تضليل الأفكار 👀

تضليل الأفكار 👀

17 0

السلام عليكم

صلوا على نبي الرحمه ♥️ 🦋

متنسوش المقاطعه علشان احنا استغنينا

متنسوش تقولي رايكم قراءه ممتعه

ـــــــــــ

تقف في منتصف الطريق، والضباب يكسو المكان كستار رمادي ثقيل. تنظر يمنةً ويسرة، فتتسع عيناها دهشة وخوفًا؛ أناسٌ ينهشون بعضهم البعض، لا رحمة، لا عقل... وجوه مشوهة، أنفاس متقطعة، وحركات هستيرية.تحاول أن تصرخ، أن تستغيث، أن تهرب... لكنها لا تسمع صوتها. وكأن الحبال الصوتية ماتت، وكأن جسدها بات هشًّا، عاجزًا عن النجاة.تنظر إليهم بخوف، تتراجع خطوة، فيتسارع نبض قلبها كطبول حرب وشيكة.

فجأة...بدأت سندس تفتح عينيها ببطء، تتنفس بعمق، تتلمس بيديها الوسادة وكأنها تتأكد من الواقع. نظرت للسقف قليلًا قبل أن ترفع يديها على وجهها وتتمتم ببرود مصطنع يخفي اضطرابها الداخلي:– "إيه يا أمي، حد بيصحي حد كده؟"

دخل صوت الأم من الخارج، حادًا غاضبًا كالسهم:– "اخلصي يا بنت الهبله ! علشان الجامعة، إيه؟ ناوية تباتي فيها السنة دي ولا إيه؟!"

زفرت سندس، ثم دلفت امها  داخل  الغرفة بسرعة، متمتمة بعصبية وهي تقاوم شعور الضيق:– "اللي قدّك دلوقتي عيالهم على إيديهم..."

، تنهدت سندس  بحرقة،  و نهضت تنظر إلي امها ورفعت بصرها للسماء قائلة بخفوت:– "يا رب، عيني يا رب... عاوزة أفضّل محافظة على برّ الوالدين." نظرت لها امها بقرف ثم تركتها وخرجت مره اخري 

عادت إلى السرير، وجلست قليلًا قبل أن تنهض من جديد متثاقلة. وبينما تُسمع أصوات جدال بالخارج، دوّى صوتها  عاليًا :– "على فكرة، أنا فاضله  في الكلية علشان أفيد الأجيال!"

كرمشت سندس وجهها بسخرية وهي تنهض أخيرًا واقفة، بعد وقت ليس بكثير  تقدّمت نحو المرآة ببطء، ترفع خمارها قليلًا لتعدّل وضعيته.كانت ترتدي فستانًا فضفاضًا بلون بني داكن، ينسدل على جسدها كستارة ناعمة، وعليه خمار أسود يضفي وقارًا وهيبة.نظرت لنفسها في المرآة، رفعت حاجبيها، وقالت بفخر هازئ:– "إيه القمر دا؟! والله خسارة فيّا المرمطة ديه."

جاءها صوت والدها من خلف الباب ساخرًا:– "يلا يا بنت الهبلة! من قدّام المراية لا تتلبسي!"

رمقته بنظرة طويلة مستنكرة، ثم قالت بنفاذ صبر:– "في حد يقول للملكة كده؟"

ردّ ساخرًا وهو يضحك ضحكة مستفزة:– "طب يلا يا ملكة يا هبلة، علشان أوصلك في الطريقي!"

ضربت الأرض بقدميها كمن تحاول تفريغ شحنة الغضب في الأرض لا في الكلمات، ثم قالت باستسلام ساخر:– "حاضر، وراك أهو يا حج!"ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكانٍ مغلق تملؤه الإضاءة الخافتة، تنبعث رائحة السجائر الكثيفة لتخنق أنفاس الداخلين وتمنح المكان طابعًا خانقًا يوحي بالخداع والخطر. تتراقص الظلال على الجدران المتهالكة، بينما يجلس "زاهر" خلف مكتب خشبي قديم تغطيه أوراق مبعثرة وأجهزة إلكترونية. كان يحدّق في شاشة اللابتوب أمامه بعينين مركزتين كمن يبحث عن ثغرة في جدار صلب.

على الكرسي المقابل، جلس "محمد" مساعده، مستندًا بظهره، يداه تتلاعب بسيجارة مشتعل طرفها، يرتشف منها على مهل، وعيناه نصف مغلقتين، كأنما الزمن أبطأ دقاته في هذا المكان.

أغلق زاهر شاشة اللابتوب بضغطة حازمة، ثم نظر لمحمد بنبرة لم تخلُ من التوتر المكتوم:– "إيه يا محمد؟ مش قولتلك عاوزين ننشر الأفكار بتاعتنا بسرعة؟ الناس كلموني... ودفعوا!"

رفع محمد رأسه ببطء، كمن استيقظ من غفلة، وردّ بنبرة باهتة يشوبها شيء من الإرهاق:– "ما أنا نشرت في الجرايد، وخليت ناس تنزل مقالات..."

نهض زاهر بغتة، وصوت المقعد الصادر خلفه زاد من حدة الموقف. أسند يديه على المكتب وانحنى للأمام، يتكلم بعينين مشتعلتين ووجهٍ ممتقع:– "كده مش كفاية! المفروض تشوف حد مؤثّر... حد شكله محترم... بيحب يتكلم في الدين.الناس، خصوصًا الشباب، مش بيقروا ولا بيفكروا! أول ما يسمعوا كلمة فيها دين يصدقوا، حتى لو كانت سمّ.أنا عاوزك تلاقيلي ناس تدخل في الدين من بابه، بس يوصلوا رسالتنا.إحنا مش بننشر أفكار وبس... إحنا بنزرع تشويش.الناس لازم تنسى الصح من الغلط!"

أومأ محمد برأسه بتفهم وهو يُطفئ السيجارة في المنفضة المكتظة:– "حاضر يا باشا... نص ساعة وهيكون عندك تقرير بأسمائهم."

ثم صمت لحظة، قبل أن يتردد قليلًا ويقول بنبرة حذرة:– "باشا... ممكن سؤال؟"

عاد زاهر إلى مقعده وجلس بتثاقل، أرجع ظهره للخلف وضمّ يديه فوق صدره، وقال ببرود:– "اسأل."

قال محمد بصوت خافت، وعيناه تنظران في الأرض:– "هو يعني... إحنا بنعمل دا كله ليه؟"

نظر له زاهر نظرة غامضة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة لا حياة فيها، وقال بنبرة باردة كمن يكرر كلامًا سمعه مرارًا:– "من الآخر... هما عاوزين ينشروا أفكار العولمة علشان يهدموا الشباب، علشان ما يعرفوش يتقدّموا.البلاد العربيّة زمان كانت عاملالهم قلق، جنان حقيقية.قالوا: حاربوهم في دينهم، علشان ما يعرفوش يرجعوا تاني."

رفع محمد رأسه بنظرة ملؤها الحيرة والشك، وقال:– "بس... إزاي؟ يعني إيه علاقة العولمة بالتقدّم؟"

تنهد زاهر وكأنّه تعب من الشرح، وأخذ يلوّح بيده وهو يتكلم:– "يعني مثلًا... نقول للناس إن الخمر والمخدرات حرام، بس في أوقات ممكن تبقى حلال!نلعب على الحجاب... نقول مش فرض.شهوات الشباب تزيد، المساكنة تبقى موضة مش زنا... نقلب الحرام حلال.الناس تتلخبط... ما تبقاش عارفة تمسك في إيه."

ثم مال للأمام وحدّق فيه بعينٍ حادة:– "وبعدين... إنت صدّعتني.اتفضّل... شوف شغلك."

أومأ محمد وهو ينهض، غادر الغرفة ووراءه باب أُغلق بصوتٍ مكتوم، بينما بقي زاهر في مكانه، يحدّق في الفراغ بعينين جامدتين، كأنما يحمل داخله ماضيًا أثقل من المكان نفسه.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أرجاء الكافيتريا الجامعية، حيث تختلط روائح القهوة بسندويتشات الفول، وأصوات الضحكات تتناثر بين الطاولات، دخلت سندس بخطواتٍ واثقة وابتسامة صافية تنعكس كأشعة شمس على وجوه من حولها، فتدفع القلوب للابتسام دون وعي. لوّحت بيدها قائلة بصوت مرح:

– السلام عليكم!

ثم أسرعت نحو طاولة تجلس عندها صديقتها سالي، واحتضنتها بشوقٍ صادق، قبل أن تلقي بحقيبتها على الطاولة وتجلس بجوارها.

نظرت لها سالي بابتسامة ماكرة وعينين ضيقتين:– "كنتي فين يا آخرِت صبري؟"

أجابت سندس ببراءةٍ طفولية، وهي ترفرف برموشها كمن يطلب الصفح:– "الحج أسامة كان معايا... وقفنا نفطر من عند عربية الفول."

قالت سالي بنفاد صبر وهي تشير بساعتها الخيالية:– "يا بنتي اتأخرتي على السكشن! إنتي ناسيه الدكتور بيقفل الباب ولا إيه؟!"

في ركنٍ آخر من الكافتيريا، جلس شابان يتأملان وصول سندس، أعينهما لا تخفي التربص. تمتم أحدهما وهو يرفع حاجبه بسخرية:– "يووو دي جات... هتقرفنا بقى. بصينا على حد، تدينا محاضرات عن الأدب والأخلاق، وبعدين تطلع تعمل فيديو تقلب فيه علينا."

رد صديقه بلامبالاة وهو يجمع أغراضه:– "يلا، عندنا في علوم بنات حلوين... نروحلهم."

وبينما يمران أمام طاولة سندس وسالي، رمقتهما سندس بنظرة اشمئزاز وقالت بصوت خافت لكن حاد:– "عيال قليلة أدب."

التفتت لها سالي فورًا بعين عاتبة:– "دي اسمها غِيبة ونميمة... استغفري ربنا يا سندس."

أطرقت سندس رأسها واستغفرت بصوتٍ خافت، ثم بدأت تقلب في أوراقها وتتابع بعض المحاضرات المطبوعة أمامها، وهي تقول دون أن ترفع عينيها:– "تعرفي إن في واحد اسمه زاهر كده على السوشيال... امبارح كان بيقول إن اللبس الفضفاض دا جهل، وإننا لازم نتقدّم ونسيب التخلف دا؟ بفكر أعمل فيديو وأرد عليه."

رفعت رأسها ونظرت إلى سالي وهي تبتسم بابتسامة عفوية أقرب للغباء، كأنما تنتظر تشجيعًا.

تنهدت سالي وهي تهز رأسها:– "أكيد اعملي! لعل وعسى حد يكون سمع منه يتأثر، يشوف الفيديو بتاعك ويرجع في كلامه."

أغلقت سندس الملف وألقت بالأوراق على الطاولة بأنامل مستعجلة، ثم قالت بنبرة اندهاش:– "أنا أصلاً وأنا بسمع كنت هرجع ."

ضربتها سالي بخفة على يدها وهي تقول بحدة مصطنعة:– "بطّلي قرف يا وليّه!"

ضحكت سندس، ثم اتكأت على الطاولة وقالت بثقة:– "الأستاذ بيقول إن العيب على الولاد... هما المأمورين بغض البصر. إحنا مش المفروض نتحاسب على نظرهم إحنا!"

زمت سالي شفتيها وكرمشت وجهها بانزعاج وقالت:– "إزاي يعني؟! زَي ما الولاد مأمورين بغض البصر، إحنا كمان مأمورين نلبس واسع!يعني لو البنت اللي لابسة ضيق بتتعاكس عشر مرات، الواسع بيتعاكس خمس مرات.إيه التخلف دا؟"

نظرت إليها سندس بلا اهتمام حقيقي، ولوّحت بيدها وهي تغلق الملف أمامها:– "سيبك، أنا هارد عليه بكام كلمه يهدّوا حيلُه... بس تعالى اشرحيلي هنا، الدكتورة كانت بتقول إيه في الحتة دي؟"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأثناء عودتها إلى المنزل في شمس المساء الخفيفة وأشعة الغروب الذهبية، توقفت سندس عند بائع البطاطس المقلي، كانت رائحة الزيت تملأ الهواء وتغري المارة. نظرت إلى السلة الفخمة المترامية أمامه، ثم سألته بنبرة تمتلئ برغبة وتحدٍ خفي:– "بكام البطاطس دي يا حج؟"

ردّ الرجل بصوت هادئ متثاقل وهو يعدّ الأكياس بعينيه المملّلتين:– "عشر جنيه."

شدّت سندس حاجبيها، :– "ليه؟ أنا جايباها منك امبارح بخمسه جنيه!"

رمقها البائع بنظرة كاشفة مزيجها ازدراء وخفة:– "دي أول مرة أشوفك، أصلًا."

احمرّ وجه سندس خجلًا وغضبًا معًا، لكنها تحدّت الموقف بسرعة:– "هات لي كيس، بس المرة الجاية مش هاخد منك حاجة."

أخذت الكيس الأصفر القرمزي المليء ببطاطس ساخنة، ودفعته سريعًا، حتى لم تتمكن من سماع رده.

عندما دخلت إلى المنزل، بدت كالعاصفة الصغيرة: طرقت الباب بغضبٍ خفيف ثم صاحت بفرح مختلط باندفاع:– "جبتلكم بطاطس يا بلاد!"

التفتت أمها إليها من طرف عينها، تراقبها من أسفل قدميها حتى رأسها، ثم علّقت بنبرة ساخرة محبة:– "شاطرَه يا موكوسة!"

وضعت سندس الكيس فوق مائدة الطعام الخشبية، فتفجرت رائحة البطاطس المقرمشة في الأرجاء. جلست بجانب والدها وهو يقرأ الجريدة . رفعت صوتها بضحكة خفيفة ومستفزة:– "إيه يا حجوج، مش هتقوم تعمِل أكل معايا؟"

رمقها والدها بنظرة احتقار لطيفة في الوقت ذاته، ثم ردّ بنبرة متهكمة:– "هقوم يا أختي، حظي وقعني في اتنين… مش بيعرفوا يطبخوا حاجة!"

سمعته زوجته من المطبخ، فارتمت خلف صوته الجارح بمداعبة هادئة:– "ماله حظك يا أسامة؟"

ابتسم والدها ابتسامة مُرَّة، وأجاب رغم تمنّعه:– "زي العسل… يا أختي."

خفض صوته وهو يتجه نحو المطبخ، مدّ يدَه وهو يقول:– "اديني ب اطفحه … اهو!"

دخل الأب المطبخ فتلاشت الأصوات في أرجاء المنزل، وبقي صدى ضحكات سندس رفيقًا لرائحة البطاطس التي ملأت الأجواء بدفء ومذاقٍ يفتن الحواس.

ــ_ــــــــ

احلام عوض

ألقاكم علي خير ♥️♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شتات العقول

المؤلف Ahlam Awad
2025/10/17 مكتملة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة