نظرت إليه بتحدٍ وكبرياء جارح، والدموع تحارب لتبقى محبوسة خلف رموشها، وقالت بصوت يقطر كبرياءً مكسوراً:
-إذن... لماذا لا تحقق رغبتك الآن؟!
أفلت ذراعها بعنف، وأخرج علبة سجائر بيدي مرتعشتين، أشعل واحدة وأخذ يدخنها بعصبية مفرطة ونفَس حارق:
-أنا أكاد أجن! لا أصدق أبداً أنكِ أنتِ هي تلك فيفيان الرقيقة التي أحببتها يوماً!
ردت بشفاه مرتجفه وبسمة مريرة ترتسم على زاوية فمها:
-من الأفضل لك أن تصدق... وتتقبل الحقيقة، حتى تغتنم هذه الفرصة الذهبية وتتزوج فتاتك المدللة جوليان!
قال بثقة مفرطة ونبرة حادة متعمدة ليجرحها:
-بالتأكيد سأتزوجها! على الأقل هي امرأة صادقة ... لم تخنّي يوماً مع رجل آخر!
ضحكت بمرارة مدوية، وتلألأت الدموع بغزارة في عينيها حتى كادت تعميها، لكنها جاهدت بكل ما أوتيت من قوة كيلا تسقط دمعة واحدة أمامه:
-إذن... فليهنأ كل منكما بالآخر!
وفجأة، قاطع حدة الموقف ورجفان القلوب صوت محامي ماثيو الواثق وهو يهمس له:
-سيدي... لقد حان موعد الجلسة الرسمية، هلا تفضلت بالدخول الآن.
ابتسم ماثيو ببرود وقسوة:
-بالتأكيد، لننهِ هذا الكابوس.
وكاد الاثنان أن يخطوا داخل القاعة الفسيحة، حتى لحقت بهم جوليان مهرولة وهي تتعثر بكعبها العالي، ووقفت إلى جانب ماثيو بدلال مصطنع:
-انتظر حبيبي... لا يمكن أن تدخلوا وتتركني وحدي، سأرافقك بالطبع!
التفت المحامي هاري عند سماعها وقال بنبرة جافة:
-أنا آسف جداً يا انسة، ولكن لا يمكنك الدخول... هذه مسألة قانونية خاصة جداً بين الزوجين فحسب.
تذمرت جوليان بانزعاج طفولي وهي تنظر إلى ماثيو بتوسل:
"ما هذا الهراء يا ماثيو؟
رد ماثيو بجدية قاطعة ودون أن يلتفت إليها:
-الأفضل لكِ أن تبقي في الخارج يا جوليان، لا نفع من وجودكِ معنا.
عبست بوجهها بضيق بالغ، والتفتت ترمق فيفيان بنظرات حاقدة ومسمومة تكاد تقتل:
-حسناً عزيزي... كما تشاء.
دخل الاثنان وجلسا على المقاعد الخشبية المخصصة للخصوم بالقرب من بعضهما البعض، بينما استقر المحامي في الجانب الآخر. وفجأة، فتح باب القاعة ودخل القاضي بخطوات بطيئة ووقورة بدا في أوائل الخمسين من عمره، شعره أبيض ناصع يحيط بوجه ذي بشرة وردية، وتجاعيد خفيفة تحيط بعينيه الزرقاويتين الثاقبتين. جلس خلف مكتبه الخشبي الضخم بصمت مهيب، وأخذ يمسح نظارته الطبية بهدوء، ثم رفع بصره ليقول بنبرة هادئة ومستفحصة وهو يقلب الأوراق الرسمية أمامه:
-هل أنتُما السيدة فيفيان والسيد ماثيو؟
أجابا بصوت واحد خافت:
نعم، يا سيادة القاضي.
نظر إليهما بتمعن شديد، ثم تابع متسائلاً:
-هل أنتُما متأكدان حقاً من أنكما تريدان هذا الطلاق الفعلي، ولا مجال للتراجع؟
رد ماثيو بسرعة وبرود حاسم ونبرة حازمة تنم عن جليد تام:
-نعم يا سيادة القاضي، نحن متأكدان تماماً.
حول القاضي نظره الثاقب إلى فيفيان، وسألها بجدية بالغة:
-وأنتِ... يا سيدة فيفيان، هل تريدين هذا الطلاق بملء إرادتك؟
ترددت في الإجابة، وشعرت أن لسانها قد ربط تماماً. أخذ ماثيو يحدق بصمتها المخيف والمهتز بنظرات مشتعلة، فتنهدت بمرارة بالغة وهي تقاوم غصة حارقة في حلقها، وأجابت بصوت منكسر:
-نعم... أريده.
قال القاضي بنبرة جادة وصارمة:
-وهل هناك أسباب جوهرية وقوية تستدعي هذا الانفصال السريع؟
شعرت فيفيان بتوتر مميت وخفقات قلب مجنونة تخشى من إجابة ماثيو، لكنه اكتفى بالقول ببرود قاتل:
-نحن... لسنا متفقين على الإطلاق، وهذا برأيي سبب كافٍ للطلاق.
أطرق القاضي رأسه قليلاً، ثم قال بحزم:
-حسناً... ولكن المحكمة لن تمنحكما الطلاق بمثل هذه السرعة والسهولة. سأعطيكما فرصة أخيرة للمراجعة والتفكير، وستُحدد جلسة أخرى في نفس هذا التاريخ من الشهر القادم.
ضاقت عينا ماثيو بغضب ساطع، ولم يتمالك نفسه فتدخل متذمراً بانفعال:
-ولكن يا سيادة القاضي! نحن لا نريد الاستمرار في هذا الزواج اللعين دقيقة واحدة إضافية!
نهض القاضي بوقار متجاهلاً كلام ماثيو تماماً، وأعلن بصوت قاطع:
-لقد انتهت جلسة اليوم... بإمكانكما الانصراف!
خرج القاضي تاركاً ماثيو يشتعل غضباً وبركاناً من الانزعاج من هذا القرار المستفز. التفت إلى محاميه بعصبية عمياء وهو يصرخ:
-اللعنة عليك! يا هاري، لماذا أحضرتك معي أصلاً؟! ألم يفترض بك أن تسرع هذه المهزلة وتنتهي من أمر الطلاق اليوم قبل الغد.
رد المحامي باستياء وحذر:
-أنا آسف سيد ماثيو... هذه هي القوانين الصارمة، ولا يمكن لأحد اختراقها أو تجاوزها مهما كانت سلطته!
استدار ماثيو بانفعال جنوني وهو يغادر القاعة مزمجراً:
-أغرب عن وجهي فوراً... عديم النفع!
وفي تلك الأثناء، كادت فيفيان أن تفلت من الصحافة المتربصة خارج المبنى، لكنهم كشفوا أمرها في اللحظة الأخيرة. فتجمعوا حولها كالوحوش الضارية، وأخذوا يلاحقونها ويحاصرونها بكاميراتهم وأسئلتهم الملحة :
-فيفيان! أخبرينا، ما هو سبب رفع دعوى الطلاق المفاجئة هذه؟! هل صحيح أنكِ خنتِ زوجكِ مع رجل أعمال آخر؟!
هذا السؤال السام أخذ يتردد ويتردد بلا توقف على مسامعها، وشعرت برأسها يكاد ينفجر من الهلع والخوف على طفلها، فصرخت بعصبية هستيرية ودموعها تفر بغزارة:
-ابتعدوا عني! اتركوني وشأني! لن أجيبكم بشيء، كفوا عن اللحاق بي!
وفجأة، وفي خضم هذا التدافع المرعب، شعرت بيد قوية صلبة تجذبها بقوة فائقة من وسط هذا الحشد المفترس لتخفيها خلفه. كان ستيف! الذي سحبها بسرعة البرق وأدخلها سيارته وأغلق الأبواب بإحكام، ثم انطلق بالسيارة بأقصى سرعة مبتعداً عن عدسات الصحافة وجحيم المكان.
التفت إليها بعد أن هدأت قليلاً، وسألها بصوت مليء بالقلق:
-فيفيان... هل أنتِ بخير؟ هل آذوكِ بشيء؟
أجابت وهي بالكاد تلتقط أنفاسها المتلاحقة وصدرها يعلو ويهبط بحدة:
-نعم... أنا بخير تماماً الآن. شكراً لك يا ستيف... أنقذتني من أسئلتهم القذرة.
ابتسم بحنان محاولةً تهدئتها:
-لا داعي لشكري أبداً يا فيفيان، هذا واجبي. ولكن... ما رأيكِ أن نذهب معاً لتناول وجبة غداء هادئة لتهدئة أعصابكِ؟
اعتذرت فوراً :
-أنا آسفة جداً يا ستيف... لدي عمل طارئ وعليَّ الذهاب إليه فوراً دون تأخير.
-حسناً... سأخذكِ بسيارتي بنفسي إلى هناك.
صمت برهة قصيرة، وتجهم وجهه قليلاً، ثم أردف بنبرة جادة ومترددة:
-ولكن... أخبريني، ماذا حدث داخل المحكمة بالضبط؟
ردت باستياء شديد، والمرارة تملأ صوتها:
-لقد... تأجل موعد طلاقنا شهراً كاملاً.
نظر إليها بدهشة محملة ببارقة أمل خفية:
-هل... هل أزعجكِ هذا التأجيل؟ هل ما زلتِ ترين أملاً؟
أذرفت الدموع بصمت، وابتلت وجنتاها بحرقة:
-لست أعلم يا ستيف... ما يؤلمني حقاً ويحرق روحي، أنه ما زال يعتبرني خائنة حقاً... وهذا الاتهام البشع يعذبني ويقتلني كل ثانية!
تنهد ستيف باستياء شديد، وعقد حاجبيه بغضب:
-خائنة...؟! هل بإمكانكِ أن تخبريني بالضبط بكل ما حدث بينك وبينه لتصل الأمور إلى هذا الحال ؟!
ترددت في الإجابة، وخفضت عينيها بأسف:
-ليون... هو سبب تدمير حياتي وزواجي. هو الوغد الذي خطط لكل شيء ودمر مستقبلي.
تجهم وجه ستيف أكثر، واشتعلت الشرارة في عينيه، فضرب مقود السيارة براحة يده بقوة وعصبية:
-اللعنة على ليون هذا! هذا الوغد الحقير... يجب إيقافه عند حده، ولن أتركـه يهنأ بما فعل!
ردت فيفيان بنبرة متوسلة ومرعوبة:
-أرجوك يا ستيف... عدني، أقسم أنك لن تتعرض له أو تدخل معه في مشاكل!
تذمر بحدة واعتراض:
-ولكن يا فيفيان! لماذا تدافعين عنه بعد كل ما فعلته بكِ وبحياتك؟!
قالت بانفعال شديد ودموعها تتساقط:
-أنا لا أدافع عنه أبداً! ولكني... لا أريدك أن تتعرض لأي أذى أو مشاكل بسببي.
-فيفيان... نطق اسمها بعتاب محب.
عبست بملامح متوسلة وموجعة:
-أرجوك... عدني يا ستيف.
أجابها أخيراً باستياء مكتوم واستسلام تام:
-حسناً يا فيفيان... أعدكِ، لن أفعل شيئاً.
أخيرًا، توقفت سيارة ستيف أمام أبواب دار عرض الأزياء الشامخة، فنظرت إليه وهي تهم بالترجل:
-شكراً لك يا ستيف على إيصالي.
أجابها باهتمام وهو يستعد للتحرك:
-متى تنتهين من عملك؟ اتصل بي، سأتي لأخذكِ أيضاً.
اعترضت بإصرار هادئ:
-لا يا ستيف، لا تفعل... سأستأجر سيارة أجرة .
-حسناً... كما ترين.
دخلت فيفيان إلى الاستوديو، وهناك قررت أن تكون صادقة مع نفسها ومع جون؛ فهي لم تعد تصلح أبداً لعرض الأزياء في حالتها هذه. استاء جون كثيراً وتجهم وجهه حين أخبرته بخجل أنها أصبحت حاملاً:
-أوه... جميلتي فيفيان، لا أعرف حقاً ماذا أقول لكِ... هذه مشكلة حقيقية لعرض الأزياء!
توسلته بنبرة منكسرة وعيون ممتلئة بالدموع:
-أرجوك يا جون... دعني أعمل في أي شيء آخر! أستطيع صنع قهوة لذيذة، أو ترتيب المكان، أو أي شيء!
زفر جون باستياء، ثم ابتسم بضعف:
-حسناً يا فيفيان... ستساعدين الفتيات في ارتداء الملابس، وتقومين بخياطة أي تمزق طفيف في الأزياء فحسب.
ابتسمت بارتياح غامر وهي تنهض بحماس، وطبعت قبلة امتنان على جبينه:
-شكراً لك يا جون! أنت أطيب رجل قابلته في حياتي.
عبس جون ممتعضاً وهو يمسح جبينه بسخرية:
-هيي! إياكِ أن تعيدي هذه قبلة مرة أخرى، أنا رجل متزوج!
ردت بضحكة خفيفة:
-حسناً، أنا آسفة!
قضت فيفيان وقتها بأكمله تساعد العارضات في تبديل أزيائهن وترتيب الملابس، ولكن بين الفتاة والأخرى كانت تضطر للجلوس على أقرب مقعد لتلتقط أنفاسها، خاصة بعد أن بدأ ألم حارق ومبرح يفتك بأسفل ظهرها. وحين لاحظ جون شحوب وجهها الشديد ، أمرها بصرامة أن تذهب للراحة فوراً، فشكرته بحرارة على تفهمه الإنساني.
وما إن عادت إلى منزلها، حتى خلعت سترتها وتخلصت من حذائها، رامية بنفسها على الأريكة من شدة الإنهاك. كانت تشعر بتعب أسطوري يكاد يقضي عليها؛ فكل ما تطلبه هو النوم، بينما كان ظهرها يكاد ينقسم إلى نصفين من قوة الألم.
تناولت كوباً من العصير البارد لتستعيد بعضاً من طاقتها، ثم ابتلعت دوائها ببطء، قبل أن ترتمي في سريرها وتغط في نوم عميق وثقيل.
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً، عندما أيقظها صوت جرس الباب الملح والمزعج. انتزعت نفسها من السرير بتكاسل شديد، وسحبت خطوها لفتح الباب، لتنفرج أساريرها عن اندهاش وسعادة غامرة وهي ترى صديقتيها الحبيبتين "ليزا" و"سارة" تقفان أمامها! هتفت بحماس ومرح:
-سارة...! ليزا...!
ابتسمت الفتاتان بدفء واحتضنتا صديقتهما بحرارة وشوق بالغ، وهتفتا بصوت واحد:
-كيف حالكِ يا فيفيان؟ قلوبنا كانت معكِ!
-أنا بخير... وأنتما كيف حالكما؟
دخلتا إلى الشقة فأغلقت الباب خلفهما، وما إن جلستا حتى قالت سارة بملامح متذمرة ومعاتبة:
-لماذا لم تخبرينا بكل ما جرى معكِ منذ البداية؟! ألسنا صديقاتكِ المقربات؟!
ردت فيفيان باستياء وخفضت بصرها:
-أنا آسفة حقاً... ولكني لم أشأ أن أزعجكما بمشاكلي وهمومي.
عبست ليزا وهي تخلع سترتها بغضب لطيف:
-أيتها المجنونة! نحن لسنا مجرد صديقات عابرات لننزعج، بل نعتبركِ أختاً.
وافقتها سارة بقوة:
-هذا صحيح يا فيفيان!
سألت فيفيان بدهشة واستغراب:
-انتظرا... كيف عرفتما بأمري أصلاً؟
جلست سارة وأجابت بصوت حزين:
-أوه... عزيزتي، أخباركِ والفضائح التي نشرت حولكِ أصبحت في كل مكان وعلى كل لسان!
جلست ليزا بجانبها، وتابعت فيفيان وهي تضرب كفاً بكف:
-يا الهي... لقد نسيت أمر الصحافة والفضائح تماماً من شدة ما أنا فيه!
قالت سارة بانزعاج وهي تلوح بيدها:
-لا تهمني الصحافة ولا ما يقولون... الأهم أنتِ! اخبريني بكل ما حدث معكِ بالتفصيل.
ردت بحزن عميق :
-ليس المهم حقاً ما حدث معي... الأهم والأعظم، أنه تخلى عني بكل تلك السرعة القاسية.
ولم تستطع كبح دموعها التي انفجرت حارقة، فأسرعت سارة واحتضنتها بقوة لتهدئتها والتربيت على ظهرها:
-أوه... فيفيان، أرجوكِ لا تبكي، لا يستحق أن تذرفي الدموع بسببه.
قالت ليزا بحدة ونبرة تنتفض غضباً:
-إنه وغد لا يستحق أن تبكي من أجله ولو دمعة واحدة! كلهم رجال خونة ومنافقون، لا أمان لهم!
اعتراضت سارة بلطف:
-مهلاً يا ليزا، ليس كلهم... فهناك رجال أوفياء ، وما حدث هو ببساطة أمر متروك للقدر.
مسحت فيفيان دموعها بسرعة، ورسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة ومرحة:
-تباً لي... كم أنا امرأة مزعجة وكثيرة الشكوى!
ابتسمت سارة بحنان:
"لستِ مزعجة أبداً... أنتِ أطيب قلب عرفته في حياتي.
قالت ليزا وهي تتأفف بملل مصطنع:
-يا بنات! انتبهن... إنني أتضور جوعاً هنا! أليس في هذا البيت الموحش ما يُؤكل؟!
ردت فيفيان محرجة وبابتسامة خجولة:
-في الحقيقة... لم أقم بالطهو منذ أيام، الثلاجة شبه فارغة.
هبت سارة واقفة بحماس وهي تشمر أكمام قميصها بثقة:
-لا تقلقا أبداً يا إلهي! سأحل لكما هذه المشكلة فوراً... سأدخل المطبخ وأطهو لكما أبدع وألذ الأطباق التي تذوقتماها في حياتكما!
ردت الفتاتان بمرح وضحكات خفيفة:
-ونحن بانتظار إبداعاتكِ السحرية في الطهي يا شيف سارة!
وقبل أن تستدير لتدخل المطبخ، التفتت سارة نحوهما وقالت بابتسامة واسعة:
-بالمناسبه يا فيفيان... سنقضي هذه الليلة بأكملها معكِ هنا، ولن نقبل أي أعذار!
علت شفتي فيفيان ابتسامة عريضة وصادقة غمرت قلبها بالدفء:
-هذا... هذا رائع حقاً!
قضت سارة وقتها في المطبخ تجهز الطعام بمهارة، بينما استرخت ليزا وفيفيان في الصالة تثرثران بمواضيع كثيرة لتفريغ طاقة الحزن والهموم. وفجأة، وفي خضم الضحكات، صرخت ليزا بمرح هستيري وهي تشير إلى بطن فيفيان:
-سارة...! تعالي انظري حالاً!... فيفيان... حامل!
أطلت سارة برأسها بسرعة من باب المطبخ ووجهها يتهلل فرحاً:
-يا الهي!... هذا خبر رائع ومذهل بحق! إذن... سأصنع له خصيصاً ألذ حساء مغذٍ... سيكون طفلاً مدللاً وجميلاً مثلكِ!
ثم عادت لتسألها بجدية خفيفة:
-ولكن... هل يعلم ماثيو بهذا الحمل؟
ردت فيفيان بامتعاض غاضب ورفض قاطع:
-لا... ولن يعلم أبداً!
قالت ليزا بهدوء وتفكير عميق:
-ولكن... لماذا لا تخبرينه يا فيفيان؟ ربما... ربما يعود إليكِ ويهتم بكِ لأجل الطفل.
استاءت فيفيان بشدة وهزت رأسها برفض حاسم:
-إن عاد... فسيقود شعوره للطفل فقط وليس لي أنا! وأنا لا أقبل أن أعيش معه عطفاً أو شفقة.
وافقتها سارة برأي حازم:
-صحيح تماماً... زواج مبني بدون حب حقيقي لن يدوم طويلاً، ولن يجلب لكِ سوى مزيد من العذاب.
دخلت سارة إلى المطبخ وتابعت الطهو بحماس، بينما نهضت ليزا من مكانها وهي تقول بنشاط:
-أنا سأقوم بترتيب المائدة وتجهيز الأطباق.
وقفت فيفيان بدورها وقالت بابتسامة خفيفة:
-وأنا سأحضر المشروبات الباردة.
وما هي إلا لحظات حتى أخذت فيفيان تشم رائحة الطهي الزكية التي ملأت أرجاء الشقة، فهتفت باشتهاء:
-كم هذا لذيذ ورائع! هيا يا سارة أسرعي، فأنا أكاد أموت من شدة الجوع!
أطلت سارة برأسها من باب المطبخ وابتسمت بثقة:
-حسناً... لقد انتهيت تماماً، الطعام جاهز.
التفت الثلاث حول الطاولة الدافئة؛ فقد أبدعت سارة في إعداد قطع لحم الخروف المتبلة بعناية مع الصوص الحار، إلى جانب حساء العدس الغني بقطع اللحم المفرومة، وطبق حلوى الكاسترد البارد. وفجأة، رن جرس الباب بصوت مفاجئ، فوقفت ليزا متسائلة بفضول:
-من يكون القادم في مثل هذا الوقت؟
أجابت فيفيان باستغراب شديد وهي تعقد حاجبيها:
-لا أعلم حقاً... لا انتظر أحداً.
قالت سارة بجدية وهدوء:
-ابقيا في مكانكما على الطاولة، سأذهب أنا لأفتح الباب.
توجهت سارة وفتحت الباب لتتتفاجأ بوجود ستيف واقفاً في الخارج. وما إن سمعت فيفيان صوته وهو يتحدث معها حتى سارعت بالهتاف بصوت عالٍ وودود:
-أرجوك ادخل يا ستيف! لا تتقيد.
تحركت ليزا بسرعة وهي تقول:
-سأحضر طبقاً إضافياً فوراً.
دخل ستيف بخطوات مترددة، وما إن وقع نظره على الطاولة المليئة بالأطياف الشهية حتى قال بابتسامة مهذبة:
-مساء الخير يا فتيات... كيف حالكن؟
ردت فيفيان بحرارة:
-مساء النور يا ستيف.
-أنا آسف حقاً لإزعاجكن، يبدو أنني جئت في وقت غير مناسب ووسط عشاء عائلي.
اعترضت فيفيان فوراً بابتسامة:
-أوه، ستيف، أرجوك لا تقل هذا! اجلس وشاركنا العشاء، أنت لست بغريب عنا أبداً.
وافقتها سارة بهدوء وهي تفسح له المجال:
-فيفيان محقة يا ستيف، الطعام كثير، اجلس رجاءً.
انضمت ليزا إليهم بسرعة وهي تضع طبقاً نظيفاً ومملوءاً أمام مقعده:
-مرحباً بك يا ستيف.
ابتسم لها بامتنان:
-شكراً لكِ... رائحة الطعام هنا تبدو شهية للغاية وتفتح النفس.
قالت ليزا بفخر مصطنع:
-إنه من طهو سارة الخاص، تناوله ولن تندم أبداً، سيُعجبك جداً.
توردت وجنتا سارة بحمرة خفيفة عندما نظر إليها ستيف بعينين لامعتين وقال بصوت دافئ:
-إذن سيكون لذيذاً وجميلاً... كطاهيته تماماً.
ابتسمت سارة بحياء شديد، وخفضت بصرها نحو طبقها:
-شكراً لك يا ستيف.
تناول الجميع العشاء وسط أجواء دافئة ومفعمة بالألفة، وبعد الانتهاء انتقلوا جميعاً إلى غرفة الصالون، وهناك أخذوا يثرثرون بسعادة ويطلقان النكات البريئة حتى تعالت ضحكاتهم الصاخبة. وفجأة، نهضت ليزا بحماس وشقت طريقها نحو جهاز الموسيقى لتشعل أغنية هادئة وجميلة، والتفتت إليهما بمرح:
-حسناً أيتها الكسولات! من ستشاركني الرقص الآن؟
ردت فيفيان وهي تلوح بيدها غير مبالية:
-لست أنا أبداً، ظهري يكاد ينقسم.
قالت سارة بهدوء وهي تعدل جلستها بخجل:
-أنا؟.. لم أرقص مع شاب قط منذ أيام الثانوية!
ابتسم ستيف بمفاجأة ظاهرة، ونهض من مكانه برشاقة:
-حقاً؟! إذن، ما رأيكِ أن تجربي الرقص الآن معي؟
اتسعت عيناها بذهول مباغت، ولم تتمالك نفسها من التردد:
-هل... هل أنت متأكد؟!
لم يمنحها فرصة للتفكير، بل تقدم بخطوات واثقة وجذبها بخفة من ذراعها نحو مساحة الصالون الفارغة:
-متأكد جداً، هيا.
بدأ الاثنان يرقصان بخطوات متناغمة وهادئة على أنغام الموسيقى. كانت فيفيان تراقبهما بابتسامة دافئة، ولاحظت كيف تحولت وجنتا صديقتها سارة إلى اللون الأحمر القاني من شدة الخجل. وفي تلك اللحظة، برق في ذهنها خاطر مفاجئ وعميق: لماذا لا تحاول توطيد علاقتهما ببعضهما؟ فمن الواضح أن سارة تناسب ستيف تماماً، وهما يليقان ببعضهما بشكل مذهل.
نظرت نحو سارة مطولاً؛ فهي فتاة طويلة، رشيقة القوام، تملك بشرة بيضاء صافية وشعراً أسود حريرياً يزيد من جاذبيتها الساحرة وملامح وجهها الأنثوي الدافئ، عيناها خضراوان عميقتا النقاء تميلان أحياناً للسواد لتمنحاها نظرة لا تُقاوم.
انتهت الرقصة وسط تصفيق حار ومرح من فيفيان وليزا:
-هذا... هذا رائع بحق!
قالت سارة بصوت خافت وارتباك واضح تكتم أنفاسه:
-شكراً... شكراً لك على هذه الرقصة اللطيفة.
ابتسم ستيف:
-لا داعي للشكر أبداً، لقد استمتعت بها كثيراً أنا أيضاً.
سكت برهة، ونظر إلى ساعته بأسف ثم أضاف:
-يا إلهي، لقد تأخر الوقت كثيراً وعليَّ الذهاب الآن... تصبحون على خير جميعاً.
وما إن غادر ستيف الشقة وأغلق الباب خلفه، حتى قررت فيفيان أن تقتحم الموضوع فوراً مع صديقتها دون تأجيل. التفتت إليها وقالت بنبرة جادة ومشاكسة:
-سارة... أجبيني بصراحة، هل أنتِ معجبة بستيف حقاً؟
تفاجأت سارة تماماً، وارتسم الارتباك على وجهها وهي تجيب بتلعثم:
-لا! بالتأكيد... بالتأكيد لا! ما هذا الكلام الفارغ يا فيفيان؟!
ردت فيفيان بنبرة حازمة وحنونة في آنٍ واحد:
-سارة، انظري في عينيّ... يجب أن تعلمي شيئاً مهماً؛ أنا لم أعد أحب ستيف على الإطلاق، ولن أغار عليه أبداً، بل على العكس تماماً، سأكون سعيدة وممتنة من قلبي لو أحببتما بعضكما وتزوجتما!
تلألأت الدموع في عيني سارة وتأثرت بقوة:
-فيفيان... أنا لا أعرف حقاً ماذا أقول لكِ! ستيف شاب رائع ومثالي، ولكن... هو لا يزال يحبكِ أنتِ وحدكِ!
أجابتها بابتسامة واسعة واثقة:
-بيديكِ أنتِ وحدكِ ستجعلينه ينساني تماماً ويقع في حبكِ، وأنا متأكدة من ذلك، فقد لاحظت إعجابه بكِ وانسجامكما الواضح!
أجابت سارة بضحكة خفيفة محملة بالأمل:
-حقاً؟!
في تلك اللحظة، قاطعتهما ليزا وهي تخرج من المطبخ متأبطة علبة بوظة كبيرة وملعقة:
-ماذا هناك يا أيتها الفتاتان؟! سرعان ما تتحادثان بهمسات غامضة!
قالت فيفيان بابتسامة ساحرة وهي تغمز لسارة:
-ستعرفين كل شيء في الوقت المناسب يا ليزا... والآن، كفانا سُهاداً، لنذهب للنوم فاليوم كان طويلاً ومتعباً!
.......................
Shymaa Sami