دخلت فيفيان إلى المنزل، وما إن فتحت الباب حتى صُدمت بموجة من الهواء الثقيل برائحة السجائر الممزوجة برائحة المشروبات المسكرة. كانت الصالة تبدو وكأن إعصاراً قد ضربها؛ زجاجات فارغة متناثرة على الأرضية الخشبية، علب بيتزا مفتوحة يفوح منها تعفن الطعام، وستائر الغرفة مغلقة بإحكام مما جعل المكان يبدو ككهف مظلم.
اشتاطت فيفيان غيظاً، وضربت حقيبتها على الطاولة الصغيرة بجانب الباب:
-تباً! شيرلي، ماذا فعلتِ بالمنزل؟ هل تحولنا إلى مكب للنفايات؟
خرجت شيرلي من غرفتها ببطء، خطواتها متثاقلة وملامح الكسل ترتسم على وجهها النحيل. كان شعرها المبعثر يغطي جزءاً من وجهها، وعيناها الزرقاوان تبدوان ذابلتين. تثاءبت بعمق وهي تتجاهل نظرات فيفيان الحادة:
-أوه فيفيان.. هل يجب أن تبدئي يومك بالصراخ؟ هذا ليس وقتك المناسب للمحاضرات.
لم تستطع فيفيان كبح أعصابها التي وصلت لدرجة الانفجار، فبدأت بجمع العلب والزجاجات بعنف:
-لقد غبتُ يوم واحد فقط! عدت لأجد المنزل في أسوأ حالاته. لقد مللت من دور الأم التي ترتب خلف ابنتها المهملة. هل من الصعب جداً أن تضعي قشرة
علبة البيتزا في القمامة؟
ارتمت شيرلي على الكنبة بين بقايا الفوضى، وأجابت بنبرة حانقة:
-توقفي عن توبيخي، أنتِ لستِ مجبرة على التنظيف. لو تركتِ الأمر كما هو لن نموت.
ردت فيفيان بحدة وهي تفتح النوافذ لتسمح لأشعة الشمس والهواء بالتسلل:
-لا أستطيع العيش في مكان متسخ. رائحة المكان تثير غثياني!
بينما كانت فيفيان تهرع لتنظيف المنزل، كانت شيرلي تستعد ببرود للذهاب لعملها، وسألتها دون أدنى اهتمام حقيقي:
-بالمناسبة، كيف كانت حفلة عرض الأزياء بالأمس؟
أجابت فيفيان باقتضاب:
-مملة.
قبل أن تغادر شيرلي، التفتت وقالت بابتسامة ساخرة:
-آسفة يا أختي لعدم مساعدتك، لكنني في عجلة من أمري. إلى اللقاء.
زفرت فيفيان بقهر:
-هذا ما تفعلينه دائماً.. الهروب.
بعد أن انتهت فيفيان من التنظيف، ارتمت على سريرها، جسدها يرتجف من التعب. نظرت للساعة لتجدها قد تجاوزت الموعد، فهبت مذعورة:
-تباً، لقد تأخرت!
استحمت بسرعة، وارتدت ملابسها الجامعية؛ بنطال جينز بسيط وقميص أبيض كلاسيكي. كانت في الثانية والعشرين من عمرها، توازن بين دراستها في كلية العلوم وطموحها في أن تصبح أستاذة جامعية، وبين عالم عروض الأزياء الذي دخلته صدفة عندما رآها مصمم أزياء شهير وهي تؤدي دوراً في مسرحية جامعية. كان جمالها الذي يجمع بين البراءة والجاذبية—ببشرتها البيضاء، وعينيها العسليتين المحاطتين برموش كثيفة مصدراً لرزقها، لكنه أيضاً كان مصدراً لاستنزاف روحها.
سمعت بوق سيارة "ستيف" بالخارج. ستيف، صديق طفولتها وحبيبها الذي كان الملاذ الوحيد لهدوئها. ركبت السيارة وهي تحاول رسم ابتسامة:
-مرحباً ستيف.
نظر إليها بتمعن، وقطب حاجبيه بضيق:
-مرحباً فيفيان.. تبدين منهكة وكأنك حملتِ جبالاً على كتفيكِ.
أطلقت تنهيدة مريرة:
-أكاد لا أجد وقتاً للتنفس يا ستيف.
تغيرت نبرة ستيف لتصبح أكثر جدية وتوتراً:
-أعلم أن شيرلي هي السبب، إهمالها يقتلك. فيفيان، بعد تخرجك سنتزوج، ودعيها تواجه الحياة بمفردها، لم تعد طفلة.
توردت وجنتاها بخجل وارتباك:
- هل أنت مستعد فعلاً للزواج بي بهذه السرعة؟
أوقف السيارة فجأة أمام بوابة الجامعة، والتفت إليها بنظرة عميقة:
-أتمنى أن نتزوج قبل غدٍ. أنا أكاد أجن من رؤيتك تعذبين نفسك هكذا.
اعترضت فيفيان:
-لا تقل ذلك، لا نستطيع الاستعجال.
-لماذا؟"
سأل بنبرة خافتة
-لماذا تمنعيننا من بناء حياتنا الآن؟
-أوه ستيف، لا تعكر مزاجي في الصباح. أنت تعلم أنني أحبك، وعندما نتزوج سأكون ملكك بالكامل، لكن ليس الآن.
قال بهدوء:
- أنا آسف، لا أقصد الضغط عليكِ.
ابتسمت له بارتياح:
-أحبك بجنون، ولن أتحمل حياتي بدونك.
بعد يوم طويل في الجامعة، انطلقت فيفيان إلى دور الأزياء. كان "جون"، المصمم، يصرخ بها بحدة:
- أسرعي! ليس لدينا وقت للراحة، عليكِ أن تكوني مبهرة في العرض العالمي الأسبوع القادم. لا أريد زيادة في الوزن، بشرتك يجب أن تبدو نضرة!
عادت فيفيان إلى المنزل محطمة، آملة في ليلة من النوم العميق. لكن ما إن أغمضت عينيها، حتى اخترقت الموسيقى الصاخبة جدران غرفتها. خرجت منفعلة لتجد شيرلي تجلس مع "ليون"، صديقها السكير، في الصالة.
-شيرلي! أطفئي هذه الموسيقى، أحتاج للنوم!
رد ليون بسخرية وهو يترنح بكأسه:
-أوه، فيفيان، كوني أقل لؤماً.. انضمي إلينا!
انفجرت غاضبة منه فدفعته بقوة:
-اغرب عن وجهي أيها السكير!
وقفت شيرلي مدافعة عن ليون، عيناها تشتعلان:
-أنتِ أنانية يا فيفيان! ليون لا تفكرين سوى بنفسك، أنتِ أختي الصغرى ولن أسمح لكِ بإفساد علاقتي مع ليون.
لم تستطع ان تمنع نفسها من الضحك بمرارة:
-انا انانيه... لا أصدق هذا شيرلي... لقد غيرك ليون كثيراً
-ليس له دخل ليون انتِ تتصرفين بلؤم معي
نظرت فيفيان لأختها بذهول. شيرلي، التي كانت موظفة مثالية في شركة تجميل، بدت وكأنها تغيرت تماماً تحت تأثير ليون، الرجل الذي لا تراه فيفيان سوى مجرم محتمل بوشومه الكثيفة وعاداته المريبة. أغلقت فيفيان باب غرفتها بقوة، تاركة خلفها صرخات شيرلي وضحكات ليون الساخرة، لتغرق في سريرها بدموع لم تجد لها مخرجاً سوى وسادتها.
.......
Shymaa Sami