رحلةللزف

رحلةللزف

14 0

​قالت فيفيان بنبرة مشحونة بالثقة والتحدي، وهي تنظر في عينيه مباشرة:

-نحن في زمنٍ تتمتع فيه المرأة بحريتها الكاملة، ولم يعد مقبولاً إخضاعها أو فرض السيطرة عليها.

​لم يتردد ماثيو للحظة، بل علق بصوتٍ حازمٍ أجمد دماءها:

-هذا الكلام لا ينطبق عليَّ، ولا وجود للحرية في قاموسي. هل تفهمين ما أعنيه؟ وفيما يخص عملكِ كعارضة أزياء، توقفي عن الذهاب إلى هناك، انتهى الأمر.

​تجهمت ملامح وجهها وانفجرت حانقة:

-لا يمكنك أن تطلب مني ترك عملي فجأة! هناك عقد قانوني ملزم بيني وبين الشركة، لا يمكنني التملص منه!

​رد ببرود مخيف وهو يشعل سيجارته:

-سأتصرف بخصوص العقد، لا داعي لأن تشغلي بالك بهذه التفاصيل البسيطة.

​شعرت فيفيان بكرهٍ عميق يجتاح قلبها، وتمنت لو صفعت ذلك الغرور المرتسم على وجهه. كيف يجرؤ على التحكم بتفاصل حياتها بهذه الطريقة؟ رفعت رأسها بكبرياء زائف لتخفي خوفها:

-أرى أنك تبالغ كثيراً في اتخاذ قرارات تخص حياتي الخاصة، ماثيو.

​اقترب منها ببطء، وقال بنبرةٍ قاسية جعلتها تتراجع للوراء:

-نحن الآن على وشك الزواج، ولا تحاولي أن تعرقلِي هذا الأمر بالحديث عن 'حياتكِ' و'حريتكِ'. من الآن فصاعداً، أنتِ ملكي، وسأتصرف بكِ وبمستقبلكِ كما يحلو لي.

​غشيت عيناها بالدموع؛ أدركت أن مصيرها بات معلقاً بيد هذا المتوحش عديم الرحمة، قاسي القلب، الذي لا يعرف للين طريقاً. حاولت أن تنهض وتدير وجهها عنه كي لا يلمح انكسارها، لكنه لحق بها وأخرج خاتماً فخماً من جيبه، وقال بجفاء:

-دعينا لا نضيع الوقت، مدي يدكِ لألبسكِ الخاتم.

​مسحت دموعها بسرعة والتفتت إليه بعصبية:

-وهل هناك داعٍ لكل هذا التسرع؟

​رمقها بنظرة باردة:

-بالتأكيد، إنه رمز لصفقتنا.

​جذب ذراعها بقوة وألبسها الخاتم، ثم تابع بحماس غريب:

-إنه بمقاسكِ تماماً، هذا جيد.

​سحبت يدها منه بتوجس وقالت بحزن:

-أرى ذلك.

​سألها بفضولٍ مباغت:

-إذا لم يعجبكِ، بإمكاني استبداله في الحال.

​لم تهتم لرأيه، فأجابت بفتور:

-لا، إنه جميل.. أعجبني.

​-جيد. هلا ناولتني بعض الماء مع حبة صداع؟ أشعر بضغط لا يُطاق.

​تناولت كوب الماء والدواء وقدمتهما له. وبعد لحظات، وضع بطاقة ائتمان ذهبية على المنضدة ونهض يزرر سترته الرسمية بإتقان:

-استخدمي هذه البطاقة لشراء كل ما تحتاجه العروس الجديدة.

​اعترضت بأسى:

-لست بحاجة لنقودك.

​قاطعها بحزم:

-هذا واجبي تجاهكِ، ومن الأفضل أن تقبلي دون جدال. غداً سيأتي سائقي ليأخذكِ أينما تريدين؛ اشتري ما يحلو لكِ من ملابس ومجوهرات، ولا أريد سماع أي نقاش في هذا الموضوع.

​زفرت بعصبية:

-أرجوك، أنا...

​قاطعها بنبرة صارمة:

-هذا يكفي! افعلي ما آمركِ به دون نقاش. والآن، تصبحين على خير.

​خرج ماثيو تاركاً إياها وحيدة في صمت المنزل الموحش. ظلت تردد في سرها: "هل حقاً سأكون زوجة ماثيو؟ هل سأضحي بحبي لستيف إلى الأبد؟ وماذا لو علم ستيف؟ سيكرهني، وسينظر إليَّ كنظرة الخائنة.. يا لهذا الكابوس!

​في الصباح التالي، امتثلت فيفيان لأوامر ماثيو وذهبت مع السائق لشراء الملابس. كانت تشعر بحرج شديد عند استخدام أمواله، لذا اكتفت بشراء القليل. عند عودتها، اتصلت بصديقتيها ليزا وسارة. حين وصلتا، بدت عليهما علامات الصدمة والقلق.

​سألت ليزا بصوتٍ عالٍ:

-وماذا عن ستيف؟ كيف ستواجهينه؟

​تساقطت دموع فيفيان وهي ترد باستياء:

-لقد حدث كل شيء فجأة.. لا تسألاني أكثر، أرجوكما.

​عبست سارة وقالت:

-فيفيان، ما بكِ؟ أخبرينا الحقيقة، أنتِ تحبين ستيف، أليس كذلك؟

​ابتسمت فيفيان بمرارة:

-نعم، أحبه، ولكنني لا أستطيع الزواج منه.

​قالت ليزا بثقة:

-أنا متأكدة أن هناك سراً خطيراً خلف هذا الزواج!

​اعترضت فيفيان:

-لا يوجد أي سر، في الحقيقة أنا أريد الزواج من ماثيو لأنه سيلبي كل رغباتي المادية.

​صرخت سارة:

-لا أصدق ما تقولينه! أنتِ لم تهتمي يوماً للمال!

​مسحت دموعها وقالت بكبرياء كاذب:

-لم أعد كما كنت سابقاً.

​سألت ليزا:

-وأين سيكون زفافكِ؟

​-في إسبانيا، حيث تسكن عائلته.

​استاءت ليزا:

-هذا يعني أننا لن نراكِ عروساً!

​أجابت فيفيان بحزن:

-أعلم، ولست مهتمة حقاً، لكنني سأفتقد وجودكما بجانبي.

​سألت ليزا:

-وماذا عن دراستكِ؟

​-لست أدري، لكنني أعتقد أنه لن يسمح لي بإكمالها.

​احتضنتها سارة بأسى:

-لا تستسلمي له، ولا تجعلي من نفسكِ كائناً ضعيفاً!

​في مساء اليوم التالي، وبينما كانت تشاهد التلفاز، رن جرس الباب. فتحته لتجد ماثيو يبدو في قمة وسامته ببذلته الرسمية. قاطع حبل أفكارها بابتسامة:

-مرحباً.

​تلعثمت:

-آه.. مرحباً، آسفة.. تفضل بالدخول.

​رمى سترته على الكنبة وقال بمرح:

-كنت أتمنى أن نتناول العشاء هنا لنتعرف على بعضنا أكثر.

​سألته بتفاجؤ:

-وما الذي تحب أن تتناوله؟

​-لا ترهقي نفسكِ، تعالي لتجلسي قربي، وسأتصل بالمطعم ليجلبوا عشاءنا.

​ردت بتوتر:

-بإمكاني الطبخ، لا داعي للطلب من الخارج.

​تجاهلها واتصل بالمطعم، وبعد أن أغلق الخط، نظر إليها بابتسامة:

-لقد تدبرت الأمر. والآن، تعالي اجلسي قربي.

​كادت تجلس بعيداً، لكنه زجرها بحدة:

-قلتُ تعالي قربي لنتحدث قليلاً!

​-بإمكاني سماعك من هنا.

​عقد حاجبيه وصاح حانقاً:

-اللعنة! ألا تفهمين ما أقول؟ لا أحب أن أعيد كلامي مرتين.

​شعرت بالفزع من نبرته القاسية، فجلست بجانبه. تفحص ملامح وجهها وقال:

-لقد تفقدت الحساب، وتبين لي أنكِ لم تبتاعي إلا القليل من الملابس.

​ردت بلامبالاة:

-أنا أكتفي بالقليل.

​تنهد بضيق:

-ليس بعد الآن. أنتِ ستكونين زوجة أكبر مدير، فأريدكِ دائماً في أجمل حُلة.

​سكت برهة، أشعل سيجارته، ثم تابع:

-عندما نسافر لإسبانيا، سآخذكِ بنفسي لشراء كل ما تحتاجينه.

​-متى سنسافر؟

​-بعد غد.

​مدَّ ذراعه على وركها، فانزعجت وقالت:

-هل تريد شرب شيء؟

​-لا.

​لامس وجهها بيدٍ ناعمة كالحرير، وقال بنبرة غامضة:

-أنتِ جميلة جداً.

​ارتعشت تحت لمسته وحاولت النهوض، لكنه جذبها إليه بقوة:

-يجب أن تعتادي على هذا الأمر، فيفيان.

​صاحت:

-لا! اتركني!

​أطلق سراحها ونهض متذمراً:

-أنا ذاهب الآن.

​-والعشاء؟!

​نظر إليها بازدراء:

-تناوليه وحدكِ.

​قبل السفر بيوم، أقامت فيفيان حفلة صغيرة لوداع صديقاتها. لم تفصح عن حقيقة زواجها خشية تشويه سمعة شيرلي، لكنها كتبت رسالة لستيف طلبت من سارة إيصالها، وهي تعلم أنه سيعتبرها خائنة.

​في الطائرة الخاصة، كانت فيفيان ترتدي فستاناً أسود قصيراً يبرز فتنتها. كانت الطائرة أشبه بقصر طائر؛ ، ومجهزة بكل شيء. شعرت بالإرهاق وقالت:

-سأذهب لأتمدد في الغرفة.

​رد وهو يعبث بحاسوبه:

-نعم، اذهبي وسألحق بكِ فيما بعد.

​دخلت الغرفة الفاخرة، خلعت حذاءها، وتمددت في السرير. غفت للحظة، لتشعر بوجود شخص قربها. كان ماثيو يمعن النظر في وجهها. ارتبكت:

-ماذا تفعل هنا؟

​ضحك بسخرية:

-يا لغباء سؤالكِ يا فيفيان!

​بدأ يمسح بساقها بيده برقة، فجف حلقها وارتجفت:

-أرجوك.. دعني وحدي.

​-أنا أيضاً أشعر بالتعب، وأريد النوم قربكِ.

​صاحت بعصبية:

-لاااا!"

​انقض عليها وثبت كتفيها بقوة ونظر إليها بتحدٍ:

-لا أريد رؤية مسحة الفزع هذه في عينيكِ مرة أخرى، وكأنني وحش!

​تنفست بصعوبة:

-أيها اللعين، ابتعد عني!

​-لا أريد سماعكِ تقولين هذا مرة أخرى، وإلا ستندمين!

​ابتعد عنها، فقالت بشفاه مرتعشة:

-أنا لست خائفة منك!

​لكنه تجاهلها وخرج مغلقاً الباب بعنف، تاركاً إياها تجهش بالبكاء.

​أخيراً وصلا لإسبانيا، ورأت قصراً وليس منزلاً، محاطاً بحديقة واسعة. كان التوتر سيد الموقف، والكل يستعد للزفاف. حين التقت بعائلته (والديه، وجدته، وأخيه وأخته التوأم)، تفاجأ الجميع برؤيتها. قال ماثيو بمرح:

-هذه خطيبتي الجديدة، تغيرت حياتي برؤيتها.

​سألت والدته بذهول:

-أين جوليان؟

​-نحن متعبان الآن، سنرتاح وبعدها أخبركم بكل شيء.

​بمجرد دخول الغرفة، استدارت إليه منفعلة:

-لقد وضعتني في موقف محرج أمام عائلتك! لماذا لم تخبرهم بالحقيقة؟

​أجاب ببرود:

-لم يكن لدي وقت.

​صاحت به:

-لا أصدقك! فعلت هذا لإحراجي!

​صاح بها:

-توقفي عن الصراخ! عائلتي ستتفهم، لا داعي لهذا الانفعال.

​ضحكت بمرارة:

-لست متأكدة من ذلك.

​قال بعصبية:

-هذه حياتي، ولا يهمني رأي أحد!

........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفقة زواج

المؤلف Shymaa Sami
2026/07/14 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة