"جمعَ القبورَ فُتاتْ"
----
واقفًا منذ ساعات، ظهره للحائط البارد، وعينه لا تفارق ذلك الباب الأبيض الكبير... باب غرفة العمليات.
كل شيء من حوله يتحرك ببطء، الأصوات بعيدة كأنها محجوزة خلف زجاج، ورائحـة المطهّرات تخترق صدره كأنها تذكّره بأن المكان هنا لا يعرف الرحمة... ولا الانتظار.
يقف صامتًا، لكنه ليس ساكنًا.
روحه تئنّ، وقلبه يضرب صدره كما لم يفعل من قبل.
كأن كل لحظة تمضي، تسحب منه يومًا عاشه معها… أو وعدًا قطعه ولم يفِ به.
وهو يعلم… يعلم في قرارة نفسه أن هذا الباب، لا يخفي خلفه عمليةً عادية… بل يخفي خلفه احتمالات الموت.
سمع صوت خطوات تقترب، خفيفة، مترددة.
ثم جاءه صوت خافت، رجولي، يحمل له نبرة مألوفة:
– يا ابني… بقالك من الصبح واقف هنا. ما اتحركتش حتى شبر. العملية مش هتخلص قبل ساعتين كمان… طب ريّح حبة، اقعدلك ع الكرسي هناك، ولا خدلك ساندويتش من الكافيتريا.
رمش" يوسف" بعينيه كأنه عاد من عالمٍ بعيد، ثم لفّ رأسه نحو الرجل.
كان أحد عمال المستشفى، يعرفه من كثرة حديث الرجل معه في السويعات الماضيه ، رجل خمسيني يرتدي زيًّا رماديًا باهتًا وملامحه مرهقة مثل جدران المكان.
تنفّس "يوسف" ببطء، وقال بنبرة هامسة، كأنها لا تخرج من حلقه إلا متكسرة:
– مقدّرش. مش قادر أتحرك.
لو مشيت دلوقتي… يمكن يحصلها حاجة وأنا مش واقف.
أنا وعدتها… قلتلها أول ما تتعب، أول ما تحس إنها بتوجع، هكون أول واحد جنبها. مكنتش…
مكنتش أول واحد. بس مش هقبل أبقى آخر واحد.
سكت الرجل، وهز رأسه بأسفٍ حنون، ثم قال:
– ربنا يشفيها يا ابني… ربنا يصبّرك.
أومأ "يوسف" بخفة، ولم يزِد.
وعاد بصره يستقر على الباب المغلق، كأنه يراقب العمر وهو يتسرّب من خلفه.
لا يريد معجزة.
لم يطلب شفاءً خارقًا…
كل ما يريده أن ينظر في عينيها مرة أخيرة دون زجاج، أن يسمع صوتها تناديه دون أجهزة.
أن تغفر له صمته… وسكوته الطويل حين كانت تنتظره، ولم يأتي.
تسللت الذكرى إليه دون إذن، كأن قلبه أضعف من أن يمنعها،
فجأة لم تعد المستشفى، ولا الجدران البيضاء، ولا البرد هو ما يشعر به…
بل صوتها.
الغروب ينسحب ببطء خلف السحاب، تاركًا للسماء حمرتها الخجولة، وللهواء برودته التي تلسع الجلد بلطافة.
جلست "فاطمة" على طرف السطح، تلفّ الشال حول عنقها، بينما تحتضن كوبًا صغيرًا من الشاي، يتصاعد منه بخار خفيف، كأنّه أنفاسها المرتبكة.
تضحك، ضحكة طفلة تخاف أن تُؤخذ منها لحظتها الجميلة، و"يوسف" بجانبها، ينظر إليها كما لو أنه يرى الحياة لأول مرة.
كلّ التفاصيل صغيرة...
لكنها كافية ليبني بها عمرًا من الذكرى.
اقترب منها قليلًا، سحب طرف الشال بإصبعه وضحك:
– الكوفية دي أكبر منك يا بنتي… شكلك يضحك!
نظرت له من تحت حواجبها، وقالت متظاهرة بالعبوس:
– يوووه بقى، كفاية تريقة… دي دافية ومريحاني.
ردّ وهو يميل نحوها، ملامح وجهه تذوب في دفء اللحظة:
– الكوفية دافية، بس أنا سقعان… ينفع آخد نُص الشاي؟ بس نُصّه!
شدّت الكوب بعيدًا بسرعة:
– الشاي بتاعي… وأنا اللي عملته، مالكش فيه حاجة.
ضحك وهو يمد يده بإلحاح:
– طب أنا اللي جبت السكر… يعني مساهمة بسيطة كده.
ماينفعش أطلع بخفي حنين.
نظرت إليه نظرة جانبية، وضحكت، ثم قالت:
– هو انت فاكر نفسك ظريف؟
– لا… أنا متأكد إني ظريف، بس انتِ اللي عندك مشكلة في التقدير.
ضحكت مرة أخرى، لكن ضحكتها خفتت فجأة.
سكتت، ثم نظرت إليه طويلًا، وسألت بهدوء مختلف:
– يوسف…
لو الدنيا خدتني بعيد عنك، هتستنى؟
تسأله بعينين لا تسألان فقط، بل تتوسلان وعدًا يبقى، حين يتغيّر كل شيء.
توقّف الزمن داخله للحظة، ثم اقترب أكثر، صوته خرج ثابتًا، عميقًا:
– لا.
رفعت حاجبها بدهشة وابتسامة باهتة:
– لا؟!
قالها وهو ينظر في عينيها مباشرة:
– مش هستنى… هروحلك.
لو بعدتي آخر الدنيا، همشي وراك. لو اختفيتي، هدور عليكي.
ولو سكتّي، هافضل أنادي… لحد ما تردّي.
تأملت ملامحه كأنها تحفظها خوفًا من الفقد، ثم همست:
– ما تتأخرش عني… قلبي ضعيف.
اقترب أكثر، وضع يده على قلبه، وقال مبتسمًا:
– وأنا قلبي صغير… بس بيعيش بيكي.
ضحكت بهدوء، ثم سكنت، كأن اللحظة أثقل من الكلام.
كانا معًا…
فوق العالم، وفوق الهم، وفوق الفُراق.
لكن الزمن، كعادته، لا يحتفظ بشيء.
عاد بذاكرته ليهمس والدمع يعرف طريقه للأسفل بينما يتأمل الغرفه المغلقه التي أمامه:
-" طلع قلبك ضعيف بجد يا فاطمة".
كان قد جلس على الكرسي الحديدي أمام غرفة العمليات، بعد أن خفّت الأصوات، وسكنت الحركة، وخرج الأطباء بوجوه لا تحمل إلا التعب، تبشره بالفشل المتوقع.
لم يبكِ. لم يصرخ.
لكن في عينيه شيء يُشبه الاحتضار… ببطء.
بدا وكأن شيئًا انكسر فيه للأبد.
ظلّ جالسًا لا يتحرك، يحدّق في الأرض، كأنّه يبحث بين ذراتها عن ذنبٍ اقترفه، عن لحظة كان يمكنه أن يفعل فيها شيئًا… ولم يفعل.
ثم سمع خطوات حذرة تقترب.
رفع رأسه ببطء، فوجد فتاة تقف أمامه. ملامحها مألوفة، وجه بسيط، شاحب، يحمل ما يكفي من الحزن ليُفهمه كل شيء دون أن تنطق.
قالت وهي تمسك بين يديها ورقة مطوية بعناية:
– أنت يوسف، صح؟
أنا سارة… صحبتها.
نظر إليها يوسف بعينين ذابلتين، وهزّ رأسه بصمت.
مدّت له الورقة، وقالت بنبرة مرتعشة:
– كانت كاتبة الجواب ده قبل ما تدخل العمليات…
قالتلي لو مجاش قبل ما أدخل، ادّيهوله لو حصلّي حاجة.
أخذ الورقة بيد مرتعشة، قلبه بدأ ينبض بوجعٍ حاد… كأن كل كلمة فيها ستقتله قبل أن يقرؤها.
فُتح الجواب… وقرأ.
"يوسف…
كنت عارفة إنك هترجع.
عارفة إنك هتحس بيا، حتى لو المسافات كانت طويلة، والسكوت بيننا كان مؤلم.
أنا مش زعلانة إنك اتأخرت…
أنا زعلانة إن قلبي ماستحملش يستناك أكتر من كده.
صدقني…
أنا مسامحاك.
كنت كل يوم بكتب اسمك في الدعاء، وكل يوم بقول: (يا رب يرجع وهو لسه بيحبني).
أنا كنت بحبك… ولسه.
حتى وقلبي هيفضل ساكت بعد شوية، روحي هتفضل مستنياك.
لو قريت الجواب ده، يبقى أنا مشيت… بس أوعى تمشي ورايا دلوقتي.
عيش…
وافتكرني بالضحكة، مش بالوجع.
بحبك…
فاطمة."*
أنهى قراءة الرسالة، وطرف الورقة يسقط من يده. يده ترتعش، أنفاسه تتسارع، وجهه يشحب أكثر فأكثر.
"سارة" بصوتٍ خافت وهي تبكي:
– هي كانت مستنياك فعلاً… لحد آخر لحظة.
دخل رجل خمسيني تسبقه أنفاسه، وتتبعه امرأة ترتجف ملامحها، تمسك في حافة ثوبها وكأنها تستند عليه حتى لا تسقط.
يركض، وصوته يسبق خُطاه:
– يا دكتور! يا دكتور فاطمة فين؟!
بنتي فين؟!
اقترب من الطبيب الذي خرج منذ لحظات من غرفة العمليات، والتعب محفور في كل خط من وجهه.
و المرأه تمشي خلفه وكأن قدميها لا تعرفان كيف تثبتان، عيناها تبحث في كل الوجوه عن ابنتها، وكل ما حولها يقول إن شيئًا قد حدث… شيئًا لا يقال بسهولة.
قال الأب بصوت مهزوز، متلعثم، يائس:
– فاطمة فين؟
عايز أطمن…
العملية خلصت؟
هي كويسة؟
نظر الطبيب إليهما طويلًا، تنهد، ثم قال بنبرة علمية هادئة، لكنها حادة كالسكاكين:
– الحالة كانت حرجة من البداية… هي كانت بتعاني من قصور شديد في عضلة القلب، مع تضخم في الجهة اليسرى.
دخلت العملية في وضع غير مستقر…
جهاز الدعم الحيوي مقدرش يحافظ على نبض القلب لفترة كافية.
العملية فشلت…
وبنت حضرتك توفيت.
تجمّدت اللحظة.
توقفت الأصوات.
أصبح العالم بلا معنى.
الأب صرخ بانكسار:
– ماتت؟!
إزاي يعني؟!
كانت ماشية على رجليها امبارح!
والأم انهارت على الكرسي القريب، وضغطت على صدرها وهي تهمس:
– يا ضنايا… يا فاطمة…
قومي يا بنتي… قومي أمك مستنياكي.
حاول الطبيب أن يتمالك حزنه المهني، فأضاف بصوت منخفض:
– احنا حاولنا بكل الطرق نحافظ على النبض…
لكن القلب ما استجابش…
هي كانت تعبانة أكتر مما باين.
الأب بصوت يرتجف غضبًا وحزنًا:
– ليه ماقولتوش؟
ليه ماعرفناش إنها كده؟
كانت ساكتة… عمرها ما اشتكت!
الطبيب بهدوء موجع:
– يمكن كانت بتخبّي…
أو يمكن كانت مستنية حد يرجع… ولما رجع… كان الوقت فات.
بارد الجسد، تائه الروح، والوجع يثقل رأسه كما لو أن الكون كله سقط فوق صدره.
لم يعد يسمع كل الكلمات بوضوح…
لكن صوت الطبيب وهو يقول:
> "العملية فشلت… بنت حضرتك توفيت."
تسلّل إلى أذنه ببطء، كأنّه يمر من خلال قلبه أولًا…
ثم ينفجر في داخله كالرصاص.
توقف الزمان.
تجمّدت أنفاسه.
وتقلّص الكون حتى لم يتبقَ منه سوى ذكرى واحدة…
ذكرى الليلة الأخيرة.
المشهد يتكرر في عقله بكلّ تفاصيله القديمة، كأنّ الزمن قد طواه داخله وأعاده.
كانا يقفان تحت عمود نورٍ خافت أمام بيتها، وهي تنظر إليه بعينين دامعتين، فيها من العتاب ما يكفي لقتله.
قالت له، وقد تشبثت بكفه:
– يعني خلاص؟
كده؟ هتمشي وتسيبني؟
نظر إليها طويلاً، ثم أنزل عينيه كأنّه يهرب من حقيقة يعرفها.
– يا فاطمة، أنا مش بسيبك…
أنا بسافر علشان أرجعلك وأنا راجل… أقدر أفتح بيت وأعيّشك زي ما تستاهلي.
– بس أنا مش عايزاك تفتحلي بيت… أنا عايزاك.
أنا بحبك، والحبّ ما بيأكلش عيش، بس بيعيش. ولو مشيت… أنا قلبي مش هيستحمل.
– إنتِ بتكبّري الموضوع…
يعني سنتين، تلاتة بالكتير، وراجعلِك.
هزّت رأسها ببطء، وهمست:
– لو رجعت…
ما تتأخرش.
ولو اتأخرت…
ادعي إنك تلحقني.
ثم ضحكت ضحكة صغيرة، مخنوقة بالدمع، وتركته يذهب.
وانقطعت الذكرى.
وسقطت من عينيه دمعة لم يشعر بها.
عاد إلى اللحظة الحاضرة، حيث الصراخ والعويل، حيث جسد فاطمة البارد، حيث انطفأت الحياة من عينيها كما انطفأت منه من قبل.
اقترب بخطوات متثاقلة من الباب…
رآها ممددة، مغطاة ببياضٍ قاتل، لا يشبه إلا برودة الفقد.
ركع على الأرض جوارها…
وهمس بشفاه مرتجفة:
– كنتِ بتقولي مش هتستحملي…
وكنت فاكرِك بتبالغي.
ثم أغلق عينيه.
كأنّه قرر أن يلقاها…
أو لعلّه، ببساطة،
مات واقفًا.
مات…
لا لأن قلبه خان، ولا لأن الحياة ضاقت، بل لأنه تأخّر.
مات لأنه عاد بعد فوات الأوان، ولأن الخطوة التي طالما أخّرها…
كانت الخطوة الوحيدة التي كان يجب أن يُسرع بها.
لم يكن رحيله عنها في الماضي مجرّد سفر،
كان خيانةً لنبضها، إن تأمّلت الأمر اليوم.
كانت تقول له:
"لا تتأخّر… قلبي لا يحتمل الغياب"
لكنه حسبها كلمة من كلمات العاشقات.
فابتعد وهو يظنّها ستنتظره،
وعاد ليجدها كانت تنتظر… حتى انتهت.
مات لأن الجسد لا يحتمل ما تئنّ له الروح.
ولأن الحبّ، حين يتيقّن أنه كان السبب في النهاية،
يصير قبرًا يسكنه صاحبه حيًّا، أو يأخذه ميتًا.
لقد رأى جسدها المسجّى، ولم يصرخ.
رآها بلا حياة، ولم يبكِ.
لكن عينيه أطفأتا الضوء إلى الأبد.
كأنّه هو الآخر قد أسلم روحه…
ساجدًا على أبواب الغفران،
يرجوها أن تعذره…
إن كانت روحه ستلحق بها، فليكن العذر معها أيضًا.
مات، لأنه حين عاد ليحيا بها…
كان كل شيءٍ قد انتهى.
في الركن الهادئ من المقبرة، وقفت" نهى"، صديقتها الأقرب، تُمسك بمنديل أبيض مبتلّ بالدموع، تُحدّق في لوحتين حجريتين موضوعتين جنبًا إلى جنب…
على اليسار:
"فاطمة محمد زهران
رحلت بروحٍ ما زالت تنبض حبًّا
1999 - 2025"
وعلى اليمين:
"يوسف محمد الخولي
لحق بها… بعد أن فاته العمر
1997 - 2025"
همست "نهى" بصوتٍ مبحوح:
– والله كنتِ عارفة يا فاطمة… كنتِ عارفة إنك هتخديه معاكي.
جلست على الأرض، وعيونها ثابتة على الإسميْن، وقالت وهي ترتجف:
– فاكرين أول مرة جِبتوني هنا علشان تحكولي عن الموت؟
فاكرة يا فاطمة لما قولتيلي: "أنا مش بخاف من الموت… بخاف أموت وهو زعلان مني."
ما تقلقيش… ما متيش لوحدِك، ولا هو عاش من غيرِك… سبتونا سوا.
مرّت نسمةٌ خفيفة، كأنها تمرّ على قلبي القبرين، وكأن الردّ منها جاء… بصمتٍ حنون، لا يُجيد غير المحبّين قراءته.
رفعت "نهى" عينيها للسماء وقالت:
– ارتحتوا؟
طب ارتاحوا… بس وجعتونا.
تركت ",نهى" وردة بيضاء فوق كلّ قبر…
ثم رحلت ، وخلفها نسيم المساء،
يحمل في طيّاته دعاءً صامتًا…
وألمًا لا يُدفن أبدًا.
نامت على صدر التراب بهدوءها
وجوارها قلبٌ أحبّ وماتْ
لم يجمعَ القدرُ الحنينَ بمهدهِ
لكنّما جمعَ القبورَ فُتاتْ
# ملك ـ رمضان
"الحلقات منفصله"
Sahar Ali