تسمّرت في مكاني، ونظرت بخوف إلى ماكس الذي لم يكن أقل توترًا مني.
— ما الذي علينا فعله الآن؟
ابتسم ابتسامة واسعة رغم المأزق.
— هل تجدين الركض ممتعًا يا غريبة الأطوار؟
كنت على وشك أن أوبخه على حماقاته في هذا الموقف، لكنه سحبني من يدي نحو ممر آخر.
كنت أسمع وقع أقدام خلفنا، بينما نركض بأقصى سرعتنا إلى الأمام.
قلت وأنا أجري خلفه:
— هل هناك مخرج من هذا الطريق؟
أجابني بأنفاس لاهثة:
— كلا. علينا الصعود إلى السطح والخروج من هناك.
شعرت بالغرابة من فكرته غير المعقولة، لكنني آثرت اتباعه دون جدال.
بعد دقائق من الركض، تمكّن أخيرًا من جعل الحراس يفقدون أثرنا، قبل أن نصعد إلى السطح.
خرجنا من قلب الفوضى إلى فسحة هادئة، واستقبلتنا نسمات الهواء الباردة التي افتقدتها منذ زمن.
لمحت الحيرة على وجهه، فسألته:
— ما الحل الآن؟ لا نستطيع القفز من هنا، وإلا سنصبح فتاتًا. ولا بد أن المركز علم بهروبنا، وسيُرسلون عناصر الشرطة إلى كل مكان.
لم يجبني، فأدركت أنه كان يفكر في خطة ما.
بدأت أصوات أقدام الرجال تقترب من الباب، بينما انعكس الضوء الأحمر لسيارات الشرطة على المباني المحيطة.
أشار ماكس إلى الجهة الأخرى من السطح.
— انظري هناك. بين خزانات التهوية يوجد ممر صيانة معدني يمتد إلى سطح المبنى المجاور.
نظرت إلى الممر، فلم يكن عريضًا بما يكفي ليمنحنا الأمان، وتحت أقدامنا كان هناك فراغ هائل.
— أنت مجنون.
ابتسم بسخرية.
— أعلم.
خلفنا، بدأ مقبض الباب يتحرك.
سحبني ماكس من يدي واندفع نحو الممر، فتبعته مجبرة.
خطونا فوق المعدن بحذر شديد، بينما كنت أسمع صرير الحديد تحت أقدامنا. توقعت في كل لحظة أن ينكسر ويسقط بنا، لكن ذلك لم يحدث.
وبأعجوبة، عبرنا إلى المبنى المجاور ووجدنا أنفسنا فوق سطح آخر.
نظر ماكس خلفه وقال بسخرية:
— رائع... هربنا من السطح إلى سطح آخر.
جلست ألتقط أنفاسي بصعوبة، بينما بدأ هو يتفحص المكان بعينين ثاقبتين. وبعد لحظات، اختفى عن أنظاري تمامًا.
وفجأة، سمعت صوته يناديني من الخلف.
ركضت نحوه، فوجدته يقف أمام باب أحمر.
أشار إليه وقال:
— هذا المبنى قيد الصيانة، لذلك من المفترض أن يكون خاليًا من العمال. وهذه فرصتنا للهرب. سنستخدم سلم الطوارئ للنزول إلى الأسفل، ثم نخرج من الباب الخلفي.
هززت رأسي بتفهم، وتبعته في صمت.
كان العرق يتصبب من جبيني بسبب القناع الذي يغطي رأسي ووجهي.
نزلنا عشرات الدرجات، دون أن نصل إلى أي باب.
بدأت ركبتاي ترتجفان من شدة التعب، وأصبح صدري يؤلمني من كثرة اللهاث. ولم يكن ماكس في حال أفضل مني؛ فقد كان يلهث بشدة وهو يواصل النزول.
وأخيرًا، توقفت أقدامنا خارج المبنى، بعدما خرجنا من باب الطوارئ.
تقدمنا بحذر شديد، بينما كانت أنظارنا تتفحص كل زاوية من حولنا.
لأول مرة، شعرت بمعنى الحرية.
حتى لو كانت لآخر مرة.
رفعت رأسي نحو السماء، وبقيت أحدق فيها طويلًا، وكأنني أحاول حفظ تفاصيلها داخل ذاكرتي.
لا أعرف لماذا، لكن صورة ألكسندر ارتسمت بين الغيوم، لتعكر صفو السماء.
يا ترى، ماذا يفعل الآن بعد أن رماني في هذا الجحيم؟
بالطبع سيكون سعيدًا... بسعادته الباردة المعتادة.
لكن اللعنة، لماذا أفكر فيه؟
اللعنة عليه.
قطع خلوتي صوت ماكس المرح:
— أتمنى ألا تكوني تفكرين بغيري.
أدرت ظهري إليه بارتباك.
— لا، لا، لا... لا أفكر في أي شيء، خصوصًا أنت.
ضحك بخفة، وكأنه تعمد قول ذلك فقط كي يجعلني أشعر بالحرج.
تجاهلت جملته الأخيرة وأردفت بقلق:
— ما الخطوة القادمة؟
أجابني بنبرة واثقة:
— لا تقلقي، لدي حل مثالي.
وقبل أن ينهي كلامه، توقفت أمامنا سيارة ذات طراز أعرفه جيدًا.
تجمدت للحظة.
— لحظة... أنا أعرف هذه السيارة.
كانت سيارة أوليفيا.
كدت أقفز من شدة السعادة، لكنني اكتفيت بابتسامة واسعة ارتسمت على شفتي.
ركبنا بسرعة، وتوارينا عن الأنظار في الطرقات الأكثر ظلمة.
وبين حين وآخر، كنت أسرق أنا وهي النظرات إلى بعضنا، وكأننا لا نصدق أننا تمكنا من رؤية بعضنا مجددًا.
التزمنا الصمت طوال فترة القيادة.
لم أسألهما إلى أين نذهب؛ لأنني كنت أثق بهما، ربما أكثر مما أثق بنفسي.
شيئًا فشيئًا، بدأنا نبتعد عن الأحياء الصاخبة، حتى وصلنا إلى منزل بسيط خارج أسوار المدينة.
وبعد أن تأكد ماكس من عدم وجود أحد يراقبنا، نزلنا من السيارة ودلفنا إلى الداخل، لنحتمي من البرد القارس خلف دفء الجدران.
لم يكن هذا البيت يضج بالكثير من التفاصيل التي نجدها في البيوت الحديثة، بل اجتمع كل جماله وحلاوته في أثاثه البسيط. كان يشبه بيوت الأجداد القديمة التي تفيض جدرانها بالدفء والأمان، رغم أنه لم يكن يتكون سوى من غرفة واحدة وصالون ومطبخ تفوح منه رائحة الخبز الطازج المصنوع بكل حب.
إنه منزل طفولتي.
المنزل الذي تربيت فيه وعشت فيه أجمل ذكرياتي. ورغم بساطتها، إلا أنه كان يحظى بمكانة كبيرة في قلبي.
اقترب ماكس من لوحة تحمل صورة رجل وامرأة أكلت الشيخوخة ملامحهما بقسوة، واختلط الشيب بخصلات شعرهما، بينما كان الوقار ينبثق من ملامحهما خلف هدوء يشي بطيبتهما.
همس، وكأنه يشتاق إلى لحظات ولّت:
— إن هذا البيت ملك لجدي وجدتي. لقد توفيا منذ سنة تقريبًا، وتركا هذا البيت لي لأرثه.
انغمست في تفاصيل المكان، وتناسيت كلامه، حتى دخلت أوليفيا من الباب بعدما تأكدت من إغلاقه جيدًا، ثم ركنت سيارتها في مكان بعيد.
نظرت إليّ مطولًا، وكأنها لا تزال تستوعب حقيقة لقائنا.
استجمعت نفسي وترددت في السير نحوها بخطوات مثقلة، قبل أن تلتف ذراعاها حولي في حضن دافئ أنساني كل همومي لبضع لحظات.
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول:
— أنا سعيدة بعودتك مجددًا.
ربتُّ بكفي على ظهرها.
— هل تعتقدين أنني سأذهب وأتركك؟ يا لك من ساذجة!
بعد دقيقة، أفلتت من حضني واستدرت ناحية ماكس، الذي كان يتفرج علينا بصمت.
— ماكس، أنا...
لم يمنحني فرصة لإكمال كلامي، وقال:
— لنتحدث في الداخل، أفضل من الوقوف أمام الباب.
وافقته الرأي، وسرنا نحن الثلاثة إلى الصالون، حيث جلسنا على الأريكة الصوفية بجانب المدفأة المشتعلة.
استشعر جسدي بعضًا من الدفء، وتباطأت سرعة نبضات قلبي حتى عادت إلى طبيعتها.
استجمعت كلماتي، ثم حدقت بماكس قائلة بامتنان شديد:
— لا أعرف إن كان عليّ شكرك أم الشعور بالذنب تجاهك بسبب توريطك معي في هذه المشكلة. لولاك أنت وأوليفيا، لكنت سأُحبس بين هذه الجدران بتهمة باطلة. شكرًا لك يا ماكس، أنا مدينة لك بحياتي.
حدق بي لثوانٍ، ثم ارتسم الغرور على وجهه.
— لا داعي لشكري، فلو عاد بي الزمن، سأفعل ذلك مرة أخرى.
جالت عيناي في أرجاء المكان، ثم سألت أوليفيا:
— هل تعيش هنا يا ماكس؟
أجابني بدلًا منها:
— لا، أملك شقة في مكان آخر بعيدًا عن هنا. وهذا بيت جدي. لا أحد يعلم بوجوده إلا أنتِ وغريبة الأطوار.
رمقته باستياء.
— ظننتك توقفت عن استخدام هذه الألقاب المزعجة.
ابتسم بمشاكسة، ثم غمز بطريقة مضحكة.
— هذا لا يليق بي يا فتاة.
وبينما بدأت أحاديثنا تأخذ مجرى آخر، تدخلت أوليفيا بجدية:
— نادرًا ما أراكِ بهذا الهدوء. روكسينا، أين كنتِ طوال هذه الفترة؟ وكيف وصلتِ إلى موقف السيارات ليتم اتهامك بتلك الجريمة؟
نهضت بثقة، ثم بدأت أسرد لهما كل ما حدث، منذ محاولة قتل ماكس إلى أن تم توريطي في الجريمة.
استطعت قراءة الأسئلة التي تدور في رأسيهما بمجرد النظر إلى تغيرات ملامحهما.
مضت ساعتان وأنا أحكي عن الجحيم الذي عشته داخل ذلك المنزل. وحتى بعدما خرجت منه، أو بالأحرى بعدما طردني، إلا أنني ما زلت أشعر بأنه يراقبني من مكان قريب أو بعيد.
بعد أن انتهيت من حديثي، توقف كلاهما عن الكلام لفترة، يحاولان استيعاب مجرى الأحداث.
قالت أوليفيا بعدم استيعاب:
— كيف يعرف كل هذا عنك؟ والدك؟ هل يعقل أنه هو حقًا من قتلهما؟ أم أنه فقط يتلاعب بك؟
تمنيت لو أجيبها عن هذه الأسئلة، لكنني كنت أنا نفسي لا أملك إجابة واضحة.
— لا أعلم يا أوليفيا.
مرر ماكس يده على رقبته، ثم تكلم بنبرة تحمل غموضًا خفيًا:
— تلك المرأة التي رأيتها في الصورة... أنتِ قلتِ إنها نسخة منك، ونرجح أنها ستكون والدتك. ما الذي يجعله يحتفظ بها؟ والرسائل الموجودة في الصندوق، على ماذا تحتوي يا ترى؟
أخرجت من جيبي الرسالة التي سرقتها، ووضعتها على الطاولة، ثم أطلعتهما على محتواها.
سألتهما:
— يا ترى، من تكون تلك المرأة والفتاة اللتان تحدث عنهما؟
أجابت أوليفيا:
— على الأرجح هي عائلة ألكسندر. أظن ذلك.
تساءل ماكس:
— لكن لماذا قال هذا الشخص إنه أخبرهم أنها ماتت؟ من الذين أخبرهم؟ ولماذا فعل ذلك؟
ضغطت على رأسي بألم، وظهر الإرهاق واضحًا على وجهي.
وقبل أن نكمل حديثنا، رن هاتف أوليفيا، فأشارت لنا أن نصمت.
— ألو؟
— مرحبًا أبي.
في البداية كانت تتحدث بارتياح، لكن سرعان ما ظهر القلق في صوتها المضطرب.
— حسنًا، أنا قادمة. لن أتأخر.
استغربت ردة فعلها.
— أوليفيا، ما الذي حدث؟ هل كل شيء على ما يرام؟
هزت رأسها نافية وهي تجمع مقتنياتها.
— لقد أتت الشرطة إلى منزلي كي تحقق معي في أمر هروبي. لا أظن أنهم يشكون بي.
نهضت من مكاني بجزع، وأمسكت يدها.
— أرجوكِ، انتبهي لنفسك، وإياكِ أن تثقي بأي شخص.
احتضنتني، ثم غادرت في طريقها، بينما جلست أنا وماكس منفردين.
وقف هو الآخر من مكانه وطمأنني بوضع يديه على كتفي.
— ستكون أوليفيا بخير، أعدك.
رسمت ابتسامة باهتة على شفتي.
— أتمنى ذلك.
اتجه نحو المطبخ بعدما أخبرني أنه سيحضر شيئًا ساخنًا.
غادر عقلي الواقع للمرة الألف على التوالي.
سأجن من التفكير في كل شيء.
من أين قد يعرف ألكسندر أمي؟
هل يعقل أنه هو من قتلها حقًا؟
ماذا لو كانت تلك الصورة مزيفة؟
لم يعد لديّ حيل لتحمل مفاجآت جديدة من الحياة.
أنا أنهار، لكنني ما زلت أتصنع القوة.
فهذه هوايتي المفضلة منذ طفولتي.
متى سيتوقف هذا بحق الجحيم؟
إن رغبتي الوحيدة الآن هي الدخول في غيبوبة لا أخرج بعدها.
أريد أن أغمض عيني إلى الأبد.
حينها فقط سأرتاح من كل هذا الهم.
وتتوقف الأفكار عن التصادم في رأسي.
أفقت من شرودي على صوت طقطقة المدفأة ورائحة الشاي التي فاحت في أرجاء المكان. وضع ماكس الكؤوس على الطاولة، بينما بدأت الأبخرة تتصاعد منها.
— اشربي، سيدفئكِ. جسدكِ يرتجف.
نظرت إلى يدي، فوجدتها ترتجف حقًا، لكن ليس من البرد... بل من شيء آخر.
— ألن تخبرني بما حدث خلال فترة غيابي؟
وضع الكأس على الطاولة مجددًا بعدما ارتشف منه رشفة واحدة، ثم قال:
— بعد أن غابت حياتي تلك الليلة، فتحت عيني في الصباح فوجدت ديمتري هناك. أخبرني بما حدث بشأن محاولة قتلي. وعندما راجعوا الكاميرات، كان وجه ذلك الشخص مغطى بالكمامة ويرتدي زيًا طبيًا، لذلك لم نستطع التوصل إلى أي شيء.
توقف لحظة، ثم تابع:
— بعدها سألته عنكِ، واستغربت عدم مجيئكِ. اتصلنا بكِ كثيرًا، لكنكِ لم تجيبي. اتصلنا بأوليفيا، فذهبت إلى منزلكِ، لكنكِ لم تفتحي الباب. حينها شعرنا أن هناك شيئًا خاطئًا يحدث.
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل:
— ذهب ديمتري واقتحم المنزل، والغريب أنه وجده نظيفًا ومرتبًا بشكل مثير للريبة. وعندما فتشت أوليفيا غرفتكِ، وجدت رسالة مكتوبًا فيها أنكِ تحتاجين إلى بعض الوقت بمفردكِ، بعيدًا عن الجميع.
هززت رأسي ببطء، بينما تابع:
— لم أصدق ذلك الكلام. ولا أوليفيا أيضًا. فصحيح أنني لم أكن يومًا قريبًا منكِ، لكنني أعرف أن روكسينا لا تغادر حربها بسهولة.
ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه للحظة قبل أن تختفي.
— لكن ديمتري صدق كل هذا بطريقة جعلتني أتفاجأ. وبحكم أنه زميلكِ منذ زمن طويل، ظننته سيكون أكثر قلقًا عليكِ، لكنه لم يفعل. بل بدا هادئًا أكثر من اللازم.
صمت قليلًا، ثم قال:
— حاولت بكل الطرق فتح تحقيق بشأن اختفائكِ، لكن ديمتري كان يخبرني في كل مرة أنكِ تحتاجين إلى بعض الراحة فقط.
خفض عينيه إلى الكأس بين يديه.
— لم تغمض عيناي النوم لأيام كثيرة، ولا عينا صديقتكِ. حاولنا البحث عنكِ بكل الطرق، لكن كل محاولاتنا باءت بالفشل. كان إحساسي يخبرني أنكِ في خطر، لكن الواقع وقف ضدي.
رفع عينيه نحوي.
— وبعد خلافنا، تغيرت معاملة ديمتري لي. أصبح يبعدني عن أي شيء يتعلق بالقضية، وكأنه يخشى أن أعرف شيئًا لا يجب أن أعرفه. حتى وصل بنا الأمر إلى الشجار ذات مرة، وتم فصلي من قبل الرئيس.
توقفت أنفاسي للحظة.
— حتى جاء اليوم الذي أخبروني فيه أنكِ قتلتِ الرئيس ليام.
اتسعت عيناه قليلًا وكأنه يستعيد صدمته.
— صدقيني، صُدمت لثوانٍ طويلة، خصوصًا بعدما رأيت الكاميرات ورسالة التهديد.
قاطعته باستغراب:
— أي رسالة تتحدث عنها؟
— لقد أخبرني ديمتري بالأمر نفسه في غرفة التحقيق. حسب ما فهمته، أنه قبل يومين من الحادثة أرسلتِ إلى الرئيس ليام رسالة تقولين فيها إنه السبب في كل ما يحدث لكِ، وأنه دائمًا ما يحملكِ فوق طاقتكِ، وأشياء أخرى كثيرة.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
— والمشكلة الحقيقية أن كلا الرسالتين، تلك التي وجدت في غرفتكِ وتلك التي وُجدت عند ليام، مكتوبتان بخطكِ نفسه. وهذا ما ورطكِ أكثر.
شبك أصابعه بحسرة.
— رغم وجود كل هذه الأدلة، لم أصدقها. عرفت أنها مؤامرة ضدكِ.
ثم نظر إليّ بحزن.
— أنا آسف لأنني لم أستطع إنقاذكِ. آسف يا روكسينا.
وضعت يدي فوق يديه وابتسمت بدفء.
— لقد فعلت أشياء أكثر من مجرد إنقاذي. لقد تورطت بسببي، وعرضت نفسك للخطر، وضحيت بمهنتك من أجلي. وهذا أكثر من كافٍ. لا تلُم نفسك على شيء لم تكن أنت السبب فيه.
تراجع بظهره إلى الأريكة قائلًا:
— هذا ما يفعله الأصدقاء دائمًا. لقد سمعتكِ تقولين هذه الجملة ذات مرة، وأردت معرفة حقيقتها... وقد فعلت ذلك اليوم.
حاولت تغيير الجو الكئيب، فقلت بمزاح:
— هل سنمضي الليلة في شرب الشاي، أم علينا أن ننام قليلًا؟
هز رأسه موافقًا.
— معكِ حق. لقد تأخر الوقت. سأنام في الصالة، وأنتِ نامي في الغرفة الأخرى.
وافقت على ذلك ولم أناقش أمر مكان نومي معه.
وقبل ذهابه، ناداني:
— غريبة الأطوار.
نظرت نحوه.
— ماذا؟
ابتسم.
— تصبحين على خير يا غريبة الأطوار.
ابتسمت بدوري.
— وأنت من أهل الخير يا عبقرية الكوارث.
ظللت أتقلب على السرير لبعض الوقت، بحكم أن المكان جديد عليّ، لكن في النهاية غلبني النوم، واستسلمت لأحضانه.
استيقظت وأنا أتصبب عرقًا بعد أن عشت داخل كابوس جديد من اختراع عقلي المريض.
جلست أتأمل الغرفة بهدوء، قبل أن أستقيم من الفراش وأدخل الحمام، أغسل وجهي بالماء البارد وأرتب شعري المبعثر قليلًا.
كان المنزل هادئًا، لذلك افترضت أن ماكس لا يزال نائمًا.
لكن عندما مررت إلى الصالة، لم أجده هناك.
بحثت في كل زوايا البيت، لكن لم يكن له أثر.
انقبض قلبي بعنف.
هل يعقل أنه أخذه هو أيضًا؟
لا... لا يمكن أن يكون هذا.
فجأة سمعت صوت مفاتيح تفتح الباب.
تراجعت بسرعة للحظة، قبل أن آخذ مقلاة من المطبخ وأقف خلف الباب مباشرة.
دخل شخص يرتدي قبعة تغطي رأسه.
رفعت المقلاة وضربته بها بكل قوتي.
أطلق صرخة قوية قبل أن يهوي على الأرض.
سقطت القبعة عن رأسه، وتبين أنه ماكس.
لعنت نفسي وانحنيت نحوه بسرعة.
— ماكس! هل أنت بخير؟ لم أقصد ذلك!
جلست إلى جانبه أتفقد مكان الضربة.
— آه... رأسي.
ساندته وأجلسته على الأريكة، ثم قلت:
— سأحضر لك بعض الثلج وأعود.
أحضرت كمادة باردة ومنحتها له ليضعها على مكان الإصابة.
بعد دقائق قليلة، تكلم بصوت واهن:
— هيئتك مصنوعة من خشب يا فتاة. أشعر أنني فقدت ذاكرتي.
أنزلت رأسي بحرج.
— أنا أعتذر بشدة. ظننتك سارقًا يحاول اقتحام المنزل.
ضحك بخفة.
— لو تعامل كل الناس مع السارقين بطريقتكِ هذه، لكانت السرقة قد انقرضت من العالم.
ضربته على كتفه بخفة.
— هيا، انهض يا رأس الفجر.
رمقني باستنكار.
— من هذا الذي رأسه فجر يا صاحبة اليد الحديدية؟
ضحكت بسخرية.
— أقسم لك أن النساء سيقتلنني بك يا ماكس.
نهضت بتعصب.
— ولماذا خرجت من المنزل أصلًا؟ هل تدرك حجم الخطر الذي قد أحاط بك؟
نظر إليّ ببراءة.
— لقد ذهبت لأشتري بعض الفطائر للفطور.
اتسعت عيناي.
— ماذا؟
ثم أضفت بانفعال:
— ماذا لو رآك أحدهم؟ أيها الأحمق!
تحنحن باستفزاز.
— لماذا؟ هل أنتِ خائفة عليّ؟
ارتبكت.
— أنا؟ لماذا سأقلق؟ الأمر لا يهمني. أقصد أنني... أوف، انسَ الأمر. سأذهب لتحضير الفطور.
ابتسم.
— حسنًا، انتبهي فقط وأنتِ تطبخين، بدلًا من أن تحرقي المنزل يا روكسينا.
استدرت نحوه بثقة.
— لا تقلق. ليست المرة الأولى التي أدخل فيها مطبخًا.
حضرت الفطور بذهن مشوش، ثم وضعته على الطاولة حيث جلسنا نأكل في هدوء.
قال ماكس فجأة:
— هناك شيء لا أفهمه.
رفعت عيني إليه.
— ماذا؟
— ديمتري.
تجمدت ملامحي بمجرد سماع اسمه.
— ماذا به؟
رفع رأسه نحوي وقال:
— لماذا هو مصرّ على جعلكِ القاتلة في نظر الجميع، رغم أنه أكثر شخص يعرفكِ؟
فكرت قليلًا، لعلني أجد سببًا مقنعًا، لكنني لم أجد شيئًا.
— لا أعلم.
صمت لحظة، ثم تابع:
— أتعلمين أنه حتى قبل جمع الأدلة، أكد أنكِ القاتلة؟
شعرت بانقباض في صدري.
— لقد منعني حتى من التواصل معكِ ومحاولة الدفاع عنكِ.
تردد قليلًا قبل أن يقول بصراحة:
— أشك في شيء ما.
حدقت به.
— ما هو؟
خفض صوته:
— أخشى أن يكون هو من قتل الرئيس ليام.
حدقت به بعدم تصديق.
— هل فقدت عقلك؟ لماذا قد يفعل ديمتري شيئًا كهذا؟
هز كتفه.
— لا أعلم مغزى فعلته، لكنني أشك فيه، خصوصًا بعد أن عرفت أنه كان أول شخص دخل غرفة الكاميرات، ولم يخرج منها إلا بعد ساعة كاملة، وكان يحمل معه تسجيل الفيديو.
توقفت عن الأكل.
— إذا كان الأمر كما تقول، فلماذا ورطني في هذه المشكلة؟ وكيف عرف أصلًا أنني سأظهر في ذلك اليوم تحديدًا؟
هز ماكس رأسه بقلة حيلة.
— ليست لدي أدنى فكرة.
نهض من مكانه، وأحضر حاسوبه الخاص، ثم فتحه ووصل به ذاكرة فلاش.
— لقد سرقت نسخة من الفيديو حتى نتمكن من دراسته. أخبرتني أوليفيا أنها تعرف شخصًا، صديق والدها، يعمل مع الفيدرالية الأمريكية وهو هاكر محترف. سنرسل إليه التسجيل حتى نرى إن كان قد تم التلاعب به.
نظرت إليه بقلق.
— هل هو محل ثقة؟
أجابني دون تردد:
— إنه أملنا الوحيد لإثبات براءتكِ.
صمت لحظة، ثم سألني:
— مسدسك... أين فقدته؟
بدأت أسترجع ذكرياتي.
— حسب ما أتذكر، فقدته في ذلك المستودع حين أمسكت بنا العصابة. ديمتري هو من تولى تلك القضية، ومن المرجح أنه أخذ مسدسكِ من هناك، ثم أخفاه حتى جاء وقت الجريمة. ربما استخدمه لإطلاق النار على ليام بعدما ارتدى قفازات حتى لا يترك بصماته عليه.
نظرت إليه.
— هذا مجرد افتراض، أليس كذلك؟
هز رأسه.
— إنه افتراض ما دمنا لم نحصل على أي دليل.
تنهدت، ثم سألت:
— يا ترى، ماذا حدث لأوليفيا؟
كاد ماكس يجيبني، لكن صوت طرق الباب قطع حديثنا.
نهض من مكانه بحذر.
— ابقي هنا حتى أرى من الطارق.
ساد الهدوء للحظات، حتى سمعت صوت أوليفيا تتحدث في الرواق.
خرجت من المطبخ بسرعة، واستقبلتها بسعادة.
أخبرتنا أنها لن تستطيع المجيء خلال الأيام القادمة لأنها أصبحت تحت مراقبة الشرطة، لكنها أحضرت معها بعض الملابس لي، بالإضافة إلى بعض المستلزمات الغذائية. كما منحتنا هاتفًا كي نتمكن من التواصل معها.
غادرت بسرعة.
توالت الأيام التالية، وتمكنت أوليفيا خلالها من تسليم التسجيل إلى صديق والدها، الذي أخبرها أنه يحتاج إلى أسبوع كامل حتى يتمكن من تفكيكه، لأنه صُنع بدقة واحترافية شديدتين.
في ذلك الوقت توقفت أوليفيا عن زيارتنا، وأصبح تواصلنا مقتصرًا على الهاتف.
ومنذ مجيئي إلى هنا، لم أخرج ولو مرة واحدة، على عكس ماكس الذي كان يضطر أحيانًا إلى الخروج عند الضرورة القصوى.
كنا نقضي معظم وقتنا في المذاكرة، التي كانت تنتهي دائمًا بالضحك الهستيري.
لكن عقلي كان يأكل نفسه ببطء، وأنا أراقب مرور ذلك الأسبوع بفارغ الصبر، انتظارًا للحظة التي تستلم فيها أوليفيا التسجيل الحقيقي، حتى أتمكن أخيرًا من إثبات براءتي.
وأتى ذلك اليوم.
جاءت أوليفيا ليلتها بسيارتها، وأخبرتنا أنها ستلتقي بالرجل غدًا، وسيعطيها التسجيل. ووعدتني بأنها ستأخذه مباشرة إلى الشرطة، وأنها لن تهدأ حتى يتم إثبات براءتي.
قضينا ليلتنا نتسامر طويلًا، نستذكر ذكريات طفولتنا واللحظات المضحكة التي عشناها معًا.
لكن كان لدي شعور غريب بأن شيئًا سيئًا سيحدث.
خصوصًا عندما ودعتني أوليفيا وقالت:
— روكسينا، أنا أحبكِ جدًا. أنتِ أفضل صديقة في الحياة.
عانقتها.
كان حضنها هذه المرة طويلًا أكثر من اللازم، وكأنها تحاول توديعي أو إخباري بشيء ما دون أن تنطق به.
ابتعدت عني أخيرًا وغادرت لتحضر ذلك التسجيل.
مرت ثلاث ساعات بعدها دون أن تعود، رغم أنها أكدت لي أنها ستتصل بي بمجرد وصولها.
لكنها لم تفعل.
بدأ القلق يقتلني أنا وماكس ببطء.
حتى قلبي كان يحاول إخباري بأن هناك شيئًا خاطئًا يحدث، لكنني رفضت تصديقه.
وأثناء انتظارنا، وصلت رسالة من أوليفيا.
كانت كلماتها كافية لجعلنا نخرج من المنزل دون تفكير:
روكسينا، هناك شخص يلاحقني. أرجوكِ ساعديني. أنا في سان ماركوس، أين المبنى القديم لصناعة السجاد؟
انطلقنا نحو المكان دون اتخاذ أي احتياطات.
لم يكن يهمني سوى الوصول إلى أوليفيا وإنقاذها.
أخذنا سيارة أجرة أوصلتنا إلى هناك خلال دقائق قليلة.
دخلنا المبنى ونحن ننادي باسمها، لكن لم يجبنا أحد.
انقبض قلبي برعب.
— أوليفيا! أين أنتِ؟
أخرجت الهاتف وبدأت أتصل بها.
سمعت صوت رنين هاتفها في الخلف.
ركضت نحو مصدر الصوت بسرعة، لكنني لم أستطع إكمال خطوتي.
تسمرت في مكاني.
شعرت بقلبي يتوقف.
لا... هذا مستحيل.
كانت أوليفيا ممددة على الأرض، تصارع أنفاسها الأخيرة وسط بركة من دمائها.
ركضت نحوها، وحملت جسدها بين ذراعي وأنا أنوح بصوت عالٍ:
— أوليفيا! أرجوكِ... إلهي، افتحي عينيكِ! لا تفعلي هذا! هيا، لقد أتيت.
ثم بدأت أهزها بيأس.
— أبي، توقفي عن التمثيل!
فتحت أوليفيا عينيها اللتين غطاهما الدم، وصارعت الألم بصعوبة، بينما خرج المزيد من السائل الأحمر من أنفها وفمها.
همست بصوت ضعيف:
— روكسينا... أنا آسفة جدًا.
وضعت رأسها في حجري، بينما كانت دموعي تغرق وجنتيها.
— سأتصل بالإسعاف. لا تتكلمي، ستكونين بخير. لا تغمضي عينيكِ.
ابتسمت.
كانت تلك ابتسامتها الأخيرة.
غادرت روحها البريئة جسدها، وأغمضت عينيها إلى الأبد.
حدقت بها للحظات، وكأن عقلي يرفض تصديق ما حدث.
ثم انفجرت بالبكاء.
— هذا مستحيل... افتحي عينيكِ! لا تتركيني وحدي، أرجوكِ. أنا خائفة... هيا يا أوليفيا، افتحي عينيكِ!
بدأت أنتحب بكل قوتي، وصرخت باسمها عشرات المرات.
وفي الخارج، بدأت السماء تمطر بغزارة، وكأنها تشاركني الحزن.
— أنا السبب...
شهقت وأنا أحدق في وجهها.
— أنا من قتلتها.
في تلك اللحظة وصل ماكس.
وقف مكانه ينظر إليّ بصدمة، قبل أن يقترب ببطء.
— لا...
نظر إلى جثة أوليفيا، ثم هز رأسه وكأنه يرفض تصديق الواقع.
— يا إلهي... أرجوك، ليس هي.
انهرت أكثر.
— لا يمكنني فقدانها... هي كل حياتي.
تعالت ضحكاتي وسط بكائي، ضحكات هستيرية خرجت مني دون سيطرة.
— لقد فقدت أختي الوحيدة...
انهرت على الأرض أصرخ بهستيريا، وانهار كل العالم من حولي.
aya