دخلت غرفة ماكس وأنا ألهث من شدة الهلع.
وبخطوات مرتجفة، تقدمت نحو السرير الذي كان جسده مسجّى فوقه بلا حراك.
تجمد الدم في عروقي.
وفجأة، مزقت صفارات الأجهزة الطبية سكون الغرفة، وتعالت أصوات الإنذار حتى خُيّل إليّ أنها تخترق رأسي.
تبعها صوت نبضات الجهاز المضطربة، بينما انطلقت صرخاتي مذعورة في أرجاء الممر.
استنجدت بالطاقم الطبي، وما هي إلا ثوانٍ حتى اندفع الأطباء والممرضون إلى الداخل.
أبعدوني عن الغرفة بسرعة، وأغلقوا الباب في وجهي، دون أن يتوقف أحد ليطمئنني.
انهارت ساقاي، فسقطت جالسة على الأرض.
لم أعد أعلم...
هل سينجحون في إنقاذه؟
أم أنني سأفقده إلى الأبد؟
لكن...
لماذا يبدو احتمال موته مؤلمًا إلى هذا الحد؟
لقد رأيت بعيني جهاز مراقبة القلب يرسل إشارات مضطربة...
ورأيت الخوف ينعكس في أعين الأطباء.
لم أشعر بدموعي إلا وهي تنساب على وجنتي.
كانت دموعًا امتزج فيها الخوف، والقلق، والعجز...
وكل المشاعر التي اجتاحتني دفعة واحدة.
مر الوقت ببطء قاتل.
حتى بدأ صداع حاد يعتصر رأسي من شدة البكاء.
أخذت نفسًا طويلًا، ثم حاولت تهدئة نفسي بصعوبة.
نهضت متثاقلة، واتجهت إلى الطابق السفلي، حيث تقع غرفة الاستقبال.
اقتربت من الموظفة وقلت بصوت مرتجف:
— أيمكنني استعارة هاتف، من فضلك؟
ناولَتني الهاتف على الفور.
ضغطت رقم ديمتري.
رنّ الهاتف مرات قليلة، قبل أن يجيب.
— ألو... من معي؟
وصلني صوته متقطعًا، وأنفاسه متسارعة، وكأنه كان يركض.
همست بصوت يكاد يختنق:
— أنا... روكسينا.
ساد صمت قصير، قبل أن يقول بقلق واضح:
— روكسينا؟ ماذا بك؟ ما الذي حدث؟ ولماذا يبدو صوتك هكذا؟
ابتلعت غصتي بصعوبة.
ثم خرجت الكلمات من بين شفتي المرتجفتين:
— ماكس...
توقفت لحظة، وكأن نطق اسمه وحده كان يؤلمني.
— لقد... حاول أحدهم قتله.
خانني صوتي، وانهمرت دموعي من جديد.
أكملت بصعوبة:
— الأطباء في الداخل... ولم يخرج أحد منهم حتى الآن.
لم يقل ديمتري أي كلمة.
انقطع الخط فجأة.
حدقت في شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم أدركت أنه أغلق المكالمة فور سماعه الخبر.
عدت إلى الممر، وجلست أمام غرفة العمليات.
لم أستطع الثبات في مكاني.
كنت أنهض، وأسير خطوات قليلة، ثم أعود فأجلس من جديد.
تبلل جبيني بالعرق، بينما كان قلبي يخفق بعنف، وكأن كل دقيقة تمر كانت سنة كاملة.
لأول مرة منذ زمن...
وجدت نفسي أدعو في داخلي أن ينجو.
ولم تمضِ سوى دقائق، حتى رأيت ديمتري يركض عبر الممر بخطوات متسارعة.
نهضت من مكاني فورًا...
ولم يخطر ببالي، في تلك اللحظة، أن أتساءل كيف استطاع الوصول بهذه السرعة.
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة، وخرج الطبيب يتبعه الممرضون.
أسرعت نحوه، وملامح الهلع ترتسم على وجهي.
— أرجوك، أخبرني... هو بخير، أليس كذلك؟
نظر إليّ الطبيب وهو ينزع كمامته وقفازيه، ثم قال بجدية:
— حالة زميلكم مستقرة حاليًا، لكننا سنُبقيه تحت المراقبة الطبية خلال الساعات القادمة. المادة التي حُقن بها كانت سامة، ولحسن الحظ وصلتم في الوقت المناسب قبل أن تنتشر في جسده.
توقفت أنفاسي لثوانٍ.
ثم أضاف بحزم:
— وسأبلغ الشرطة فورًا، فهذه تُعد محاولة قتل واضحة.
أنهى حديثه وانصرف بهدوء.
أسندت ظهري إلى الحائط، وأغمضت عيني للحظة، قبل أن أطلق زفرة ارتياح طويلة.
— لقد انتهى هذا الكابوس...
أو هكذا ظننت.
وفجأة، اجتاحني دوار حاد، حتى شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.
اختل توازني، وكدت أسقط، لولا ذراع ديمتري التي أمسكت بي في اللحظة الأخيرة.
نظر إليّ بقلق وقال:
— روكسينا... أنت بحاجة إلى الراحة. هيا، سأوصلك إلى المنزل.
كنت على وشك الاعتراض، لكنه قاطعني بهدوء:
— لا تقلقي. سأوصلك أولًا، ثم أعود لأبقى بجانب ماكس حتى يستيقظ.
لم أجد في داخلي ما يكفي من القوة للمجادلة.
أومأت برأسي بصمت.
أوصلني بسيارته إلى المنزل، ثم تأكد من دخولي قبل أن يغادر عائدًا إلى المستشفى.
ما إن فتحت الباب حتى وجدت أوليفيا جالسة على الأريكة.
كان وجهها شاحبًا، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء.
ما إن رأتني حتى اندفعت نحوي واحتضنتني بقوة.
— لقد كاد قلبي يتوقف... ظللت أتخيل أسوأ الاحتمالات التي قد تكون حدثت لك ولماكس. أخبرني ديمتري أنك بخير، لكنني لم أطمئن حتى رأيتك بعيني.
ابتعدت قليلًا، وأخذت تتفحصني بعينيها المرتبكتين.
— أنت بخير، أليس كذلك؟ لم تُصابي بأي أذى؟
لم أجبها.
فقد كانت قدماي قد استسلمتا أخيرًا.
ألقيت بجسدي فوق الأريكة، وكأن كل ما بداخلي قد نفد.
جلست أوليفيا إلى جانبي، وقالت بصوت امتزج فيه الحزن بالشفقة:
— أعرف ما يدور في رأسك... أنت تظنين أنك السبب فيما حدث لماكس.
صمتت لحظة، ثم أمسكت بيدي وأكملت:
— لكنك مخطئة. الذنب ليس ذنبك. لقد كنتِ في موقف لم يكن أحد ليحسن التصرف فيه أكثر منك. لا تعذبي نفسك... أنت أيضًا مررتِ بما يكفي.
لأول مرة منذ ساعات...
شعرت بشيء يشبه الطمأنينة يتسلل إلى داخلي.
أسندت رأسي إلى الوسادة، وأغمضت عيني بإرهاق.
لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.
إذ دوّى طرق مفاجئ على الباب.
انتفضت من مكاني، وخرجت الكلمات من فمي دون تفكير:
— لا تفتحي الباب!
ساد الصمت.
حتى أنا لم أستوعب سبب صراخي.
أشعر أن أعصابي بدأت تنهار...
ولم أعد أميز بين الواقع والكوابيس.
للحظة، تخيلت أنني إن فتحت الباب، سأجد غريب واقفًا في الجهة الأخرى، يحمل مسدسه ويوجهه نحوي.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ثم نهضت متجاهلة احتجاج أوليفيا.
— روكسينا، إلى أين؟ أنتِ بالكاد تستطيعين الوقوف!
لكنني واصلت السير نحو الباب...
وقلبي يخفق بعنف مع كل خطوة.
قبل أن أضع يدي على المقبض، توقفت لحظة وسألت بحذر:
— من الطارق؟
جاءني صوت جارتي العجوز من خلف الباب:
— أنا يا روكسينا.
فتحت الباب بوهن، فوجدتها تقف أمامي بفستان أنيق، رغم بساطة تفاصيله.
كانت تحمل بين يديها المتجعدتين طبقًا مغطى بمنديل خشن.
ابتسمت ابتسامة عريضة، أظهرت غمازتيها اللتين توارتا جزئيًا خلف خطوط التجاعيد.
— مساء الخير يا ابنتي.
بادلتها ابتسامتها، ثم تنحيت جانبًا لأفسح لها الطريق.
— أهلًا بكِ، خالة زوي. تفضلي بالدخول.
هزت رأسها معتذرة.
— أنا آسفة يا عزيزتي، لكنني تركت أحفادي وحدهم في الشقة، وأخشى أن يحوّلوا المكان إلى فوضى عارمة. أردت فقط الاطمئنان عليكِ ومعرفة أحوالك.
ابتسمت لها رغم إرهاقي.
— شكرًا لكِ، خالة زوي. أنا بخير، كما تعلمين... معظم وقتي أقضيه في العمل.
ضحكت بهدوء، ثم مدت الطبق نحوي.
— تفضلي يا ابنتي. هذا عشاؤكِ. أعددته من أجلك.
أخذت الطبق من يديها، وقلت بامتنان:
— أوه... لمَ أتعبتِ نفسكِ يا خالة؟
ربتت على ذراعي بحنان، ثم قالت قبل أن تستدير للمغادرة:
— لا تقولي ذلك. أنتِ بمثابة ابنتي جوليا.
توقفت للحظة عند سماع الاسم.
جوليا...
اسم ابنتها.
ثم ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وأغلقت الباب بعد مغادرتها.
ناولت الطبق لأوليفيا قبل أن أتجه إلى غرفتي.
بدّلت ملابسي بسرعة، ثم ارتميت فوق السرير.
شعرت وكأن كل عظمة في جسدي تصرخ من شدة الإرهاق.
وما إن أغمضت عيني...
حتى ابتلعني نوم ثقيل.
...
فتحت عيني ببطء.
كان حلقي جافًا، والعطش يحرقه.
ناديت:
— أوليفيا... أحضري لي قليلًا من الماء.
لم يصلني أي رد.
كررت مناداتها مرة أخرى.
الصمت.
تنهدت، وافترضت أنها نامت.
نهضت بصعوبة واتجهت نحو المطبخ، لكنني لم أجدها في الصالة.
عقدت حاجبي باستغراب.
— أين ذهبت هذه المجنونة؟
بحثت عنها في أرجاء المنزل كلها، لكن لم يكن لها أي أثر.
حينها وقعت عيناي على ورقة صغيرة معلقة على باب الثلاجة.
نزعتها وبدأت أقرأ:
"أنا آسفة يا روكسينا. اتصل بي أبي وأخبرني أن أمي تعرضت لوعكة صحية مفاجئة، فاضطررت للذهاب. لم أرد إيقاظك لأنك كنت متعبة. سأراك لاحقًا."
وفي أسفل الورقة رسمت قلبًا صغيرًا.
دلكت رأسي بإرهاق، ثم أعدت الورقة إلى مكانها.
عدت إلى الصالة، وحملت هاتفي لأطمئن على والدتها.
لكن...
تجمدت عيناي على شاشة الهاتف.
الثانية بعد منتصف الليل.
هل يعقل أنني نمت كل هذا الوقت؟
في تلك اللحظة...
هبت نسمة باردة جعلت جسدي يقشعر بالكامل.
التفت نحو مصدرها.
النافذة.
كانت مفتوحة على مصراعيها.
اقتربت منها ببطء.
كنت متأكدة...
بل واثقة...
أنها كانت مغلقة قبل أن أنام.
أغلقتها وأنا أحاول إقناع نفسي بأنني ربما نسيت ذلك.
لكن قلبي...
لم يقتنع.
عدت إلى المطبخ، ووضعت الطعام داخل الميكروويف حتى يسخن.
جلست أمام الطاولة، وما إن هممت بتناول أول لقمة...
حتى انطفأت جميع الأضواء دفعة واحدة.
غرق المنزل في ظلام دامس.
قفزت واقفة من شدة الفزع، فاصطدم الطبق بيدي وسقط على الأرض، ليتناثر الزجاج في كل الاتجاهات.
بدأت أتحسس الطاولة بحثًا عن هاتفي...
لكنه لم يكن هناك.
رغم أنني كنت متأكدة من أنني وضعته عليها قبل لحظات.
تذكرت فجأة أن لدي مصباحًا يدويًا داخل درج غرفتي.
بدأت أسير بحذر شديد، متجنبة شظايا الزجاج المتناثرة على الأرض.
لكن...
كلما تقدمت خطوة...
ازداد إحساسي بأن أحدًا يراقبني.
هززت رأسي بقوة.
— مجرد أوهام...
واصلت السير.
وقبل أن أصل إلى غرفتي...
توقفت فجأة.
صوت مفاتيح.
كان يأتي من الصالة.
استدرت ببطء.
لم أر شيئًا.
الظلام كان كثيفًا إلى حد أنه ابتلع كل شيء.
ابتلعت ريقي.
وفي اللحظة التالية...
شعرت بحرارة نفس تلامس عنقي.
ثم...
أنفاس باردة تضرب مؤخرة رقبتي.
استدرت بسرعة خاطفة.
وفي اللحظة نفسها، التقطت مزهرية كانت فوق الطاولة، وضربت بها الشخص الواقف خلفي بكل قوتي.
صدر منه تأوه مكتوم.
لكن ذلك لم يوقفه.
قبض على شعري بعنف، ثم قذفني فوق الأريكة.
ارتطم ظهري بقوة حتى انقطع نفسي للحظة.
لم أستطع رؤية وجهه.
لكنني أدركت من قوته...
أن جسده ضخم.
قفزت محاولة الهرب.
إلا أنه أمسك بكاحلي، وبدأ يسحبني نحوه.
انهلت عليه بركلات متتالية...
دون جدوى.
وبينما كان يجرني...
لامست يدي قطعة زجاج مكسورة.
قبضت عليها بكل قوتي.
ثم غرستها في يده.
أفلتني على الفور.
لم أضيع ثانية واحدة.
نهضت مسرعة نحو الباب الرئيسي.
أمسكت بالمقبض...
وحاولت فتحه.
لكنه...
كان مغلقًا من الخارج.
عندها سمعت صوته.
كان قريبًا جدًا.
— اهربي...
توقف لحظة، ثم أكمل بصوت يحمل متعة مرعبة:
— اهربي يا مخادعتي... سأجدك، حتى لو اختبأتِ تحت الأرض.
تجمد الدم في عروقي.
غريب...
لقد دخل المنزل.
ولم يأتِ هذه المرة للعب...
بل لقتلي.
توقفت أفكاري تمامًا.
ركضت نحو المطبخ، وبدأت أفتح الأدراج بجنون، أبحث عن أي شيء أدافع به عن نفسي.
لكن...
قبل أن ألمس شيئًا...
شعرت بوخزة حادة في عنقي.
إبرة.
ثم أحاطت بي ذراعان قويتان، أحكمتا القبض على جسدي.
حاولت الصراخ...
لكن لساني بدأ يتثاقل.
وسرى الخدر في أطرافي بسرعة مخيفة.
شعرت وكأن النار تجري داخل عروقي.
بدأت رؤيتي تتلاشى.
وقبل أن تغلق عيناي تمامًا...
سمعت صوته يهمس بجوار أذني، بصوت بدا وكأنه خرج من أعماق قبر:
— انتهت اللعبة...
aya