لم تجد فيفيان مخرجاً من هذا المأزق سوى استشارة محامٍ متخصص، فتوجهت إلى مكتب السيد "جاستن". جلست أمامه، وقلبها يخفق بقوة، لتعرض عليه قضية أختها شيرلي. بعد أن استمع المحامي لتفاصيل التهم الموجهة لشيرلي، هز رأسه بأسى بالغ وقال بنبرة خافتة:
-يا آنسة فيفيان، الحقيقة مؤلمة.. أختكِ في وضع قانوني لا تُحسد عليه، والأدلة ضدها قوية جداً. مصيرها السجن بات أمراً شبه حتمي.
استبد بها القلق، فقالت برجاء:
-أرجوك، أخبرني، ألا يوجد أي حل؟ أي ثغرة؟"
تنفس المحامي بعمق وأجابه بأسى:
-الحل ليس في القانون، الحل بيد السيد ماثيو. هو الطرف المتضرر، وبيده وحده سحب القضية.
استاءت فيفيان من هذه الإجابة، وقالت بحسرة:
-كيف يكون الحل بيده؟ وهو من تعرض للسرقة! لا يبدو أن رجلاً بمكانته ونفوذه سيتنازل عن حقه بسهولة.
أجابها المحامي بجدية:
-أنتِ محقة، لكن حاولي أن تجدي وسيلة ترضي الطرفين، أي تسوية ودية. لو أعادت أختكِ الأموال، ربما يكون بمقدوري مساعدتكِ، ولكن في ظل غياب الأموال، تبدو القضية خاسرة. أنا آسف لتخييب أملكِ، ولكن الحقيقة المرة هي أنه لا توجد فرصة.
نهضت فيفيان وهي تصافحه، محاولةً إخفاء ارتعاش يديها:
-شكراً لك سيد جاستن، لا داعي للاعتذار.
عند عودتها للمنزل، اتصلت بـ "جون" لتخبره أنها لن تستطيع الحضور للعمل، متعللة بصداع شديد ورشح مفاجئ. لم يمانع جون، فقد كان يخشى أن تنقل العدوى لعارضات الأزياء الأخريات، وقال بنبرة متوترة:
-حسناً.. حسناً يا فيفيان، لا تأتي اليوم، خذي قسطاً من الراحة حتى تتحسن حالتكِ تماماً.
أجابت وهي تتصنع العطاس لإقناعه:
-شكراً جزيلاً لك يا جون، سأحاول اللحاق بالعرض قريباً.
أغلق جون الهاتف سريعاً، وبقيت فيفيان وحيدة في الصالة. قاربت الساعة على الثامنة والنصف، وهي لا تزال جالسة تترقب مجيء ماثيو. فكرت في كل الحلول الممكنة، ولم يطرأ على بالها سوى عرض منزلها عليه مقابل التنازل عن البلاغ. تساءلت في نفسها: "هل يا ترى الأموال التي سرقتها شيرلي تعادل ثمن هذا المنزل؟". لم تجد إجابة، فقررت ترك الأمر للقدر.
شعرت بالجوع، فتناولت فنجان شاي وبعض الخبز المحمص، وبينما كانت تهم برفع كوب الماء، رن جرس الباب بقوة أفزعتها. غسلت وجهها سريعاً وأسرعت لفتح الباب، فكان ماثيو أمامها. كان يرتدي "تيشيرت" بقطن خفيف يبرز ضخامة ذراعيه وقوة بنيته، ملامحه كانت لا تزال قاسية كالحجر، مما أشعل الرعب في قلبها.
قالت بهدوء تحاول فيه إخفاء توترها:
-ارجو أن تتفضل بالجلوس في الصالة.
ابتسم بسخرية لاذعة وهو يمر بجانبها:
-أرجو أنكِ تدبرتِ أمر الأموال التي سرقتها أختكِ
جلس على الكنبة بوضعية توحي بالسيطرة. سألته فيفيان:
-هل تشرب شيئاً؟
زجرها بحدة:
-لم آتِ هنا لتناول المشروبات، دعينا ندخل في صلب الموضوع مباشرة.
تلبكت فيفيان ولم تقوَّ على الكلام، فاستشاط ماثيو غضباً، وأخرج سيجارة وأشعلها ببرود، قائلاً:
-أنا أسمعكِ، تفضلي بالتحدث.
جلست فيفيان وهي تفرك بيديها بتوتر شديد، وقالت بصوت متقطع:
-في الحقيقة.. أنا لا أعرف مكان أختي، ولكن.. لقد وجدت حلاً.
نفث دخان سيجارته بعصبية:
-وما هو هذا الحل العبقري؟
قالت بتردد:
-المنزل.. يمكنك أخذ هذا المنزل مقابل التنازل عن القضية.
ضحك ماثيو بسخرية حادة:
-لابد أنكِ تمزحين! هل تجدينني أعبث معكِ؟ الأموال التي سرقتها أختكِ يمكنني بها شراء ثلاثة قصور من هذا النوع!
جحظت عيناها بصدمة، وبلعت ريقها بصعوبة:
-ولكن.. هذا كل ما أملكه.
نهض واقفاً وقال بنبرة تهديد:
-لدي حل آخر، أو بالأحرى صفقة.
رفعت حاجبيها باندهاش:
-صفقة؟!
أجابها وهو يحدق في عينيها مباشرة وبنظرة ثاقبة:
-سأتغاضى عن فعلة أختكِ الشنيعة، مقابل زواجكِ مني.
ابتسمت بذهول:
-أنت بالتأكيد تمزح!
جلس مرة أخرى وهو يمد ذراعيه على ظهر الكنبة بكل ثقة:
-لا، لست أمزح. إذا كنتِ تريدين حقاً إنقاذ أختكِ من السجن، فتزوجي بي.
ضحكت بمرارة وقالت:
-هذا مستحيل! بالإضافة إلى أنك خاطب، كيف تطرح هذا الأمر؟
أجاب ببرود:
-لم أعد كذلك. لقد فسخنا الخطوبة منذ يومين، وجميع أهلي ومعارفي يتوقعون زفافاً بعد أسبوع، ولا أريد أن أخيّب ظنهم.
قالت ساخطة:
-أنت تحلم! لن يحدث هذا أبداً.
قال بلهجة حازمة:
-موعد الزفاف سيبقى كما هو، لن يتغير شيء.. فقط العروس ستتغير، وهذا الأمر لا يهمني.
ضاقت عيناها وقالت بعصبية:
-هل تجد الزواج لعبة لتتحدث بهذا الأسلوب؟!
لاحت على شفتيه ابتسامة ماكرة:
-لقد أعطيتكِ الحل، وبيدكِ أنتِ تقرير مصير أختكِ.
زفرت بضيق:
-لا، لا يمكنني الزواج منك، أنا أحب شخصاً آخر!
قال بثقة مطلقة:
-بزواجك مني، سأجعلكِ تنسينه.
ارتجفت شفتاها من شدة القهر:
-ليس بهذه البساطة!"
رد بنبرة جادة:
-لن أجبركِ على شيء. أمامكِ 24 ساعة، وبعدها أريد جوابكِ.
قالت بانفعال:
-جوابي هو: لا!
ترك بطاقته على المنضدة ونهض قائلاً ببرود:
-فكري جيداً، اتصلي بي وأخبريني بقراركِ.
خرج وأغلق الباب بقوة، تاركاً فيفيان في حالة انهيار تام. قضت الليل كله تتقلب في فراشها، والدموع لا تفارق عينيها، تهمس بصوت مرتعش:
-أوه ستيف، أين أنت؟ أنا حقاً بحاجة لمساعدتك.
في الصباح، حاولت فيفيان تجاهل الأمر، لكن صديقاتها لاحظن شرودها الدائم في الجامعة. قالت سارة بتساؤل:
-فيفيان.. فيفيان، هل أنتِ معنا؟
أجابت مرتبكة:
-نعم سارة، أنا أسمعكِ.
قالت ليزا باستياء:
-أنتِ لستِ معنا أبداً! هل لا تزالين تفكرين في شيرلي؟
ردت فيفيان كذباً:
-نعم، هذا صحيح.
قالت سارة بجدية:
-لا يبدو أنكِ نمتِ ليلة أمس. أختكِ شيرلي لم تفكر بكِ لحظة واحدة، فانسي أمرها!
وافقتها ليزا:
-سارة محقة، هي الآن مستمتعة بحياتها وأنتِ تعيسة لأجلها، يا لها من أخت أنانية.
عادت فيفيان للمنزل وهي تشعر بنعاس شديد، اتصلت بجون لتخبره أنها لا تزال مريضة، ثم ارتمت في سريرها في نوم عميق، لكنها استيقظت على كابوس مرعب والعرَق يتصبب منها. الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً. نظرت إلى البطاقة الملقاة على المنضدة، والتردد ينهش قلبها.
-ماذا أفعل؟ هل أتصل؟ لا، لن أفعل.
أمسكت السماعة ثم تركتها. وقبل أن تشير الساعة إلى التاسعة بخمس دقائق، سمعت صوتاً في أعماقها يصرخ: - فيفيان، اتصلي به، وإلا ستندمين! ضحي بحبكِ لأجل أختكِ، لا تكوني أنانية.
صاحت منفعلة:
-لا! أنا لست أنانية!
اتصلت بالرقم، وبعد تردد رد صوت أجش وقوي:
-نعم، من معي؟
قالت بصوت مخنوق:
-أنا.. أنا فيفيان.
رد ببرود:
-أخيراً اتصلتِ. هل تريدين إخباري بشيء؟
تلعثمت قائلة:
-آه.. نعم.. أنا.. أنا موافقة.
تنفس بوضوح وقال:
-هذا جيد. سآتي في الحال لنتفق على التفاصيل.
قالت بدهشة:
-بهذه السرعة؟
قال بلهجة جادة:
-نعم، بقيت خمسة أيام فقط حتى موعد زفافنا المترقب، ليس لدينا وقت لنضيعه.
بعد ساعة، كان ماثيو جالساً في صالتها يرتشف القهوة، قال بتهكم:
-يجب أن تعلمي شيئاً: أنا أحب قهوتي سادة ومرة.
أجابت بصوت خافت:
-لا تقلق، لن أنسى ذلك.
قال مندهشاً:
-يبدو أنكِ تحبين أختكِ كثيراً لتضحي بحياتكِ من أجلها.
تعكرت تعابير وجهها وقالت بحدة:
-وهل يزعجك هذا؟
ارتشف قهوته بهدوء:
-على العكس، يسعدني هذا. أنا أحسد شيرلي لأن لديها أختاً تهتم لأمرها.
مسح فمه بالمنديل وأضاف بجدية:
-حسناً فيفيان، أريد إخبارك بشيء. أنا وجوليان خطبنا منذ سنة، لكن حدثت مشاكل بسبب أصدقائها، كنت أريدها أن تتركهم، لكنها أبت. إنها عنيدة ومتهورة، وهذا لا يعجبني. انتظرت أن تنضج لكنها لم تفعل. لقد خلعت الخاتم، وهذا لن يؤثر علي، سأتزوج رغماً عنها.
سألت باستغراب:
-هل تحاول الانتقام منها بزواجنا؟
أوضح:
-ليس انتقاماً، لكنني رجل له مكانه مهمه في المجتمع الأسباني ، ولن أدع أي امرأة تعرضني للسخرية أو الأقاويل القذرة.
قالت فيفيان بحدة:
-ولكننا لا نحب بعضنا!
أجاب بجفاف:
-الحب ليس مهماً.
ردت هي:
-ولكني أهتم لهذا الأمر!
ابتسم بسخرية:
-ستكون بيننا مجرد صفقة. وفيما يخص حبيبك، انسيه تماماً. عندما تكونين زوجتي، فاحترامي وطاعة أوامري هي الأهم. لن أتقبل أي خطأ منكِ؛ أريدكِ زوجة مثالية أمام الجميع، فأنتِ لستِ زوجة رجل عادي.
اغتاظت من عجرفته وثقته المفرطة، وقالت:
-هل أفهم من كلامك أنني سأكون مجرد جارية؟
نهض من مقعده قائلاً ببرود:
-إخضاع المرأة لزوجها لا يعتبر إهانة لها، على العكس، ستكون لها مكانة مرموقة ومحترمة من قبل الجميع.
.....
Shymaa Sami