صلوا على نبي الرحمه ♥️ 🦋
قاطعوا
شاركوني برايكم قراءه ممتعه
انا بدلت الفصول 🤡 المفروض التالت هو الرابع والرابع هو التاني ولفي بينا يا دنيا
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكانٍ خالٍ من البشر، لا صوت فيه إلا همسات الرياح واحتكاك أوراق الشجر ببعضها، وقف رجلٌ طويل القامة، يخبئ يداه داخل جيبي معطفه الثقيل، وعيناه تتابعان الواقف أمامه دون أن يرمش.
قال بصوتٍ منخفض ولكن يحمل في نبرته لهجة الأمر:
الرجل: عملت أكيد اللي قولتلك عليه؟
زاهر ابتلع ريقه كمن يبتلع شوكة، ثم أجاب وهو يتلعثم قليلاً من شدة التوتر:
زاهر: حضرتك... إحنا شغالين عليه على أحرّ من الجمر والله.
لم يبدُ على الرجل أي انفعال، ظلّ يحدق فيه بنفس النظرة الثابتة، ثم نطق من جديد، بصوت أكثر حدة:
الرجل: زي ما قلتلك... عاوزين نحصر الفئة ديه من الشباب في النقطة ديه، مش عاوزينهم يفكروا... من الآخر.
حاول زاهر أن يبدو متماسكاً، لكنه لم ينجح في إخفاء ارتباكه، فهز رأسه بسرعة وقال:
زاهر: والله يا فندم إحنا هنا في مصر بنعمل اللي علينا... بننشر كل اللي يتطلب، وكل يوم في تطوّر.
ابتسم الرجل ابتسامة جانبية، باردة، كأنها سكين تُخفي نصلها في الحرير. ثم قال بنبرة خافتة ولكنها قاطعة:
الرجل: تمام... بس المرة الجاية عاوز أشوف نتايج أحسن... فاهمني يا زاهر؟
زاهر: فاهم يا فندم... حاضر.
لوّح الرجل بيده إشارة للانصراف، ثم أدار له ظهره ببطء، وغاب وسط الظلال كما ظهر منها، تاركًا زاهر غارقًا في القلق، يتصبب عرقًا رغم برودة الجو.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزلها، كانت سندس تجلس على طرف سريرها، تحت ضوء خافت يتسلل من أباجورة صغيرة بجوارها، تمسك بهاتفها بيدٍ مرتعشة، عيناها معلقتان بالشاشة، وتنهيدة ثقيلة خرجت من صدرها مع كل ذكريات الأمس التي انفجرت في عقلها كوميض برق خاطف.
فلاش باك
خرجت سندس من مكتب زاهر، والغضب يغلي في صدرها كمرجل، عيناها تلمعان بقهر ووجهها يشتعل من الانفعال. وما إن فتحت الباب حتى وجدت رماح واقفًا أمامها، يسند ظهره إلى الحائط، وعلي وجهه تلك الابتسامة الغامضة التي تزيد الأمور توترًا.
رماح (بصوت هادئ وابتسامة مستفزة):
ـ إيه؟ عملوا فيكي إيه يا صغيرة؟
نظرت إليه سندس نظرة مشتعلة بالاشمئزاز، ورفعت ذراعيها في عنف لتربعهما أمام صدرها كأنها تبني درعًا بينه وبينها:
سندس (بحدة):
ـ وانت مالك أصلاً؟! أكيد إنت معاهم… جاي تقنعني؟! طب اسمع مني، أنا مش هغيّر رأيي! الأستاذة اللي جوه مكانهم الطبيعي السجن، ولو ما اتسجنوش هنا، فربنا فوق… بيمهل بس ما بيهملش!
وعلى فكرة، بيهددوني يضيعوا مستقبلي؟ يضيعوه! مابيهمنيش!
ابتسم رماح باتساع، كأنه استمتع بكلماتها، وصوته خرج بنبرة فرحة غريبة لا تشبه الموقف:
رماح:
ـ خلصتي؟… طب كويس. دا رقمي، ابقي كلميني لما تهدي… عشان أفهّمك على كل حاجة.
عودة إلى الحاضر
أفاقت سندس من شرودها وهي تتنفس بسرعة، قلبها يدق بعنف. نظرت للهاتف مرةً أخيرة، كأنها تحسم مصير قرار مصيري، ثم كتبت الرقم الذي أعطاها إياه رماح ببطء، وضغطت زر الاتصال… ووضعت الهاتف على أذنها.
سندس (بصوت متردد لكنه حازم):
ـ ألو… السلام عليكم.
من الجانب الآخر، جاء صوته هادئًا ومتحفظًا:
ـ مين؟
سندس (تضغط على أسنانها وتلوي شفتيها بضيق):
ـ وانت مستني حد تاني يكلمك ولا إيه؟
رماح:
ـ نعم؟
سندس (تحاول استعادة رباطة جأشها):
ـ أحم… حضرتك أنا سندس… اللي كانت امبارح في مكتب الزفت زاهر.
رماح:
ـ آه، افتكرتك.
(صوته أصبح أكثر جدية)
بُصي يا سندس… الكلام مش هينفع على التليفون، لازم نتقابل.
أنا مضطر أقفل دلوقتي… حددي معاد يناسبك وبلغيني.
انتهت المكالمة، وبقيت سندس تمسك الهاتف بين يديها، تتأمل الشاشة المطفأة، بينما الأفكار تتصارع في رأسها كالزوابع… هل تثق فيه؟ أم أن هذه الخطوة قد تكون بداية لمتاهة أكبر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجدت نفسها تقف في مفترق طرق… طريقان متناقضان أمام عينيها. أحدهما مفروش بالدماء، أجساد تتصارع، صرخات مكتومة، وأناس ينهش بعضهم بعضًا كأنهم وحوش. أما الآخر، فمضاء، ممهد، ميسر كأنه يدعوها للراحة… مدت قدمها نحوه، حاولت أن تخطو… لكن ساقها كانت مقيدة، حديدٌ غليظ يمنعها من الحركة. بدأت تصرخ… وتصرخ… تستنجد… لكن لا أحد يسمع. لا أحد يأتي.
شهقت بحدة وهي تفتح عينيها، أنفاسها متلاحقة، وقطرات العرق تبلل جبينها، وضغطت كفها على صدرها كأنها تحاول تهدئة قلبها المضطرب.
ـ "لحد إمتى؟... لحد إمتى الكوابيس دي؟" همست بها لنفسها بتعب، وعيناها لا تزالان مشوشتين بالدموع.
انفتح الباب بهدوء، ودخلت والدتها بخطوات حانية. توقفت عند عتبة الغرفة، ثم قالت بدهشة وقد رفعت حاجبيها:
ـ غريبة… صاحيـة لوحدك؟ من غير ما أزعق؟
ابتسمت سندس ابتسامة باهتة، شاحبة:
ـ عادي يا يماما… قولت أريحك شوية.
اقتربت أمها منها بقلق واضح، وقلبها يخفق خوفًا من نظرة بنتها، وضعت يدها برفق على رأسها، وبصوت دافئ ممزوج بالحنان، همست:
ـ مالك يا قلب أمك… في إيه؟
لم تستطع سندس كبح دموعها، فمدت ذراعيها واحتضنت خصر أمها كأنها تبحث عن ملاذ، وقالت بصوت خافت كأن الحروف تفرّ من بين شفتيها:
ـ أنا كويسة… والله كويسة.
بدأت أمها تربّت على ظهرها بحنان، وأردفت بصوت ملئ بالحب والاحتواء:
ـ أنا جنبك يا ضيّ العين… وقت ما تحبي تتكلمي، اتكلمي… أنا سامعة.
مسحت سندس دموعها بسرعة كأنها تخجل منها، ثم اعتدلت في جلستها وقالت بمحاولة لتغيير الجو:
ـ طيب اعمليلي فطار علشان عندي بكرة كتير… واعمليلي ساندوتشات كتير كمان… علشان حزينه!
ضحكت الأم من قلبها ونظرت لها بحب أكبر وقالت:
ـ ولو عايزة عيني خديها… هقول لعيني حاضر.
ابتسمت سندس أخيرًا، ووقفت تتحرك بهدوء لتبدأ يومها، وكأنها تحاول طرد آثار الحلم المزعج.
... بعد مرور بعض الوقت
جلست على طرف سريرها، تتأمل الهاتف بين يديها. هذه المرة لم تكن مترددة. كانت تعلم ما تريد. ضغطت على الرقم، ووضعته على أذنها، بثقة امتزجت بقلق خفي.
ـ ألو… أستاذ رماح معايا؟
جاءها صوته من الطرف الآخر، ناعسًا ومتثاقلًا:
ـ أيوه… مين معايا؟
قطبت جبينها وقالت بنفاد صبر:
ـ هو حضرتك ما سجلتش رقمي ولا إيه؟
ضحك بخفة، ثم قال بنبرة كسولة:
ـ معلش… لسه نايم، ما فوقتش كويس.
قالت بسرعة وهي تحاول السيطرة على أعصابها:
ـ طيب يا أستاذ رماح، أنا النهاردة هخلص على الساعة 3… ممكن نتقابل بعدها؟
رد بصوت أكثر انتباهًا:
ـ تمام… مستنيك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ساحة الجامعة، خرجت سالي من قاعة المحاضرات بخطوات سريعة ومتضجرة، ثم نظرت في ساعتها بتوتر وزفرت تنهيدة طويلة، قبل أن تخرج هاتفها وتقلب فيه بملل. وما هي إلا لحظات، حتى اقتربت منها سندس، مبتسمة ابتسامة غامضة وهي تركز في شاشة هاتفها دون أن تنتبه لمن حولها.
رفعت سالي حاجبيها باستغراب ثم قالت بحدة وهي تغلق هاتفها وتخفيه في حقيبتها:
– على فكرة الناس هتفهمنا غلط كده! ابعدي يا زفتة!
قهقهت سندس ضاحكة واقتربت منها أكثر:
– تعالي نفطر… ماما عاملة سندوتشات قد كده… هتنبسطي.
نظرت لها سالي بتعجب، ثم وضعت يدها على كتفها وقالت بنبرة حنونة:
– مالك يا سندوسة؟ في حاجة مزعلاكي؟
أومأت سندس برأسها مبتسمة ابتسامة واهنة، وقالت بصوت خافت:
– نقعد وأحكيلك…
سالي اتسعت عيناها بقلق، ثم أشارت إلى ركن بعيد في ساحة الجامعة:
– أنا كده قلبي اتنفض عليكي… تعالي نقعد برا شوية.
جلستا سويًّا على مقعد خشبي تحت ظل شجرة، والنسيم يمر بهدوء بين وجهيهما. وضعت سندس رأسها على كتف سالي وهمست بصوت مكسور:
– أنا فاقدة حنان يا سالي… اديني، ولا أدوّر على حد تاني.
ضربتها سالي ضربة خفيفة على ركبتها وقالت بانفعال:
– حنان إيه يا ام حنان ! قولي إنك عايزة "أبو حنان"!
اعتدلت سندس في جلستها وقالت مبتسمة بشجن:
– والله يا ريت ييجي… يخلصني من الزهق ده.
ضحكت سالي وهي تهز رأسها:
– يا رب يا أختي… بس قوليلي مالك بقى؟
تنهدت سندس، وشبكت أصابعها بإحكام، ثم بدأت تروي ما حدث. كانت كلماتها متقطعة، مشوشة، تنبع من قلب متوتر، وذهن غارق في التشتت. حكت عن لقاءها بـ"زاهر"، وكيف عرض عليها أن تروج لفكر مشبوه، وكيف رفضت، فبدأ التهديد يتسلل إليها في صورة مستقبل مهدد بالضياع.
سالي كانت تستمع في صمت، ملامح وجهها تتبدل بين القلق والغضب، وحين انتهت سندس من حديثها، وضعت يدها على فمها لحظة كأنها تحاول أن تستوعب.
وأخيرًا، قالت بنبرة متوترة:
– طب تتورطي في حاجه زي ديه ليه ؟ ومين الناس دي أصلاً؟ ومستقبل إيه اللي يضيع علشانك مقولتيش شوية كلام؟! ورماح دا مين دا كمان ؟ ايه العك دا يا سندس !
نظرت لها سندس بعيون دامعة، وقالت بصوت مخنوق:
– والله ما أعرف! كل حاجة حصلت بسرعة… فجأة لقيتني وسط دوامة…
اللي اسمه زاهر ده قالي بالحرف: "لو قولتي اللي هنقولك عليه للناس، هنروق عليكي وننقلك نقلة تانية".
بس أنا انا عارفه اللي اسمه زاهر دا فكره متطرف من الفيديوهات اللي بينشرها ، وقلت لأ.
راح هددني… قالي مستقبلك هيضيع… ومن ساعتها وأنا مش فاهمة حاجة!
ليه أنا؟ هو مشغل آلاف غيري، أشمعنا أنا اللي لازم أقول ولا أسكت؟!
أحاطت سالي صديقتها بذراعيها، وضمتها بقوة وهي تقول بنبرة دافئة:
– إن شاء الله هتتحل…
اسمعي رماح، وشوفي الحكاية ماشية إزاي…
وما تخافيش، أنا معاكي… مش هسيبك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان رماح جالسًا في ركن هادئ من الكافيه، يحتضن كوب القهوة بيده ويرتشفه ببطء، كمن يحاول أن يستمد من مرارته صبرًا لمحادثة يعلم أنها لن تكون سهلة.
ضوء الشمس يتسلل بخفة من الزجاج، يلمس طرف الطاولة التي أمامه، بينما عيونه كانت تتابع المارة بلا اهتمام حقيقي… حتى ارتسم ظل خافت أمامه.
رفع رأسه بتلقائية، ليجد سندس واقفة أمامه، تحمل ملامحها شيئًا من التوتر والتردد. ابتسم بلطف ونهض من مقعده:
– إزيك يا آنسة سندس، اتفضلي اقعدي.
جلست سندس وهي تشد أطراف حجابها بتوتر ظاهر، ثم قالت بصوت خافت:
– إزيك.
ارتسمت ابتسامة خفيفة عند طرفي شفتي رماح، لكنه لمح ارتباكها، فقال بصوت مطمئن:
– مالك متوترة كده ليه؟ اهدي.
نظرت له سندس نظرة طويلة، ثم قالت بنبرة متوترة لكنها حازمة:
– ولا متوترة ولا حاجة… ممكن تفهمني بقى؟ في إيه؟
ابتسم رماح ابتسامة حزينة، كأنها تحمل ما لا يُقال، وقال برقة:
– هفهمك كل حاجة دلوقتي… بس الأول، تحبي تشربي إيه؟
هزت سندس رأسها بقوة، وقالت بإصرار:
– مش عايزة أشرب… عايزة أفهم… ممكن؟
أطرق رماح برأسه للحظات، ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
– بصي يا سندس… أنا عارف إنك بنت كويسة، وعشان كده حبيت أشرحلك كل حاجة… عشان لما يحصل اللي هيحصل، متقوليش محدش قالّي.
نظرت له سندس بدهشة، ثم مالت بجسدها قليلًا للأمام وهمست بنبرة مرتجفة:
– هو إيه دا؟ تبع الماسونية ولا إيه الموضوع؟
ضحك رماح ضحكة خافتة وهز كتفه بلا مبالاة:
– يمكن… ليه لأ؟ الناس دي تتوقعي منهم أي حاجة… اللي فوق فوق، واللي بيحركهم مش باينين.
ثم اعتدل في جلسته، وبدأ يتحدث بجديّة أكبر:
– المهم… الناس اللي زي زاهر ومحمد وغيرهم، دول ما بيتحركوش من نفسهم، دول أدوات. في ناس فوقهم عاوزين يضروا البلد، يشوهوا الدين، ويخلوا الناس تشك في كل حاجة… يشلّوا عقولهم ويخلوا الإيمان عندهم مهزوز.
أطلقت سندس تنهيدة طويلة، وقالت بتعب واضح:
– وماليش أنا بقى؟ أنا دخلي إيه في كل ده؟
نظر إليها رماح مباشرة، ثم قال:
– علشان عندك متابعين كتير، وإنسانة محترمة والناس بتحبك. فلو اتكلمتي بأسلوب هادي ولبق، ممكن كتير يصدقوك… أو على الأقل، يشغلوا الناس بيكي وينسوا اللي وراهم.
وضعت سندس يدها على وجهها، وقالت بصوت فيه حزن وانكسار:
– وأنا أكيد مش هرضى بكده.
قال رماح بسرعة، بصوت خافت:
– وهم أكيد مش هيسبوك في حالك…
نظرت له سندس بعينين تملؤهما الحيرة، والقلق المتصاعد بدأ يسري في جسدها، كأنه موجة باردة تتسرب في عروقها. ثم قال رماح بنبرة عملية:
– بصي، دلوقتي قوليهم إنك موافقة… اسمعي هما عايزينك تقولي إيه، وخليكي ذكية… خدي الكلام، بس لما تتكلمي، قولي وجهة نظرك… اعكسي المعنى لو عاوزة، المهم تكوني ماسكة خيوط اللعبة.
صرخت سندس بغضب، وقد ارتفع صوتها فجأة:
– قول بقى! إنت معاهم! وجاي تقنعني أشتغل لحسابهم!
رفع رماح حاجبه ببرود، وقال بصوت منخفض لكنه حازم:
– اقعدي… وصوتك مايعلاش عليا… واسمعيني للآخر.
أنا مش جاي أقنعك، أنا جاي أقولك الحقيقة زي ما هي… القرار ليكي.
أطرقت سندس رأسها نحو الأرض، وعضت شفتها بأسف:
– معلش… آسفة… أنت عارف أنا مضغوطة قد إيه…
هز رماح رأسه بتفهم، وابتسم:
– ولا يهمك… أنا كده خلصت كلامي… ورقم تليفوني معاكي، لو احتجتي أي حاجة، أنا موجود.
نهض من مكانه، وتركها وحدها، بينما بقيت سندس جالسة تنظر إلى فنجان القهوة أمامها، كأنها ترى فيه عالماً سقط منها فجأة…
وفي قلبها سؤال لا يفارقها:
هل اللعبة بدأت… أم أنها كانت تلعب دون أن تدري؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد انتهاء الجلسة مع رماح، خرجت سندس من الكافيه تسير في الشارع بخطوات متثاقلة، وعقلها شارد تمامًا.
الوجوه تمر من حولها، السيارات تعبر، الأصوات تتعالى، لكنها لا تسمع شيئًا.
كانت أشبه بشخص يمشي داخل ضباب كثيف، لا يرى طريقه، ولا يشعر بمن يمر قربه.
"ليه أنا؟ ليه كل دا بيحصلي؟"
سؤال كان يتردد في ذهنها بإلحاح، كأن صدى صوتها الداخلي لا يريد أن يصمت.
لم تفعل يومًا ما يؤذي أحدًا، لطالما كانت تلك الفتاة التي تفضل أن تسير بمحاذاة الحائط، تتفادى الصخب، وتخاف من الضوء الزائد.
توقفت فجأة، أغمضت عينيها، ثم همست لنفسها:
"يمكن دا ابتلاء… يمكن ربنا بيختبرني."
رفعت بصرها للسماء، كأنها تبحث فيها عن عزاء، عن إجابة تطمئن قلبها.
تمتمت بصوت خافت:
– استغفرك ربي وأتوب إليك… يارب عوني… قوّيني ع اللي جاي.
مسحت دمعة كانت على وشك السقوط، ثم تابعت سيرها بخطى أكثر ثباتًا، وإن ظلّ قلبها مرتعشًا.
---
أما رماح، فقد وصل إلى البناية التي يسكن فيها.
وقف أمام الباب الحديدي العتيق، وألقى التحية على البواب الذي كان جالسًا على كرسي خشبي قديم:
– السلام عليكم يا عم متولي، جبت الطلبات اللي قولتلك عليها؟
رفع الرجل العجوز رأسه وابتسم ابتسامة طيبة تشبه دفء الآباء:
– أيوه يا بيه، جبتلك كل حاجة… لحمة وخضار وزيت وسكر كمان!
ابتسم رماح وربت على كتفه بلطف:
– تسلم يا غالي، ربنا يباركلك.
ثم تركه وصعد إلى شقته في الدور الثالث.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى شقة هادئة، تغمرها رائحة القهوة والكتب القديمة.
أضاء الأنوار، وخلع معطفه، ثم توجه مباشرة إلى المطبخ.
بدأ بتحضير طعامه بنفسه، يقطع الخضار بهدوء، ويغسلها وهو يهمس بكلمات لا يسمعها أحد.
صوت تقطيع السكين على لوح الخشب كان هو الوحيد الذي يملأ الفراغ.
رماح... ذلك الرجل الذي يفعل كل شيء بنفسه.
لا أحد ينتظره… لا أحد يشاركه الطعام… أو يسأله: "أكلت ولا لأ؟"
تعود على الوحدة حتى أصبحت كأنها جزء من جلده… لا تؤلمه، لكنها لا تتركه.
نظر إلى المقلاة على النار، ثم قال لنفسه بابتسامة باهتة:
– يوم يعدي… وبكرة نشوف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّت عدّة أيام على اللقاء مع رماح، دون أن يطرأ جديد.
كانت سندس تحاول أن تعود إلى حياتها الطبيعية، لكنها لم تكن قادرة على التخلّص من ذلك القلق الذي يسكن قلبها.
في إحدى زوايا المكتبة الجامعية، جلست إلى جوار سالي، وبين يديهما أكوام من المحاضرات والملخصات.
الهدوء يخيّم على المكان، لا يُسمع فيه سوى صوت الأوراق وهي تُقلب، وأنفاس متقطعة من التركيز.
رفعت سالي رأسها فجأة عن الورق، وحدّقت في ملامح سندس التي كانت تذاكر بلا تركيز:
– سندس… هو مفيش حاجه جديد؟
تنهدت سندس، ووضعت القلم بين صفحات الكشكول، ثم قالت بصوت يحمل مسحة من الحزن:
– لأ… مفيش حد كلّمني خالص.
أمالت سالي رأسها بتفكير وقالت مطمئنة:
– يبقى أكيد نسيوكي… ومحدش هيعملك حاجه إن شاء الله.
هزّت سندس رأسها ببطء وقالت بتمنّي:
– يارب يا سالي… بتمنّى كده من قلبي.
بس عارفة؟ اللي مزعلني أكتر إن مفيش أي حس ولا خبر عن رماح… شكله كان طيب أوي.
رفعت سالي حاجبها بدهشة، وقالت بنبرة لا تخلو من الاستنكار:
– رماح؟ طيب؟! طيب إيه يا شيخة دا شكله غامض يخض!
ضحكت سندس بخفة، لكنها ما لبثت أن صمتت حين دخل العامل فجأة، واقترب منهم بخطوات سريعة، ثم قال بلهجة رسمية:
– آنسة سندس… العميد عايز حضرتك حالًا.
تجمّدت ملامح سندس، واتسعت عيناها في توتر، والتفتت تنظر إلى سالي التي بادلتها نفس النظرة.
قالت سالي بصوت خافت:
– يا ساتر… خير إن شاء الله.
وقفت سندس مترددة، قلبها يدق بسرعة، وداخلها مزيج من الخوف والفضول… ترى، ما الذي ينتظرها هذه المرة؟
احلام عوض
ألقاكم علي خير ♥️ 🦋
Ahlam Awad