سلام يا اللي كنت اخويا

سلام يا اللي كنت اخويا

14 0

صلوا على نبي الرحمه ♥️ 🦋

قاطعوا

شاركوني برأيكم

ـــــــــــــــــــــــــــ

رماح كان يجهّز أشياءه في صمت، حركاته سريعة لكنها مشوّشة، كأن عقله يسبق جسده بخطوات.

دخل عليه نصار، عابس الملامح، وقال بصوته الجاف:

"رايح فين كده؟"

رفع رماح نظره إليه، ونظر له نظرة طويلة، ثابتة... نظرة لا تحمل سوى أمرٍ واحد: "اسكت."

لم يتكلم، فقط حرك فمه بكلمة واحدة:

"مشوار وراجع."

ثم غادر بخطوات سريعة، يجرّ وراءه سحابة من القلق والنية الصارمة.

---

في الطريق، كان رماح يمشي ببطء، على غير عادته، وكأن الشارع يضيق عليه رغم اتساعه.

مشاعره تتصارع داخله—خوف، غضب، حنين، واشمئزاز.

تساءل في نفسه:

"من إمتى بقيت بخاف من المواجهة؟ أنا اللي طول عمري بواجه، حتى الموت ما خفتش منه... بس عند مهران، كل حاجة بتتهز."

---

في مكانٍ آخر، داخل أحد القصور الفخمة، وتحديدًا في غرفة الاجتماعات ذات الستائر الثقيلة والألوان الداكنة...

كان مهران يجلس على رأس الطاولة، يضع ساقًا فوق الأخرى، وجهه خالٍ من الانفعالات، ولكن عينيه حادتان كالسكاكين.

على يمينه أمه، صامتة كصنم، تنظر أمامها دون تعبير.

وعلى يساره يجلس محمود وعدد من رجاله، وجوههم مليئة بالنفاق والانبطاح.

قال مهران بصوته الرتيب:

"أظن إن الشحنة الأخيرة خلصت؟"

جاء صوت أحدهم من آخر الطاولة:

"أيوه يا مهران باشا، كله تم، والناس مبسوطة."

ثم التفت مهران نحو محمود:

"والبنت؟ جات؟"

ابتسم محمود ابتسامة باردة، كأنها مُعلّبة:

"بلغنا الناس في مصر، هيتصرفوا ويجيبوها."

من مكانٍ مظلم على سطح البناية المقابلة، كان رماح يتسلّل بصمت، يراقب المشهد من خلف نافذة مكسورة، يلتقط الكلمات كأنها طلقات نارية تُصيب صدره.

صرخ مهران بغضب مكتوم:

"البِت دي لازم تكون هنا بكرة! وإلا... ماحدش هيعجبه اللي هيحصل."

محمود، وهو يجزّ على أسنانه ويحاول كتم رعبه:

"حاضر، اللي تأمر بيه يا باشا."

ضغط رماح على صدره، كأن قلبه سيقفز من مكانه. لم يكن يتخيّل أن الأمور وصلت لهذا الحد.

"البنت"... يقصدوا سندس؟

---

انتهى الاجتماع، ونهض مهران متجهًا إلى غرفته.

كانت الغرفة مظلمة، الجدران مطلية بلون رمادي قاتم، الستائر مغلقة دائمًا، والهواء فيها ثقيلٌ لا يُطاق.

بدأ يخلع سترته ببطء، حين فُتح الباب فجأة...

وقف رماح هناك، كأن الظلام أنجبه في تلك اللحظة.

عيناه مليئتان بالحقد... والخذلان.

تجمّد مهران في مكانه، قلبه ارتجف رغم جبروته.

أخوه... آخر شخص توقع أن يراه، وبهذا الشكل.

همس بصوت خافت، محمّل بالشوق المكبوت:

"رماح؟..."

لكن رماح لم يمنحه وقتًا للشرح أو الدفاع.

في لمح البصر، أمسك بعنق مهران، وألصق وجهه بأذنه، وهمس بلهجة حادة كالسكين:

"إياك... تعمل اللي في دماغك يا مهران. المرة دي... مش هرحمك."

كان صوته هادئًا... لكنه يحمل زلزالًا.

حاول مهران أن يتحرر من قبضة أخيه، لكن قوة رماح كانت غير متوقعة، كأن كل سنوات القهر اجتمعت في يديه.

وقبل أن يختنق تمامًا، تركه رماح يسقط على الأرض كدمية مهترئة.

اقترب منه، انحنى قليلًا، ونظر إليه بسخرية لاذعة، وقال:

"عارف إن آخرك متر في متر؟ توب لربنا... ماحدش هياخد منها حاجة."

ثم وقف، ورفع يده في وداع بارد:

"سلام يا اللي كنت أخويا."

غادر الغرفة، تاركًا وراءه مهران على الأرض، ممددًا، وجهه شاحب، وعيناه متسعتان بدهشة وذلّ.

لم يصدق... أن هذا هو رماح.

أخوه الصغير... أصبح الآن أكثر شراسة مما تخيّل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عاد رماح إلى منزله بعد المواجهة، أنفاسه لا تزال متسارعة، ويده ترتجف قليلاً من أثر كل ما حدث.

جلس على الكرسي، ثم مدّ يده إلى الهاتف، وضغط الأرقام بتردد.

رفع السماعة إلى أذنه، وصوته حمل شيئًا من التوتر:

رماح:

"ألو؟… يا عم أسامة؟ حضرتك والد سندس، صح؟"

جاءه الصوت من الطرف الآخر، دافئًا ومندهشًا بعض الشيء:

أسامة:

"أيوه يا ابني، أنا أبوها… خير؟ هي عملت حاجة؟"

ابتسم رماح ابتسامة شاحبة، وقال بهدوء:

"لا يا عمي، ما عملتش حاجة… بس في موضوع مهم لازم تعرفه."

وبدأ يسرد كل شيء، من أول ما اكتشفه عن مهران وحتى التهديدات التي سمعها، لم يُخفِ شيئًا، وكان صوته جادًا، يحمل صدقًا لا يمكن تجاهله.

سكت أسامة للحظة، ثم قال بصوت متردد، فيه قلق أب لا يملك سوى ابنته:

"طب… هتعمل إيه دلوقتي؟"

رد رماح بسرعة وثقة:

"الحل الوحيد دلوقتي… إنك تبعتها عندي. هي هتكون في أمان، بعيد عن كل ده، لحد ما أخلّص القصة دي."

سكت أسامة، وكأن صوته اختنق.

"أنا… أنا خايف عليها. دي نور عيني، ومليش غيرها ف الدنيا يا ابني."

أغلق رماح عينيه للحظة، واستشعر وجع الأب، كأن قلبه تحرّك للمرة الأولى منذ زمن، وقال بنبرة حازمة لكن حنونة:

"يا عمي… سندس في أمانتي. وأقسم لك، هتفضل في حضني لحد ما أرجّعهالك صاغ سليم، من غير خدش حتى."

صمت قصير، تلاه تنهيدة ثقيلة من الطرف الآخر.

أسامة وافق، لكن بصعوبة… قلقه لم يفارقه، لكنه اختار أن يثق برماح.

أغلق رماح الهاتف ببطء، ثم وقف مستندًا إلى حائط في أحد أزقة إسبانيا القديمة، المكان حوله ضيق ومظلم، لكنه شعر بسعة قلب أسامة التي أربكته.

نظر للأرض، ثم رفع رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة باهتة، وقال في نفسه:

"هو ده… هو ده اللي المفروض يتقال عليه أب. لو ده ميتعملش عشانه كده… أمال مين؟"

ثم استقام في وقفته، عيناه تقدحان نارًا، وتابع سيره نحو بيته بخطى ثابتة.

كل شيء أصبح واضحًا في رأسه الآن.

لقد حان وقت الخطوة الأخيرة…

التي سيهدم بها إمبراطورية مهران من أساسها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعدما أغلق أسامة الهاتف مع رماح، بقي جالسًا للحظة، يحدّق في الفراغ، وكأن الكلام لا يزال يرنّ في أذنه.

شعر بثقل هائل يسكن صدره... ابنته في خطر، خطر لم يكن يتوقعه، وجاء الوقت الذي عليه فيه أن يختار: الخوف أم الأمان؟

نهض من مكانه فجأة، ونادى بصوتٍ مرتجف، لكن حازم:

"يا سندس! يا سندس يا بنتي!"

خرجت سندس من غرفتها بسرعة، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحها:

"نعم يا بابا؟ في إيه؟"

نظر إليها أسامة طويلاً، وعيناه تمتلئان بحزن ثقيل لم تستطع تفسيره، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة:

"هتروحي مع رماح، تقعدي عنده شوية… لحد ما الأزمة تعدي."

سندس تجمدت في مكانها، وعيناها اتسعتا من الصدمة:

"بابا؟! إنت بتتكلم جد؟!"

اقترب منها أسامة، ووضع يديه على كتفيها، ونظر في عينيها بعمق، وكأنه يحاول طمأنتها وطمأنة نفسه في نفس الوقت:

"والله على عيني يا بنتي… لكن مصلحتك أهم. أنا مقدرش أتحمل أذى ييجي لك، حتى لو من الدنيا كلها. رماح وعدني إنك هتكوني في أمان عنده، وأنا مصدّقه… روحي جهزي شنطتك، وخلّي بالك من نفسك، يا نور عيني."

ارتعشت شفتا سندس، لكنها لم تنطق بكلمة.

استدارت ببطء، وعادت إلى غرفتها، رأسها منخفض، وقلبها يصرخ داخله بصمت.

كانت يداها تتحركان لتجمع أغراضها، لكن عقلها مليء بالأسئلة:

هل سيكون رماح حقًا الأمان؟ هل ما ينتظرها هناك أخطر مما تتركه خلفها؟

نظرت إلى حقيبتها الصغيرة بعد أن انتهت من تجهيزها، ثم همست بصوت خافت لنفسها، كأنها تنبّه قلبها:

"أنا عارفة… إن الموضوع ده مش هيعدّي على خير."

ثم جلست للحظة على طرف السرير، تضم الحقيبة إلى صدرها، بينما عيناها تطاردان المجهول الذي ينتظر خلف الباب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منزل رماح، كان الجو مشحونًا بالتوتر والترقب.

وقف رماح في منتصف الصالة، يُحدّق نحو الدرج وكأنه يُفكر بعمق، ثم التفت وقال بحزم:

"مليكة، جهزي الأوضة اللي على اليمين… سندس جاية بكرة، وعايز كل حاجة تكون جاهزة قبل ما توصل."

هزّت مليكة رأسها بطاعة، وانطلقت نحو الغرفة لتبدأ بالتنظيف والترتيب، بينما أشار رماح إلى نصار:

"تعالى ورايا، لازم نحسم شوية حاجات قبل ما الوقت يسبقنا."

جلس الاثنان على الطاولة في غرفة المكتب، أضاء رماح النور الخافت، وساد صمت قصير بينهما قبل أن يتكلم نصار:

"ها... قول، هنعمل إيه بقى؟"

أخذ رماح نفسًا عميقًا، ثم نظر له بثبات ونبرة لا تحتمل الجدل:

"أولًا، سندس جاية بكرة... ودي أمانة في رقبتي، ومش هسمح لأي حاجة تأذيها.

ثانيًا، بعد بكرة بالليل هننفذ العملية الخاصة بالناس اللي كانوا هيجربوا عليهم الجهاز... اللي هربناهم، وصلوا خلاص لإسبانيا.

إحنا النهارده، أنا وإنت وملاك**، هنروح نهربهم لمكان آمن قبل ما حد يوصل ليهم.**

أما بالنسبة لشحنة المخدرات، ملاك هي اللي بترتب لها دلوقتي، وهتتصرف فيها بالكامل من غير ما يوصّل لنا أي ضرر."

ظل نصار صامتًا لوهلة، يتأمل وجه رماح بعينٍ تفهم ما بين السطور. يعرفه منذ سنين، ويعلم أن حين يتحدث بتلك النبرة، فإن الخطة محسوبة حتى أنفاسها.

"تمام كده..." قالها نصار بهدوء، لكنه داخليًا كان مذهولًا من سرعة رماح في التحرك ودقة ترتيباته.

ابتسم رماح ابتسامة باهتة، ثم نهض من مقعده:

"استعد... الليلة طويلة، ولسه قدامنا كتير قبل ما ننضف الوسخ اللي سايبينه وراهم."

‏ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور خمس ساعات...

كانت سندس تجلس في مقعدها بالطائرة، وقد غلبها النعاس أخيرًا بعد ساعات من الترقب والقلق. أغمضت عينيها، واستسلمت لنومٍ عميق، لكن راحة النوم لم تدم طويلًا.

في الحلم...

وجدت نفسها تقف في طريقٍ مظلم، لا يكاد يُرى منه شيء، سوى ضوء خافت ينبعث من بعيد. حاولت التقدُّم نحوه، لكن قبل أن تقترب، اندفع نحوها مخلوقٌ ضخم بشراسة، انتزع المصباح من مكانه فجأة، وانطفأ كل شيء.

الظلام التهمها، وصوت صراخها ملأ الفراغ من حولها.

ثم تشنج جسدها فجأة، وكأن روحها ستصعد إلى السماء...

شهقت بقوة واستيقظت مفزوعة، تتنفس بسرعة، تتلو آيات الاستغفار وهي تمسح العرق البارد عن جبينها. نظرت حولها بارتباك، ثم همست لنفسها:

"كان كابوس... بس حسيت كأني هموت بجد."

استعادت هدوءها شيئًا فشيئًا، إلى أن هبطت الطائرة في مطار إسبانيا بعد مرور خمس ساعات أخرى.

---

في المطار...

كان رماح ينتظرها عند بوابة الوصول، يقف ثابتًا ونظراته متيقظة، يتفقد الوجوه بتركيز، يبحث عن سندس بين الزحام.

نزلت سندس من الطائرة ببطء، تحمل حقيبتها على كتفها، وملامح التعب بادية على وجهها. لم تكد تخطو خطوتين خارج البوابة حتى أمسك أحدهم بذراعها بعنف، وجذبها بقوة جعلتها تسقط أرضًا.

صرخت بأعلى صوتها:

"سيبني!!"

وبينما كانت تُسحب على الأرض كأنها دمية لا حول لها ولا قوة، كان رماح قد سمع صوتها، قلبه سقط من مكانه، وانطلق نحوها كالصقر.

صرخ وهو يركض:

"سندس!!"

في ثوانٍ كان قد وصل، وانقضّ على الرجل الضخم الذي حاول اختطافها. دفعه بعيدًا، وانهال عليه بالضربات واحدة تلو الأخرى، بجنون من فقد السيطرة. كان سيقتله، لولا أن تدخل رجال الأمن بشدة شديدة، وتمكّنوا من فصله عنه بصعوبة.

قال أحد رجال الأمن بالإسبانية وهو يحاول تهدئة الوضع:

"كل شيء تحت السيطرة، اهدأ يا سيدي."

نظر رماح إلى المعتدي بنظرة لو كانت سِهامًا لقتلته في الحال، ثم التفت سريعًا إلى سندس، التي كانت لا تزال على الأرض.

"سندس، انتي كويسة؟ فيكي حاجة؟"

سألها بلهفة وهو يقترب منها، وعيناه تمتلئان بالقلق الحقيقي.

نظرت له سندس وهي تحاول رسم ابتسامة مرهقة على وجهها:

"أنا تمام... بس تعال شوفني، مرمية على الأرض كأني دبّيحة!"

ضحك رماح وهو يساعدها على النهوض:

"تعالي يا مزّة، قومي..."

رفعت حاجبها مستنكرة:

"احترم نفسك يا أستاذ رماح! إيه مزّة دي؟"

ابتسم بمكر وهو يرد:

"خلاص... جُثة بدل مزّة، ورضيتك أهي!"

ضحكت رغم ألمها، ثم قالت:

"يلا بينا، خليني أخرج من اليوم النكد ده."

أومأ برأسه، ثم أخذ حقيبتها، وسار بجوارها وهو يُلقي نظرة أخيرة على المكان، وقلبه لا يزال يغلي...

لكن الآن، سندس تحت جناحه، ولن يسمح لأحد أن يلمسها بسوء.

احلام عوض

ألقاكم علي خير ♥️ 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شتات العقول

المؤلف Ahlam Awad
2025/10/17 مكتملة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة