الفصل الثامن

الفصل الثامن

16 0

صلوا على نبي الرحمه ♥️ 🦋

متنسوش المقاطعه

قراءه ممتعه

ـــــــــــــــــ

في غرفة يغمرها السكون الثقيل، ويمتزج فيها ضوء الغروب الخافت مع رائحة الأدوية والمطهرات، تحرك مهران بصعوبة على سريره، يتأوه من ألم حاد في جسده. رفع عينيه المتعبتين نحو السقف، ثم همس بصوت واهن:

"إيه اللي حصل؟"

اقتربت والدته، عيناها ممتلئتان بالقلق الذي تحاول أن تخفيه، وجلست على طرف السرير. مدت يدها تتحسس جبينه برفق وهي تقول بنبرة تجمع بين الحنان والحزن المكبوت:

"مفيش يا حبيبي، النوبة رجعت تاني... جسمك كان مش مستحمل."

أغمض عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما على نظرة شاردة فيها الكثير من التعب والندم. صوته خرج أكثر ضعفًا مما قبل:

"تمام... ماشي. ممكن... تسيبوني لوحدي شوية؟"

ترددت الأم لوهلة، وعيناها تمتلئان بأسئلة لا تُقال، ثم قالت برقة مصطنعة تُخفي وراءها غضبًا مكتومًا وألمًا طويل الأمد:

"ماشي يا قلب أمك، خد راحتك."

خرجت بهدوء، تاركة وراءها عبقًا من الخوف والحنين، بينما أغلق مهران عينيه مجددًا، وبدأت الذكريات تنهال عليه كالسيل الجارف...

طفولته التي لم تدم، ضربات والده، دموع أمه، محاولات الهرب التي فشلت، وشقيقه الذي ابتعد بمرور السنين. تساءل بينه وبين نفسه، كيف تحوّل من مهران الهادئ الحنون إلى هذا الرجل الغامض، المليء بالغضب والمكر؟ كيف سمح لتلك الحياة أن تشوّه روحه؟

وفجأة، انفتح باب الغرفة بعنف، ودخل محمود بخطوات متوترة ونظرة مليئة بالغضب والضيق.

"مش هتكلّم زاهر؟ العملية الكبيرة قربت، ولا ناوي تعمل نفسك مش واخد بالك؟"

رفع مهران نظره إليه ببطء، وكأنه يجرّ الكلام من أعماق إرهاقه:

"كلمه إنت... أنا مش فايق دلوقتي."

لكن محمود لم يهدأ، بل اقترب أكثر وهمس بصوت مشحون بالتوتر:

"في حاجة كمان... رماح وصل إسبانيا، ومعاه الشلة بتاعته. عرفوا مين اللي عمل الجهاز، والبنت... ندى. ودينها على المخزن."

جلس مهران في سريره، وقد بدأ الغضب يتسلل إلى عينيه كشرارة صغيرة تتحوّل إلى لهب. ثم قال بنبرة باردة لكنها تحمل تهديدًا دفينًا:

"تمام... تجيبولي البنت دي فورًا، وندى... ندى دي سيبوها لي. أنا هتصرف."

وبينما كان محمود يهمّ بالمغادرة، بقي مهران صامتًا. عيناه تحدّقان في الفراغ، وذهنه غارق في بحر من القلق والخطط والأفكار المتشابكة. قلبه مضطرب، وعقله في سباق مع الزمن، لكنه يعلم جيدًا أن لحظة الحسم قد اقتربت... وأنه لا مجال للضعف بعد الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ساحة التدريب، حيث يختلط صوت الرياح بنقرات لوحة المفاتيح، جلس رماح على طاولة خشبية مهترئة، منكبًا على اللاب توب، وعيناه مثبتتان في الشاشة بتركيز وحواسه كلها مستنفرة.

رماح (متذمرًا وهو يضغط على الأزرار بعصبية):

"إيه كل ده يا مهران؟ عامل حسابك فخ إلكتروني؟ ولا مش عايز حد يقرب منك؟!"

اقترب نصار منه، يتكئ على الكرسي المجاور، وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه:

نصار (ساخرًا):

"يعني لسه مش عارف تفتحه؟ لا بقى، كدا إحنا نجيب طفل صغير يفكهولنا!"

رماح (متوترًا وهو يزفر):

"بحاول... بس الحماية عليه معقدة أوي. ده مش حساب، ده قلعة!".

تبدلت ملامح نصار إلى الجدية فجأة، ونظر إليه نظرة طويلة قبل أن يقول بنبرة حازمة:

"هتعمل إيه مع سندس؟ لو مهران عرف إنها ليها علاقة بالجهاز، مش هيرحمها. قدامها تكمّل الجهاز... يا تموت، يا رماح."

كأن قلب رماح تلقى طعنة، سكت لثوانٍ، وعيناه تغرغان بقلق حقيقي، كأن الخطر صار يحيط بها من كل اتجاه.

رماح (بهمس مرتبك):

"مش عارف... خصوصًا إن عاصم كلمها وهددها. الموضوع كبر أوي يا نصار، و... بفكر أجبها هنا."

نصار رفع حاجبه بدهشة حقيقية، وهو يلتفت إليه بحدة:

"استنى، عرفت منين إن عاصم كلمها؟"

ابتسم رماح بخفة، ودار وجهه ناحيته لكنه تجنب النظر المباشر في عينيه، وقال بنبرة تحمل بعض الخجل:

"يعني... بنتواصل أحيانًا. لما تكون محتاجاني. مش كتير، بس..."

نصار انفجر ضاحكًا، وهو يصفق على كتفه:

"آه يا بيضة! طب ما تقول من الأول إنك واقع يا ابني! طيب يا حبّيب قلبي، هاتها وهاتلنا جاتوه معاها!"

ابتسم رماح ابتسامة خفيفة، فيها حنين وقلق وكسوف، ثم سرح قليلًا في ملامح سندس، نظراتها، صوتها، وابتسامتها اللي دايمًا كانت تخفف عنه، لكنه سرعان ما انتبه على صوت أنثوي قادم من خلفه.

مليكة، وهي تحمل صينية عليها أطباق بخارها يتصاعد، قالت بنغمة مرحة:

"يا عباقرة الهاكرز، العشا جاهز... تعالوا كلوا قبل ما المخ يتفحم من التفكير!"

نصار (واقفًا وهو يشم رائحة الأكل):

"آه والله ريحة الكفتة بتكسر الحماية يا مليكة!"

رماح ضحك، وهو يطفي اللاب توب مؤقتًا، لكنه في داخله لم يُطفئ نيران القلق... كان يعلم أن الخطوة القادمة حاسمة، وأن سندس... ليست مجرد فتاة عادية في القصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.

في مصر، داخل أروقة الجامعة المزدحمة، وبين الحشود المتدفقة من الطلبة، كانت سندس تُطوي دفتر محاضراتها وتضعه في حقيبتها بتثاقل. ملامحها شاحبة، وعيونها تتحرك بقلق وكأنها تترقب شيئًا.

سالي (بصوت منخفض وقلق وهي تنظر حولها):

"عملتي إيه في موضوع عاصم؟"

سندس (وهي تتنهد وتتلفت دون وعي):

"والله يا سالي... أنا تعبت. الموضوع مأثر على نفسيتي جدًا. كل يوم بصحى على توتر، وبنهي اليوم وأنا خايفة. خصوصًا بعد كلام رماح... كل شوية يقولي: خلي بالك من نفسك، لو حد سأل عن المشروع قولي مش بتاعك."

سالي (وضعت يدها على كتفها بلطف):

"خلي بالك فعلًا يا سندس. رماح أكيد شايف حاجة إحنا مش شايفينها، وربنا يسترها معاكي إن شاء الله."

بدأت سندس تتحرك خارجة من القاعة، خطواتها بطيئة وكأنها تسحب همومها معاها، وفجأة نظرت إلى الأرض وقالت بنبرة مكسورة:

"اللي مزعلني بجد مش التهديدات... ندى. صاحبتنا اللي كنت شايفة فيها أخت. أنا ما عملتلهاش حاجة وحشة، ومع ذلك خانتني... ليه؟"

وهي منشغلة بكلماتها، اصطدمت بجسم شخص طويل قادم من الاتجاه المعاكس، وارتج جسدها من المفاجأة.

دكتور محمد (بحدة وهو يحاول استعادة توازنه):

"مش تاخدي بالك يا بنتي؟ الدنيا زحمة، ماينفعش تمشي كده!"

سندس (وقد ارتبكت تمامًا وانخفض صوتها):

"آسفة يا دكتور، والله ما أخدت بالي..."

تأملها الدكتور بنظرة غامضة، وكأن عينيه تبحث عن شيء فيها، ثم قال بصوت أقل حدة:

"ماشي يا سندس... محصلش حاجة."

ثم مضى في طريقه ببطء، دون أن يلتفت.

سندس (وهي تهمس لنفسها بقلق):

"ماله كان بيبصلي كده ليه؟ النظرة دي مش مريحة خالص..."

سالي (بدهشة وهي تنظر وراء الدكتور):

"معرفش الصراحة... بس شكله واخد باله من حاجة. يمكن سمع عن موضوع المشروع؟"

سندس لم ترد، فقط أومأت برأسها وهي تغرق في دوامة من الشكوك والمخاوف.

غادرتا معًا، تتبادلان حديثًا سطحيًا عن الحياة اليومية، لكن ذهن سندس كان في مكان آخر تمامًا... مكان مظلم، مليء بالأسئلة، والخوف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكانٍ موحشٍ، تغمره رائحة العطن والرطوبة، تتدلى الأسلاك العارية من السقف، والقمامة تملأ الزوايا، بينما الفئران تتحرك في الظلال بخفة. جلس زاهر على كرسي متهالك، يدخن سيجارًا بنهم، وأصابع يده الأخرى تعبث بهاتفه القديم، حتى رن فجأة.

زاهر (بضحكة ساخرة وهو يرد):

"ألو... محمود باشا؟! لسه فاكر ترن عليا؟ كنت افتكرتني نسيتك."

محمود (بنبرة باردة من خلف الخط):

"عاش من سمع صوتك يا زاهر... إيه أخبار العملية؟ الكبير بيسأل وعاوز يعرف كل التفاصيل."

زاهر (وهو ينفث الدخان بتأفف):

"والله شغال يا باشا... بس زي ما انت عارف، الناس اللي بتلمهم مش ناس سهلة. كل واحد فيهم جاي من جحيم، وبياخد وقت عشان يرضى يدخل معانا. تعب، بس ماشيين."

محمود (بلهجة حادة لا تخلو من التهديد):

"الكبير قالك تستعجل. الليلة دي بالذات، محتاجين ننجز، مفهوم؟ مفيش وقت للتمطيط."

زاهر (وهو يعدل جلسته، وصوته يتغير بنبرة حذرة):

"في واحدة خرجت عن السيطرة... دماغها ناشفة وممكن تفضحنا لو فكرِت تتكلم."

محمود (ببرود شيطاني):

"جبها مع الباقيين. إحنا هنتصرف. بس خليك حذر... الكبير بيكره المفاجآت."

زاهر (يبتلع ريقه، والقلق ظاهر في صوته):

"دي مش زي الباقي يا باشا... دي مش خايفة، وممكن تولّع الدنيا لو اتزنقت."

محمود (بنبرة منخفضة ومرعبة):

"يبقى لازم نخلّيها تخاف... أكتر من الموت نفسه. فاهمني؟"

انتهت المكالمة، وزاهر ظل ينظر للهاتف للحظات، ثم بصق على الأرض وهمس لنفسه:

"يا خرابك يا زاهر... جبت لنفسك وجع قلب."

احلام عوض

ألقاكم علي خير ♥️ 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شتات العقول

المؤلف Ahlam Awad
2025/10/17 مكتملة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة