"صُور لم تُلتقط"
----
- اثبتي يا " دهب " لو سمحتي".
قالها"ادم" بغضبٍ وملل وهو يلتقط لها الصور في مقهي قديم ، تقف هي بجوار شجره بلاستيكيه وُضِعَت للديكور وقد نقشت عليها اسمها ثم ابتسمت له وأدارات وجها له لكي يستمر في التقاط اكبر قدر من الصور لها .
-" اهو ثبت اهو ، متأكده أنها هتطلع حلوه كالعاده "
قالتها بنبره هائمه فيه.
وهو ابتسم بخجل واضح علي توتره وارتباكه لطالما كان ادم شخص هادئ الطباع وخجول و "دهب" شخصيه يقال عنها "يخشاها الرهاب الاجتماعي" كما يقولون .
اقتربت منه بعد أن انزل الكاميرا مشيرا لها بالانتهاء ، لتهتف ينبره حماسيه كبيره:
- "واو ي ادم بجد تحفه ، خطيره كالعاده"
ابتسم لها بالمقابل وذهبوا للطاوله لإكمال العشاء والجلسه التي أتوا من أجلها ، استمرت الجلسه بينهم ما بين الضحك والخجل و المغازله من كلا الطرفين ، ادم شخص قليل الكلام ولكنه ينجح في استخدام الكلام في موضعه ،وهو يُغضِقِهَا بِحنيته الغير مباشره والمكتفيه بالنسبه لها.
---
"وفي عينيك وجدتُ عمرًا جميلًا، وحبًا يفوقُ الخيالَ قليلًا."
- "أنا تحت البيت انزلي"
- "انزل فين ي ادم؟! ، هنعمل ايه تحت؟؟! ،انا لسه كنت معاك امبارح"
- "انزلي بس ي " دهب" وهتفهمي"
أغلقت معه وبدلت الملابس البييته بأخري مُلائِمه للخُروج ، ثم أسرعت الي الأسفل لتجده يقف بأنتظارها .
- "نزلت اهو عايزه ايه بقي ، قلقتني مش عوايدك تنزاني كده يعني "
- "هنروح أنا وأنت مشوار وهتفهمي واحنا هناك "
- "طيب أما نشوف اخرتها "
ليسيروا معاً حتي وصلوا الي محلٍ ليس ببعيد وليس بقريب من المنزل محل "لبيع اجهزه المحمول "
لتنظر له في استغراب ودهشه لسبب مَجِئَهُم لهُنا ، أومأ لها برأسه لكي يُطمئِنُا ثُم دلف للداخل وبمجرد ما لمحه صاحب المحل تحرك نحو الداخل ليجلب شئ
استغلت الفرصه ثم سألته بنبره منفعله من فرط فضولها :
-" هااا ، مش هتقولي بنعمل ايه هنا بقي ، أنا ساكته من ساعتها بس عايزه افهم ، بنعمل ايه في محل موبايلات علي الصبح كده ؟!؟"
ردّ عليهَ بنبره هادئة وثابته :
- "مش قولتي لي امبارح ان الفون بتاعك اتكسر قبل ما تيجي ، وحاولتي تبيني انك ما زعلتيش علشان ما تبوظيش الخروجه بس انا كنت عارف انك اضايقتي فاحنا هنا علشان نجيب فون جديد لحبيبتي "
أنهي كلامه بغمزةٍ وابتسامةٍزينة محياه
نظرت له هي في دهشةٍ وصدمةٍ من فعله لم تتوقع ابدا ، أن يهتم بتفاصيلها هكذا لطالما كان قليل الكلام فمن المتوقع أن يكون قليل الأفعال ولكنه ابهرها بحنيته و حبه وطريقته المعسوله .
عقب انتهاء كلامه خروج صاحب المحل الذي يقفون به وهو يحمل معه هاتف جديد ثم أعطاه إياه في هدوء واعطي "آدم "شئ في يده لم تراه جيدا ولم تهتم صراحتاً فلقد انبهرت مما يقع في يديها الان ، لقد خُرب هاتفها مساء ً ولكنها تمسك هاتف جديد اليوم ، ياله من شخصٍ مِعطاء ، وَديع ، وفيّ ، حَليم في تعاملاته.
اخذت تُقلب في الهاتف بحماس ما أن وقع بصرها علي جِراب الهاتف وفرغ فاه من الصدمه .
توجد صوره لعينه هو كُتِبَ عليها
"في عيونه لقيت دنيتي "
لم تفهم معني الجمله في البدايه حتي أخرج هاتفه واشار لها لجرابه لتنظر
وتجد صوره لعيناها وكُتِبَ عليها
"بنظرتها خدت قلبي "
لتكتمل لها الصوره والجمله
صوره لعيناها بجوار عينه لتكون هي قائله له
"في عيونه لقيت دنيتي "
ليرد هو عليها بصوره لعيناها قائلا:
"بنظرتها خدت قلبي"
كانت مدهوشه وفرحه مما يفعل لأجلها وكانت تجسيد لمقوله " الغرفه لا تسع اجنحتي" كما يقولون.
.أما عنه هو فكل ما يسعده في الحياة ان يراها أمامه سعيده هذا يكفي .
ليلتقط لها صوره بكاميراته وهي تبتسم وقد ترقرق الدمع في عينيها وهي تنظر لما صنع من أجلها .
---
في بيت قديم ، في شارع عتيق ظهر هذا من المباني التي يبدو عليها مرور الزمان ، و الاناس اللذين كانوا يتسمون بالبساطه ، دلف بيها لبهو البيت وهو ممسك بيديها ،كان يُأجل هذه الخطوه ولكن بما أنه اختارها لتكمل معه سير دربه إذاً يجب أن تعرف كل شئ عنه ، يجب كشف المستور ليكون لها الاختيار بالبقاء أو الرحيل .
- "جايبني المكان الغريب ده ليه ي آدم ؟! "
قالتها بنبرةٍ متسأله من تواجدهم في هذا المكان الغريب والعتيق
- "احنا جينا هنا علشان فيه حاجه انت لازم تعرفيها ي "دهب"، وبما انك هتكملي معايا حياتك يبقي لازم تعرفي كل حاجه عني ."
قال جملته قبل الاخيره مشيراً لموافقتها بالأمس لطلب الزواج منه ، واي نهايه سوى هذه يجب أن تتوج قصة حبٍ نشأت بين هذين القلبين.
- "أنا من امبارح من اول ما وافقتي علي طلبي ، وانا ما نمتش وقررت اني مش هخبي حاجه عليكي مهما حصل ."
كانت تراقبه بنظرات ثاقبه تحاول فهم وقرأت ما يدور بخلده ليقول مثل هذا الحديث .
لتقول بنبرةٍ قلقه :
- " في ايه ي ادم ، قلقتني ، قولي أنا سمعاك "
ليأخذ نفس عميق يملئ رئتيه بالهواء ثم أردف بنيرةٍ موجوعه:
-" البيت الي انت واقفه فيه ده ابويا وامي كانوا عايشين فيه من حوالي سنتين ، بس مش قبل ما يموتوا لأنهم ببساطه ما متوش ،هما سافروا بعد موت أيهم اخويا في حادثه مشوا ، مشوا وسابوني لوحدي"
لتبلل العبرات وجنتيه ثم يُكمل بنبره منفعله من فرط آلمه:
- "بس ده لأنهم فعلا ماتوا ، ماتوا في قلبي ، لأنهم سابوني ، افتكروا أنهم بس الي موجوعين علي موته ولما رفضت اسافر معاهم لاني مش عايزه اسيب المكان الي فيه ريحت اخويا وذكريات ليه في كل حته سافروا وسابوني وقالوا خلاص انت بقيت راجل هتعرف تتصرف وتراعي نفسك انما احنا مش هنعرف نتوجع هنا واحنا بنفتكر موته ، كانوا انانين حتي في حزنهم زي ما طول عمرهم انانين في حب اخويا ، حبوه اكتر مني ، بس انا مش زعلان ولا غيران منه هو كان جميل اوي وحنين عليا لدرجه خلتيني مش عارف اغير منه أو أكرهه."
اكمل كلامه بعدما مسح عبراته المنسدله علي وجنتيه:
-" أنا جيتك هنا علشان تعرفي الحقيقية أنا اهلي ما ما توش، هما عايشين بس صدقني في اليوم الي خرجوا فيه من الباب ده من غير حتي ما يفكروا فيا كانوا ماتوا جوا قلبي."
احتضنته واخذت تربت علي شعره وهي تقول من بين دموعها:
- "أنا مش زعلانه منك ومقدره انك كنت موجوع بس مفيش اي داعي تخبي عليا حاجه تاني ممكن اي حاجه تحصلك تقولي ، ممكن ؟!"
أومأ برأسه علامة الموافقة، متقدّمًا بخطوات مترددة مبتعدًا عنها قليلًا، وعيناه لا تفارقهما، تحملان امتنانًا صامتًا لتقديرها لموقفه. لقد كان هذا الموقف نفسه الذي طالما خشاه منذ اللحظة الأولى التي كذب عليها فيها بشأن موت أهله، ولكنه الآن، أمام هذا التفهم والاعتراف الصامت من جانبها، شعر بالطمأنينة لأول مرة. وكأن القدر قد جمع بينهما ليثبت لهما أن تقدير كل منهما للآخر، والصدق الذي ينبع من القلب، هو ما يجعلهما مقدّرين لبعضهما البعض بحق.
---
في صباح يوم من الايام وبعد مده قصيره من اخر لقاء بينهم كان يُجهز كل شئ لموعد زفافهم ، اقترب الموعد وتبقى ايام، والشوق والحماس يغمر أجمعهم ليكونوا في بيتٍ واحد وكيانٍ واحد.
كان يعبث بكاميرته، عينا تتفحّص شاشة الجهاز بحثًا عن أي أثر لها، عن الصور التي كانت تزين مساحة التخزين لديه، عن الفيديوهات التي تحفظ تفاصيل لحظاتهما المشتركة. لكنه صُدم حين وجد الفراغ يملأ كل شيء؛ لا صور، لا فيديوهات، لا أي شيء يربطه بها. في البداية ظن أن هناك خللًا في الكاميرا نفسها، لكنها سرعان ما تبخرت وهمومه حين أدرك أن الأمر أعمق من ذلك.
لم يستطع الانتظار، فتوجه إلى منزلها، غير أن دوافعه كانت مزدوجة: ذاك الفضول الطمأنيني الذي يريد أن يطمئن على سلامتها، وفضول أعمق يبحث عن راحة قلبه بوجودها على قيد الحياة وبخير. ارتدى ملابسه على عجل، وأخذ طريقه إلى بيتها، دقائق قليلة فقط فصلته عنها، لكنه شعر كما لو أن كل ثانية تمرّ بحنين لا يحتمل.
طرق الباب مرة، ثم ثانية، ولكن دون جدوى. نزل من المبنى الذي يقبع فيه، وقد كاد يفقد وعيه من القلق والحيرة، متوجّهًا لسؤال حارس البناية عن مكانها. جاءه الرد بإيجاز ممزوج بتعجب:
"مفيش حد ساكن في الشقة دي يا بيه، من سنتين."
لم يهتم كثيرًا، ظانًّا أنه ربما فهم الأمر خطأ، أو أن هناك لبسًا ما، فسارع إلى المقهى القديم الذي اعتادا اللقاء فيه، على أمل أن يجد شيئًا يريح قلبه وعقله من وطأة التفكير المرهق.
اقترب من الشجرة البلاستيكية التي كانت تتوسط المكان، والتي حفرت عليها آخر مرة اسمها بشوكة الطعام، لكنه وجد… لا شيء. الشجرة البلاستيكية الضخمة ما زالت تحمل فروعًا مضاءة زينت المكان، لكن اسمها وذكرياته اختفيا. فُرغ فاه من الصدمة، واجفل جسده، متسائلًا: كيف يمكن أن يحدث هذا؟ هل غُير المحل أو الشجرة؟ أم أنها مجرد صدفة؟
حاول أن يبعد عن رأسه تلك الظنون المقلقة: هذه الظنون التي تقول له إنها اختفت… كيف يحدث ذلك؟ هل هو سراب؟
توجه إلى المكان الآخر الذي كان يتمنى أن يجدها فيه، أو أي أثر يدل على وجودها، فقد خشي أن تكون رحلت كما رحلت أسرته بعد معرفتهم الحقيقة، رغم أنها وعدته بالبقاء. كيف يمكن أن يحدث هذا؟
عاد إلى المنزل، فلم يجدها هناك. أسرع ليسأل المارة عنها، لكن لا أحد يستطيع أن يعطيه إجابة مؤكدة. ذهب لبائعة الخضروات في الشارع، وهو يلهث من شدة التعب والارتباك، سائلاً بنبرة مهتزة من فرط التوتر:
- "ما شوفتيش بنت طويله شويه وعنيها سوده كده كانت معايا هنا من يومين ، شوفتيها ف اي حته ."
لترد عليه للمرأة في توتر:
-"مش عارفه ي ابني من اخر مره شوفتها معاك معرفش ."
ليرفع يديه الي السماء وهو يقول بصوتٍ عالي من فرط قلقه :
-"يارب ساعدني يارب ، أنا مش عارفه هي فين ولا اي الي حصل ، يارب رجعهالي يارب ."
لتنظر له المرأه بائعه الخضروات في أسي لتأتي سيده من خلفها وهي تقول بنبره منخفضه :
- "برضوا لسه زي ما هو؟ "
لتقول لها بائعه الخضروات بنبره حزينه لأجله :
-" لسه زي ما هو من اول ما عيلته وخطيبته ماتوا في حادثه من سنتين وهو كل شويه يمشي يكلم فيهم ، لسه شايفاه من يومين داخل بيكلم نفسه ويعيط ، وحاضن الهوا ، والله انا قلبي متقطع عليه ."
لتنهي كلامها وهي تنظر إليه في شفقه وهي تراه يبكي وهو يتجول في الشارع ويقول بنبره عاليه :
-" أنتِ فيـــــــن يا " دهب" أنتِ فيــــــن بقي ؟"
ليسقط علي ركبتيه علي الارض وهو بيكي علي روحاً فارقته لمره لا يعلم عددها ....
-----
"رحلتِ.. فصارَ الدربُ ليلًا طويلًا، وصارَ جنوني بحُبِّكِ دليلًا."
"ملك"
طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحب
وظلم الحب لكل اصحابه
وأعرف حكايات مليانة آهات
وأعرف حكايات مليانة آهات ودموع وأنين
والعاشقين ذابوا ما تابوا، ذابوا ما تابوا
طول عمري بقول
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابه، عذابه
طول عمري بقول
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابه، عذابه
" ام كلثوم "
# ملك ـ رمضان
# أسكريبتات
"الحلقات منفصلة"
Sahar Ali