ضحية خداع

ضحية خداع

9 0

​ابتعد عنها ماثيو بخطوات للوراء، وانحنى ببطء ليلتقط إحدى قطع المجله الممزقة وكأنه يبحث عن إجابة تنقذ الموقف. ما إن وقع بصره على الحروف حتى اتسعت عيناه بصدمة حقيقية ورغم تهتك الورق، إلا أنه استطاع تمييز صورته برفقة جوليان، وتلك الكلمات المسمومة التي تملأ السطور. قبض على الورقة بقوة حتى كادت تتمزق بين أصابعه، ثم هتف بحنق واشتعال:

-​اللعنة!

​التفت نحوها بغضب محتدم، وتابع بحدة:

-​وهل صدقتِ حقاً هذا الهراء المكتوب؟!

​أخذت تتنفس باضطراب حاد، وعيناها تقدحان غضباً وقهراً:

-​لا تحاول الإنكار والتلاعب بي الآن! عليك أن تواجهني وتعترف بالحقيقة المرة!

​أخذ نفساً عميقاً متلاحقاً، وحاول جاهداً تمالك أعصابه المتداعية:

-​عن أيّة حقيقة تتحدثين بحق الجحيم؟ كل ما كتب في تلك الصحف الصفراء مجرد أكاذيب وإشاعات مفبركة.

​أطلقت ضحكة ساخرة ومجروحة:

-​أحقاً؟! ولماذا يختارونك أنت بالذات ليطلقوا هذه الإشاعات ؟ ما هي غايتهم من اختلاق قصة كهذه إن لم يكن خلفها أصل؟

​قال بعصبية جارفة وهو يلوح بيديه:

-​لا أعلم! كيف لي أن أجد عقلاً يفسر هراء الصحافة؟!

​صمت برهة يبتلع غضبه، ثم أردف بحدة ونبرة آمرة:

-​ولكن، كان المفترض بكِ أن تثقي بي! ليس كل ما تقرأينه ويُقال عني تسارعين لتصديقه فوراً وكأنه حقيقة مطلقة.

​انفجرت باكية بانهيار كامل، وقد مزق اليأس نياط قلبها:

-​لم أعد أثق بك وبكلماتك المعسولة! لقد انتهى ما بيننا حقاً.. أنت لا زلت تحب جوليان، وأنا لست سوى عقبة مزعجة في طريقك! ربما تشعر بالحرج من التخلص مني، لذا... لقد سهلت لك الطريق وها أنا راحلة!

​ضحك بسخرية مرة مؤلمة:

-​أحقاً يا فيفيان؟ بهذه البساطة تصدقين إشاعة تافهة وتنهين كل شيء بيننا؟

​لم ترد بل استدارت بلهفة متحجرة نحو خزانة ملابسها، جذبت حقيبة سفرها وفتحتها بقسوة وهي تتقاذف أغراضها بعشوائية:

-​سأكتفي بأخذ حاجياتي الخاصة فقط، وأغادر هذا البيت اللعين للأبد!

​وسرعان ما شعرَت بيدٍ فولاذية تطبق على بذراعها، فالتفتت مرغمة لتجد نفسها مدارة نحوه بقوة أذهلتها. كانت ملامح وجهه متصلبة كالصخر، وعيناه تغليان بغضب جنوني يخفي خلفه خوفاً طاحناً:

-​لن تذهبي إلى أي مكان! ودعي عقلك الصغير هذا يتوقف عن التفكير بغباء ولو قليلاً!

​حدقت به كالبلهاء وقد صدمتها جراءته:

-​عقلي! هل تصفني بالغباء الآن؟!

-​نعم.. عقلكِ الذي انساق خلف الأكاذيب كالعمياء!

​خطف الحقيبة من بين يديها، وأعادها إلى جوف الخزانة بقوة، ثم أغلق بابها بعصبية مدوية. اعترضت ساخطة وهي تحاول استعادة الحقيبة:

-​ماذا تفعل ؟! لن أحتمل بقائي معك ثانية واحدة بعد الآن!

​تنهد بعمق، وبدلت نبرته إلى هدوء غريب ومخيف يحمل تصميماً قاطعاً:

-​حسناً.. سأدعك تذهبين، ولن أقف في طريقك، ولكن.. ليس قبل أن تأتي معي إلى المكان الذي سيفضح كل هذه الأكاذيب بنفسك!

​تساءلت بصوت خافت يعتريه الفضول والتردد:

-​إلى أين؟

​لم يجبها بل أحكم قبضته الدافئة على ذراعها، فتبعته بصمت مطبق وهي تحاول التقاط أنفاسها المتمردة. نزل بها إلى الطابق السفلي، وهناك تناول الهاتف وقام بإجراء اتصال سريع بصاحب المجلة المسؤولة عن نشر الفضيحة. وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى جاءه الصوت من الطرف الآخر متسائلاً :

-​نعم.. أهلاً بك، بماذا أستطيع خدمتك؟

​رد ماثيو بصوت ينبض بالغضب والعنف:

-​أنا ماثيو.. الرجل الذي نشرت عنه خبراً كاذباً ومخزياً.

​ارتبك صوت الرجل على الفور وحشر الكلام في حلقه:

-​أوه.. سيّد ماثيو! أهلاً بك.. هل هناك أي خدمة يمكنني تقديمها؟

​كانت فيفيان تقف قريبة جداً منه، بحيث سمح لها هدوء المكان وسماعة الهاتف الواضحة بأن تستمع لكل كلمة تُقال بوضوح تام يقطع الشك باليقين.

​سأله ماثيو بحدة تكاد تحرق الحروف:

-هل أنت متأكد من صحة ما نشرته؟ ومن أين لك بهذا الهراء؟

-​نعم.. نحن...

​قاطعه ماثيو هاتفاً بعنف:

-​اللعنة عليك وعلى مجلتك! كيف تجرؤ على النشر دون التأكد؟ وهل صرحتُ أنا لك بهذا شخصياً؟!

​أجاب الرجل بصوت متلعثم يقطر خوفاً:

-​لا.. أبداً يا سيّدي.

​لم يستطع ماثيو تمالك أعصابها أكثر، فانفجر  محذراً:

-​سأجعلكم تدفعون ثمن هذه الإشاعة غالياً جداً! وأعدك بأنني سأغلق هذه المجله بأكملها وأمحوكم من السوق!

​أخذ الرجل يتوسل إليه بانهيار:

-​ارجوك يا سيّدي.. ارحمنا! أقسم لم يكن ذنبنا وحدنا، الآنسة جوليان هي التي بعثت بهذا الخبر بنفسها، وأصرت على نشره فوراً!

​أغلق الخط بوجهه بعصبية أطاحت بالهاتف على الطاولة، لتسود المكان حالة من الصمت المهيب. كانت فيفيان مذهولة تماماً، متسمرة في مكانها مما سمعته أذناها فقد شعرت بوخز الذنب ينهش قلبها لأنها لم تفكر عقلياً، ولأنها أغفلت حقيقة أن جوليان قادرة على فعل أي شيء لتخريب حياتهما الزوجية.

​استدار نحوها ونظراته تخترق روحها، متسائلاً بصوت هادئ ومحمل بالعتاب:

-​والآن... هل ما زلتِ ترغبين في الذهاب؟

​تملكتها موجة عارمة من الخجل والحرج لعدم ثقتها به، فأنزلت أهدابها نحو الأرض وقالت بصوت متهدج  بالكاد يُسمع:

-​أنا... أنا آسفة جداً.

​ابتسم رغم براكين الغضب التي كانت تعتمل في صدره، ومدّ يديه ليجذبها إليه بحنان طاغٍ، محتضناً إياها بقوة إلى صدره الدافئ:

-​لا باس يا حبيبتي... مجرد أزمة عابرة وولت لحسن الحظ.

​سألت بصوت خافت وهي تسند رأسها المنهك على صدره العريض:

-​لكن... لا بد أن جوليان ما زالت تحاول التدخل ولن تتوقف عن مطاردتك.

​أجابها بنبرة حازمة وقاطعة:

-​لا تقلقي.. سأهاتِف أباها بنفسي ليوقفها عند حدها لقد ضقت ذرعاً بهذه التصرفات الطفولية والحقيرة.

​سألته بتردد وهي تلعب بأزرار قميصه:

-​هل... هل ما زلت غاضباً مني؟

​رد بهدوء يخفي خلفه ابتسامة دافئة:

-​نعم.. غاضب قليلاً، ألم أُخبركِ يوماً أننا سنكبر ونهرُم معاً.

​ابتعدت خطوة إلى الوراء، ورفعت عينيها لتنظر إلى ملامح وجهه بامتنان:

-​لا أعرف حقاً ما الذي حدث لي وقتها.. أعترف أنني جُننت تماماً، وفقدت صوابي بتهوري.

​أحاط خصرها مجدداً بذراعيه، وقال بصوت خافت يملؤه التحدي والثقة:

-​إذن.. أنتِ تعترفين أخيراً أنكِ احترقتِ بنار الغيرة عليّ؟

​ارتبكت بشدة، وتوردت وجنتاها بحمرة الخجل، فأدارت ظهرها عنه هاربة من نظراته الماكرة وقالت بتلعثم:

-​أنا.. لست أغار! أعني... ما حدث كان مجرد ردة فعل طبيعية باعتبارنا زوجين، لا أكثر!

أحاط خصرها من الخلف بحنان، وأسند بذقنه المبتسمة على كتفها بينما لاحت على شفتيه ابتسامة ماكرة ودافئة:

-​ولكني رأيت الغيرة تشتعل بوضوح في عينيكِ الجميلتين.

​استسلمت  بحدة لطيفة، والتفتت إليه بكبرياء أثمل قلبه:

-​نعم.. أغار! أغار بجنون لأنني أحبك حقاً.

​أشرقت ملامحه بسعادة غامرة كادت تضيء المكان، وعيناه تلمعان ببريق العشق:

-​كنت أعلم يقيناً أنكِ تحبينني، لكني أردت سماعها، واشْتَهَيْتُ الاعتراف من فمكِ أنتِ.

​شدد من عناقه واحتضنها برقة بالغة، ثم أردف بنبرة ناعمة كالحرير:

-وأنا أيضاً أحبكِ.. أكثر مما تتخيلين. والآن.. دعينا نتناول طعام الغداء معاً، فأنا أكاد أتضور جوعاً!

​انتزعت نفسها من بين يديه بابتسامة خجولة:

-​إذن.. سأذهب لأخبر نانا أن تجهز لنا الطاولة في الخارج.

​وما إن غادر ماثيو متجهاً نحو شركته بعد الغداء، حتى قضت فيفيان وقتها في تزيين أركان المنزل راحت تملأ المزهريات بأزهار طازجة وتنسقها بطريقة فنية تعبق بالحياة، قبل أن يخطر ببالها فكرة ممتعة أن تعيد ترتيب أثاث المنزل وتضفي عليه لمسات جديدة تجعله أكثر بهجة ودفئاً لتفاجئ به ماثيو عند عودته، وهي متأكدة تماماً أنه لن يعترض، بل سيعجبه ذوقها.

​وفجأة، قاطعت أفكارها المنسوجة صوت نانا وهي تقترب بحذر:

-​فيفيان يا بنيتي..

​استدارت نحوها باهتمام:

-​نعم يا نانا، هل هناك شيء؟

​هناك مكالمة هاتفية تنتظركِ على الخط الأرضي.

​عقدت حاجبيها بتساءل:

-​من المتصل يا نانا؟

​لقد رفض الإفصاح عن اسمه.. لكنه بدا ملحاً.

​ابتسمت وهي تمسح يديها بمنديل ورقي:

-​حسناً يا نانا.. سأذهب لرد عليه في الحال.

​سارت بخطوات واثقة نحو الهاتف، رفعت السماعة وقالت بصوت هادئ:

-​نعم.. من معي؟

​وما إن استقرت الكلمات في أذنها حتى تحول مزاجها الهادئ إلى عاصفة من الغضب المباغت؛ لقد عرفت الصوت فوراً:

-​مرحباً يا حلوتي.. هل اشتقتِ إليّ قليلاً؟

​اشتعلت النيران في صدرها، فردت بصوت يقطر عصبية واشمئزازاً:

-​اللعنة عليك.. ماذا تريد مني ؟!

​أجابها بصوته المستفز البارد:

-​حسناً.. كفّي عن الغضب السريع. أنا لا أطلب المستحيل، كل ما في الأمر أن اختكِ شيرلي تريد رؤيتكِ بشدة.

​تفاجأت وتساءلت بلهفة:

-​شيرلي.. هل هي بخير؟

​أجابها بمرح مستفز:

-​إنها بخير، لا تقلقي، ولكنها تريد رؤيتكِ.

​ابتسمت بارتياح:

-​حسناً، سوف آتي في الحال.. ولكن أين هي؟

-​في منزلي.. لا تتأخري وإلا لن تريه مرة أخرى.

​قالت بفزع:

-​لن أتأخر أبداً.

​فور إغلاقها السماعة، أسرعت لغرفتها وهمت بتغيير ملابسها وهي تشعر بالارتياح والتوتر بنفس الوقت لأنها أخيراً سترى أختها شيرلي وتمنت أن تكون بخير.

​استأجرت تاكسي، وطوال الطريق كانت تفكر بشيرلي وكيف سيكون رد فعل ماثيو عند رؤيتها، وتمنت من قلبها أن يسامحها ويسمح لها بالعيش معهما.

​وأخيراً، توقفت السيارة قرب منزل ليون، وأسرعت بخطواتها نحو الباب، ولكنها سرعان ما تعثرت فحشر كعبها باحدى شقوق الرصيف. حاولت بعصبية انتزاعه حتى نجحت، ولكن للأسف انخلع الكعب، فصاحت متذمرة:

-​اللعنة، هذا ليس وقته!

​كانت تجد صعوبة في السير بدون كعب، فاضطرت لخلعه وحمله بيدها، وأخذت ترن جرس الباب بتوتر. وفجأة، فتح ليون الباب وابتسامة ماكرة لاحت على شفتيه:

-​أهلاً بكِ حلوتي في منزلي المتواضع.

​أسرعت بالقول:

-​أين شيرلي؟

-​ادخلي رجاءً.

​فسح لها المجال لتدخل، وسرعان ما تعكر مزاجها وهي تشم رائحة الكحول والسجائر الكريهة تملأ المنزل المتسخ كان منظراً مقززاً يستحيل وصفه.

​قالت مجدداً:

-​أين هي شيرلي؟

​أخذت تبحث ببصرها في كل مكان ولكن لم تجد لها أثراً، فانتابها القلق والخوف، فقال بجفاف وهو يشير للغرفة:

-​افتحي الباب وستجديها هناك.

​سرعان ما انزاح قلقها وارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة وهي تتجه نحو باب الغرفة وتفتحه بمرح قائلة:

-​شيرلي لقد...

​وفجأة ماتت الكلمات على شفتيها ولم تقوَ على إكمال جملتها، تجمدت ملامح وجهها وهي تدخل الغرفة ولم ترَ أثراً لشيرلي.

​قالت بتوتر وهي تلتفت لليون الذي يسد بجسده باب الغرفة:

-​أين هي؟ لا أراها!

​ضحك بسخرية:

-​إنها نائمة على السرير.. ألا ترينها؟

​ردت بعصبية:

-​أيها النذل الحقير! ماذا تحاول أن تفعل؟ أين أخفيت أختي؟

​أخذ يخطو باتجاهها ببطء، وهي الأخرى تتراجع مرعبة من نظراته الوقحة المليئة بالسم، فقال بحدة:

-​هذا سيكون عقاب فضحكِ إياي!

​بلعت ريقها بصعوبة وهي تتراجع وتصطدم بالسرير:

-​ماذا ستفعل؟!

​ابتسم بخبث وهو يقترب منها أكثر:

-​سترين الآن ماذا سأفعل!

​شحب وجهها وأخذ قلبها ينبض بخوف شديد:

-​لا تحاول الاقتراب مني!

-​أيتها العاهرة، سأجعلكِ تندمين لقيامكِ بإفشال خططي!

-​ولكني لم أفعل شيئاً.. صدقني.

​قال ساخطاً:

-​كيف عرف زوجكِ إذن من أكون؟ لا يوجد غيركِ من أخبره!

​أخذت تتراجع بمحاذاة السرير:

-​لست من أخبره.... ربما هو من بحث عنك بنفسه ماثيو ذكي وليس غبي كم تتوقع لتحتال عليه.

أجفلها صوته المرتفع.:

-​لا أصدقكِ!

وفجأة، انقضّ عليها بوحشية دافعاً إياها إلى السرير بقوة مروعة. أخذت تدفعه بشراسة مستميتة، تضرب بصدره بيديها المرتجفتين، لكن ضخامة جسده وقوته طمسا كل محاولاتها، فانهكها الصراع حتى خارت قواها، وغزا صدرها غثيان خانق من رائحته الكريهة المقززة.

​صاحت بصوت مخنوق ومرجف:

-​ابتعد عني.. أيها الجرذ الحقير!

​ولكن الصدمة الكبرى، والطعنة التي جمدت الدم في عروقها، كانت حين تردد في المكان صوت مألوف وثقيل كالصاعقة:

-​فيفيان.. هل هذه أنتِ حقاً؟!

​اتسعت عيناها بالرعب واهتزت حدقتاها وهي تلتفت ببطء نحو الباب، غير مصدقة لما ترسمه عيناها؛ ماثيو.. يقف عند عتبة الباب، عضلات وجهه متصلبة كالصخر، والشرر يتطاير من عينيه اللتين تحولتا إلى جمرة ملتهبة. كان يبدو مرعباً، غاضباً، بل مشتعلاً كالبركان الهائج الذي أوشك على الانفجار.

​همست بصوت واهٍ وضعيف يقطر ذعراً:

-​ماثيو...

​رد باستهزاء طاغٍ ونبرة تقطر قسوة وبغضاً:

-​نعم.. ماثيو يا أيتها القذرة!

​ابتعد ليون عنها مترنحاً، وما كان من ماثيو إلا أن تقدم نحوه بخطوات كالثور الهائج، ولم يمنحه فرصة للتنفس؛ بل انهال عليه بلكمات متلاحقة وقاتلة استهدفت وجهه بعنف جنوني:

-​سأجعلكم تندمون على هذه اللحظة طوال حياتكم.. أيها القذر!

​لم يقوَ ليون على الدفاع عن نفسه حرفياً، بل تركه ماثيو طريحاً على الأرض، جثة هامدة غارقة في الدماء التي لطخت المكان.

​التفت ماثيو نحوها، وكان يتنفس بصعوبة بالغة من شدة الغيظ، ليقول بصوت يقطر ازدراءً قاتلاً:

-​لم أتوقع هذا السقوط منكِ يافيفيان قط...

​نهضت من فوق السرير بصعوبة بالغة وأطرافها ترتجف:

-​ماثيو.. أقسم لك، أنت لا تفهم...

​قاطعها بصوت هادر يعج بالعصبية والجنون:

-​لا أريد سماع حرف واحد من صوتكِ.. اخرسي تماماً!

​أذرفت الدموع بغزارة وهي تسقط على ركبتيها ترتجف هلعاً:

-​ماثيو.. أرجوك، أنا لم أفعل...

​لم يصبر، بل هجم عليها وأمسك بكتفيها بقسوة بالغة، غارزاً أصابعه في لحمها حتى كادت يخترقها، وأسنانه تصطك غضباً:

-​إياكِ.. إياكِ أن تذكري اسمي على لسانكِ القذر هذا مرة أخرى!

​شدها من رقبتها بقسوة ودفعها نحو الجدار بعنف مروع، وهمّ بخنقها بينما عيناه تدمعان من شدة القهر والغضب الأعمى.

​أخذت تتوسله بعينيها الدامعتين المذعورتين أن يطلق سراحها قبل أن تلفظ أنفاسها:

-​ماثيو... أرجوك...

​أفلحت في التنفس بصعوبة بالغة حين أفلتها فجأة، لتستند إلى الجدار تسعل باختناق ودموعها تنساب بغزارة، فتابع بوقاحة أحرقت قلبها:

-​هل تحاولين عبثاً جعلي أصدقكِ بدموع التماسيح الرخيصة تلك؟!

​أطلق ضحكة ساخرة وموجعة، وتابع بصوت منكسر:

-​لابد أن هذا كابوس مرعب... لا، بل هذه هي حقيقتكِ العارية التي خفيتها عني طوال الوقت...

​حاولت مقاطعته بشفاه مرتجفة وممزقة:

-​ماثيو، اسمعني أرجوك...

​وضع يده على فمها بقسوه ليخرسها تماماً:

-​لا تحاولي تدنيس أو تشويه اسمي بلسانكِ أكثر من ذلك.. أهنيكِ ببراعتكِ، لقد كنتِ ممثلة بارعة ومخادعة من الدرجة الأولى!

​أدار وجهه عنها وأخذ يضرب بقبضة يده الجدار بعصبية هستيرية وعيناه محتقنتان بالدم حتى احمرّتا تماماً، وهو يردد بجنون:

-​اللعنة... اللعنة ألف مرة على اليوم الذي عرفتكِ فيه! كم كنتُ مغفلاً وغبياً... أنتِ حقاً تشبهين اختكِ تماماً، محتالة ومخادعة بلا ضمير!

​استدار وأسرع بخطوات واسعة نحو الخارج. وحين شعر بها تتبعه وتجري خلفه محاولة استيقافه، التفت إليها بملامح مشتعلة وانفعال مدمر:

-​إياكِ أن تحاولي اللحاق بي أو الاقتراب مني.. لا أطيق حتى رؤية وجهكِ بعد الآن، انتهى كل شيء!

........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفقة زواج

المؤلف Shymaa Sami
2026/07/14 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة