صلوا على نبي الرحمه ♥️ 🦋
قاطعوا
قولولي رايكم قراءه ممتعه
ـــــــــــــــــــــــ
في مكانٍ يسوده الظلام،
لا يُنير الغرفة سوى وهج باهت من مصباحٍ جانبي، يتدلّى بتكاسل من السقف،
يلقي ضوءًا شاحبًا على وجه مهران، الجالس بهدوء قاتل، يُحدق في الرجل الواقف أمامه بنظرات جامدة كأنها من صخر.
مهران بنبرة جادة باردة تخلو من أي انفعال:
"قولي... شحنة المخدرات أخبارها إيه؟ الناس اللي في مصر مستعجلين."
الرجل، وهو يُعدل من وقفته، قال باحترام ممزوج بتوتر:
"والله يا باشا، أمّنا كل حاجة، فاضل بس تتشحن وخلاص."
رمق مهران وجهه للحظة، ثم ركّز عينيه مباشرة في عيني الرجل، صوته منخفض لكن يحمل قوة تهديد مبطن:
"طب تمام... الناس اللي عندك، أخبارهم إيه؟"
تنفس الرجل بعمق، كأنّه يتهيّب الرد، ثم قال بنبرة فيها ضيق خفي:
"عملنالهم الكشف الطبي، في منهم عنده أمراض ما تنفعش... رجعناهم مكان ما جِبناهم."
أومأ مهران برأسه ببطء، كأنه يُبارك القرار دون كلمة.
فهم الرجل الإشارة، وانسحب على الفور بخطى محسوبة.
وبقي مهران وحده...
جلس ثابتًا لا يتحرك، عينيه متسمّرتين في الفراغ كأنّه يرى شيئًا لا يراه أحد سواه،
الظلال تلعب على وجهه وتزيده قسوة...
لم ينطق بكلمة... لم يُظهر ملامح ندم، ولا حتى رضا.
فقط... صمت.
وصوت المصباح المتأرجح... يصدر صريرًا خافتًا كأنّه يهمس بسرٍّ لن يُقال أبدًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل رماح بخطوات ثقيلة، كأنّ الهمّ يسحب قدميه.
لمّا لمح نصار جالسًا على الأريكة يبتسم له كعادته، تنفّس رماح الصعداء قليلًا، كأن حضوره وحده أمان.
جلس بجانبه وربّت بخفة على فخذه وهو يقول بصوت مبحوح من التعب:
"حمد الله على السلامة يا باشا."
ابتسم نصار بتلقائيته وهو يمد يده ليصافحه:
"الله يسلمك، قولي... مالك؟ باين عليك مش ساهل اللي جاي."
أجاب رماح بابتسامة حزينة، فيها من الوجع أكتر من الراحة:
"مهران مش ناوي يجيبها لبرّ أبدًا… وطلعتنا المرة دي مش هزار، إحنا داخلين على مصيبة محترمة."
زفر نصار وهو يمرر يده على وجهه بتعب:
"سيبه… يتحمّل نتيجة غلطته، مش كل مرة تشيله… حرام عليك نفسك يا رماح."
اعتدل رماح في جلسته، نظر إليه بنظرة فيها وجع وقلق دفين:
"أنت عارف… دا مش مهران اللي عرفته. واللي بيحصل مش بس غلطة، المنظمة نفسها مستنية أي زلّة منه علشان يصفّوه، وهما أصلاً عاوزينه يقع… بأي طريقة."
ثم نظر للأرض وهمس كأنّه يلوم القدر:
"ودا… أخويا يا نصار."
اقترب نصار منه وربت على ظهره بمودة وصوت مطمئن:
"أنا جانبك، ما تقلقش… مش هنسيبه لوحده، ولا هنسيبك تتكسر بسببه."
هز رماح رأسه بامتنان، ثم تنهد بعمق، كأنّه يستجمع قواه من جديد.
قال بصوت أكثر صرامة:
"يلا اسمع… الخطة بدأت تتكوّن."
بدأ يسرد على نصار أركان الخطة،
صوته هادئ لكن فيه عزيمة،
عيناه تلمع بالحذر والتركيز،
وكل تفصيلة بيقولها… كانت كأنها معركة لا بد من كسبها،
مش بس لإنقاذ مهران…
لكن لإنقاذ ما تبقّى من العائلة… ومن رماح نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان يعمه الفوضى، كل شيء متناثر بلا نظام، أكياس وأوراق وأسلاك متناثرة على الأرض والسرير، والمكان بالكاد يُتنفّس فيه من ضيق الهواء.
الشبابيك مغلقة، والباب موارب بدرجة صغيرة، كأنّ صاحبة الغرفة تعيش في عزلة اختيارية عن العالم.
دخل الحاج أسامة الغرفة، تطلع حوله بنظرات ممتزجة بالقرف والدهشة:
"إيه يا بنتي القرف دا؟! إنتي قاعدة في زريبة ولا معمل نفايات؟!"
رفعت سندس رأسها من فوق أكوام الأكياس، وهي تحاول تزيح بعضها جانبًا لتخلق لنفسها مساحة:
"والله يا حج أسامة، زي ما انت شايف… شغالة على اختراع أحلامي."
نظر إليها أبوها للحظة، ثم تغيرت ملامحه من الضيق إلى الحنية، وقال بصوت فيه دفء:
"أنا واثق فيكي يا بنتي… ومؤمن إن ربنا هيكرمك، وهتبقي أحسن من زويل نفسه."
ابتسمت سندس بخفة وهي تحاول تخفف من جديّته:
"صحيح… القرد في عين أبوه غزال!"
ضحك الأب وهو يربت على كتفها:
"في عين أمه يا هبلة… بس قوليلي، إزاي بتقولي بتخترعي جهاز وبتاخدي السنة في سنتين؟ أنتي كويسة كدا؟"
أخفضت سندس رأسها بخزي وقالت:
"بعيد عنك… أنا متخانقة مع نص الدكاترة، وتقريبًا محدش بيطيقني، ومقعدني معاهم كأنها سنة تأديبية."
علا صوت أسامة بغضب مكتوم:
"ما أنا أنقلك من الجامعة دي ونخلص! الكلية المقرفة دي هتجيب أجلك!"
قبلت سندس يده وهي تبتسم له بامتنان:
"تسلم يا أوس… بس أنا تمام، بجد."
نظر إليها والدها بعينين مملوءتين بالتمني والدعاء:
"ربنا يوفقك يا بنتي، وأشوفك في أحسن المراتب يا رب."
سندس بحب:
"ويسعدك يا حبيبي."
خرج أسامة وتركها تكمل عملها، كما تقول دائمًا… اختراع أحلامها.
---
وبعد وقت من العمل المضني، قررت سندس أن تأخذ استراحة.
جلست تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، تقلب الصفحات بلا هدف، حتى توقفت عند صورة جعلت قلبها يسقط في قدميها…
ندى، أعز صديقاتها، تقف بجانب شخصية بارزة في مجال التكنولوجيا، وتحت الصورة تعليق مليء بالفخر بمشروعها الثوري.
سندس همست بصدمة:
"البت ديه… عرفت المناظر النظيفة ديه منين؟! ديه جربوعة وفاشلة!"
ضغطت على اسمها لتراسلها… لكنها وجدت نفسها محظورة.
ارتبكت… تداخلت مشاعر الاستغراب والخذلان في لحظة واحدة.
"ليه؟ أنا أقرب حد ليها…!"
قررت الاتصال بـ سالي، صديقتها الثانية.
رفعت الهاتف واتصلت بها، وصوتها مضطرب:
"ألو سالي، شفتي ندى عملت إيه؟! عملالي بلوك!"
ردت سالي بتردد وصوت متوتر:
"عاوزة أقولك حاجة… بس خايفة عليكي."
صمتت سندس لحظة، ثم قالت بثقة مهزوزة:
"قولي يا بنتي، انتي عارفة إني مش بخاف من الحقيقة."
قالت سالي بصوت منخفض كأنها تسحب كلماتها من جوفها:
"ندى… أخدت مشروعك اللي شغالة عليه بقالك سنة، وقدمته… باسمها."
صُدمت سندس، سقط الهاتف من يدها، كأنها تلقت ضربة في صدرها.
"إزاي؟ دا أنا لسه مخلصتهوش حتى…!"
سالي بحزن:
"أنا مش عارفة إزاي. بس لما كانت بتحكيلي عن مشروعها، اكتشفت إنه هو هو اللي إنتي شغالة عليه. أنا آسفة، كان لازم تعرفي."
جلسَت سندس صامتة، كأنّ الصوت انقطع عنها…
الخذلان حاصرها من كل جهة… صديقتها… أمانتها… تعبها… سنين أحلامها.
سالي بصوت متلهف:
"سندس؟ سندس؟! أنا هقفل وجيالك حالًا… متنهاريش، هنفكر سوا، ربنا مش هيباركلها، أنا جاية."
أغلقت سالي الهاتف، بينما سندس تحدّق في الفراغ… دموعها تنزل بصمت، تتساءل:
"كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟"
---
بعد ربع ساعة، وصلت سالي إلى بيت سندس.
"معلش يا طنط… سندس فين؟"
"تحت في المعمل يا حبيبتي من الصبح."
"شكرًا يا طنط."
نزلت سالي إلى المعمل، حيث خصص أسامة لابنته تلك المساحة منذ بداية حلمها.
"سندس؟ سندس؟"
تقدمت تبحث عنها… حتى وجدتها منكمشة في أحد الأركان، تحتضن ركبتيها وتدفن وجهها، تبكي بصمت كأن الكون كله خذلها.
ركضت إليها واحتضنتها بقوة.
سندس بصوت متهدج، غارق في الحزن:
"هي إزاي عملت كدا فيّا؟ أنا كنت بحبها… كنت واثقة فيها… إزاي تسرق مجهودي وتنسبه ليها؟!"
سالي بمرارة:
"ربنا كبير يا سندس. وبعدين انتي قولتي إن المشروع مش كامل… يعني مش هتعرف تكمله."
سندس بصوت مختنق:
"بس لو حد من المتخصصين مسكه، هيكمله! ومجهودي كله راح… وهي اللي هتتكرم… والتاريخ هيخلد اسمها بدل ما يكون اسمي!"
سالي بنبرة إيمان:
"واثقي فاللي خلقك…
قال الله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى."
مسحت سندس دموعها بظهر يدها، ونهضت من حضن صديقتها، قالت بصوت متماسك:
"أنا عارفة إن ربنا هيرجعلي حقي… بس قلبي موجوع على اللي كنت شايفاها أختي."
سالي وضعت يدها على كتفها:
"ارمي حمولك على ربك، وانتي تستاهلي كل خير… وإن شاء الله الخير جاي."
وقفت سندس فجأة، وفي عينيها قرار:
"أنا هروح مشوار… وجاية على طول."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكتب متوسط الحجم، تغمره هالة من النظام والهدوء، جلس "رماح" خلف مكتبه الفخم، محاطًا بملفات مرتبة وأوراق مُسطّرة بدقة، يتابع أعماله بنظرة ثاقبة وجبين مشدود قليلاً. لم يكن صوت عقارب الساعة يُسمع وسط هذا السكون، كأن المكتب نفسه يتنفس برتابة.
وفجأة، انفتح الباب دون استئذان.
رفع "رماح" رأسه ببطء، بعينين رماديتين تشعّان دهشة ممزوجة بثقة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة فيها شيء من المزاح، وشيء آخر يشبه التهديد المبطّن:
رماح (بهدوء ساخر):
"إنتي عارفة لو حد تاني عمل كده... كنت عملت فيه إيه؟"
دخلت "سندس" بخطوات مترددة، تحمل في ملامحها أكثر من وجع، أكثر من خيبة. كانت نظرتها هاربة، وكتفيها منحنيين كأنها تحمل ثقل العالم فوقهم.
سندس (بصوت خافت مكسور):
"آسفة إني دخلت كده فجأة... بس أنا... محتاجة حضرتك في موضوع مهم."
في تلك اللحظة، تجمّدت حركة "رماح" لثوانٍ. لم يكن من السهل أن تأتي إليه فتاة مثل سندس... بهذه الطريقة، وبهذا الوجه الذي اختلط فيه الألم بالإصرار.
رماح (بجديّة وقد تحوّل كامل انتباهه إليها):
"اتفضّلي، قولي."
سندس (تحبس دموعها بصعوبة، ونبرتها متهدجة):
"أنا بقالي سنة بشتغل على مشروع... مشروع حياتي، وفجأة واحدة... واحدة كنت بحسبها صاحبتي... خدت المشروع، وقدّمته باسمها."
رفع "رماح" حاجبيه بدهشة حقيقية، وصمت للحظة كأنه يحاول استيعاب ما سمعه.
رماح:
"مشروع إيه دا؟ ومين اللي تجرّأت تعمل كده؟"
سندس (بصوت مهزوز، كأنها تحاول لملمة بقايا نفسها):
"للأسف... ندى. كانت أقرب واحدة ليا. والمشروع عبارة عن جهاز بيشتغل بتقنية الذكاء الاصطناعي، بيتصل بخلايا المخ وبيتحكم في الإشارات العصبية... كنت شغالة عليه في المعمل بتاعي من أكتر من سنة."
نظر لها "رماح" نظرة عميقة فيها شيء من الاستغراب وشيء من الإعجاب أيضًا.
رماح:
"وإنتي ليه فكرتي تعملي جهاز بالخطورة ديه؟"
سندس (بصدق عفوي):
"مكنتش بفكر في الخطورة. جاتلي الفكرة وبدأت أشتغل عليها... ومع الوقت لقيتني بتعمّق أكتر... ولما وصلت لنتايج، فرحت... وكنت حاسة إن حلمي بيقرب."
صمت "رماح" للحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لا تُقرأ بسهولة، مزيج من التفكير والدهاء:
رماح:
"بصي... متقلقيش. مشروعك هيرجعلك. بس لحد ما أرجّعه... إوعي تقولي لأي حد إن المشروع بتاعك. ولا حتى تلمّحي."
سندس (بلهفة وقلق):
"بالله عليك... ما تأذيهاش. أنا مش عاوزه غير حقي. هي... ربنا يسهلها."
نظر لها "رماح" ببطء، نظرة طويلة، وفي صوته نبرة غامضة لكنها مطمئنة:
رماح:
"متخافيش... مش أنا اللي هأذيها."
نظرت له "سندس" بدهشة، كأنها تحاول تفهم ما وراء كلماته... لكن لم تجد سوى صمته المبتسم.
احلام عوض
ألقاكم علي خير ♥️🦋
Ahlam Awad