بعد أن انتهت من عرض عدة فساتين ، استوقفت جون لتخبره بهدوء قبل أن تغادر:
- غداً، لدي جلسة في المحكمة ويجب أن أكون حاضرة.. قد أتأخر قليلاً، فلا تقلق.
أومأ لها جون بابتسامة هادئة وموافقة فورية، دون أن يدرك ما تخفيه نبرتها من عواصف.
حلّ الليل مثقلاً بالهموم والأفكار الحزينة ساعات طويلة من التقلب المستمر في السرير، وحدها الوسادة المبللة بالدموع كانت الشاهد الوحيد على حجم ألمها. وحين أصبحت العودة إلى النوم مستحيلة، نهضت بخطوات متثاقلة متوجهة إلى الصالة، عسى أن تجد في شاشة التلفاز ما يشتت أفكارها وينسيها كابوس الواقع.
أخذت تقلب القنوات ببلادة دون أن يلفت انتباهها شيء، إلى أن ظهرت فجأة تلك الصدمة على الشاشة ماثيو وجوليان معاً، يعلنان على الملء عن زواجهما الوشيك فور إتمام طلاقهما. كانت يداهما متشبثتين ببعضهما بعمق، لتتوسع عيناها غير مصدقة ما ترسمه الحقيقة أمامها. لم يتحمل قلبها هذه الصدمة وذلك الخنجر المفاجئ، فأخذت تجهش بالبكاء الحارق، وهمست بشفاه مرتجفة وعينين مليئة بالدموع:
- ماثيو.. أيها الخائن! إنني أكرهك.. أكرهك حقاً أيها الخنزير!
وما إن استقرّ صداها في الغرفة حتى شعرت بدوار شديد يغشى بصرها، يعقبه ألم فظيع وممزق يعتصر بطنها بلا رحمة، فأطلقت صرخة ألم مكتومة. في تلك اللحظة المظلمة، لم يخطر ببالها سوى اسم واحد.. ستيف. بصعوبة بالغة ومدت يد ترتجف لتلتقط الهاتف، وطلبت رقمه بصوت متقطع:
- ستيف.. أرجوك..
أجابها فوراً بصوت يعج بالقلق والتوتر:
- فيفيان! ما بكِ.. ماذا هناك؟
فأجابت بصوت مختنق يملؤه الوهن:
- لا.. لا أعلم.. ولكني أشعر بألم يكاد يقتلني..
قاطعها بتوتر وهو يتحرك بسرعة:
- إياكِ أن تتحركي.. سأتي في الحال!
اخذ الألم يزداد ضراوة رويداً رويداً، كانت تارة تطلق صرخة ألم وتارة تئن بخفوت، تحيط بطنها بيديها المرتجفتين كمن يحاول حماية روحها من التمزق. ولم يتأخر ستيف في المجيء، فبذلت آخر قطرة من طاقتها لتزحف نحو الباب وتفتحه له قبل أن تفقد وعيها تماماً.
ازداد وجهه شحوباً واصفراراً وهو يراها تتهاوى أمامه عاجزة حتى عن الوقوف. لم يتردد ستيف إذ سارع بحملها بين ذراعيه متخذاً خطوات خاطفة ومذعورة نحو سيارته. أجلسها برفق في مقعد الركاب المجاور، فجذبت ساقيها نحو بطنها بوهن، ضامة إياهما بقوة كمن يحاول حماية أحشائه من التمزق أو تخفيف حدة ذلك الجحيم المشتعل داخلها.
جلس ستيف خلف المقود، وانطلق كالمجنون، ناظراً تارة نحو الطريق المظلم وتارة أخرى إليها بقلب يكاد يتوقف من شدة القلق:
- فيفيان.. أرجوكِ أخبريني، بماذا تشعرين بالضبط؟
أجابت بصوت متقطع يخترقه الألم:
-لا.. لا أعلم.. لكن الألم يتفاقم.. يزداد فظاعة بكل ثانية!
حاول تهدئتها بينما كان يضغط على دواسة الوقود أقصى ما تستطيع السيارة احتماله:
- سأخذكِ إلى المستشفى فوراً، وستكونين بخير.. لكن حاولي تذكري، هل تناولْتِ شيئاً اليوم؟
أردفت بصوت يغشاه الضعف:
- لم أتناول شيئاً سوى.. سوى قليل من عصير البرتقال.. متى سنصل يا الله؟
رد بصوت مهتز يملؤه التوتر:
—-دقائق معدودة.. تفصلنا دقائق ونصل، حاولي أن تتماسكي من أجلي!
كان يطير بالسيارة عبر الشوارع، ورغم أن فيفيان كانت في الأيام العادية ترتعب من السرعة الجنونية، إلا أنها الآن لم تعد تبالي بأي شيء سوى بذلك الألم الوحشي الذي كان يمزق أحشاءها كالسكين الحادة بلا رفة جفن.
وأخيراً.. شعرت بالسيارة تتوقف فجأة، وسمعته يهتف باسترخاء مشوب بالهلع وهو يهم بالنزول:
- فيفيان.. لقد وصلنا!
أسرع نحو بابها ففتحها، وحملها بحذر شديد بين ذراعيه، ثم أغلق باب السيارة بقدمه اليمنى بقوة. اقتحم أبواب المستشفى بخطوات متهالكة، يملؤه ذعرٌ عارم لم يختبره من قبل، ليصرخ بصوت حاد ومبحوح يخترق المكان:
- ارجوكُم.. أين أنتم؟! ساعدوها حالاً!
التفت الطاقم الطبي حوله بفزع، ولم تضيع ثانية واحدة قبل أن تجلب الممرضات سريراً متحركاً. دفعوه بسرعة وهن يركضن بها نحو إحدى غرف الطوارئ، بينما سألته إحداهن باهتمام وسط الحركة السريعة:
- ماذا حدث معها بالضبط؟ ما أعراضها؟
أجاب بتوتر تخطى حدود التحمل:
- لا أعلم! فجأة سقطت وهي تتلوى من ألم فظيع في بطنها!
دفعوها داخل الغرفة، والتفتت إحداهن إليه لتهدئة روعه:
- لا تقلق، سنعتني بها.. كُن هادئاً واسبقنا للخارج.
كانت تلك الكلمات الأخيرة التي اخترقت وعيها المشتت، قبل أن تشعر بوخزة إبرة باردة تغرز في ذراعها، ليهوي بعدها العالم في سكون عميق ومظلم.
بعد ساعات طويلة ثقيلة كأنها الدهر، فتحت عيناها بصعوبة بالغة أخذت ترمش مراراً محاولة استكشاف المكان الأبيض من حولها بجهد، ثم همست بصوت واهن وخافت:
- ماذا.. ماذا جرى لي؟ أين أنا؟
كان ستيف يجلس بجانب السرير مباشرة، عيناه محمرتان من التوتر والسهر، بينما وقف طبيبٌ وقور إلى جواره يخلع عنها بهدوء شريط المغذي. كان رجلاً طويلاً ونحيلاً بعض الشيء، يتخلل شعره الرمادي خصلات سوداء قليلة، وقد انعكس على محياه وجهٌ هادئ ومطمئن، شعرت نحوه بشيء من الارتياح رغم غشاوة الخوف التي تملكتها.
نظر إليها الطبيب بنظرة حانية وقال بصوت منخفض:
-سيدة فيفيان.. آسف حقاً لأنني سألقي عليكِ هذا الخبر الصادم، ولكن.. طفلك معرض للإجهاض.
اتسعت عيناها بذهول قاتل، وارتجف صوتها بلا تصديق:
- طفلي..؟! هل.. هل أنا حامل يا دكتور؟
أجابها بهدوء ونبرة متعاطفة:
- نعم يا بنيتي.. أنتِ الآن في الشهر الثاني من حملك، ولكن الجهد العصبي والألم الشديد عرضا الجنين لخطر حقيقي..
سكت برهة قصيرة، ثم أضاف باستغراب وحيرة واضحة:
- ولكن.. أمرٌ غريب حقاً، ألم تكوني تعلمين بأمر هذا الحمل من قبل؟!
هزّت رأسها نفياً، فانزلوقت دمعة حارقة من عينها الباهتة وهي تستقر على نظرات الطبيب، فتابع هو بنبرة حنونة وهو يلتفت إلى ستيف الواقف بجانبها:
- أرجو أن تعتني بزوجتك جيداً يا بني؛ فهي تحتاج في هذه المرحلة الحساسة إلى أقصى درجات الراحة والهدوء، والابتعاد عن أي انفعال أو صدمة عصبية.
أصيب ستيف بدهشة صاعقة لوصف الطبيب إياها بزوجته، وتسارعت دقات قلبه، لكنه لم يجرؤ على تصحيح المعلومة في تلك اللحظة الحرجة أمام الطبيب، بل اكتفى بأن أومأ برأسه وقال بصوت خافت:
-حسناً دكتور سايمون.. سنحرص على ذلك.
سألته فيفيان بصوت بارد وشبه ميت:
- هل بإمكاني المغادرة الآن؟
- بالتأكيد، يمكنك الخروج، لكن.. اعتني بنفسك جيداً، لا تقومي بأي مجهود، ولا تحركي كثيراً، وحاولي قدر الإمكان ألا تحزني أو تغضبي، فالحالة النفسية هي خط الدفاع الأول عن طفلك.
ابتسمت بحزن يكسر الأنفاس:
- شكراً لك يا دكتور.
- لقد وصفت لك بعض المهدئات ومثبتات الحمل.. احرصي على تناولها في مواقيتها من أجل سلامتك وسلامة الجنين.
طوال طريق العودة، كانت فيفيان غارقة في بحر متلاطم من الأفكار والمشاعر المظلمة... كانت تفكر بذلك المخلوق الصغير الذي ينمو بصمت داخل أحشائها.. يا الله، ماذا سيكون مصيره؟ هل تخبر ماثيو به؟ هل سيعود إليها من أجله؟ لكنها سريعاً ما نفضت الفكرة بعنف عن رأسها فهي أبعد ما تكون عن اتخاذ هذا الطفل الذريعة لعودة رجل خذلها وداس على كرامتها.
لكن السؤال الأعمق ظل يمزقها: هل هي سعيدة بهذا الحمل، أم أنه مجرد عبء جديد ألقي فوق جبال همومها؟ مشاعر متضاربة ومرعبة تختلج في صدرها، تعجز عن تفسيرها، فلا تكاد تشعر بشيء سوى مرارة الخذلان ووخزات الألم الذي لا ينتهي.
أن تأتي الخيبة من شخص لم تكن تتوقع منه سوى الأمان.. فهذا والله أمرٌ أفظع من الموت بعينه! هل بهذه البساطة المطلقة يتخلى عنها؟ دون أن يكلف نفسه عناء فهم الحقيقة، أو حتى السماح لها بالدفاع عن نفسها بكلمة واحدة؟ ما معنى كل ما جرى؟ هل كان يتربص بأول فرصة ليتخلص منها، أم أنه ينتقم منها بطريقته الباردة؟ وهي البريئة طهارة الثوب من كل التهم الملفقة والظالمة التي رماها بها!
وأخيراً، توقفت سيارة ستيف بهدوء أمام منزلها. كاد يهم بالفتح والنزول لمساعدتها، لكنها اعترضت بضعف:
- لا تنزل يا ستيف.. الوقت متأخر جداً، وعليك أن تعود لتنام وتستريح.
سكتت برهة، ثم أضافت بصوت يشوبه الندم والاستياء:
- أنا آسفة حقاً.. آسفة لأنني أزعجتك في مثل هذا الوقت المروع، لكنني أقسم أنني لم أجد سِواك ألجأ إليه.
ابتسم ستيف بدفء في عتمة الليل:
- إياكِ أن تقولي هذا مرة أخرى يا فيفيان.. أنا مستعد لقطع الدنيا من أجلك في أي وقت، فلا تعتبري نفسك تسببين لي أي إزعاج.
رفعت عينيها إليه بابتسامة باهتة يغشاها الامتنان:
—-شكراً لك.. شكراً لكل ما فعلته، لولا الله ثم أنت لست أدري أي جحيم كان سيلتهمني اليوم.
مدّ يده واحتضن كفها المرتجفة برفق:
- لن يصبك مكروه أبداً مادام في صدرِي عرق ينبض.
ثم أضاف بمشاكسة خفيفة ليخفف عنها ثقل اللحظة:
—-وبالمناسبة.. لقد شعرت بغرور شديد وفخر حين ظن الطبيب أنني زوجكِ!
تذمرت بخفة وهي تسحب يدها بابتسامة خجولة:
-بالتأكيد سَيظن ذلك.. ألم تكن الوحيد الواقف بجانبي؟
تابعت بعتاب طفيف:
- ولماذا لم تصحح له الخطأ وتخبره أنك لست زوجي؟
ابتسم بمرح هادئ:
- لأنه.. بدا لي كحلم جميل ومثالي، ولم أكن أرغب في الاستيقاظ منه مبكراً.
ثم تنفس بجدية وهو يتابع:
- والآن.. انتهى الكلام، أرجوكِ اصعدي لتنامي وتريحي هذا الجسد المنهك.
فتحت الباب ونزلت من السيارة، وقالت بصوت هادئ ومستسلم للنوم:
-شكراً لك مرة أخرى.. تصبح على خير.
- وأنتِ من أهل الخير.. اعتنِي بنفسكِ وبجنينكِ جيداً.
وكأن الدواء المهدئ الذي كتبه الطبيب قد تسلل إلى دورتها الدموية ليفرض سلطانه، غرقت في نوم عميق وثقيل فور وضع رأسها على الوسادة، هاربة من جحيم التفكير، وهو أمرٌ ربما كان طوق النجاة الوحيد لها ولطفلها في تلك اللحظة.
وفي صباح اليوم التالي، يوم الخميس، استيقظت بصعوبة بالغة وكسل ثقيل يلف أعضاءها، ولا يزال شبح النعاس يثقل أجفانها. لكنها انتزعت نفسها عنوة من السرير، وتوجهت لتأخذ حماماً دافئاً وسريعاً، علّ المياه تذيب ذلك الجليد والكسل المتراكم في روحها.
اليوم.. هي على موعد مع جحيم المحكمة. شعرت بغصة مريرة تقبض على حلقها وهي تدرك أنها لن ترى ماثيو اليوم كزوج محب، بل كخصم شرس يتربص بها. تناولت إفطارها بصعوبة بالغة، وكأن اللقمة تقف في حلقها، ثم ارتدت ملابسها الرسمية المكونة من بنطال جينز أبيض، وقميص أسود قاتم، وسترة بيضاء أنيقة تحيط بأطرافها خطوط سوداء حادة. رفعت شعرها الداكن بعنف على شكل ذيل حصان، وارتدت نظارة شمسية سوداء كبيرة تكاد تغطي نصف وجهها وملامحها الشاحبة فهي أبعد ما تكون عن المزاج الذي يسمح لها بمواجهة الصحافة.
وكما توقعت تماماً، كان محيط المحكمة يضج بالحركة ويعج بعدسات الصحفيين والمصورين الذين يتحينون الفرصة لأخذ لقطة نارية لصيد سمين. وفي تلك اللحظة بالذات، كانوا منشغلين بالتدافع واللهث خلف ماثيو الذي ترجل للتو من سيارته الفارهة ببذلته الرمادية الأنيقة، وإلى جانبه تلك المدعوة "جوليان" التي يقطر وجهها ثقة وغروراً مقيتاً.
شعرت بإهانة لا تُحتمس، وبخنجر بارد يغرز بعمق في صميم قلبها وهي تراهم يسيران معاً بهذا التناغم الاستفزازي.
تسللت دمعتان حارقتان من خلف نظارتها رغماً عن إرادتها، فانسابتا باحتراق تلسعان وجنتيها الورديتين كالجمر. مسحتهما بمنديلها بعصبية مفرطة، ثم أخذت نفساً عميقاً، ودخلت من بوابة المحكمة بخطوات ثابتة رغم انحناءة رأسها المهزومة من الداخل.
وما إن عبرت البوابات وخطت للداخل حتى شعرت بشيء من الارتياح لعدم انتباه الصحافة لها وسط زحام النجمين. خلعت نظارتها السوداء وأخفتها في حقيبتها، لكن طمأنينتها لم تدم طويلاً؛ إذ فجأة لمحت ظلاً يقترب، وإذا ب جوليان تتوجه نحوها مباشرة بابتسامة صفراء تعلوها الشماتة.
قالت جوليان بصوت لزج ونبرة مستفزة للغاية:
- فيفيان.. يا الله، كيف حالكِ؟ هل كنتِ تختبئين كالجرذان طوال الأيام الماضية؟
ردت فيفيان وهي تغلي من الداخل وتكبح بركان غضبها:
- ماذا تريدين مني أيتها الوقحة؟ اذهبي من أمامي قبل أن أفرغ غضبي بكِ.
أجابت جوليان بفظاظة وهي تلعب بخصلات شعرها:
-جئت لأرى نهايتك.. لقد خسرتِ كل شيء يا فيفيان، وأنا من ربحت المعركة.. ألم أخبركِ من قبل أنه لم يحبكِ يوماً ولن يفعل؟
تمالكت فيفيان أعصابها بصعوبة بالغة حتى كادت عظام أصابعها تتكسر، وقالت باستهزاء مرير:
- فلتشبعي به إذن.. خذيه، فمثله لم يعد يعنيني ولا يساوى شيئاً عندي!
ابتسمت جوليان بغرور أعمى:
- أحقاً تتحدثين هكذا؟ أنتِ في الأصل لا تستحقين رجلاً مثل ماثيو.. أنتِ مجرد حثالة عديمة الفائدة، لقمة سائغة انتهى صلاحيتها!
هنا.. انفجر العرق في جسدها، وشدت فيفيان قبضتها حتى غرزت أظافرها بلحم راحة يدها بقوة طغت على ألم بطنها، وصرخت بملء جوفها:
- يالكِ من أمرأة وقحة يا جوليان! ما الذي جاء بكِ لتستعرضي دناءتكِ هنا؟ هل ترين نفسكِ حقاً رابحة؟ أنتِ لستِ سوى سارقة رجال ومخربة بيوت وضيعة!
انتفضت جوليان بوجهها بعصبية محمرة:
- إياكِ وقذف الكلمات الساقطة! هو كان خطيبي من قبلِك أيتها النتنة، وأنا أسترد حقي المسلوب!
ولم تكن فيفيان لتتحمل بعد اليوم وقاحة هذه الحرباء وثقل الكلمات فأطلقت العنان ليدها التي تحركت أسرع من البرق، لتهوي بصفعة مدوية على وجه جوليان جعلت رأسها يلتف بعنف للجانب الآخر، مخلّفة أثراً أحمر صارخاً على صفحة خدها.
اتسعت عينا جوليان بذهول وصدمة لا تصدق، وكادت ترد الصاع صاعين وتهجم عليها بأظافرها، لكن فيفيان كانت أسرع، إذ أمسكت بمعصمها بقوة وقسوة وهي تقطر حدة:
- إن تجرأتِ ومددتِ يدكِ نحوي مجدداً، أقسم أنني أكسرها لكِ إلى قطعتين!
وفجأة، وكأن الصدمة استدعت الشياطين، دوى صوت خطوات حادة، وظهر ماثيو من بين الزحام مسرعاً على إثر الجلبة. لم تكد تراه حتى وضعت جوليان يديها على وجهها المصفوع، وأجهشت بتمثيل متقن للبكاء، ليهتف ماثيو بحدة وعينين تشتعلان شراراً وهو ينظر إليهما معاً:
- ما الذي يحدث هنا ؟!
ردت جوليان وهي تشهق بنحيب كاذب:
- هل شاهدت ما فعلت؟! لقد قامت بصفعي بلا مبرر.. إنها متوحشة وهمجية!
نظر إليها ماثيو بتحدٍ مقيت، وضاقت عيناه السوداوان باحتقار بالغ:
-كيف تجرؤين على فعل هذا يا فيفيان؟ ألا توجد ذرة عقل في راسك؟
استشاطت فيفيان غضباً حتى كادت تحترق من الداخل، فرمقتهما بنظرة ملؤها التقزز:
- اغربا عن وجهي.. كلاكما أسوأ من الآخر، أنتما تليقان ببعضكما تماماً!
التفت ماثيو نحو جوليان بملامح منزعجة ولهجة آمرة جافة:
- اذهبي إلى دورة المياه لتغسلي وجهك.. تبدين كالشبح تماماً بهذا المكياج الملطخ بالدموع والغباء.
زمت جوليان شفتيها بغيض وامتثال، ثم أسرعت بالابتعاد والانسحاب تحت نظراته. وبينما همّت فيفيان بالالتفاف لتكمل طريقها إلى الداخل، امتدت يد قوية فأمسكت بذراعها بقسوة وأدارتها نحوه بعنف، ليقول بصوت هامس يقطر تهديداً وبغضاً:
-عندما أتحدث إليكِ.. إياكِ ثم إياكِ أن تداري ظهركِ وتغادري!
حاولت جذب ذراعها من قبضته الحديدية بشتى الطرق، لكن دون جدوى، فانتفضت بغضب شديد ملأ وجهها حمرة:
- أنت.. أيها الخنزير اللعين.. أترك يدي حالاً! واذهب إلى فتاتك المدللة لتمسح دموعها المزيفة، ليس هناك ما نتحدث بشأنه يا هذا!
عقد حاجبيه بغضب أعمى، واقترب منها مهدداً بصوت جهوري مكتوم:
- كوني زوجة صالحة ومطيعة في هذه الأيام الأخيرة من عمر مهزلتنا.. أقسم أنني نادم أشد الندم لأنني لم أؤدبك بالطريقة المناسبة وقتها، ربما كنتِ حقاً تحتاجين لمن يربيكِ ويقطع هذا اللسان السليط الذي لا يعرف الاحترام!
... ......... .................................. .
.
Shymaa Sami