لحظة الغيرة

لحظة الغيرة

16 0

تنفست الصعداء، لكن صدرها كان يعلو ويهبط بعنف، ونظرت إليه بعينين تقدحان شرراً:

​-حسناً.. انطق! ماذا تريد؟ وأنهِ حديثك بسرعة قبل أن أفقد أعصابي تماماً.

​أمال رأسه قليلاً، ولمعت عيناه ببرود قاتل، ورد بجدية كأنما يلقي حكماً بالإعدام:

​-أريدكِ أن تقنعي 'ماثيو' بأن يضع ثروته كلها في شركتي.

​تجمدت الدماء في عروقها، واتسعت عيناها بذهول تحول سريعاً إلى سخرية لاذعة:

​-عن أي شركة تتحدث؟ هل تحاول خداعي أم أنك فقدت عقلك؟ أنت تطلب المستحيل!

​اقترب منها خطوة، وانخفض صوته ليصبح همساً كفحيح الأفعى:

​-أنا وأنتِ نعلم جيداً أنه لا وجود لتلك الشركة على أرض الواقع.. لكن 'ماثيو'، زوجك الغافل، لا يعلم ذلك.

​فقدت صوابها... وانتفضت واقفة وهي تصرخ في وجهه بلا اكتراث لمن حولهم:

​-أيها الحقير! أيها اللعين! هل تظنني سأكون أداتك القذرة لاستغلال ماثيو؟ أقسم أنك واهم، هذا لن يحدث ما حييت!

​همت بالانصراف، متمسكة بحقيبتها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، لكن ليون أمسك ذراعها بقسوة جذبتها نحوه، وقال بصوت بارد كالثلج:

​-ألا ترغبين في سماع صوت 'شيرلي'؟

​تصلبت في مكانها، واتسعت عيناها برعبٍ لم تعهده من قبل:

​-شيرلي! أين هي شيرلي؟ أين أخفيتها أيها المجرم؟

​رمى مبلغاً من المال على الطاولة بلامبالاة، ونهض بوقارٍ مريب وهو يشير لها بيده:

​-إذاً.. اتبعي خطاي.

​قادها بخطوات سريعة إلى كابينة هاتف منعزلة ، رفع السماعة واتصل، ثم قال بصوتٍ آمر:

​-مايك.. هل أنت؟.. جيد. أعطِ السماعة لـ'شيرلي'، أختها تريد التأكد من أنها لا تزال تتنفس.

​خطفَت السماعة من يده بيدين ترتجفان، وقالت بصوتٍ متهدج، يملؤه القلق والرهبة:

​-شيرلي.. أختي؟ أرجوكِ، أخبريني أنكِ بخير!

​جاءها صوت أختها عبر الخط، يقطر كسراً ومرارة، ممتزجاً بنحيبٍ لا يتوقف:

​-فيفيان.. أرجوكِ، سامحيني.. سامحيني على كل ما جررتكِ إليه.

​قالت فيفيان بتوتر وضياع:

​-لا وقت للاعتذار الآن! أرجوكِ قولي لي، هل آذاكِ أحد؟ هل أنتِ في أمان؟

​جاء صوت شيرلي محذراً وسط شهقاتها:

​-لا تدعيه يخدعكِ.. لا تكوني ضعيفة مثلي.. لا تستسلمي له!

​امعنت فيفيان النظر في وجه ليون الذي كان يراقبها بابتسامة نصر، فجذب السماعة من يدها بعنفٍ أوشك أن يسقطها، وقال بحدة:

​-والآن.. هل أصبحنا متفقين يا فيفيان؟

​لم تعد تحتمل، انهالت عليه بالضرب على صدره بكل قوتها، والدموع تنهمر كشلال على وجهها:

​-أيها اللعين! أيها الخبيث! سأقتلك.. أقسم أنني سأقتلك!

​أمسك معصميها بقوة، وأطلق ضحكة مجلجلة باردة أثارت القشعريرة في جسدها:

​-يا حلوتي، اهدئي.. الانفعالات العاطفية هي نقطة ضعفكِ القاتلة، فلا تدعيها تسيطر عليكِ.

​جذبت يديها منه بعنف، ونظرت إليه بنظرة احتقار ممزوجة بالخوف:

​-إياك أن تلمسني.. أيها القذر.

​خرجا من الكابينة، فقال ليون بجمود كأن شيئاً لم يكن:

​-قابليني في منزلكِ.. هناك سنضع النقاط على الحروف.

​مسحت دموعها بعنف وردت بصوتٍ مخنوق:

​-لا أفهمك.. أي منزل؟

​أجاب بابتسامة مكر ترتسم على شفتيه:

​-منزلكِ في أيرلندا. سأنتظرك هناك. لدي خطط جهنمية، وأريدكِ أن تنفذيها بدقة.

​-يجب أن أذهب.. تأخرت كثيراً.

​ابتسم بخبث وهو يهمس:

​-حسناً يا حلوتي، اذهبي.. ولكن تذكري، غداً عندما تعودين، أريدكِ في منزلكِ تماماً. وإذا تغيبتِ.. لن تري وجه أختكِ مجدداً أبداً.

​طوال طريق العودة، كانت تبكي بحرقة. كان السائق يراقبها من المرآة بقلق بالغ وهو يسأل بتردد:

​-هل أنتِ بخير يا آنسة؟ هل هناك خطب ما؟

​ردت بصوتٍ متهالك، وهي تجفف دموعها وتنظر لللاشيء عبر النافذة:

​-لا.. لا شيء.

قبل أن تصل إلى عتبة الدار، استخرجت مرآتها الصغيرة، وبيدٍ ترتجف، حاولت مسح آثار الحزن التي خلفتها دموعها.

تلاشت قسوة "ليون" للحظة، وحل محلها رعبٌ جديد حين لمحت "ماثيو" واقفاً في شرفة غرفتهما، ، يدخن بعصبيةٍ واضحة، وكأن نيران سيجارته هي انعكاس لغضبه المكتوم.

​تسمرت في مكانها.. لقد نسيت تماماً ما كان يفترض بها شراؤه من السوق! دقات قلبها كانت تعلو وتخفض كطبول الحرب، تحاول حبك كذبةٍ تنجو بها من نظراته الثاقبة.

​فتحت الباب ببطء، وما إن خطت أولى خطواتها حتى اخترق صوته البارد سكون المكان:

​-أين كنتِ كل هذا الوقت؟

​ألقت حقيبتها جانباً، وحاولت استجماع شتات نفسها:

​-ذهبتُ للسوق.. أردتُ شراء بعض الهدايا لصديقاتي.

​جلست على الكنبة، وأصابعها المرتجفة تحاول التخلص من حذائها، بينما كان ماثيو يقترب منها بخطواتٍ واثقة، يحدق بها وكأنه محققٌ في مسرح جريمة:

​-ولكن.. أنا لا أرى أي هدايا في يدكِ.

​نظرت إليه، وقد امتلأت عيناها بتحدٍ يغلفه القلق:

​-هل أنا قيد التحقيق الآن؟ ببساطة.. لم أجد ما يروق لي أو يستحق الشراء.

​اقترب أكثر، وابتسامة غامضة ترتسم على وجهه:

​-لم أكن لأحقق معكِ، لولا أن ذهابكِ المفاجئ أثار قلقي.

​نهضت بسخرية لا تخفي اضطرابها:

​-لا داعي للقلق.. لستُ طفلة تائهة.

​بدت حدة الغضب في ملامحه:

​-ما الذي دهاكِ؟ لماذا تتحدثين بهذه النبرة الغريبة معي؟

​تراجعت خطوة، وأجابت بحدة مصطنعة:

​-لم يحدث شيء! لكن أسلوبك في الاستجواب هو ما يستفزني.

​وفجأة، تغيرت نبرته؛ اقترب منها بسرعة خاطفة، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، هامساً بصوتٍ دافئ:

​-حسناً.. أنا آسف. لا تغضبي، فأنا لا أحتمل رؤيتكِ هكذا.

​خفضت رأسها، وانكسرت شوكتها أمام دفء قربه:

​-لستُ غاضبة.

​رفع ذقنها برفقٍ شديد، لتلتقي عيناهما، وقال بنبرة مليئة بالحنان والوجل:

​-انظري إليَّ.. هل أنتِ بخير؟ هل أنتِ مريضة؟

​تلك اللمسة كانت القشة التي قصمت ظهر تجلدها. لم تعد قادرة على الصمود، رفعت عينيها المثقلتين بالدموع، وفقدت سيطرتها تماماً. ارتمت في أحضانه، وأسندت رأسها إلى صدره العريض الذي كان ينبض بقوة، وهمست بصوتٍ مخنوق:

​-أنا آسفة.. أنا آسفة حقاً.

​شدَّ على احتضانها، وكأنه يحاول حمايتها من العالم كله:

​-ما بكِ؟ لماذا هذه الدموع؟ أخبريني، من أين أتى كل هذا الحزن؟

​في لحظة ضعفٍ عاطفي، جذبت نفسها منه، وبدأت تمسح دموعها بكبرياءٍ مجروح، قالت وهي تتجنب النظر إليه:

​-لا تهتم.. فقط.. أنا أشتاق لـ...

​تصلب في مكانه، وبرقت عيناه بحدة مرعبة:

​-تشتاقين لمن؟

​تراجعت، لكنه كان أسرع، أمسك كتفيها بقسوة جعلتها تشعر بالضياع، وقال بصوتٍ جهوري يهز أركان الغرفة:

​-هيا انطقي! لمن تشتاقين؟ هل هو حبيبكِ السابق؟ هل كنتِ تتصلين به في غيابي؟

​حاولت التملص من قبضته، لكنه كان كالصخرة في ثباته:

​-لا! أرجوك.. أنت تؤلمني!

​احتقن وجهه، وتحولت ملامحه لبركانٍ يغلي، لكنه  في لحظة إدراكٍ خاطفة  رأى الرعب الحقيقي في عينيها. تراجع للخلف فوراً، وأطلق زفيراً طويلاً، ثم مرر يديه في شعره بتوترٍ شديد، وقال بنبرةٍ مليئة بالندم:

​-أنا آسف.. اقسم أنني لم أقصد إخافتكِ.. لم أكن أعني ما قلته.

صمتَ برهةً ثم قال بهدوء

​-جهزي حقيبتكِ.. سنقلع على متن الطائرة التاسعة مساءً.

​شعرت بضيقٍ يتملك صدرها، وكأن الهواء في الغرفة قد نفد، فردت باستياءٍ ممزوج بالرجاء:

​-قبل أن نرحل.. أريد ركوب الخيل، أريد أن أرى البحر. أشعر بالاختناق داخل هذه الجدران!

​نظر إليها بابتسامةٍ باردة لا تصل لعينيه:

​-سنفعل ذلك بعد فترة الظهيرة.. كوني مستعدة.

​على مائدة الغداء، حيث كان الجميع مجتمعاً، كسر صمت الملاعق صوت الجدة الرخيم وهي تقول بنبرةٍ تحمل تحذيراً محبباً:

​-يا بني، لا تتأخر في العودة.

​ابتسم ماثيو بمرحٍ ادعى فيه الثقة، ووضع يده فوق يد فيفيان على الطاولة:

​-لن أفعل يا جدتي..فيفيان أحبت المكان ولن احرمها منه.

اتسعت ابتسامة الجدة لتغمر وجهها بتجاعيد الحكمة والرضا، وقالت بنبرةٍ ذات مغزى:

​-ولكن لا تنسيا.. أريد أن أسمع خبراً سعيداً منكما في القريب العاجل.

​عقدت فيفيان حاجبيها في حيرة، لم تستوعب القصد من تلميح العجوز، حتى جاءها صوت ماري موضحاً بابتسامةٍ واسعة:

​-جدتي تقصد أنها تتوق لسماع خبر الحمل، تريد أن تحمل حفيدها بين ذراعيها يا فيفيان!

​ سرعان ما شعرت بحرارة الخجل تداهم وجنتيها، فابتسمت رغماً عنها وهي تشعر بنظرات ماثيو الثاقبة عليها:

​-آه.. نعم، بالتأكيد.. سنخبركِ في أقرب وقت.

​أشرق وجه الجدة بسعادة غامرة:

​-نعم يا جميلتي.. أنا على يقين، سيكون حفيداً رائعاً يشبهكما.

​وفي تلك اللحظة، شدَّ ماثيو على يد فيفيان برقةٍ مفرطة، ونظر إليها بنظراتٍ تحمل وعوداً كثيرة، ثم التفت للجدة بلهفةٍ وتصميم:

​-لا تقلقي يا جدتي.. أعدكِ، ستسمعين أخباراً سارةً في القريب العاجل.

​سرت قشعريرة من الضيق في أوصالها، وشعرت بموجة من الغيض تكتم أنفاسها. الجميع يخطط، يقرر، ويحتفي بفكرة "ولادة طفل"، بينما هي لا ترغب في هذا القيد أبداً. كانت تخطط في صمت؛ بمجرد أن تطأ أقدامهما أرض إيرلندا، ستواجهه بحقيقتها: هي تريد الانفصال. فكرة إنجاب طفل من ماثيو الرجل الذي باتت تشعر تجاهه بنفورٍ دفين كانت تشعرها بالاختناق. فجأة، تسللت لذهنها صورة "ستيف"، وضحكاتهما وهما يخططان بلهفة لأسماء أطفالهما.. كانت تلك الأيام ذكرى دافئة في عالمها البارد الحالي.

​انطلقت فيفيان بحصانها تعدو بجنون، وكأنها في سباق مع رياح التغيير، تحاول الهروب من قدرها، من ماضيها، ومن هذا الحاضر الذي يضيق عليها الخناق. توقفت أخيراً عند حافة المنحدر، تحدق في البحر المتلاطم باستياء، وعيناها تعكسان اضطراب روحها.

​لم يلبث ماثيو أن لحق بها. ترجل عن حصانه بخفةٍ مستفزة، وقال بنبرة مرحة لا تناسب حدة الموقف:

-​لقد سبقتِني هذه المرة.

​التفتت إليه، ملامحها جامدة كالصخر، وقالت بصوت خافت:

-​ليتني هربت منك للأبد، لا أن أسبقك لمجرد بضعة أميال.

​تلاشت ابتسامته، وتغيرت نظراته إلى جدية حادة جعلتها تتراجع خطوة، ثم قال بتهديد مبطن:

-​لن تجرؤي على ذلك أبداً.

​ردت ببرودٍ يغلفه التحدي:

-​ربما يجيء اليوم الذي أختفي فيه، ولن تجد لي أثراً، مهما بحثت.

​اقترب منها خطوة أخرى، ثم مد يده يداعب بطنها ببطءٍ وتملك، وقال بصوتٍ منخفضٍ جعل قلبها يرتجف:

-​ربما تحملين الآن طفلي بين أحشائك.. حينها سيكون هروبك ضرباً من المستحيل. لاتفكرى حتى في هذا الاحتمال، فيفيان.

​انتزعت يدها من فوق بطنها بقسوة، وصرخت فيه بحدة:

-​لست حاملاً! وما ادراك ؟ ربما أكون عاقراً لا أستطيع أن أمنحك أحفاداً لعائلتك!

​ثم أشارت بسبابتها نحوه، وتابعت بسخرية مريرة:

-​أو ربما.. تكون أنت العقيم! لا تتفاجأ، فالمستقبل لا يمنح وعوداً لأمثالك.

​تصلبت ملامحه، وانقض عليها ممسكاً بذراعها بقوةٍ ألمتها، وجذبها إليه حتى تلاقت أنفاسهما:

-​هل تحاولين إحباطي؟ لن يفلح ذلك. أنتِ فتاة جريئة، ووقحة أيضاً.. لكن ضعي في ذهنكِ شيئاً واحداً: الأطفال ليسوا أولوية لي، إنهم مجرد تفصيل ثانوي. إن لم يرزقني الله بهم، فلن أبكي ولن أندب حظي. كوني متأكدة من شيء واحد: سنهرمُ معاً، وسأبقى بجانبكِ رغماً عنكِ.

​تراجعت خطوة للوراء، مدركةً في تلك اللحظة حجم الكارثة؛ كلامها لم يخدش درعه، ولم يترك أثراً في صلابته. إنه رجل قاسٍ، عديم المشاعر، يمتلك دهاءً يجعله خصماً يصعب هزيمته.

​قطع حبل أفكارها المظلمة حين باغتها بسؤالهه والترقب يملأ ملامحه:

​ماذا تعرفين عن "ليون؟

​تجمدت ملامح فيفيان للحظة عند سماع اسمه، وخرج صوتها أجشاً ومتقطعاً وهي تقول:

-​ليون؟ إنه مجرد صديق قديم.. رجل أعمال طموح، افتتح شركته الخاصة مؤخراً.

-​أهذا كل شيء؟ هل هو رجلٌ يستحق الثقة؟ هل يمكنني أن أضع يدي في يده دون خوف؟

​ضربات قلبها تسارعت بشكل مؤلم؛ كان هذا السؤال هو  الذي كانت تخشاه. شعرت برغبة عارمة في الصراخ والاعتراف بكل شيء لتستريح من هذا العبء، لكنها كبحت جماحها. فتحت فمها، كانت الكلمات تتعثر خلف أسنانها:

-​إنه...

​بلعت ريقها لتستعيد توازنها، وتابعت بنبرة حاولت أن تبدو عفوية:

-​أقصد.. بالطبع يمكنك الوثوق به. ولكن.. أنت رجل أعمال محنك، ولا أعتقد أنك بحاجة لدخول شراكات أو تقديم مساعدات لأحد في الوقت الحالي.

​تجاهل تبريراتها، وخطا باتجاهها ليصبح على مسافة قريبة جداً منها، وقال بنبرة واثقة وباردة كالثلج:

-​أنتِ محقة، لست بحاجة لأحد. لكن صديقك هذا يمر بظروف تجعله بحاجة لمساعدتي، ولن أكون الرجل الذي يدير ظهره لصديقِ زوجته.

​خرجت صرختها حادة، مليئة بالرفض القاطع الذي كشف أكثر مما أرادت:

-​لا تفعل! لا تدخل في هذا الأمر، أرجوك!

​ساد صمت مريب. تبدلت نظراته من الجدية إلى الريبة، اتسعت حدقتاه وهو يتفحص ردة فعلها المذعورة. سأل بصوت منخفض، مشحون بالخطر:

-​لماذا هذا الرفض الشديد؟ هل هناك شيء لا اعرفه؟

​أدركت فيفيان أنها ستكشفت أوراقها، فابتسمت ابتسامة باهتة لا تصل لعيونها، وهزت كتفيها بتكلف:

-​لا شيء. افعل ما يحلو لك، فلطالما كنت أنت صاحب القرار دائماً.

​أدارت ظهرها له، وبدأت تلاعب الرمل المبلل بكعب حذائها في حركات عصبية، ثم تنهدت قائلة بنبرة حاولت أن تكون مرحة بمرارة:

-​سأفتقد هذا المكان كثيراً..

​كانت تجلس في مقعدها داخل الطائرة، تتظاهر بالانغماس في مجلتها، محاولةً إقامة جدارٍ من الورق بينها وبين ماثيو. لم ترفع بصرها حين اخترق صوته الهدوء المحيط بهما:

-​لقد تأخر الوقت، لنذهب للنوم.

​ردت ببرودٍ متعمد، دون أن تزيح عينيها عن الصفحات:

-​لا أشعر بالنعاس. اذهب أنت، فسريرك ينتظرك.

​جاء صوته حاداً، مشحوناً بنبرة السلطة التي تكرهها:

-​فيفيان.. أنا أتحدث إليكِ، وأمركِ أن تأتي معي الآن.

​أغلقت المجلة ببطء، ونظرت إليه بتحدٍّ جعل عينيه تضيقان بوعيد:

-​لا.

​في لمح البصر، انتزع المجلة من بين أصابعها ورماها أرضاً بقسوة، ومال بجسده نحوها ليهمس بغضبٍ مكتوم:

-​هل تحاولين استعراض قوتكِ أم التقليل من شأني؟

​لم تهتز، بل نهضت لتواجهه بقامة منتصبة ونظرات وقحة لا تعترف بالخوف، وتحدته قائلة:

-​ماذا ستفعل الآن؟ هل ستصفعني؟ هيا، افعلها! ماذا تنتظر؟

​ارتفعت يده في الهواء، متوترةً كوتر قوس، وكاد يطبقها على وجهها في لحظة فقدان سيطرة، لكنه تجمد في مكانه. قبض على كفه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وأطلق زفيراً حاداً وهو يقول بصوتٍ مرعبٍ في هدوئه:

-​اللعنة يا فيفيان.. لم يجرؤ أحدٌ طوال حياتي على استباحة أعصابي كما تفعلين الآن.

​قبل أن تستوعب ما ينوي فعله، انحنى بسرعة البرق، وبذراعه القوية التي لم تترك لها مجالاً للمناورة، حملها على كتفه رغماً عنها. ساد الصمت في الطائرة إلا من صوت احتجاجاتها الصاخبة، حيث بدأت تضرب بيديها على ظهره بكل ما أوتيت من قوة وغيظ:

-​أنزلني! أنزلني فوراً أيها الوغد، أنت لا تملك الحق في فعل هذا!

​لم يلتفت لتوسلاتها أو لضرباتها، بل سار بها بخطوات ثابتة وواثقة، تاركاً إياها تدرك بمرارة أن مقاومتها له ليست إلا معركة خاسرة أخرى في حربهما الدائمة.

............... ... ..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفقة زواج

المؤلف Shymaa Sami
2026/07/14 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة