"خيالًا هربتُ إليه من وجه الحقيقة."

"خيالًا هربتُ إليه من وجه الحقيقة."

15 0

"خيالًا هربتُ إليه من وجه الحقيقة."

      ----------------------------

الصباح لا يزال ناعسًا، والمدينة تتثاءب على استحياء.

فتح  باب شقّته بكسل المعتاد، لا يتوقّع من هذا العالم شيئًا جديدًا.

لكنه لمح ظرفًا صغيرًا وُضع بعناية على عتبة بابه، كأن مَن تركه خشي أن يُوقظ شيئًا نائمًا في صدره.

انحنى يلتقطه، فتسرّب إلى روحه إحساس غريب… أشبه بنسمة باردة لامست صدرًا أرهقه الحنين.

الظرف بلا اسم، ولا ختم بريد.

فقط كتابة أنيقة على ظهره:

"إلى يوسف، وحده."

أغلق الباب ببطء، جلس على طرف أريكته كمن يمسك قنبلة مجهولة.

أدار الرسالة بين يديه لحظات، ثم فتحها، فانسكبت عليه الكلمات كأنها تعرفه:

"سيدي الكاتب"

قد لا تعرفني، بل لعلّك لن تعرفني أبدًا.

لكنني قرأتُ لك… لا مرّة، بل مرات.

قرأتك حين كنتَ صامتًا بين السطور، وكنتُ أُنصت.

لا تُخدع بالمجاملات، ولا تُصدّق المديح…

أنا لستُ معجبة بأسلوبك، بل حزينة عليك.

كنتَ تكتب، لتتوسّل أن يسمعك أحد. وها أنا أسمعك.

كنتَ تبكي في سطورك، كأن الورق صدرك، والقلم أنينك.

لماذا تخفي ألمك؟

لماذا تمشي في الحياة كأنك حيّ، بينما كلّك ميت؟

ما أعجبكَ… تكتب عن الفقد، وتخفي اسم المفقود.

تكتب عن الوحدة، وتنكر وحدتك.

تكتب عن الله، كأنك تخافه أن يرى ضعفك.

أنا لا ألومك…

أنا فقط أراك.

وإن كان في هذا العالم مَن يستحق أن يُرى،

فهو أنت، حتى وإن كنت لا ترى نفسك."

رفع يوسف عينيه عن الرسالة ببطء، كأنها لكزت جرحًا لم يبرأ.

ظلّ صامتًا للحظات، ثم همس لنفسه:

"من هذه؟… وكيف استطاعت أن تكتبني، قبل أن تعرفني؟"

الصباح قد أفاق تمامًا،

لكن في صدر يوسف…

العتمة مازالت مستمرة ، كاتب مثله يعيش في منزله وحيداً بعد وفات والدته الحنونه يكتب فقط ليطلق عليه الناس أسم كاتب لا لأنه شغوف ولا مولع بهذا الفن يعترف لنفسه أحياناً أنه يحب هذا المجال وبشدة ولكن خوفه من الفشل ومن نظرات العالم إذا أخفق جعلته يحول كل هذا الفن والإبداع الي واجب يجب عليه قضاءه لكي يصل الي الاسم والشهرة المرموقة ويظل في مكانته التي وضعه فيها المجتمع و والدته التي كانت تتشبث بخيط إبره لتفخر بولدها في أي مجال وإن كان لم يفلح ويدخل كليه الهندسه ويكون خليفه لوالده المرحوم فسيكون خليفه لوالدته في الكتابه دون السؤال حتي عن أهوائه وطموحاته.

الظرف لا يزال في جيبه، كأن حروف الرسالة التصقت بجسده

خرج "يوسف "من منزله متثاقل الخطى نحو دار النشر، ليس فقط  ليُسلّم عملاً، بل ليبحث عن إجابة لِما يجهله عن تلك الرسالة الغريبة.

الجوّ خانق، والمدينة تسير كأنها لا تبالي بمن يتألّم فيها.

وفقط يشغل باله سؤالٌ واحد : هل هناك من شعر بزيف كلماته؟ ، هل هناك من علم ماهيته ؟ هل هناك من أستشعر المعني والعرض من بضع الكلمات المتراسه بجانب بعضها البعض ؟

نعم... يوجد وبعثت له رساله أيضاً تناشده فيها بأن يستشعر معني كلماته لا يلقيها بجانب بعضها بشكلٍ ظاهريٍ منمق فقط.

دخل من باب الدار، حيث يعرفه الجميع… لكن لا أحد يعرفه حقًا.

استقبله "سامي"

– موظف الاستقبال – بابتسامة باهتة:

- "صباح الخير يا أستاذ يوسف، نورت الدار."

ردّ يوسف بصوت منخفض:

-  "صباح النور يا سامي..."

رمقه "سامي" بنظرة حنونة، ثم أردف بنبرة حزينة:

-  "أنا آسف على وفاة والدتك… مكنش ليا وش أقولك المرة اللي فاتت، بس والله كنت حاسس بيك."

ابتسم بتعب، وقال بهدوء:

"ربنا يرحمها… شكراً يا سامي "

تقدّم" يوسف" نحو الدرج، فاستوقفته فتاة صغيرة تعمل في السكرتارية، لا تتجاوز الخامسة والعشرين، ترتدي حجابًا أبيض وعينانها فيهما نور من نوع مختلف.

قالت له بخجل:

- "حضرتك أستاذ يوسف؟"

هزّ رأسه دون كلمة.

أردفت بهدوء:

- "أنا آسفة على مامتك… كانت ست طيبة أوي، أنا شفتها مرة لما جات معاك من سنتين. كانت بتدعيلك كتير وبصراحة كانت ست طيبة وحنينه أوي "

هو رأسه في حنيه لوالدته ثم نظر لها نظرة قصيرة ثم قال:

-  "شكرًا… فعلًا شكرًا."

في مكتبه، جلس قليلًا. قلبه ما زال معلقًا بالرسالة…

فتح حاسوبه، تظاهر بالعمل، لكنه لم يكتب شيئًا.

السطور التي كانت دائمًا تلاحقه، صارت تهرب منه الآن.

بل الحقيقة… أن هناك سطرًا واحدًا يسيطر على رأسه:

"لأول مرة شعر به أحد'

خرج من الدار بنفس الخطى الثقيلة، والشمس في كبد السماء تُرهقه أكثر.

ركب سيارته، وعاد إلى شقّته… الشقّة التي كل جدار فيها يردّد له صوت غياب أمه، وكل زاوية فيها تشهد على وحدته الطويلة.

فتح الباب، دخل، وضع المفاتيح على الطاولة، وجلس حيث جلس بالأمس.

نظر إلى الصندوق الخشبي، فتحه، أخرج الرسالة، قرأها مرة أخرى.

ثم أغلق عينيه هامسًا:

"لو أنتِ شايفاني بجد فأنتِ فين؟"

وقف يصلي.

ركعتاه مرتعشتين، وصوته في التشهّد خرج خافتًا كمن يهمس في قبر.

وحين انتهى، ظل جالسًا قليلًا على السجادة، يُسبّح…يدعي…

وأغلق عينيه، كأنه ينتظر شيئًا من السماء لم ينزل بعد.

نهض يوسف، واتجه إلى الممر الطويل.

مرّ بجوار غرفته… لكنه لم يدخلها. كان يعلم أن النوم فيها لا يُشبع جوع الحنين.

فتَح باب غرفة أمه… ذلك الباب الذي لم يُفتح منذ أربعين يومًا.

تسلّل إليها كما يتسلّل طفل إلى حضن غائب.

رائحة المسك والورد اليابس لا تزال معلّقة في الهواء، رغم الغياب.

كل شيء كما تركته…

السرير مُرتّب، المصحف على الطاولة، الكرسي المفضّل إلى جوار النافذة، والمسبحة معلّقة في يدها كما العادة.

لم يتحمّل يوسف أن يُحدّق طويلًا.

تقدّم، تمدّد على السرير كما كانت تفعل هي… وضع رأسه على وسادتها،

وأغمض عينيه، ليهرب.

لكنه لم يهرب.

بل وجدها.

رائحتها… صوت أنفاسها القديمة… دفء اللحظات المكسورة التي ضاعت.

غمرته موجة بكاء صامت، لا صوت فيه…

لكنه خنقه كما لو أن صدره امتلأ بماء الغياب.

"كُنتِ دايمًا هنا… والنهارده، أنا اللي جيتلك."

قالها في داخله، ثم استسلم لنعاس ثقيل، يشبه الغرق…

وغفت روحه، لا في النوم… بل في الذكرى.

               ----------

"ثَمَّة غياب، لا يُجدي معه الحنين… ولا يَهدأ معه القلب، مهما طال الصمت."

استيقظ على غير عادته، علي  إحساس غريب… كأن أحدًا كان يراقبه وهو نائم، ثم انسحب بهدوء قبل أن يفتح عينيه.

فتح جفنيه ببطء، ليجد نفسه لا يزال في غرفة أمه.

أخذ نفسًا طويلًا، ثم زفره بثقل وكأنه يودع حلمًا لم يكتمل.

جلس على طرف السرير، ومرّر يده فوق المفرش كأنه يودّ أن يوقظ ذاكرتها.

نهض بتثاقل، توضأ، وصلى الفجر في الغرفة ذاتها.

وحين انتهى، ظل جالسًا على السجادة، ينظر إلى باب الغرفة…

وكأن شيئًا فيه لا يريد مغادرة هذا المكان، حتى وإن كان موحشًا.

لكنه غادر.

وفي الممر، نظر إلى غرفته ولم يدخلها مجددًا.

ذهب مباشرة إلى المطبخ، صنع لنفسه فنجان قهوة،

لم يشربه.

خرج من بيته، صافح الهواء الصباحي بوجهه المتعب،

وقاد سيارته نحو دار النشر، كأنّه ماضٍ إلى شيء لا يعرفه… لكنه ينتظره.

في دار النشر،  الجو مختلفًا.

حركة الموظفين، ضجيج الآلات، وأصوات الأوراق…

لكن في قلب يوسف، كل شيء  صامتًا، كأن الضجيج نفسه بات أضعف من صوته الداخلي.

دخل مكتبه، وما إن فتح الدُرج ليأخذ قلمًا،

حتى وجد ظرفًا جديدًا… بذات الخط، بنفس الحجم.

تجمّدت أنفاسه.

مدّ يده ببطء، وكأن اللمس وحده قد يوقظه من وهمٍ جميل.

فتح الرسالة… وقرأ:

"يوسف"،

ما كنتُ أظنّ أنني سأكتب ثانية،

لكنك كتبتَ لي دون أن تدري…

كتبتَ بعيونك، حين نظرتَ إلى العالم كمن فقد شيئًا لا يُسترد.

رأيتك… تمشي وفيك موت،

تحيي كل من تلقى، وتدفن نفسك كل مساء.

لستُ ملاكًا لأُنقذك، ولا ظلك لألحقك…

أنا فقط، كلمة صادقة تائهة في زمنٍ كاذب.

إن أردتَ أن تسمعني…

اقرأني بين سطورك.

وإن أردتَ أن تراني…

فابحث عنّي حيث تركتَ قلبك آخر مرة."*

نظر "يوسف" حوله، ولم يكن هناك أحد.

لكنّه شعر، للمرة الأولى، أن هذا الفراغ ليس خاليًا تمامًا.

كان هناك… "وجودٌ خفيّ"

يتنفس معه، ويتحدث إليه من دون صوت،

ويوسف… بدأ يُنصت.

         ---------------------

تجلس عند نافذتها القديمة، تلك التي لا تطلّ على شيء…

فقط جدار باهت، تتسلّق عليه الشمس بخجل كل صباح.

أمامها فنجان شاي لم يُمس، ودفتر أبيض وُضع بعناية،

وفي يدها قلم أسود، معتاد، لكنه يخرج من روحها لا من حبره.

يدها ترتجف قليلًا،

ليس بردًا،

بل لأن القلب حين يكتب… لا يعرف الثبات.

---

أغمضت عينيها لحظة، ثم بدأت تكتب:

"يوسف"…

ما زلتَ لا تعرف من أكون.

وما زلتُ لا أطلب أن تعرف.

كل ما أريده… أن أكتبك.

أن أراك كما لم يرك أحد.

لا لأنك مميز، ولا لأنني مختلفة،

بل لأن بيننا شيئًا لا يُشبه هذا العالم.

كل سطر تكتبه، أشعر كأنك ترسل لي جزءًا منك…

وأنا، كل سطر أكتبه، أعيد إليك جزءًا منك فقدتَه دون أن تدري.

أخاف أن أقترب…

لا لأنك بعيد، بل لأنك هشّ… وأنا أخشى أن ألمسك، فتكسرني."

"أتعرف؟

منذ رحلت والدتك، وأنا أراك صغيرًا… حتى لو كبرت.

في نظرتك حنين طفلٍ أضاع يده…

وفي كتاباتك، رجل يحاول أن يُخيط جُرحه بالحروف.

أنت تكتب لتعيش…

وأنا أكتب إليك، لأبقى."

"سأرسل هذه الرسالة، لا لتقرأني، بل لتشعر بي.

فإن شعرتَ…

فابحث عني، وسأكون أقرب مما تظن."

---

أنهت الكتابة ببطء، وقرّبت الورقة من قلبها لحظة، ثم طوتها كما تفعل في كل مرة.

وضعتها في الظرف،

كتبت عليه بخطها الهادئ:

"إلى يوسف، وحده."

ثم وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى نفسها طويلًا…

فلم ترَ نفسها.

بل رأت ظلًّا لامرأة،

تحبّ من بعيد… وتكتب لتبقى حيّة.

       -------------------------

الليل قد بسط سواده على المدينة،

والمصباح الوحيد في مكتب يوسف يُلقي ظلالًا طويلة فوق أوراقه البيضاء.

جلس على مكتبه القديم، الذي شهد ولادة كل رواياته،

لكن الليلة…

كان المكتب شاهدًا على شيء آخر.

عجز.

---

فتح يوسف دفتره، قلب صفحاته الفارغة،

أمسك قلمه كما اعتاد،

لكن يده لم تتحرّك.

عقله ممتلئ…

وقلبه أكثر.

لكن السطور…

صامتة، كأنها تخجل أن تُكتب.

أسند رأسه إلى الكرسي، أغمض عينيه،

فانفجرت الرسالة الثانية في ذاكرته كأنها تُلقى عليه من داخله:

> "إن أردتَ أن تسمعني… اقرأني بين سطورك."

همس في نفسه:

" بس انا مش بكتب سطور ، أنا مش بكتب حاجة أصلاً"

فتح عينيه مجددًا، انحنى على الورق، وبدأ يكتب…

لكن ما خرج منه، لم يكن رواية.

بل كان أقرب إلى اعتراف لا يعرف لمن يوجّهه:

"هل كنتِ دائمًا هناك؟

هل مررتِ بي، ولمحتك؟

هل كنتِ واحدة من العيون التي نظرت إليّ ولم أفهمها؟

لم أعد أعلم…

لكنني أشعر بك.

وأشعر أنّك… تعرفينني أكثر من نفسي.

الكلمات أصبحت أضعف من أن تشرحني،

وأقواكِ، أصبحتِ أقرب من أن أتجاهلكِ."

توقف يوسف عن الكتابة، وأسند القلم.

نظر إلى الورقة، فابتسم بسخرية مُرهقة.

نهض من مقعده، دار في المكتب كأن الخطى قد تهديه لصوتها.

ثم توقّف أمام النافذة،

ونظر إلى سماء سوداء لا نجوم فيها.

لكن داخله…

كان ممتلئًا بنورٍ لا يعرف مصدره،

يشبه تمامًا وجهًا لم يره…

وصوتًا لم يسمعه…

وقلبًا يجاوره دون أن يراه.

في تلك الليلة، لم يكتب رواية.

لكنه كتبها.

كتبها كما يشعر بها… ثم خرج و وضع عند مقدمة الباب في نفس موضع تلقي الرسائل لعلها تجد سبيلها إلي صاحبتها، ولكنه أصتدم بظرفٍ آخر ودعنا نقول أنه الظرف الثالث علي التوالي والثاني في نفس اليوم ، تعجب من وجود ظرفين في يومٍ واحد وكأنه أعتاد علي جرعةٍ محدده من الكلمات المجهوله .

فتحه ...

مرر عينيه علي الكلمات  بسرعةٍ وشغف ثم أطلق تنهيدةٍ حاره وقال بصوتٍ مرتفع بعض الشئ:

- طب أنتِ فين…

         ----------------------

أعرفه منذ سنوات، فعملي كحارس للدار يحتم علي تفحص كل من بالداخل وبالخارج

كان يدخل من باب دار النشر بصمته المعتاد، سلامٌ خافت، وخطوات ثابتة، ووجه لا يشبه أي شيء سوى التعب.

لكن في الأيام الأخيرة، شيءٌ ما تغيّر.

لم يَعد يُلقي السلام كما كان،

بل يمرّ بجواري كمن يحمل سرًا في جيبه، أو دفن قلبًا في صدره ويخشى أن يظهر.

"يوسف الخولي"… الكاتب الذي كانت النساء تتحدث عن رواياته وكأنها رسائل حبّ،

أصبح شخصًا آخر.

أكثر صمتًا،

أقلّ انكسارًا…

لكن في عينيه اشتعالٌ من نوع لا أعرفه.

في صباح هذا اليوم، دخل كعادته،

لكنه لم ينسَ أن يُلقي السلام،

ولم يبتسم كعادته القديمة… بل بشيء يشبه الامتنان.

وقف لحظة عند الباب، كأنه ينتظر شيئًا.

ثم سار بخطى هادئة نحو مكتبه.

أنا لا أقرأ كثيرًا،

ولا أحبّ الحديث عن الكُتّاب.

لكني مؤمن بشيء واحد:

حين يتغيّر الكاتب…

فاعلم أن هناك من كتب فيه قبل أن يكتب هو.

وفي استراحتي القصيرة، مررت بجانب مكتبه…

رأيته ينظر في الورق، لا يكتب،

لكن وجهه… لم يكن حزينًا.

بل كأنه ينتظر…

*رسالة*

      --------------------------

جلس  على الطاولة الخشبية في الركن الأيسر من دار النشر.

المكان مألوفًا، لكن شيئًا في الجو تغيّر…

كأن الأرواح القديمة مرّت من هنا صباحًا، وتركت أثرًا لا يُرى.

فتح الحاسوب،

ضغط على الملف الذي بدأه بالأمس،

ظهرت أمامه الجملة الأولى:

"الرسائل التي لم تُرسل"

أخذ نفسًا عميقًا،

نظر حوله…

الموظفون يتنقلون بخفة،

أكواب القهوة تُملأ،

وأحاديث صغيرة تتناثر كفتات ضحك.

لكنه  في مكانٍ آخر…

داخل نصٍ لم يُكتَب بعد،

ينتظر أن يجيء بصوتها.

فتح الرسالة الثانية… أعاد قراءتها.

كأنها تُملِيه الكلمات

تسمرت يده على الكيبورد.

-  "هي بتكتبلي… علشان أكتب."

قالها لنفسه، بصوتٍ بالكاد سمعه.

مرت دقائق.

ثم بدأ يكتب.

"في كل رسالة، كانت تُضيء شمعة في عتمتي.

لم تكن الكلمات بيننا، بل كانت نحن.

لم تكن تعلّمني الكتابة…

كانت تزرع فيّ اللغة."

وفجأة…

قاطعته فتاة في العشرينات، موظفة جديدة في الدار.

-  "أستاذ يوسف… أنا آسفة على مامتك… ربنا يرحمها."

قالتها بخجل.

نظر إليها، ابتسم بخفة، وهزّ رأسه بالشكر.

ثم مرّ أحد زملائه وقال:

-  "لو احتجت أي حاجة… إحنا هنا، البيت فاضي من غيرك."

شعر بالدفء وسط الوحدة،

أكمل ما بدأه…

كتب:

"هذه الرواية، ليست قصة حب عادية…

بل طوق نجاة، ألقته لي يدٌ… لم أعد أراها، لكني أشعر بها كل يوم."

وحين أغلق الملف مؤقتًا،

أمسك كوب القهوة،

نظر إلى المقعد الشاغر بجواره…

وهمس دون وعي:

– "كان نفسك تبقي معايا هنا… وأنا بكتب عنك."

      ---------------------------

أصبح يستيقظ كل صباحٍ وهو ينظر ناحية الباب…

كأنّه طفلٌ ينتظر مفاجأة،

أو عاشقٌ يرتجف من فكرة اللقاء.

في اليوم الثالث،

فتح الباب ليجد مظروفًا أبيض، بسيطًا،

عليه خط مألوف… صار يعرفه دون أن يقرأ.

الرسالة الثالثة.

موضوعة بعناية تحت مزهرية أمه التي لم يزل يحتفظ بها،

كأنّها أمانة.

قرأها واقفًا، ثم جلس على الأرض دون أن يدري…

كأن الكلمات أثقل من أن تُقرأ على مقعد.

مرّت الأيام،

رسالة كل صباح…

وفي كل مرة، يزداد الفضول، وتتقلّب مشاعره بين الدهشة والخوف.

لكنه لم يسأل،

لم يُخبر أحدًا،

كأنّه لا يريد أن تنكسر المعجزة.

في اليوم الخامس،

خرج من البيت مبكرًا جدًا…

جلس في سيارته يراقب باب بيته من بعيد.

مرّت ساعة…

ثم ظهرت.

كانت ترتدي عباءة سوداء، وخمارًا خفيفًا،

تحمل في يدها ظرفًا صغيرًا،

وضعت الرسالة برفقٍ أمام الباب،

ثم مشت بسرعة.

لم يرَ وجهها…

لكن حركة يديها، طريقتها في الانحناء،

أشعرت قلبه بشيء مألوف.

– "هي مش غريبة عنّي…

أنا شفت الطريقة دي قبل كده."

همسها لنفسه،

ثم نزل من السيارة بعد أن اختفت من الشارع تمامًا.

فتح الظرف فورًا.

"كنت خايفة أسيبلك كل حاجة مرة واحدة،

فقررت أبعتلك نفسي… حتة حتة، أبقي تقل لما تنزل العربية تاني يا چو"

وصل إلي بيته وجلس علي مكتبه وأبتسم أبتسامته ذاته وسامه وهو يمرر يديه في خصلاته خامساً لنفسه:

- مش هقلل من ذكائك تاني يا قلب چو.

       -----------------------

عاد يوسف من دار النشر متأخرًا تلك الليلة…

لم تكن هناك رسالة على الباب. لأول مرة منذ ثلاثين يومًا، لا شيء.

شعر بفراغ قاتل، كأن قلبه كان ينتظر الطعنة… ولم تأتِ.

بحث هنا وهناك، عبثًا… لا ظرف، لا ورقة، لا حتى ظلّ عطرها الذي حفظه عن ظهر قلب.

دخل بيته مترنّحًا، صعد درجات السلم كمن يحمل سنوات لا خطوات،

فتح الباب…

وكانت الرسالة الأخيرة معلقة على مرآة غرفته.

فتحها ببطء… وبخطٍ مألوف:

"يوسف،

هذا آخر يوم.

كنت تظن أنك تتلقّى رسائل من غريبة...

والحقيقة أن كل رسالة، كانت بخطك.

أنت من كنت تكتبها…

وحدك.

نحن رحلنا منذ زمن…

وما تراه، ليس موجودًا سوى فيك.

اذهب لدواءك، أرجوك.

أمّك كانت ستخاف عليك لو رأتك الآن.

– طبيبتك النفسية."

سقط يوسف أرضًا… الرسالة تنزلق من يده المرتجفة.

أخذ يضحك… ثم يبكي… ثم يصرخ.

راح يجري إلى مكتبته، يفتّش بين الأوراق…

وكل رسالة… بخطّه.

كل ظرف… مختوم باسمه.

كل شعور… كان وهْمًا صنعه عقل فقد الحقيقة منذ دفن أمه.

ثم رفع رأسه نحو المرايا…

ورأى وجهه فقط.

وجهه… وحده.

جلس يوسف وسط الورق، قلبه ينتفض كمن تلقّى طعنة ممن ظنّه خلاصه.

لم يعد يدري أيهما أكثر وجعًا: أن تكون هي لم تكن، أم أن يكون هو مَن خلقها؟

تذكّر التفاصيل…

الخط الذي أحبه، رائحة الورق، توقيت الرسائل…

كلها تُشبهه.

كلها تُشبه أمّه.

أمه التي كانت تكتب له في طفولته ملاحظات صغيرة وتخفيها تحت وسادته…

أمه التي كانت تقول له:

> "اكتب، يا يوسف… الحبر أحنّ من الناس."

فعل.

كتب.

لكنه لم يكن يعلم أنه سيكتب لنفسه من جديد، ولكن بيدين مهتزّتين وقلب مُنهك.

فتح درجًا قديمًا في مكتبه، كان مغلقًا منذ سنوات…

وجد ملفًا صغيرًا…

عنوانه: "جلسات العلاج – د. سلمى إسماعيل."

فتحه بيد مرتجفة…

وفي أول ورقة:

> "المريض يوسف.

فقد أمه منذ عامين، وعانى من انهيار عصبي حاد.

رفض العلاج في البداية، ثم بدأ جلسات منتظمة.

الأعراض: هلوسات بصرية وسمعية، إنكار واقع الوفاة، وخلق شخصية خيالية أنثوية تعوّض الفقد العاطفي."

ارتعشت شفتاه…

سقط الملف من يده…

وهمس، كمن يحاول النجاة:

بعني… ماكانتش موجودة؟

كل ده…

كان أنا؟"

قطع السكون صوت هاتفه المحمول يرن.

رقم غير مُسجَّل.

ردّ… بصوت مرتعش.

– "يوسف؟ أنا د. سلمى…

أنا معاك، ما تخفش.

الحقيقة موجعة، بس وجودك لسه ممكن ترجع له."

سكت لحظة، ثم همس:

أنا… مش عايز أرجع."

"يوسف، لسه قدّامك حياة.

بس لازم توقف الكتابة…

الكتابة اللي بتغذي الوهم…"

سكت يوسف، نظر إلى روايته المفتوحة على جهازه…

وكان العنوان: "إلى التي لم تكن."

أغلق الحاسوب، وضع رأسه على المكتب، وأجهش بالبكاء

وفي الصفحة الأولى من الرواية… كتب بخط صغير جدًا:

"كل ما كتبت، كان أنا.

وكل ما عشت… كان خيالًا هربتُ إليه من وجه الحقيقة."

---

أيا نفسُ، كيف احتملتِ الرحيلْ؟

وكيفَ كذبتِ على المستحيلْ؟

نسجتِ خيالًا... فكان الحبيبْ

وكنتِ الجريحَ، وكنتِ الطبيبْ

وما كان فيكِ سِوى بعضِ وَهمٍ

يُداوي الجراحَ... ويُبكي القلوبْ

"ملك"

# ملك ـ رمضان

"الحلقات منفصلة"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اسكريبتات ملك رمضان

المؤلف Sahar Ali
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة