مريم هادية ورقيقة، تليق بسموك، أنا عصبية وعنيدة، لساني طويل، أمي كانت دايمًا تقولي لسانك حْصنك، لم أفهم ما تقصد إلا الآن، أنا كنت غبية لإني وضعت نفسي في مقارنة بيني وبينها، أساءت الفهم لما دخلت جناح الأمير عشان تاخدني، الخطأ من عندي، مش ده السبب اللي خلى سموك تاخدها جارية مفضلة ليك؟
رسلان: لأ.
اقتربت منه ليال وقالت بغضب: طيب فيها إيه مميز عني؟! ليه هي ليها الحق تبقى جنبك وأنا مجرد جارية ليك بالاسم فقط؟!
رسلان: عايزة تبقي جارية ليا بالفعل مش بالاسم بس؟!
ارتبكت ليال ولم تستطع أن تجيب على سؤاله، فركضت من أمامه ليصيح الأمير بغضب قائلًا: إياكي تديري ضهرك ليا وأنا بكلمك.
فزعت ليال من صوته الذي وصل إلى رَميسا وهي تتجول بحديقة القصر، فاقتربت لترى ما يحدث، عادت ليال لتقف أمام رسلان وهي تنظر إلى أسفل، قال رسلان بغضب: أنتي تتحدثين مع الأمير الأكبر لمملكة لورينيا، من أين أتيتي بالجراءة لتذهبي من أمامي وأنا لم أكمل حديثي معك؟!
قالت بصوت باكي مرتجف: عفوًا سموك، مشيت عشان مش عايزة أبكي أمامك، مش عايزة أبقى بترجى حبك.
هدأ رسلان فور سماع صوت بكائها، اقترب منها ووضع كلتا يديه على وجنتيها وقال: إنتي مش بتترجي حبي، إنتي بتسألي عن سبب إعجابي بالجارية مريم.
نظرت له ليال والدموع تنساب على وجهها، فنظر لها رسلان بعشق لأول مرة، لتتمعن ليال داخل عينيه وتطبع هذه النظرة داخل قلبها، فأردف قائلًا: كل الأسباب اللي قولتيها مش هي اللي ولدت إعجابي بيها، لإني ببساطة، مش معجب بيها من الأساس، ولمعلوماتك، أنا بفضل المشاغبات، اللي لسانهم طويل، والمتسرعين في الحكم على الناس.
ثم نظر إلى عينيها قليلًا وقال : واللي عيونهم حلوة.
ابتسمت له على استحياء فأدرف: لسه معرفتيش مين هو رسلان.
أزال دموعها وقبل عينها وقال بصوت ناعم: مش مسموح للعيون ديه تبكي تاني.
دخل رسلان القصر وترك ليال تنظر إليه بحب، عدا نظرات رَميسا التي كانت تنبأ بخطر كبير.
اقتربت صفا منها وقالت: مولاتي، الملك منتظرك في الحديقة، ده ميعاد الشاي لسموه وطلب يتحدث معاكي.
نظرت لها رَميسا وقالت: لسه شوية، تعالي معايا الأول على الجناح بتاعي.
بعد وقت، كان الملك يجلس بحديقة القصر، يداعب الكلب ويلعب معه، اقتربت رَميسا وابتسمت له وقالت: يبدو إن الكلب مشتاق لسموك يا مولاي.
ابتسم رَاهون وقال: كان مريض أمس، ومشفتوش، بس اليوم باين إنه بخير.
جلست رَميسا تداعب الكلب حتى اقتربت الخادمة من المطبخ وهي تحمل بعض الحلوى بيدها ليتناولها الملك مع الشاي، وضعت الخادمة الطبق أمام الملك، نبح الكلب عاليًا وظل يقترب من الحلوى، ضحك رَاهون وقال: إنت جائع؟!
أخذ قطعة من الحلوى وأعطاها له، تناولها الكلب وقام الخادم بوضع الشاي أمام الملك، ارتشف منه ثم وضع الكوب ليمد يده ليأخذ الحلوى، وقبل أن يضعها بفمه صاحت رَميسا بقوة: لا يا مولاي!
نظر لها رَاهون بتعجب فوجد عينيها مسلطة على الكلب، نظر له ووجده قد مات على الفور، نظر رَاهون إلى الحلوى وقذفها من يده على الفور، وقف ليصيح بقوة: من يحاول تسميم الملك؟!
رَميسا: كنت أعلم أن الطباخة الجديدة مش جديرة بالثقة يا مولاي، هي اللي صنعت الحلوى وأكيد هي اللي وضعت السم.
نظر لها الملك بغضب بداخله يتوعد لليال، تُرى كيف ستواجه ليال هذه المكيدة؟!
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien