جاهدت فيفيان كي لا تستسلم لدموعها، لكن الألم الذي يعتصر قلبها كان أقوى من كبريائها؛ انهار حصنها وسالت العبرات رغماً عنها. كان ماثيو لا يزال يقف خلفها، صامتاً كعاصفة تنتظر الانفجار. امتدت يداه ليحتضن كتفيها العاريتين، وبحركة خاطفة أدارها إليه، لكن سرعان ما تجهمت ملامحه وهو يرى انكسارها. قال بنبرة قاسية مشحونة بالاستنكار:
-اللعنة يا فيفيان! ماذا تحاولين أن تفعلي؟
ابتعد عنها بخطوة، ثم عاد إليها بعصبية مفرطة، أمسك بذقنها ورفعه بقوة ليجبرها على النظر في عينيه، مردداً بحدة:
-حسناً.. لقد ربحتِ هذه الجولة، لكن هذه الليلة فقط! غداً، لا أريد رؤية هذه الدموع، ولا تلك النظرة البريئة في عينيكِ وكأنني وحشٌ كاسرٌ أمامكِ.
لم تجبه، كان جسدها يرتجف بعنف تحت لمساته. نفد صبره من صمتها الذي اعتبره تحدياً صامتاً، فاستدار وخرج مغلقاً الباب خلفه بعنفٍ جعل الجدران ترتجف. حينها فقط، انهارت فيفيان على الأرض، تجهش بالبكاء في وحدة قاتلة. لاحقاً، ارتدت قميص نومها وتمددت في سريرها، والذعر ينهش قلبها خوفاً من عودته والمطالبة بحقوقه.
لكن الليل مرّ طويلاً، ولم يأتِ. استسلمت للنوم، لتستيقظ على زقزقة العصافير وأشعة الشمس الدافئة. كان جانب السرير الخاص بماثيو مرتباً كما هو، يبدو أنه لم ينم هنا ليلة أمس مطلقاً. تساءلت في سرها: "أين قضى ليلته؟" ثم نفضت الفكرة عن رأسها.. أليس هذا ما كانت تريده؟
دلفَت إلى الحمام، كانت مستغرقة في اللعب برغوة الصابون الكثيفة حين فُتح الباب بعنف. ارتبكت، وقالت بتلعثم:
-ألا.. ألا يمكنك الانتظار حتى أنهي حمامي؟
رد بسخرية لاذعة وهو يتأملها:
-أنتِ تبدين كالقشطة المخفوقة، ولا أرى شيئاً منكِ، فلماذا كل هذا الخجل؟
أجابته بسخط:
-كان يجب أن تطرق الباب! ألا تعرف معنى الخصوصية ؟
ابتسم ابتسامة باردة وقال بحدة:
-فيفيان.. لا تجبريني على مشاركتكِ الحمام. أنتِ زوجتي الآن، وسأفعل ما يحلو لي.
-نعم زوجتك.. ولكن على الورق فقط!
اقترب منها خطوة، وبابتسامة مكرٍّ قال:
-هذه الليلة سأطالب بحقوقي.. فكوني مستعدة يا زوجتي العزيزة.
خرج تاركاً إياها في حالة غليان... فصاحت خلفه:
-لن يحدث هذا أبداً!
بعد أن أنهت حمامها وخرجت تلف جسدها بالمنشفة، وجدته واقفاً في الشرفة يدخن سيجارته. ما إن لمحته حتى اتجهت لخزانتها، فقال دون أن يلتفت:
-عندما تنتهين من ارتداء ملابسكِ، أخبريني.
ارتدت فستاناً تركوازياً ضيقاً عند الخصر ينسدل بعرضٍ حتى الركبتين، ومزيناً بحزام حريري أسود. قالت بعفوية:
-لقد انتهيت.
كانت تسرح شعرها حين شعرت بوجوده خلفها، يمعن النظر في وجهها عبر المرآة. قال بنبرة خافتة:
-هلا سمحتِ لي بتلبيسكِ هذه القلادة؟
ابتسمت بذهول:
-إنها جميلة جداً.. لكنها تبدو باهظة الثمن، لا يمكنني قبولها.
أجابها وهو يهمس قرب أذنها:
-هذه قلادة أثرية، تزينت بها الكثير من الزوجات.. والآن حان دوركِ لتكوني جزءاً من هذا الإرث.
أزاحت شعرها جانباً، وشعرت بقلبها يضطرب بجنون حين لمست أصابعه رقبتها. ابتعدت عنه بسرعة وقالت:
-شكراً لك.
-يجب أن ننزل، الجميع ينتظرنا على الفطور.
أمسك ذراعها وهبطا درجات السلم الضخم... كان الترحيب دافئاً، فجأة اقترحت ماري :
-عندما ننهي فطورنا لم لانذهب لركوب الخيل
وافقها ماثيو دون تردد
- حسناً
ً
نظر ل فيفيان وتابع متسائلاً
ً
-وانتي فيفيان هل تحبين مرافقتنا ؟
هتفت فيفيان بحماس
- بالتأكيد انا اعشق الأحصنة
هتف ماريو مندهشاً
- جميل فتاة المدينة تعرف ركوب الخيل!
سألها والد ماثيو بفضول
- اين عائلتك فيفيان لم ارى احدهم في زفافك؟!
أسرع ماثيو بالإجابة، ونبرته توحي بامتلاكِ إجابةٍ جاهزة:
-فيفيان وحيدة، ليس لديها أقارب.
استاءت فيفيان بشدة من وقاحته ونكرانه لوجود أختها "شيرلي" التزمت الصمت بينما كان والد ماثيو يقول بلطف:
-مؤسف.. ولكن من الآن وصاعداً اعتبرينا عائلتكِ.
-شكراً هذا من لطفكم
قالت والدة ماثيو جيسكا
- انت فتاة طيبة ولقد احسن ماثيو ابني في اختيارك.
وفجأة سمعوا صوت الجده تقول
- صباح الخير يااولاد
رد الجميع التحيه ثم جلست قرب ماثيو واخذ تهمس بأذنه. . حين لاحظت الفضول في عيون البقية، وبختهم:
-ماذا حدث لكم؟ ألا يمكنني التحدث قليلاً مع حفيدي الكبير؟
وبعد الفطور، انطلقوا في المرعى. على التلة، قال ماثيو وهو يقترب منها بحصانه:
-لقد تبين أن زوجتي بارعة في ركوب الخيل.
ابتسمت خجلاً:
-هذا يكفي، أنكم تحرجونني!
عندما ابتعدا عن ضجيج رفاقهما وتوقفا في ذلك الأفق المهجور، ترجل ماثيو عن حصانه بخفةٍ رجولية مفرطة، ثم امتدت يداه ليحتضن خصرها النحيل، مستقيماً إياها على الأرض. في تلك اللحظة، شعرت فيفيان بحرارة يديه تتسرب عبر نسيج ثيابها، تسري في أوصالها كتيارٍ كهربائيٍ عنيف أربك توازنها.
تلاقت نظراتهما، وبدت المسافة بينهما وكأنها تتقلص لتصبح نقطة التقاءٍ وحيدة في هذا العالم. في عيني ماثيو، كان هناك بريقٌ غامض، إعصارٌ من الرغبة والامتلاك، انحنى برأسه مقترباً، كانت أنفاسه الدافئة تلامس بشرة وجهها، معلناً رغبته في التهام المسافة بينهما بقبلة.
لكن فيفيان، وكأنها استعادت وعيها من غيبوبةٍ عاطفية مؤقتة، أشاحت بوجهها بحركةٍ حادة وحازمة، لتصطدم شفتها بفراغ الهواء بدلاً من شفتيه.
تجمد ماثيو للحظة، ثم تراجع ببطء، وقد ارتسمت على وجهه ملامح برودٍ جليديٍ يخفي خلفه غضباً مكبوتاً. مسح وجهه بيده بحركة عصبية، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ مشحونٍ بالتهكم:
-تعالي لنجلس تحت هذه الشجرة.
انضمت للجلوس قربه متسائلة
.-هل سنبقى هنا؟
اجابها وهو يسند ظهره إلى الجذع:
-لا، بعد أسبوع سنعود إلى إيرلندا.
عقدت حاجبيها بعبوسٍ يشي بضيقها، وقالت بصوتٍ متهدج:
-ولكنني أريد البقاء هنا! هذا المكان هو الشيء الوحيد الذي أشعر فيه بالسكينة منذ أن التقينا.. لا أريد العودة إلى جحيمك هناك.
لم يهتز له جفن، بل ضيق عينيه بصرامةٍ جمدت الدماء في عروقها:
-السكينة؟ ابحثي عنها في مكانٍ آخر، أو بيديّ. تذكري جيداً: أنتِ زوجتي.. وهذا يعني أنكِ ظلي، ستتبعينني حيثما حللتُ وحيثما ارتحلت.
حاولت النهوض، محاولةً الهروب من نظراته التي كانت تحاصرها كالجدران، لكن يده القوية انقضت على كتفها بضغطٍ جعلها ترتجف:
-لن تذهبي إلى أي مكان. الغداء سيؤكل هنا، وفي حضوري.
التفتت إليه، والشرر يتطاير من عينيها، لم تعد تهتم بالعواقب، صرخت في وجهه بمرارة:
-اللعنة عليك! هل هذا كل ما تتقنه؟ هل تحاول إذلالي وإشعاري بأنني مجرد قطعة أثاث تملكها؟
مال برأسه قليلاً، ورسم على شفتيه ابتسامةً مرعبة في هدوئها، ثم اقترب منها حتى تلاشت المسافات، هامساً بنبرةٍ لم تكن سوى وعيد:
-الذلُّ مصطلحٌ لا تعرفين معناه الحقيقي بعد يا فيفيان. حاولي ضبط لسانكِ هذا والا اضطررتُ لفعل ذلك بنفسي .. لا تختبري صبري أكثر، فربما أضطر حينها لأن أعلمكِ كيف تكون الطاعة بنفسي.
بعد أن تناولا الغداء، استرخيا تحت ظل الشجرة..
في لحظة صفاءٍ مباغتة تحت ظلال الشجرة، قررت كسر حدة الصمت، فسألته بنبرةٍ حاولت جاهدة أن تبدو عفوية:
-ما الذي كانت تهمس به جدتك في أذنك اليوم؟
ابتسم بسخريةٍ خفيفة، وكأنما يستمتع باضطرابها، وأجاب:
-يا لفضول النساء الفطري!
لم تشأ أن تبدو مهتمة، فأشاحت بنظرها نحو الأفق وقالت ببرودٍ مصطنع:
-لستُ مجبرةً على معرفة أسراركما.. انني فقط أحاول فتح حديثٍ لا أكثر، كي لا يطول الصمت بيننا.
لم يكتفِ بإجابتها، بل انقلب ببطءٍ على جانبه، يسند رأسه على كفه، وعيناه تلاحقان ملامحها بفتنةٍ لم تعهدها فيه، ثم همس بنبرةٍ عميقة:
-لا بأس.. سأخبركِ. لقد سألتني بفضول العجائز: كيف كانت ليلتكم الأولى؟
شعرَت بدمائها تتدفق إلى وجنتيها، كأنَّ نيران الشوق والخجل قد اشتعلت في جسدها دفعةً واحدة، تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها لتهرب من نظراته اللاحقة، لكنه تابع بصوتٍ رخيم، مفعمٍ برقةٍ لم تكن تتوقعها منه:
-أخبرتها الحقيقة.. أخبرتها أن ليلتي كانت بين ذراعي "فهد" لا تروضها الكلمات.
هبّت واقفةً، كأنما لسعتها شرارة، محاولةً الفرار من ذلك الاعتراف الجريء، لكن ذراعه القوية انطلقت كالنار لتطوق خصرها وتجذبها نحوه. ارتعد جسدها بالكامل وهي تحت قبضته، أنفاسه تداعب بشرتها، وعيناه الثاقبتان تلتهمان وجهها. تمتمت بصوتٍ مخنوق، تائهةً بين رغبتها في البقاء وبين خوفها من الانجراف:
-تأخر الوقت.. علينا العودة.
في تلك الأمسية، كان العشاءُ مسرحاً لصراعٍ صامت. طوال الوقت، تعمد ماثيو تجاهلها، كأنها غير موجودة، لكن نظراته الحارقة كانت تلاحق كل حركةٍ تقوم بها. وفجأة، نهض من مكانه، وألقى نظرةً خاطفةً عليها، إشارةٌ سريةٌ لا يفهمها سواهما، تطلب منها أن تلحق به فوراً. لكن فيفيان، في حركةِ تمردٍ صريح، أشاحت بنظرها عنه وأكملت حديثها بابتسامةٍ واسعة مع عائلة ماثيو، متحديةً سيطرته عليه.
حين صعدت أخيراً إلى الغرفة، كانت نبضاتها متسارعة، تخشى ما ينتظرها خلف ذلك الباب. ما إن دخلت، حتى وجدت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشحون. كان ماثيو مستلقياً على السرير، عاري الصدر، ينتظرها بنظراتٍ تعكس عاصفةً من الغضب الممزوج برغبةٍ جامحة. نهض ببطءٍ مهيب، صوته كزمجرة رعدٍ مكتوم:
-أين كنتِ كل هذا الوقت؟
خلعت حذاءها ببرودٍ متعمد، وكأنها تضع مسافةً بينها وبين عالمها معه، وأجابت بهدوءٍ مستفز:
-كنتُ أقضي وقتاً ممتعاً مع عائلتك.. ألم يكن هذا ما تريده؟
اقترب منها بخطواتٍ واثقة، صوته ينخفض ليصبح وعيداً يلامس مسمعها:
-لقد أشرتُ لكِ أن تتبعيني.. ألم تري؟
رفعت حاجبيها ببرودٍ مصطنع، رغم أن جسدها كان يرتجف:
-حقاً؟ لم أنتبه.. أكان ذلك مهماً جداً؟
تغيرت نبرته فجأة، تحولت من حدة الغضب إلى نبرةٍ مشحونةٍ بشوقٍ مؤلمٍ وقسوةٍ مبررة، اقترب منها حتى حاصرها بين ذراعيه والسرير، وهمس بصوتٍ رخيمٍ اخترق حصونها:
-لا يهم الآن أين كنتِ.. المهم أنكِ هنا، بين يدي. غيري ملابسكِ.. وتعالي قربي.
نظرت في عينيه، متحديةً ذلك السحر الذي يحاول سلب إرادتها:
-لا.
هنا، فقد ماثيو ما تبقى من رباطة جأشه. نهض بقوة، وبحركةٍ مباغتة، جذبها إليه حتى التصقت بصدره الصلب، ممسكاً بوجهها بين كفيه ليعيدها إلى واقعه:
-لقد نفد صبري يا فيفيان.. ولن أحتمل هذا العناد لثانيةٍ أخرى! انظري إليّ.. أنا لا أريد الحصول عليكِ كغنيمة، أريدكِ أن تستسلمي لي باختيارك. تعالي الآن.. وإلا اضطررتُ لاستخدام القوة التي لا تودين أن تري وجهاً آخر لها.
كانت أنفاسه تداعب بشرتها، ونبرته تمزج بين الرغبة المحرقة والرجاء الغاضب، مما جعلها في حيرةٍ بين أن تكرهه بكل كيانها، وبين أن تذوب في ذلك الضياع الذي يفرضه وجوده.
.................. ..............
Shymaa Sami