مصيبه جديده

مصيبه جديده

14 0

صلوا علي نبي الرحمه ♥️ 🦋

قاطعوا علشان احنا استغنينا

قراءه ممتعه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

أصواتٌ عالية، صرخاتٌ تمزّق السكون، واستغاثاتٌ تخترق جدران القهر، وأناسٌ يُضرَبون بلا رحمة.

لا تنتظر مني هذه المرة أن أقول لك: "مجرد حلم... كما في كل مرة."

لا يا صديقي... هذه المرة خيبة ظنك كانت الحقيقة.

في زاويةٍ من المكان، يقف رجل مجهول الملامح، صوته غليظ وجاف:

"اعملوا ليهم كشف طبي... لازم نعرف مين فيهم ينفع!"

يرد عليه آخر، بنفس البرود:

"هيروحوا زي المرّة اللي فاتت؟ ولا فيه حاجة تانية؟"

هزّ الأول رأسه وقال بنبرة غامضة:

"الريس عاوزهم كبار المرة دي... غريبة، كل مرة بياخد الصغيرين، إنما المرادي..."

ابتسم الثاني بسخرية مريرة وهو يهمس:

"الريس دا... دماغ!"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منزل رماح، يعمّ الصمت كستار ثقيل لا يقطعه سوى صوته الخاشع وهو يهمس:

"الله أكبر."

تتهادى مليكة في مشيتها بين أركان المكان، تنظر هنا وهناك بترددٍ خفيف حتى وقع نظرها عليه، قابعًا على سجادة الصلاة، ساجدًا بخشوع تام.

جلست بالقرب منه تنتظر انتهاءه بصبر، عيناها تتابع حركاته بسكون.

أنهى رماح صلاته، وبقي جالسًا على السجادة، لم يلتفت إليها، واكتفى بأن قال بصوت تغلفه البرودة:

"خير؟"

ابتسمت مليكة ابتسامة واسعة رغم توترها:

"حرام الأول... وبعدين لفلي، عندي موضوع مهم."

التفت لها رماح ببطء، حاجبه مرفوع، وقال بسخرية خفيفة:

"جيب العواقب سليمة يا رب!"

زفرت مليكة بتعب، كأنها تجهز نفسها لكلمات ثقيلة:

"أنا عارفة اللي هقوله هيتعبك... بس لازم تعرف. أخوك... داخل على مصيبة كبيرة يا رماح."

أسند رماح جبهته إلى كفيه، تمتم باستغفار بينه وبين نفسه، ثم زفر ببطء، وقال بنبرة هادئة تخفي خلفها غضبًا مكتومًا:

"قولي... سامعك."

بلعت مليكة ريقها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق:

"مهران بيعمل صفقة أعضاء... كبيرة."

سقطت الكلمات كالصاعقة على أذني رماح، فرفع رأسه ببطء، ونظر إلى الفراغ، وكأن عقله يرفض تصديق ما سمع. ثم قال بصوت مكسور:

"أنا تعبت... تعبت منه. كل شوية أشيله من مصيبة، وكل مرة يقول اتعلم، يرجع يوقع نفسه في حاجة أدهى. بعدت... سيبتله السكة، وقلت ياكلها بالحلال، حتى شريكي استغله، وأنا... مش عارف أعمل إيه."

وضعت مليكة يدها على كتفه، تنظر له بعينين تمتلئان دعمًا وحنانًا:

"اهدى يا رماح... وربنا هيحلها. مش إنت دايمًا تقول إن ربنا بينزل البلاء ومعاه الحل؟ اصبر... وإن شاء الله خير."

تنهد رماح بعمق، وصوته بالكاد خرج منه:

"إن شاء الله..."

حاولت مليكة أن تغيّر الأجواء، فابتسمت بمكر طفولي وقالت بنبرة مرحة:

"قولّي بقى يا واد يا رحرح... كلمت سندس؟"

ثم أتبعتها بغمزة خفيفة.

نظر لها رماح بحدة مصطنعة وقال:

"أولًا: هتغضي عن (رحرح) دي. ثانيًا: إيه اللي يربطني بيها علشان أكلمها كل شوية؟"

لوّت مليكة فمها بتمرد وهي تنهض واقفة:

"أنا همشي ومش هتكلم معاك تاني... يا قفل!"

ضحك رماح رغم كل ما يحمله قلبه، فربما في مليكة... بعض من السلام الذي افتقده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في كافيتيريا الجامعة،

تجلس سندس وسالي أمام طاولة مزدحمة بالأوراق والكتب، وبينهما أطباق الطعام التي بالكاد لُمسَت. الضجيج حولهم لا يوازي الضجيج في عقل سندس، التي بدت شاردة تتأمل صفحات كتابها دون تركيز.

نظرت سندس لصديقتها بعينين تلمعان من التوتر وكادت تبكي وهي تقول بانكسار:

"قوليلي أعمل إيه يا سالي؟ الامتحانات على الأبواب، وأنا ما ذاكرتش غير المنهج مرتين بس... مرتين!"

نظرت لها سالي باستغراب ممزوج بقرف ساخر وقالت:

"ومع ذلك... بتاخدي السنة في سنين!"

تنهدت سندس بعمق، وكأنها تعترف بالهزيمة، ثم وضعت الكتب جانبًا وسحبت الشطيرة من أمامها، وقالت بمرارة:

"أنا لو ما نجحتش واتخرجت السنة دي... مصر كلها هتفرح فيا!"

ردت سالي تلقائيًا، وهي ترفع حاجبها:

"هما لسه ما فرحوش؟! هو حد قالك تدخلي حاسبات؟ عملتي فيها المُبرمجة الخارقة!"

ضحكت سندس ضحكة باهتة وهي تضع لقمة في فمها:

"كان يوم أسود ما طلعش له شمس."

لكن سالي تغيرت ملامحها فجأة، وقالت بنبرة جادة فيها شيء من العصبية:

"كده غلط يا سندس! متعرفيش إن في حديث قدسي بيقول:

(لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر)؟

الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة، والبخاري كمان رواه... يعني لازم نحترم نفسنا ونلم لسانا."

نظرت لها سندس بخجل واضح وانخفض صوتها:

"آسفة... والله نسيت."

ابتسمت سالي وربتت على ظهرها بخفة وقالت بلطافة:

"خلاص يا ستي... طب كمّلي أكلك، وبعدين نراجع سوا، شدّي حيلك!"

رفعت سندس عينيها نحوها بابتسامة امتنان خافتة، وكأن كلمات سالي كانت طوق نجاة وسط غرق التوتر، ثم أمسكت الكتاب من جديد وقالت:

"ماشي يا دكتورة سالي... راجعيني بقى، يمكن أنقذ نفسي في آخر لحظة!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتدلّل في مشيتها بدلال رقيق وهي تغني بصوت خافت، وكأنها تعيش في عالمها الخاص:

"في قصر بعيد، ولا في الأحلام... ساكنة أميرة عمري الجاي، وأنا من تفكيري لا بعرف أنام..."

وفجأة، أحاط بها نصار من خلفها، يحتضنها بشوقٍ كبير، وصوته يقطر حنينًا وهو يهمس في أذنها:

"وحشتيني يا أميرتي."

ابتسمت مليكة ابتسامة واسعة، وقد لامس اللقب المحبب قلبها:

"وإنت كمان وحشتني... المرة دي غيبتك طوّلت أوي."

فكّ نصار ذراعيه عنها بلطف، ثم أمسك بيدها وسحبها نحو الأريكة الأمريكية ليريحها قليلاً، وهو يقول:

"والله يا حبيبتي الشغل المرة دي كان رُكب! عمّك رماح سايبلي كل حاجة، وأنا اللي شايل الشيلة من ساسها لراسها... المهم، إنتِ عاملة إيه يا عيوني؟"

ضحكت مليكة بخفة وقالت بسعادة:

"أنا الحمد لله، ومبسوطة جدًا عشان رماح قابل البنت اللي بيحبها... صحيح في مشكلة، بس مش مهم، المهم إنه أخيرًا شافها."

استغفر نصار ربه بصوتٍ خافت، ثم جذبها إلى حضنه من جديد، يضمّها كأنّه يحاول أن يخزن دفء قربها قبل أن تصدمهم مصيبة جديدة من مصائب مهران.

وفجأة، صاحت مليكة وهي تتذكّر شيئًا:

"نسيت أقولك يا نصوري!"

اعتدل نصار في جلسته وقال بنبرة مرحة:

"قولي يا عيوني... نصورِك سامعك."

ابتسمت مليكة ابتسامة بلهاء بريئة وقالت:

"في مصيبة... مهران بيعملها تاني."

وضع نصار يده على رأسه بتعب وقال:

"أنا عارف... لسه واصل، ما لحقتش أتنفس!"

ثم نظر لها بقلق وسأل:

"ورماح؟ عامل إيه دلوقتي؟"

زفرت مليكة وقالت بقلق واضح:

"والله سيبته بيكلم نفسه... كان قاعد على سجادته مش شايف حد."

شرد نصار قليلًا، نظر إلى الفراغ كأنّه يحاول الهرب من ثقل الواقع، ثم قال بصوت متعب:

"أنا مش عارف... هو هيفضل لحد إمتى يلم ورا أخوه!"

قالت مليكة بفخر وحنان:

"المشكلة إنه أخوه... متعلق بيه أوي، ودي أكتر حاجة موجعاه."

أومأ نصار برأسه موافقًا، ثم قال وهو ينهض:

"عارف... عارف والله. المهم دلوقتي أعملك قهوة أورجانيك كده على مزاجك، نشربها ونفوق... وبعدين نشوف هنلحق مهران من إيه!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منزل رماح...

داخل غرفة غارقة في العتمة إلا من أضواء الأجهزة التي تنبض كأنها قلبٌ صناعي لا ينام،

وقف رماح وسط الغرفة يضرب بعنف أكياس البوكس، قبضته تنغرس في القماش، وأنفاسه تتسارع وكأنه يركض هاربًا من شبحٍ لا يرى...

ليس سباقًا مع الزمن، بل سباق مع ذاكرة تؤلمه أكثر من أي جرح.

صوت أخيه مهران يرنّ في أذنه كأنّه صدى بعيد: "متسبنيش يا رماح... تعالا نسيب كل دا ونبدأ من جديد... ابعد عن الوحل ده!"

لكنّه لم يعد قادرًا على التراجع... قد انغمس. وانغمس عميقًا.

العالم الفاسد ابتلعه، ولم يعد للنجاة مخرج واضح.

وفجأة، قُطع سيل الذكريات العاصف برنين الهاتف.

نظر إلى الشاشة، قرأ الاسم، وزفر وهو يمسح عرقه بكمّ قميصه.

ثم أجاب بصوتٍ متهدّج لكنه يحمل سخرية تعب:

"نصار... حبيب أخوك... لحق، الخبر وصلك؟"

جاءه صوت نصار حاسمًا، لا مجال فيه للجدل:

"خمس دقايق... وتكون عندي."

أغلق رماح الهاتف، وأسند جبهته على الحائط البارد...

كأنّه يحمّل الجدار بعضًا من وجعه...

ثم همس بصوتٍ بالكاد يُسمع:

"يارب، نجّيني من نفسي قبل ما أغرق أكتر من كده..."

احلام عوض

ألقاكم علي خير ♥️🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شتات العقول

المؤلف Ahlam Awad
2025/10/17 مكتملة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة